شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
دعم الجيش: المساعدات والقدرات والتحديات الاستراتيجية (٢/٣)

في ظل ظروف إقليمية وداخلية شديدة الحساسية، يستلزم تحليل وضع القوات المسلحة اللبنانية (الجيش اللبناني) تجاوز مجرد تعداد المساعدات والمعدات المطلوبة، ليشمل دراسة الأسس السياسية والعقائدية والاستراتيجية للمؤسسة العسكرية . فالمسألة الجوهرية لا تكمن فيما يمتلكه الجيش بقدر ما هي، فيما يُطلب منه القيام به من قبل الدولة، أو ما ترفض الأخيرة تحمّل مسؤوليته تجاهه. منذ أواخر عام ٢٠٠٠، يحظى الجيش اللبناني بدعم دولي مستمر، لا سيما من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وعدد من الشركاء الأوروبيين الآخرين. ولم يقتصر هذا الدعم على تسليم المعدات وبناء البنى التحتية الجديدة، بل شمل بالدرجة الأولى إدخال نهج منظم لتطوير القدرات. وقد شكّل وضع رؤية مشتركة للقدرات مع الولايات المتحدة نقطة تحول، إذ تم التركيز على تعزيز المكتسبات القائمة بدل إنشاء قدرات جديدة. تقوم هذه المقاربة، التي أدت إلى وضع خطة تطوير القدرات (Capability Development Plan)، على تمييز جوهري: يشير اللواء المتقاعد مارون حتي إلى أن الاستراتيجية العسكرية الوطنية تحدد ما يجب أن يكون الجيش قادرًا على إنجازه تنفيذًا لتفويض واضح من الدولة. بينما تهدف خطة تطوير القدرات إلى تعزيز فعالية الإمكانات المتاحة. وتوضح هذه الفروق كلاً من التقدم المحرز والقيود المستمرة، لا سيما في المجالات البنيوية مثل إدخال الطائرات المسيرة، والذكاء الاصطناعي، والأهم من ذلك، الدفاع الجوي الذي لا يزال غائبًا حتى الآن. سؤال تم تجاهله عمدًا: دعم الجيش… إلى أي غاية؟ في صميم النقاش حول هذه الخطة يبرز سؤال يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه شديد الحساسية على الصعيد السياسي: ما هي بالضبط المهمة الموكلة إلى الجيش اللبناني؟ منذ تأسيسه، وبشكل خاص خلال نحو عشرين عامًا، ساهمت المساعدات الدولية، ولا سيما من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، إلى جانب العديد من الدول الصديقة الأخرى، في تفادي المؤسسة العسكرية لمختلف الانتكاسات، لكنها لم تُدعَم يومًا بسياسة وطنية حقيقية للأمن والدفاع يحظى بتأييد جماعي. رسميًا، أصبحت المهام المعروفة والمتكررة واضحة: الحفاظ على الاستقرار، مكافحة الإرهاب، مراقبة الحدود والدفاع عنها، وضمان الأمن الداخلي. أما على الصعيد غير الرسمي، فلا يزال الغموض سائداً، بسبب وجود قوة مسلحة موازية، حزب الله، التي تحظى بحماية سياسية داخلية مستمرة. في هذا السياق، فإن تعزيز الجيش دون تحديد مهامه بوضوح يوازي تقوية مؤسسة مع تعطيل قدرتها على العمل. الأمر الأخطر من ذلك، أن محاولة إخضاع الجيش لحزب الله تعادل تجريده من روحه وكيانه، وتشكل مساسًا برسالته الأساسية. كم من مرة سُمِعَتخطابات متفاخرة، أُطلق عليها بشكل متكلف مصطلح «استراتيجية» ، تحدد دور الجيش بوظيفة الشرطة الداخلية (بطبيعة الحال ضد المعارضة)، بينما تُترك مهمة الدفاع عن الوطن لحزب الله… ومنذ هزيمة الأخير، كُلف الجيش بمهمة جديدة: ضمان احتكار الدولة للسلطة، أي نزع سلاح حزب الله. وستتركز أعمال المؤتمر المزمع عقده في باريس في آذار ٢٠٢٦ على السبل العملية لتنفيذ هذه المهمة، مع استشراف السيناريو الذي قد يواجهه الجيش في حال رفض حزب الله تسليم السلاح. ويبدو دور السلطة التشريعية محوريًا في هذا الإطار. فالتأجيل المستمر للنقاشات حول الدفاع الوطني، والانغماس في لجان، واللجوء الدائم إلى ما يسمى «إجماعًا مستحيل التحقيق»، ليس مجرد حالة من الجمود، بل خيار سياسي متعمد. في هذه الحالة، قد تتحول المساعدات الدولية إلى تمرين على التوازن: دعم مؤسسة يُنظر إليها على أنها جديرة بالثقة، مع حرمانها في الوقت نفسه من الغطاء السياسي الضروري لتقوم بمهمتها بالكامل. هذا أحد الفخاخ التي تواجه الجيش في سياق مؤتمر الدعم المقبل في باريس. تعليق مشروع تعزيز استراتيجي كبير لقد ترك هذا الغموض السياسي آثارًا ملموسة. فقد شكلت المبادرة السعودية، التي أُطلقت عام ٢٠١٣ وقدمت في إطارهامنحة بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قاعدة صلبة لبناء قدرات الجيش، شملت القوات البحرية ونظام دفاع جوي يغطي الطبقتين الدفاعيتين الأولى والثانية (مدافع وصواريخ محمولة على الكتف، بارتفاع يصل إلى ٦ كلم) لمواجهة الطائرات المسيرة. وكان من شأن هذه المساعدات السعودية أن تمثل قفزة نوعية في الأمن الاستراتيجي للبنان. لا سيما عبر حماية مراكز اتخاذ القرار السياسية والاستراتيجية والعملياتية. وما يثير القلق هو ضعف مراكز اتخاذ القرار في الدولة، على مختلف المستويات، أمام القدرات التي تمتلكها الأطراف المتحاربة على المسرح اللبناني، في ظل عجز الجيش عن مواجهتها. وقد أظهر التوقف المفاجئ للمشروع السعودي، نتيجة التدخل الإعلامي والسياسي الغاضب لحسن نصرالله، مدى هشاشة أي تخطيط عسكري في ظل توازن القوى السياسية الإقليمية والداخلية. كما ترك ذلك الدولة والجيش عرضة لتهديدات من نوع جديد، مثل استخدام الطائرات المسيرة، دون توفر وسائل حماية مناسبة. تحولات في طبيعة الحرب والتحديات التكنولوجية لقد غيّرت النزاعات الأخيرة طبيعة الحرب بشكل جذري، إذ شكلت الاستخبارات، والتفوق التكنولوجي، ودمج القدرات عبر الذكاء الاصطناعي عوامل حاسمة. وتُظهر المواجهات الأخيرة في المنطقة أن الأطراف التي تعاني من عجز تكنولوجي هيكلي تجد نفسها دائمًا في موقف ضعيف. وقد أعادت هذه التحولات إلى الحرب عنصر المفاجأة الذي قد تمتلكه. في هذا الإطار، السؤال الذي يطرح نفسه لا يقتصر على كيفية احتواء الجماعات المسلحة غير الرسمية، بل بكيفية تمكين الجيش اللبناني من بلوغ مستوى تكنولوجي وعسكري يضمن له المبادرة والمصداقية العملياتية، مع مراعاة عامل مهم جدًا: الوقت اللازم لتحويل التمويل إلى قدرات فعلية. ويُقاس هذا العامل الزمني بالسنوات… ولتجريد حزب الله من سلاحه اليوم، كان ينبغي البدء بالتحضير منذ عام ٢٠١٥، وعدم الاعتماد مطلقًا على إسرائيل أو أي دولة أخرى للقيام بذلك. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم يبقى: أي جيش نريد بحلول عام ٢٠٣٥؟ القدرات والموارد البشرية والأوهام الاستراتيجية إن حصر النقاش في مجرد قائمة بالمعدات يشكل خطأً فادحًا. فالجيش يُبنى على قدرات متكاملة، ترتكز على الأفراد، وعقيدة واضحة، وسلسلة قيادة فعّالة، بالإضافة الى دعم سياسي مستمر ومستدام. وبالفعل، ساهمت جهود تطوير القدرات في الحفاظ على الجهاز القائم وتحسينه، إلا أن هذا الأخير لا يزال قديمًا إلى حد كبير مقارنة بالتحولات السريعة للحرب الحديثة. يتطلب ضبط الحدود، ومراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة، أو الانتشار الدائم للجيش على الأرض، وجود عناصر بشرية متاحة ومدربة، تتقاضى رواتب مناسبة وتحظى بالدعم على المدى الطويل. وأي مهمة طموحة، مثل نزع سلاح منظمة مسلحة بكثافة، تتطلب موارد وإرادة سياسية تتناسب مع حجم التحديات. كما يستلزم ذلك أيضًا التزامًا ماليًا واضحًا من قبل الدولة، لا سيما من خلال تخصيص نسبة محددة من الناتج المحلي الإجمالي للاستثمار في مجالي الدفاع والأمن. تحديد المهام الاستراتيجية بوضوح في بيئة يهيمن عليها عنصر الاستخبارات، تبرز خمس مهام أساسية لمستقبل الجيش اللبناني: جمع وتحليل المعلومات؛ الدفاع عن الحدود ومراقبتها؛ القدرة على تنفيذ عمليات هجومية داخلية مع ضمان النجاح الدائم؛ ممارسة الردع؛ والتكامل والتشغيل البيني مع الجيوش الحليفة. وعند تنفيذ هذه المهام الاستراتيجية بشكل فعال، تتحدد مصداقية الجيش وكفاءته واستدامة المؤسسة العسكرية. التغطية السياسية ومسؤولية الدولة تبقى المسؤولية السياسية جوهر المشكلة. فالدولة كثيرًا ما تنتظر من الجيش تنفيذ مهام لم تُتخذ بشأنها أي قرارات واضحة ومعلَنة. ورغم أن هناك تقدمًا تدريجيًا وإيجابيًا يظهر في إعادة النظر ببعض التغطيات السياسية الضمنية، إلا أن مسألة الكلفة السياسية والأمنية لهذا التقدم ما زالت قائمة . وتُظهر دراسة النقاط الحيوية لحزب الله – من القاعدة الشعبية الى العمق الاستراتيجي، مرورًا بالتغطية السياسية الداخلية، والموارد المالية، والاتصالات الاستراتيجية – أن وحده القرار الوطني الحاسم، المدعوم بتماسك حكومي حقيقي وجهود حوارية داخل المجتمع المعني، قادر على توفير الشروط اللازمة لتحرك فعّال للجيش يحقق النتائج المرجوة ويؤكد سيادة الدولة. من المعدات إلى القدرة العملياتية المستدامة امتلاك المعدات لا يشكل بحد ذاته قدرة فعلية. فمثلا، ضمان تواجد بحري دائم على مدار ٣٦٥ يومًا في السنة، وفي جميع الظروف، يتطلب تنظيمًا واضحًا وتقسيمًا محددًا للمناطق البحرية الوطنية، ووسائل بحرية، وعناصر بشرية متخصصة وذات كفاءة تكنولوجية، الى جانب تدريب مستمر، وصيانة دائمة للحفاظ على الجاهزية التشغيلية، وبنية تحتية، ما يمثل تكلفة سنوية كبيرة. الدفاع مكلف، لكنه حيوي، ما يجعل تحديد الأولويات أمرًا ضروريًا: فالأولوية تكون لتعزيز القدرات القائمة بالكامل قبل السعي لاكتساب قدرات جديدة. ولا يجب أن يثير هذا الإنفاق القلق بشأن المالية العامة؛ إذ يمكن توزيعه على عدة سنوات، بشرط أن يتم التخصيص قانونًا لنسبة محددة من الناتج المحلي الإجمالي للاستثمار في هذا المجال… وهنا يظهر الدور الأساسي للسلطة التشريعية. الفاعلية العسكرية والتماسك السياسي يكشف فحص المساعدات والقدرات والتحديات التي تواجه الجيش اللبناني حقيقة ثابتة: لا يمكن فصل الفاعلية العسكرية عن التماسك السياسي. فبدون تفويض واضح، وغطاء سياسي ومالي مضمون، واستراتيجية وطنية دفاعية وعسكرية صريحة، تظل الاستثمارات في المعدات والكوادر البشرية إلى حد كبير غير مجدية. وفي هذا الإطار، يؤكد الجنرال مارون حتي، على ضرورة تقدير الجهود الجوهرية التي انطلقت منذ نحو عشرين عامًا وما زالت مستمرة داخل هيئة أركان الجيش، حيث ساهمت المقاربة الدقيقة لتطوير القدرات في الحفاظ على التماسك المهني والعملي للمؤسسة في ظل ظروف سياسية ومالية صعبة جدًا. ومع ذلك، يلعب عامل الزمن ضد هذه الجهود: فالحرب تتطور بسرعة تفوق قدرة الجيش على مجاراتها، ويجب أن تراعي المساعدات الدولية هذا الواقع. وعليه، فإن هذا النجاح الجزئي للمؤسسة العسكرية لا يعفي الدولة من مسؤوليتها الأساسية، فهي وحدها القادرة ليس فقط على تحويل هذه الجهود التقنية إلى استراتيجية دفاع وطنية حقيقية، بل وأيضًا على وضع توجيهات وخيارات استراتيجية واضحة للقوات المسلحة اللبنانية للمستقبل القريب.

بين المطرقة والسندان
بقلم
كريم ثابت
نُشر

ما شهدناه لم يكن فصولَ مأساةٍ إغريقية، بل المعاشة حقيقةً، واقعًا، حاضرًا، إذلالا، لا يُغتفر. في أقل من أسبوعين، تعاقبت على شاشاتنا مشاهدُ مسرحيةٍ هزلية، ثم وضع سريالي، فكارثةٌ إنسانية. ثلاثة فصول متباينة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند حقيقة واحدة: الداء اليومي الذي ينهش لبنان المنهك. كرنفال الفاشلين «ما الرابط بين هذا الرجل والشعب؟ بين هذا البرجوازي الضخم، المتخم، الذي يرتاد المقاهي، ورجل يعمل… أليس أعظم بؤس هذا العصر أن يكون هذا الرجل هو من يتحدث باسم الشعب، في صفوف الشعب، وعن الشعب». كلمات شارل بيغوي في كتابه «المال»، الموجّه إلى جان جوريس، مرشده الفكري، تنطبق تماماً على غالبية ممثلي الشعب الذين يسعون، في كل مناسبة وتحت أي ذريعة، للدفاع عن «مصالح» ناخبيهم. ومع ذلك، يبدو أن قول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء إلا الحقيقة، أو حتى جزء منها، مهما كانت مملة أو حزينة أو صعبة الاستيعاب، ليس من مبادئهم. ولكن، هل هذا مفاجئ حقاً؟ وهل يمكن أن ننتظر منهم أفضل من ذلك؟ خلال ثلاثة أيام، شهدنا عرضاً ومسرحيةً غريبة، تافهة، هزلية، ومهينة، كادت تتحول إلى اشتباك عنيف. لم تكن مسرحية هزلية على طريقة فيدو، بل كانت الجلسة البرلمانية المخصصة لمناقشة قانون موازنة العام ٢٠٢٦. شخصيات تفيض بالعموميات والأكاذيب والمغالطات ونصف الحقائق، وأخرى، لإرضاء الغضب المشروع للمتظاهرين عند أبواب البرلمان أو لجني أصوات إضافية في الانتخابات المقبلة، تقترح رفع رواتب متقاعدي الجيش دون أي دراسة مسبقة. ولا ننسى الواعظون الذين يعتلون المنصة وَيَطْنَبُونَ بالهراء، أو أولئك الذين يوافقون ببساطة على موازنة سيئة، ظالمة وسخيفة، رغم أن ممثليهم في الحكومة يعارضونها. عجيب أمرهم! وكل ذلك في جو من الفوضى كما في حظيرة الدواجن، حيث تصيح الدجاجات وتتنازع فيما بينها بينما بدا الديك على العارضة عاجز عن السيطرة، حتى اضطر لإيقاف البث التلفزيوني، إما لتفادي مزيد من الإحراج أمام العالم، أو لتمرير قرارات غير شعبية على نحو سري. باختصار، كان مشهداً من الضجيج الصاخب والفوضى، حيث يصرخ كلٌ على هواه، يحتج، ويشير بإيماءات صاخبة ويصيح بالفضيحة، بينما الشعب يعاني، يتحمل، ولا يحرك ساكناً. قال أفلاطون عن الديمقراطية: «عندما تكون الحقيقة مكلفة، يصبح الكذب فعالاً». وبرلماننا المخزي خير دليل على ذلك. مَشهد مسرحي عبثي هل كان ينبغي تصديق قصة بابا نويل عندما حطّ رئيس الأركان في واشنطن؟ أم أن المهمة الموكلة إليه كانت منذ البداية محفوفة بالمخاطر ومقدّر لها أن تغرق على ضفاف نهر بوتوماك؟ هل كان الأمر نتيجة نقص في التحضير أو ضعف نفسي، سذاجة من جانبه، أم أنها كانت ببساطة فخّاً وقع فيه هيكل؟ وهل حزب الله يخترق أركان الجيش إلى هذا الحد، وهل أن الإرادة لمواجهة الميليشيا مرة واحدة وإلى الأبد غائبة فعلياً؟ لا شك أن جواب قائد الجيش على سؤال السيناتور غراهام سيكون موضع العديد من التفسيرات، وسيثير المزيد من النقاش والجدل، لكنه قد يتحول، للأسف، إلى مصدر لمشكلات جديدة وتعقيدات شديدة لا يحتاج إليها بلدنا أبداً. لذلك، لنا الحق، إن لم يكن الواجب، في طرح هذه الأسئلة، بالنظر ليس فقط إلى الاحتياجات الملحّة للجيش، ومصداقية الدولة وسلطتها، بل خصوصاً إلى الأمل الذي كان يحمله كل لبناني صادق في نجاح هذه المهمة، التي آمل ألا تنتهي بخيبة أمل. قال أبقراط: «عندما يرغب أحدهم في الصحة، يجب أولاً أن نسأله إن كان مستعداً لإزالة أسباب مرضه». وعندما نطلب مساعدة الآخرين، لا يجوز أن نتحفّظ أو نتظاهر بالذكاء الزائف. حقيقة واضحة كنهج لاباليس. هل كان غراهام، في الواقع، يبعث برسالة واضحة إلى الدولة اللبنانية عبر ممثلها؟ ومع ذلك، كان بإمكان الجنرال، أن يتصرّف بحنكة ومهارة (فكانت هناك عدة إجابات ممكنة)، بدلاً من الردّ بتلقائية على سؤال فخّ السيناتور المعروف بموقفه العميق تجاه إسرائيل؛ موقف لا يخفيه عن أحد. حتى دارين لحود، عضو الكونغرس من أصل لبناني والذي يحمل لبنان في قلبه، كان واضحاً جداً في تصريحاته بشأن حزب الله. ومع ذلك، حدث ما حدث! من الواضح أننا أضعنا مرة أخرى فرصة ذهبية لمحو الماضي، وتأكيد إرادتنا الحقيقية في السيطرة على مصيرنا، وفتح فصل جديد واعد. لنأمل ألاينعكس هذا المشهد السريالي سلباً على الجميع. فالأمر يتعلق بمصير بلد يطغى عليه الفساد واللامساواة، وسكانه فقراء، منهكون، يائسون وعلى حافة الانهيار. لذلك، يظل التشكيك والحذر واجباً حتى إشعار آخر! مأساة طرابلس في أي غابة نعيش؟ صحيح أننا نتساءل عن ذلك يوميًا، لكن ما حدث مؤخراً في طرابلس ليس مجرد كارثة إنسانية، بل هو قبل كل شيء نتيجة تراخٍ إجرامي وفساد مستشري على كل المستويات. كارثة بهذه الضخامة كانت لتطيح برؤوس كثيرة في أي بلد يحترم نفسه. كان يجب على بعض وزرائنا وكبار المسؤولين تقديم استقالاتهم، وكان يجب أن يُلقى بآخرين في السجن. لوحة حزينة تعكس انهيار الدولة، وتفككها المتقدم، وانتشار الظلم في البلاد. قال سيوران بنبرة لاذعة: «ما يزعج في المآسي العامة هو أن أي شخص يعتقد نفسه مؤهلًا بما فيه الكفاية للحديث عنها». ونواب المدينة بارعون في الظهور على الشاشات، وانتفاخ الصدور، واتهام الدولة بالإهمال. لكن، أين كانوا عندما ضربت الكارثة العاصمة الشمالية للمرة الأولى قبل أسابيع قليلة؟ الأمر نفسه ينطبق على الدولة. المليونيرات الطرابلسيون، الذين كان بإمكانهم المساهمة في ترميم المباني المهددة بالخطر، غابوا تماماً. وعلى الرغم من رفع الأعلام الحمراء ورغم تهديدات انهيار عشرات المنازل، لم تُتخذ أي إجراءات جدية لمعالجة المشكلة. لم يحرك أحد ساكناً. وأودت الكارثة المدينة مرة أخرى في ٨ شباط. واليوم، لا زلنا نحصي القتلى والجرحى، جميعهم ضحايا انعدام المسؤولية واللامبالاة من إدارة متصلبة وفاسدة. ولو عبى حساب إثارة غضب مناصري حزب الله، فإن مجرد تملق سكان الجنوب على حساب بقية المناطق لا يكفي. صحيح أن هذا الجزء من البلاد، المدمر بفعل لامبالاة الميليشيا المسلحة، يستحق اهتمام الدولة، لكن ليس على حساب المناطق الأخرى المتضررة التي تحتاج أيضاً إلى تمويل عاجل، ومساعدة جدية، وحماية، ورعاية من الدولة. طرابلس ليست سوى مثال أوحد. الخطر يطرق أبوابنا، ومخاطر سخط شعبي ذات عواقب غير متوقعة قد تفاجئ السلطات عاجلاً أم آجلاً. الغضب يتصاعد، وهذه المدينة، التي تُركت طويلاً (وبشكل متعمد) لمصيرها، لها الحق في التعبير عن موقفها. سدّ الثغرات أو الاكتفاء بالإصلاحات الترقيعية لم يعد يجدي نفعاً. هناك حاجة ملحّة إلى حالة طوارئ وخطة إنقاذ جادة لمواجهة الأسوأ. اعتبر فولتير أن «السياسة وسيلة يقوم من خلالها رجال ونساء بلا مبادئ بإدارة رجال ونساء بلا ذاكرة». أوافق بحذر على الجزء الأول من هذه المقولة، إذ لا زلت مقتنعاً بوجود رجال ونساء بيننا ذوي مبادئ وحسن نية. أما الجزء الثاني، فأميل إلى الموافقة عليه. فالوضع السياسي الراهن في بلدنا هو التجسيد الأمثل لذلك، إذ أننا حتى اليوم نستمر في إعادة الأشخاص نفسهم والبدء من جديد. هل نحن حقاً مستسلمون إلى هذا الحد أم مصابون بنسيان جماعي؟ ألم يثبت عبث شخصياتنا الهزيلة المحلية حدود قدرتهم على اللعب بنا؟ أليس أداؤهم الكارثي مادة للتفكير؟ هل نحن محكومون بأن نسقط إلى الأبد من كارثة إلى أخرى؟ مسألة تستحق التأمل.

الجريمة البيئية، سلاح حرب من العصور القديمة حتى يومنا هذا

إن استخدام سلاح الجو الإسرائيلي، في الأول من شباط/فبراير 2026، مبيداً عشبياً قوياً هو «الغليفوسات» على مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية، أعاد طرح مسألة الأضرار المتعمَّدة التي تُلحق بالموارد الطبيعية في زمن الحروب. في الأول من شباط/فبراير 2026، رُصد الطيران الإسرائيلي وهو يرش مادة يُشتبه في سميّتها على مساحات واسعة من جنوب لبنان، ولا سيما في منطقة بنت جبيل. وبعد ثلاثة أيام، في الرابع من شباط، وعلى إثر تحاليل أُجريت على عينات جمعتها كل من الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، أعلنت وزارتا الزراعة والبيئة أن المادة المعنية هي «الغليفوسات»، وهو مبيد أعشاب قوي. وجاء في بيان الوزارتين أن عملية الرش تمت «بتركيز عالٍ جداً»، مع التنديد بـ«انتهاك صارخ للسيادة اللبنانية» و«جريمة بيئية». من الجانب الإسرائيلي، ذكرت قناة I24 أن الأمر يتعلق بـ«عملية رش زراعي تجريبية على الحدود الشمالية مع لبنان وسوريا»، مع الإقرار بأن نشر هذه المواد يهدف إلى «قتل الغطاء النباتي على الحدود خشية اختباء مقاتلين فيها». لم يغادر الطيران الإسرائيلي الأجواء اللبنانية تقريباً منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تاريخ اندلاع النزاع مع حزب الله، رغم وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وخلال أشهر الحرب المفتوحة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2024، استخدمت إسرائيل بالفعل مواد سامة وحارقة لإحراق آلاف الهكتارات في لبنان، ولا سيما الفوسفور الأبيض. غير أن رش مبيد عشبي قوي بتركيز عالٍ على مساحات خضراء شكّل مستوى جديداً في هذا النوع من العنف. وعقب هذه الحادثة، يُعدّ لبنان شكوى بتهمة «جريمة بيئية» أمام الأمم المتحدة، وهذه ليست المرة الأولى. ففي عام 2006، خلال حرب تموز/يوليو–آب/أغسطس، استهدف الطيران الإسرائيلي خزانات الوقود التابعة لمعمل الجية الحراري (جنوب بيروت)، ما أدى إلى تسرّب نفطي لوّث كامل الساحل اللبناني شمال تلك المنطقة وصولاً إلى سوريا. وقد تسرب ما لا يقل عن 15 ألف طن من النفط إلى البحر. وقدّم لبنان شكوى إلى الأمم المتحدة، فأصدرت الجمعية العامة في 20 كانون الأول/ديسمبر 2014 قراراً غير ملزم بأغلبية 170 صوتاً مقابل 6، طالبت فيه إسرائيل بدفع أكثر من 856 مليون دولار تعويضاً للبنان، وهو ما لم يحصل حتى اليوم. إن رش الغليفوسات على جنوب لبنان، على فداحته، يذكّر بأن الجرائم البيئية في زمن الحرب ممارسة متكررة عبر التاريخ، تعود إلى العصور القديمة وتمتد عبر مسيرة البشرية. وفي ما يلي بعض الأمثلة، من قائمة بعيدة كل البعد عن الحصر. في العصور القديمة وعبر التاريخ شهدت الحروب، من العصور القديمة مروراً بالعصور الوسطى وصولاً إلى العصر الحديث، أمثلة عديدة على تدمير الأراضي الزراعية والغابات ومختلف الموارد، بهدف رئيسي هو حرمان العدو من وسائل الصمود. تمثلت هذه الأساليب في تدمير قنوات الري، وإحداث فيضانات اصطناعية أو تجفيف مجاري المياه ونقاطها، وتمليح التربة عمداً، واعتماد سياسات الأرض المحروقة، وحرق المحاصيل وقطع الأشجار المثمرة، وتسميم المياه بالجثث أو المواد أو النباتات السامة، فضلاً عن تخريب الأراضي الزراعية وتركها فقيرة لسنوات طويلة. من الأمثلة الشهيرة تدمير إسبرطة لمنطقة أتيكا خلال الحرب البيلوبونيسية (431–404 ق.م.)، حيث جرى القضاء على المحاصيل وبساتين الزيتون والمزارع بهدف تجويع السكان ودفعهم إلى الاستسلام. ومن أمثلة الفيضانات المتعمّدة ما استخدمته مدن بلاد الرافدين (الألفية الثالثة والثانية قبل الميلاد)، حين عمدت الجيوش إلى كسر السدود وتحويل قنوات الري لإغراق حقول أو مدن العدو، ما أضعف الاقتصاد الزراعي بهدف تحطيم مقاومته. كما استُخدمت الفيضانات المتعمدة لأغراض دفاعية، لكن آثارها البيئية كانت مدمّرة أيضاً. ومن ذلك فتح المتمردين الهولنديين للسدود عمداً خلال حرب الثمانين عاماً (1568–1648) لإبطاء الجيش الإسباني عبر إنشاء مناطق مستنقعية يصعب اجتيازها. وقد ضمن ذلك بقاء المقاطعات المتحدة، لكن الضرر الذي لحق بالزراعة والبيئة كان طويل الأمد. «رجل البئر»… بعد قرون من أسلحة الحرب ذات الأثر البيئي الكارثي تسميم المياه، وهي ممارسة شائعة في العصور الوسطى، ذات بعد بيولوجي ونفسي معاً. وكان يُلقى في الآبار جثث حيوانات أو مواد سامة. واستُخدمت هذه الطريقة كثيراً أثناء الحصارات لإجبار المدن المحاصَرة على الاستسلام. ومن الأمثلة الموثقة حادثة «رجل البئر» في قلعة سفيرسبورغ في النرويج عام 1197، حيث أُلقيت جثة في بئر قلعة بهدف كسر مقاومة المدافعين. وقد تأكدت الواقعة بعد قرون، إثر اكتشاف أثري عام 1938 عُثر خلاله على بقايا ذلك «الرجل». سُجلت حالات أخرى لتسميم المياه عبر القرون، حتى في الحروب الحديثة، مثل قيام القوات الألمانية بتسميم آبار في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى. كما كان تدمير الحقول والأرياف شائعاً في العصور الوسطى، سواء خلال الحروب الإقطاعية في أوروبا أو خلال الحملات الصليبية. ومن أبرز أمثلة التلوث المتعمّد في القرن العشرين إحراق القوات العراقية لآبار النفط الكويتية خلال حرب الخليج الأولى عام 1991، ما أدى إلى تلوث شديد للهواء والتربة والمياه وحدوث بقع نفطية هائلة. وقد ألزمت الأمم المتحدة العراق بدفع تعويضات للكويت. اليوم، تتهم أوكرانيا روسيا بارتكاب جرائم حرب عديدة منذ بدء الغزو الروسي قبل أربعة أعوام. ومن أبرز الأمثلة تدمير سد كاخوفكا عام 2023، ما أدى إلى فيضانات كارثية طالت أكثر من 20 كيلومتراً مربعاً. الوضع القانوني بين الجرائم البيئية في الحروب التاريخية وتلك المعاصرة، لا سيما في القرنين العشرين والحادي والعشرين، فروق كثيرة رغم بعض أوجه الشبه. فقد كانت الأضرار سابقاً محلية أو إقليمية، فيما يمكن أن تكون اليوم ذات نطاق عالمي، تمس نظم بيئية مشتركة كالمحيطات أو التنوع البيولوجي العالمي. العولمة وآثار التغير المناخي العالمية، إضافة إلى الوسائل العسكرية الحديثة، من شأنها تضخيم عواقب هذه الهجمات، مع مخاطر عالمية مثل الهجرة الجماعية أو الأزمات الغذائية الكبرى. ليست هذه الفوارق في الحجم والمدة وحدها ما يميّز حروب اليوم عن حروب الماضي. فقد تطور الوعي القانوني. لهذه الجرائم اليوم اسم ووضع قانوني هو «الإيكوسايد» (الإبادة البيئية)، ويشير إلى خطورة واستدامة واتساع الأضرار البيئية الناجمة عن أنشطة بشرية مدمرة، سواء استغلال مفرط للموارد أو تلوث صناعي وكيميائي، أو الحرب. استخدم المصطلح لأول مرة عام 1970 عالم الأحياء آرثر غالستون، في سياق الحديث عن استخدام الولايات المتحدة مبيدات قوية، ولا سيما «العامل البرتقالي»، لتدمير الغابات والمحاصيل خلال حرب فيتنام (1961–1971)، وما خلّفه ذلك من آثار صحية وبيئية طويلة الأمد. التأثيرات على تغير المناخ رغم إدراج مصطلح الإيكوسايد في تشريعات بعض الدول، فإنه لم يُعترف به بعد كاختصاص مستقل للمحكمة الجنائية الدولية. والنقاش لا يزال قائماً. غير أن الأمم المتحدة اتخذت بالفعل قرارات لإلزام أطراف بدفع تعويضات، كما في حالتي إسرائيل عن تسرب 2006 في لبنان، والعراق عن حرائق آبار النفط عام 1991. وأخيراً، يزداد طرح مسألة تأثير النزاعات على تغير المناخ، سواء عبر الانبعاثات الناتجة عن الاستخدام المكثف للذخائر أو عبر تدمير الغابات التي تشكل مصارف طبيعية للكربون. وقد أثير مثال القصف الإسرائيلي المكثف على غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 في هذا السياق. غير أن تأثير النزاعات على تغير المناخ لم يُدمج بعد بشكل كامل في مسار المفاوضات الدولية بشأن مكافحة تغير المناخ، إذ يبقى هذا الملف شديد الحساسية من جوانب عدة.

خطوة جزائرية لا يمكن الإستخفاف بها...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

ليس حدثا عاديا الإجتماع الذي انعقد حديثا في مقر السفارة الأميركية في مدريد والذي كان محوره تطبيق القرار الرقم 2797 الصادر في 31 تشرين الأوّل – أكتوبر الماضي في شأن الصحراء المغربية. كان مهمّا حضور الجزائر الاجتماع ممثلة بوزير الخارجية أحمد عطاف بما يضع الأمور في نصابها، بمعنى تأكيد أنّ النزاع في شأن الصحراء هو في الأصل نزاع مغربي – جزائري في حين لا تمثّل جبهة "بوليساريو" سوى أداة يستخدمها النظام الجزائري لتبرير حرب الإستنزاف التي يشنها على المغرب منذ نصف قرن. يشن الحرب منذ استعادة المغرب اقاليمه الصحراوية مباشرة بعد انسحاب المستعمر الإسباني منها في تشرين الثاني – نوفمبر 1975. مثل المغرب في الاجتماع، الذي انعقد برعاية مسعد بولس المبعوث الأميركي إلى إفريقيا، وزير الخارجية ناصر بوريطة. حضره أيضا وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك وممثل عن "بوليساريو"، إضافة إلى مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا. ليست المرّة الأولى التي تحضر الجزائر إجتماعا له علاقة بالصحراء ومستقبلها. لكنّها المرّة الأولى التي تشارك في نقاش في أساسه القرار 2797 الذي ركّز على المبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي بصفة كونها الوثيقة الوحيدة المطروحة على طاولة المفاوضات. الأكيد، إستنادا إلى مصادر على علم بالإجتماع أن الجزائر حاولت اثارة موضوع "حق تقرير المصير" للصحراويين متجاهلة تأكيد قرار مجلس الأمن بوضوح على حكم ذاتي "في اطار السيادة المغربيْة". الأكيد أكثر أن الجزائر، كنظام، لم تكن مستعدة للمشاركة في مفاوضات تتعلّق بالحكم الذاتي لولا الضغوط الأميركية، وهي ضغوط دفعت المغرب أيضا إلى تقديم إقتراح مفصل يقع في 40 صفحة لتصوره للحكم الذاتي. في الأصل، كانت مبادرة الحكم الذاتي، التي طرحها الملك محمّد السادس في 2007 انطلاقا من مدينة العيون عاصمة الصحراء، تقع في ثلاث صفحات فقط وتقوم على تكريس السيادة المغربية من جهة وعلى لامركزية موسعة من جهة أخرى. المهم الآن البعد السياسي للمشاركة الجزائرية في الاجتماع الذي انعقد في مدريد. لم تكن الجزائر لتحضر اللقاء لولا اقتناعها بأنّ لا مجال لتحسين علاقتها بالولايات المتحدة من دون دخول مفاوضات في شأن مستقبل الصحراء تستند إلى الطرح المغربي. كانت تفضّل الإستمرار في تحفظها عن القرار 2797... واستخدام "بوليساريو" لتغطية موقفها. لكنّ اكتشافها أنّ لا مجال لمتابعة هذه النهج سيسقط رهانها على تطوير العلاقة مع الجانب الأميركي تعويضا عن انهيار العلاقة مع فرنسا وحتّى مع روسيا التي لديها حسابات في مالي تختلف عن الحسابات الجزائرية. فوق ذلك كلّه، جاء الإعتراف الأميركي بـ"مغربية" الصحراء في العام 2020، وهو اعتراف تلته اعترافات أوروبيّة، ليشير إلى غياب أي مستقبل للمشروع الهادف إلى تحويل الصحراء جرما يدور في الفلك الجزائري. لم يعد ذلك ممكنا في ضوء اكتشاف العالم، بما في ذلك أوروبا الغربيّة، أنّ الاستقرار في منطقة الساحل مرتبط بسيطرة المغرب على أقاليمه الصحراويّة... بدل ترك "بوليسارو" تتعامل مع شبكات متطرّفة في الساحل الإفريقي امتهنت التهريب بكلّ انواعه. جاء انضمام الجزائر إلى الاجتماع الذي نعقد في مدريد خطوة في اتجاه التصالح مع المنطق والواقعيّة... إضافة، في طبيعة الحال إلى التخلص من عقدة المغرب وعقدة الدولة المهيمنة على شمال إفريقيا وعلى جزء من القارة السمراء. لا يتعلّق الأمر بخطوة متواضعة بأي شكل. يتعلق الأمر بما إذا كانت الجزائر تريد التخلّص أخيرا من أسر الماضي ومن حلم الوصول إلى المحيط الأطلسي من دون إذن صريح من المغرب. ليس سرّا أن للصحراء المغربية واجهة كبيرة على المحيط الأطلسي كما أنّ ميناء الداخلة بمياهه العميقة بات جزءا لا يتجزأ من طموحات الدول الإفريقية إلى الإستفادة من هذه الواجهة. أمام الجزائر فرصة حقيقية لإقامة ممر بريّ إلى المحيط، عبر الصحراء المغربيّة. لا مشكلة مغربيّة في ذلك. يتطلب الأمر الدخول في تعاون مع المغرب بدل اللجوء إلى مقاطعة كاملة لهذا الجار الذي لم يقدّم لها غير الخير منذ ما قبل استقلالها في العام 1962. الطبيعي أن يكون هناك انفتاح جزائري على المغرب في كلّ المجالات وليس قطيعة ديبلوماسية وسياسيّة وإغلاق للحدود منذ العام 1994... ومنع الطائرات المتجهة إلى المغرب من عبور الأجواء الجزائريّة. في النهاية، إنّ "مغربية الصحراء" تفتح الأبواب أمام تحوّل جزائري في الإتجاه الصحيح بعيدا عن رهانات لا طائل منها ومزايدات وصلت إلى دعم النظام السوري الذي كان على رأسه بشّار الأسد. بكلام أوضح، لا عيب في السماح للجزائريين بزيارة المغرب ومشاهدة ما يجري في هذا البلد، خصوصا على صعيد التنمية والبنية التحتية المتطورة على الرغم من غياب الثروات الطبيعية من نفط وغاز. مثل هذه الخطوة ستعبّر عن رغبة جزائرية في الإنتماء إلى المستقبل بدل البقاء في أسر شعارات "ثوريّة" أكل الدهر عليها وشرب. متى تعترف الجزائر بـ"مغربية الصحراء" بدل خروج وزير خارجيتها من البوابة الخلفية لدى انتهآء اجتماع السفارة المغربيّة في مدريد... كي لا تلتقط له صورة مع وزير الخارجية المغربي؟

نسيب لحود… لا يزال الرئيس الحلم
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

في ذكرى غياب نسيب لحود، وفي بلدٍ اعتاد أن يَستهلك رؤساءه قبل أن يختبرهم، وأن يُسقِط المعايير قبل أن يرفعها، يبقى اسم نسيب لحود خارج لعبة الاستهلاك هذه. لا لأنّه غاب عن السياسة، بل لأنّه حضر فيها بطريقة مختلفة: حضور الفكرة لا حضور الصفقة، حضور المشروع لا حضور المحاصصة. ولهذا، كلّما دخل لبنان في مأزقٍ رئاسي جديد، عاد اسم نسيب لحود بوصفه «الرئيس الحلم»؛ لا كحنينٍ رومانسي، بل كمقياسٍ أخلاقي وسياسي لما كان يمكن أن يكون. لم يكن نسيب لحود ابن لحظةٍ عابرة ولا مرشّح ظرف. هو ابن مدرسة سياسية واضحة: مدرسة الدولة. دولة الدستور والمؤسسات، لا دولة التسويات فوق الطاولة وتحتها. منذ دخوله الحياة العامة، قدّم نفسه باعتباره رجل مشروع لا رجل موقع. لم يسعَ إلى الرئاسة كغاية، بل إلى الرئاسة كأداة لإعادة بناء الدولة. في بلدٍ تحوّلت فيه الرئاسة إلى جائزة ترضية أو أداة تعطيل، كان لحود يطرحها وظيفة سيادية بضوابط دستورية واضحة. تميّز نسيب لحود بثلاث سمات نادرة في السياسة اللبنانية. أولها الوضوح. لم يُتقن اللغة الرمادية، ولم يختبئ خلف العبارات المطاطية. في السيادة، كان واضحاً: لا دولة مع سلاح خارجها، ولا شراكة حقيقية مع قرار أمني مصادَر. في الإصلاح، كان صريحاً: لا اقتصاد من دون قضاء مستقل، ولا عدالة اجتماعية من دون نظام ضريبي عادل، ولا إدارة من دون محاسبة. هذا الوضوح جعله «غير قابل للتسويق» في سوقٍ سياسي يفضّل الغموض لأنه يوسّع هوامش المناورة. السمة الثانية هي الاستقلالية. لم يكن نسيب لحود رهينة محور، ولا أسير زعامة، ولا تابعاً لمرجعية خارجية. الاستقلالية هنا لم تكن شعاراً، بل ممارسة يومية: في الموقف، في الخطاب، وفي التحالفات. لهذا، لم يُنتَج اسمه في غرف التسويات، ولم يُرفَع بقرار إقليمي. وهذه بالذات كانت نقطة قوته ونقطة ضعفه في آنٍ معاً: قوته عند الناس، وضعفه عند منظومة لا تحبّ من لا يُمسَك. أما السمة الثالثة، فهي الأخلاق السياسية. في بلدٍ تُدار فيه السياسة بمنطق الغلبة أو الابتزاز، كان لحود يقدّم نموذجاً مغايراً: احترام الخصم، الاحتكام إلى الدستور، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية. لم يُعرَف عنه فساد، ولا مقايضة، ولا استخدام للخطاب التحريضي. لهذا بدا، في عيون كثر، «مثالياً» أكثر مما ينبغي. لكن السؤال الحقيقي: هل المشكلة في مثاليته أم في انحدار السياسة؟ حين طُرح اسمه جدياً لرئاسة الجمهورية في مراحل مفصلية، بدا كأنّ النظام اللبناني يلفظه تلقائياً. ليس لأنّه غير كفوء، بل لأنّه كفوء أكثر مما يسمح به نظام قائم على التعطيل المتبادل. رئيسٌ مثل نسيب لحود كان يعني بداية مساءلة حقيقية، وإعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والسلاح، وبين السلطة والقضاء، وبين الداخل والخارج. وكان يعني أيضاً نهاية «المنطقة الرمادية» التي تعيش عليها منظومة كاملة. اليوم، بعد الانهيار المالي، وتفكّك المؤسسات، وسقوط الثقة الداخلية والخارجية، يبدو نسيب لحود أكثر راهنية مما كان عليه في حياته السياسية. أفكاره عن الدولة، والسيادة، والإصلاح، باتت بديهية عند شريحة واسعة من اللبنانيين، بعدما دفعت أثمان تجاهلها. المفارقة المؤلمة أنّ لبنان احتاج إلى الانهيار ليفهم أنّ «الرئيس الحلم» لم يكن ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. نسيب لحود لم يكن قديساً، ولا معصوماً عن الخطأ. لكنه كان رجل اتجاه. وفي السياسة، الاتجاه أهمّ من التكتيك. لذلك، حين يُقال إنّ نسيب لحود لا يزال الرئيس الحلم، فالمقصود ليس شخصه بقدر ما هو النموذج الذي مثّله: رئيس لا يساوم على الدولة، ولا يختصرها، ولا يستخدمها. رئيسٌ يُعيد للرئاسة معناها، وللدولة هيبتها، وللمواطن كرامته. في انتظار أن ينضج النظام بما يكفي ليختار من يشبه نسيب لحود، سيبقى اسمه حاضراً كمرآةٍ قاسية: كلّ رئيسٍ يُقاس به، وكلّ تسوية تُفضَح عند مقارنتها به. وربما، في هذا الحضور الرمزي المستمر، تكمن أهمّيته الأعمق.

مجازر إيران: في باريس، التعبئة لا تضعف

باريس، بقلم ارتور باسيل منذ بداية شهر يناير، حشدت الجالية الإيرانية في أوروبا جهودها للتنديد بالجمهورية الإسلامية والمذابح المرتكبة ضد الشعب الإيراني. في باريس، يتجدد هذا الموعد كل يوم أحد. حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، في ساحة الباستيل، هذا الأحد 8 فبراير، يوم مشمس في باريس. تجمع حوالي خمسة آلاف متظاهر حول العلم الإيراني المزخرف بالأسد والشمس للتنديد بالمذابح التي ارتكبتها الجمهورية الإسلامية. بالإضافة إلى هذا الرمز القوي، رفع المتظاهرون صور ضحايا هذه المذابح. في 8 و 9 يناير 2026، أي قبل شهر بالضبط، ارتكب نظام خامنئي ما لا يمكن تصوره: قتل الآلاف من الإيرانيين بدم بارد. ذنبهم؟ تجرؤهم على التظاهر ضد الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، ولكن الأهم من ذلك، ضد الاضطهاد الذي ينخر إيران منذ عقود. هذا الأحد أيضًا، لم يكن الإيرانيون في فرنسا وحدهم في الشارع يهتفون « أغلقوا السفارة الإرهابية للملالي » أو « الجمهورية الإسلامية، لا نريدها، لا نريدها! ». في المسيرة، كان بالإمكان رؤية الأعلام الفرنسية والأمريكية والقبائلية وحتى العلم الإسرائيلي، « الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس ضغطًا حقيقيًا لشن هجوم ضد نظام الملالي »، حسبما أشارت منى جعفريان، المؤسسة المشاركة لمجموعة " Femme Azadi "، التي دعت إلى المشاركة في هذه المظاهرة. قالت الناشطة الفرنسية الإيرانية، التي تخضع لحماية الشرطة، إنها تشعر بخيبة أمل من دونالد ترامب بسبب رغبته في التفاوض مع الجمهورية الإسلامية، لكنها تعتقد أن الشروط التي وضعتها الولايات المتحدة « لا يمكن أن يلتزم بها خامنئي ». إنهاء البرنامج النووي، والأسلحة الباليستية، ودعم الوكلاء الإرهابيين في المنطقة... كلها عوامل من شأنها أن تؤدي إلى نهاية النظام الإيراني. تعتقد منى جعفريان أن هذه المفاوضات ستصل في جميع الأحوال إلى طريق مسدود، وأن الحل الوحيد يكمن في المساعدة الملموسة التي يجب تقديمها للشعب الإيراني للتخلص من المرشد الأعلى علي خامنئي. الاختيار بين الشعب الإيراني والملالي كما كان حاضرًا بين المتظاهرين، سعيد أميني، مؤسس جمعية " Homa "، الممنوع من دخول إيران منذ عام 2017 بسبب أنشطته السياسية. إنه لا يفهم تقاعس قادة الاتحاد الأوروبي الذين يصرون على عدم اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، فهو سعيد بتعبئة الشعوب الأوروبية والعالم ضد الملالي. ويصرح قائلاً: « ننتظر قرارات جيدة من الدول الأوروبية التي يجب أن تختار بين الشعب الإيراني ونظام الملالي »، قبل أن يدعوهم إلى « الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ ». على العديد من اللافتات التي رفعها المتظاهرون، ظهرت صورة رضا بهلوي. إنه يتمتع بدعم واسع النطاق بين المتظاهرين. ابن الشاه المنفي عام 1979، يقدم نفسه كبديل للنظام. وبالنسبة ليايل، مواطنة فرنسية يهودية حضرت المظاهرة ومؤسسة جمعية الأطلس (جمعية اليهود والقبائل ضد الإسلاموية)، « تدين الديمقراطية كل شيء للشرق الأوسط الذي يضم شعوبًا مستنيرة، بما في ذلك الشعوب القبائلية والإسرائيلية واللبنانية والإيرانية ». وهي ترى أن رضا بهلوي مدعوم من الشعب الإيراني وأن برنامجه السياسي « ديمقراطي للغاية »، وبالتالي تدعمه دون تحفظ. انتهت المظاهرة حوالي الساعة 7 مساءً، في ساحة الأهرامات، عند سفح تمثال جان دارك. دعا صموئيل داود، الناشط الذي كان على رأس المسيرة، المتظاهرين للانضمام إلى مظاهرة كبيرة لدعم الشعب الإيراني من المقرر تنظيمها يوم السبت 14 فبراير، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن.