شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
العصا الغليظة والتأثير الرادع!
بقلم
يوسف معوض
نُشر

ماذا لو رضخت إيران أمام الانتشار الكثيف للقوة الأميركية؟ وماذا لو لم تتحدَّ الأسطول الأميركي الذي جاء ليرسو في مياهها بالذات، مياه الخليج الفارسي؟ في هذه الحال، ستكون قد فقدت ماء وجهها، وهي اللم يمضِ وقت طويل على تبجّحها وإعلانها، على الملأ، أنها تسيطر على أربع عواصم عربية! لا ينبغي أن نُخطئ الفهم: سيكون على طهران أن تختار ما بين الحرب والتسوية، أي بين المواجهة أو التراجع، وهو تراجع قد يعيد إلى الواجهة دبلوماسية «المدفعية» التي طالما شُجبت في الأوساط الأكاديمية. هذه الدبلوماسية المزعومة، التي سبقت الحرب العالمية الأولى، كانت تقوم على قصف سواحل دولة ما من البحر، إذا كان عليها ما تُلام عليه، وغالباً ما كان ذلك بسبب ديون مالية. ولجعل الخصم يصغي إلى صوت العقل، أليس من الأفضل اللجوء إلى الخداع أو إلى طلقات التحذير، أي إلى تهديد غير متبوع بالتنفيذ، بدلاً من الانخراط في مواجهة عسكرية تُحصى نتائجها بعدد الضحايا وبحجم الدمار؟ هذا هو المأزق الذي يواجهه اليوم آيات الله: تقديم الاعتذار الضمني، والخضوع، ومحاولة حفظ ماء الوجه، أو المحو عن الخريطة. سوابق تاريخية لم ينتظر أحد الأميركيين لاستخدام «العصا الغليظة». ففي عام 1793، إبان التقسيم الثاني لبولندا، قامت كاترين الثانية، إمبراطورة روسيا، بتطويق مقر الجمعية العمومية البولندية: وبعد أن وجّهت مدافعها نحو المقرّ المذكور، فرضت وجهة نظرها تحت التهديد. «لقد انتُزع التصويت في صمت يملؤه الرعب، إذ جعل الاحتلال أي معارضة أمراً مستحيلاً»، كما تروي لنا المصادر. ومن المرجح أن هذه الممارسة القسرية لم تغب عن أذهان أنصار مبدأ مونرو في الولايات المتحدة، بحيث تمكّن الرئيس ثيودور روزفلت من التصريح، مرتين عامي 1904 و1905، قائلاً: «رغم التردد، وفي حالات صارخة من الظلم أو العجز، يحق للولايات المتحدة أن تمارس ما يُسمّى بـ“سلطة الشرطة الدولية”.» نيوجيرسي وعقيدة واينبرغر من المؤكد أن دونالد ترامب لن يزجّ بقواته دعماً للمتظاهرين الإيرانيين المطالبين بالخبز والحرية. فهذا آخر ما يشغله. في الواقع، لا يسعى إلا إلى تسوية ملفات النووي، والصواريخ، وقطع الدعم عن الوكلاء مثل حزب الله والحوثيين، وإلى التحكم، في الخفاء، بإمدادات الصين من المحروقات. ومع ذلك، لن نشهد هذه المرة، كما حصل عام 1984 قبالة سواحل بيروت، إعادة تمثيل للانسحاب المذلّ للبارجة الأميركية «نيوجيرسي». ففي هذه الحالة، ستُطبَّق عقيدة واينبرغر، وهي واضحة لا لبس فيها: إذا كان لا بد من إشراك القوات الأميركية كملاذ أخير، «فيجب إشراكها بلا تحفظ وبنية واضحة لتحقيق النصر (with the clear intention of winning) أو عدم إشراكها إطلاقاً". من جهة أخرى، من المتفق عليه أن النظام الإيراني، على الرغم من قدراته التخريبية، غير قادر على صدّ هجوم القوات الأميركية–الإسرائيلية المشتركة. وسيضطر إلى الرضوخ ما لم يكن انتحارياً. وفي نهاية المطاف، إذا قدّم تنازلاً في الملف النووي أو فيغيره، فسيفقد شيئاً من هيبته، وقد يضطر حتى إلى «ابتلاع قبعته» كي يبقى في الحكم. والخشية أن يتدخل دونالد ترامب، مكتفياً بنصر شكلي، أي بانتصار زائف يمكنه التباهي به كيفما شاء. ومن هنا يأتي قلق وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، من احتمال أن يخرج نظام آيات الله معزَّزاً، في حال لم تقدم الولايات المتحدة على الهجوم. إذ لا معنى لإعلان النصر إن لم يحدث تغيير في النظام بطهران. فما جدوى استعمال الوجوه نفسها والبدء من جديد؟ وخلاصة القول: من دون تدخل عسكري، تكون إيران قد ربحت الجولة مرة أخرى!

إيران وحربها غير المباشرة في السودان (3/4)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

تركيز تحليلي على حرب السودان التي، منذ عام 2023، أدت بالفعل إلى عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، بتكلفة بشرية مدمرة بشكل خاص في دارفور، حيث اتخذ العنف الجماعي والحصارات والتهجير القسري بعدًا يصفه عدد من الفاعلين الدوليين الآن بأنه إبادة جماعية. يبدو من الضروري تحليل دور إيران في الصراع السوداني بمفرده، حتى لو لم يظهر هذا الدور في الشكل الكلاسيكي للراعي المحدد، أو الدعم السياسي المعلن، أو التحالف المؤكد. إنه أكثر انتشارًا وغير مباشر، ولكنه، من نواحٍ عديدة، أكثر تنظيمًا. طهران ليست لاعبًا مركزيًا في المشهد السوداني؛ إنها نوع من المضخم الاستراتيجي، الذي يضع الصراع في هيكل إقليمي أوسع، يهيمن عليه البحر الأحمر والأشكال الجديدة للحرب غير المتكافئة. على مدى عدة سنوات، اعتمدت الاستراتيجية الإيرانية على مبدأ ثابت: توسيع العمق الاستراتيجي دون التعرض المباشر. وقد ثبتت هذه المنطقية في لبنان مع حزب الله، وفي سوريا عبر النظام العلوي، وفي العراق عبر الميليشيات الشيعية، وفي اليمن بفضل طموحات الحوثيين. وبالتالي، فهي تعتمد على الشبكات، والجهات الفاعلة المحلية، ونقل الخبرات أكثر من الانتشار المرئي. السودان، الذي كان لفترة طويلة هامشيًا في الخريطة الإيرانية، يستعيد تدريجيًا مكانة وظيفية في هذا الكل. يعود هذا العودة أولاً إلى الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر. فمنذ اندلاع الحرب في غزة وتصاعد نفوذ الحوثيين في اليمن، أصبح البحر الأحمر مساحة مواجهة غير مباشرة بين المحور الإيراني والقوى الغربية، فضلاً عن نقطة احتكاك رئيسية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقد حولت الهجمات على الملاحة التجارية، والتهديدات على طرق الطاقة، وضربات الطائرات بدون طيار والصواريخ هذه المساحة البحرية إلى امتداد مباشر لصراعات الشرق الأوسط. في هذا السياق، يظهر السودان كمنطقة عمق، وليس كجبهة. فشاطئه وموانئه ومناطقه الأمنية الرمادية توفر خلفية مفيدة، دون الحاجة إلى تورط سياسي صريح. لا تحتاج إيران للسيطرة على السودان، ولا حتى أن يكون لديها حليف رسمي فيه. يكفيها أن يظل البلد غير مستقر وممزق وغير قادر على تأمين سواحله وبنيته التحتية على المدى الطويل. وهكذا، تزايدت المؤشرات على تقارب تكتيكي بين طهران والجيش السوداني منذ عام 2024. فالاتهامات بتسليم طائرات إيرانية بدون طيار للقوات المسلحة السودانية، على الرغم من نفيها بشكل منهجي، تندرج في منطق لوحظ بالفعل في أماكن أخرى، وهو نقل القدرات بدلاً من الوجود المباشر. وتشكل الطائرات بدون طيار، بتكلفتها المحدودة ومرونتها وتأثيرها النفسي، الأداة المثالية لهذه الاستراتيجية. فهي تسمح في الواقع بتعويض نقاط الضعف الهيكلية دون تغيير التوازن السياسي الداخلي. ولكن سيكون من التبسيط اختزال التورط الإيراني في كونه مجرد دعم عسكري عرضي للجيش السوداني. إيران لا تسعى لإنقاذ الدولة السودانية. إنها لا تندرج في منطق الاستقرار. ما يهمها هو الفوضى المنظمة لمنطقة بحرية استراتيجية، مما يجبر خصومها على تشتيت مواردهم وزيادة ساحات اهتمامهم. وهي استراتيجية تخريب نجدها، بالمناسبة، كعلامة تجارية لطهران في كل مكان تقريبًا في الشرق الأوسط. في هذا المنظور، تعمل الحرب السودانية كصراع إشباع. إنها ليست هدفًا في حد ذاتها، بل عنصرًا في مشهد صراعي أوسع، حيث تضعف كل أزمة هامشية قدرة القوى الغربية وحلفائها الإقليميين على الاستجابة الشاملة. السودان، على غرار الصومال أو اليمن، يصبح مساحة يمكن فيها تحمل الصراعات تحديدًا لأنها بعيدة عن مراكز القرار. تجد هذه الاستراتيجية صدى خاصًا في التحول المعاصر للحرب. فالطائرات بدون طيار، والضربات بعيدة المدى، والشبكات اللوجستية العابرة للحدود تسمح بشن صراعات ذات كثافة سياسية منخفضة ولكن ذات كثافة بشرية عالية. وهكذا، فإن الهجمات على بورتسودان والضربات المستهدفة ضد البنى التحتية الحساسة تثبت أن حتى المناطق التي يُفترض أنها آمنة تظل عرضة للخطر. وهذا الضعف في حد ذاته رسالة استراتيجية... بالنسبة للمملكة العربية السعودية، هذا التطور يثير قلقًا خاصًا، حيث أن تأمين البحر الأحمر هو ركيزة طموحاتها الاقتصادية والسياحية والجيوسياسية. وأي عدم استقرار مطول على الضفة الأفريقية يضعف هذا المشروع. لا تحتاج إيران إلى تحدي الرياض مباشرة؛ يكفيها أن تساهم في بيئة يصبح فيها الاستقرار مكلفًا وغير مؤكد وينطوي على مخاطر سياسية. بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، الوضع أكثر ازدواجية. فنهجها غير المباشر في السودان، القائم على الشبكات والجهات الفاعلة غير الحكومية، يتوافق أحيانًا مع المنطق الإيراني، دون أن يكون ذلك نتيجة تنسيق. لا يتعلق الأمر بتحالف، بل بتقارب موضوعي في الأساليب التي تفضل المرونة، وتجنب التعرض المباشر، وقبول عدم الاستقرار كمعلم دائم. تستفيد إيران أيضًا من ضعف الإطار المعياري الدولي. ففي نظام لم تعد فيه توصيفات الإبادة الجماعية والعقوبات والإدانات تؤدي إلى تغيير استراتيجي، تتسع هوامش المناورة. وتصبح الحرب السودانية بذلك مثالًا إضافيًا على تطبيع العنف المفرط في الأطراف، وهو ما يفيد بشكل موضوعي الجهات الفاعلة التي تسعى إلى نزع الشرعية عن النظام الدولي الليبرالي. يجب أخيرًا التأكيد على نقطة أساسية: ليس لإيران أي مصلحة في انتصار سريع لأي من الطرفين السودانيين. فانتصار واضح للجيش، المدعوم من الرياض والقاهرة، سيعزز محورًا معاديًا. أما السيطرة الكاملة لقوات الدعم السريع، المدعومة بشبكات إماراتية، فستنتج شكلًا آخر من أشكال التوحيد الإقليمي. تكمن المصلحة الإيرانية في الوسط، في إطالة أمد الصراع الذي يمنع أي إعادة تشكيل مستقرة. اللعب على تناقضات الآخرين يضمن، افتراضيًا، انتصارًا لطهران. وهكذا، لا يُقاس الدور الإيراني في الحرب السودانية بالكيلومترات المربعة المحتلة، ولا بالإعلانات الرسمية. بل يُقرأ في مدة الصراع، وفي قدرته على الاندماج في استمرارية إقليمية للأزمات، وفي الطريقة التي يساهم بها في تحويل البحر الأحمر إلى مساحة توتر دائم. السودان، في هذه القراءة، ليس حليفًا ولا عدوًا. إنه مجرد وسيلة؛ مساحة تتحول فيها الحرب، المجردة من أي غاية سياسية، إلى أداة من بين أدوات التنافس الاستراتيجي العالمي... إنها قمة الواقعية السياسية المخضرمة. اقرأ أيضًا في نفس الموضوع: انهيار السودان: حرب من أجل الحرب (1/4) البحر الأحمر، الخليج والقرن الأفريقي: إقليمية الصراع السوداني (2/4) المقال التالي: حرب السودان: سيناريوهات، تسويات زائفة ومآزق استراتيجية (4/4)

رد هيكل على السناتور غراهام: كل شيء نسبي

يُعرف الأمريكيون بكونهم «صريحين»، خاصة في الأسئلة التي يطرحونها على محاوريهم، متوقعين إجابة تلقائية، ثنائية: نعم/لا، أبيض/أسود. تعرض كاش باتل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، خلال جلسة استماعه أمام مجلس الشيوخ، لاستجواب مكثف من قبل السيناتور إريك سوالويل بنفس السؤال: «هل أبلغت وزير العدل عن ذكر اسم دونالد ترامب في ملف إبستين، نعم أم لا؟»، وهو سؤال لم يقدم باتل الإجابة القاطعة المتوقعة عليه. إذا كانت الإجابة على هذا السؤال بسيطة، لأنه يتعلق بحقيقة، فإن السؤال الذي طرحه السيناتور ليندسي غراهام، في واشنطن، على القائد العام للجيش، الجنرال رودولف هيكل، هو، على النقيض من ذلك، أكثر تعقيدًا بكثير، لأنه يتعلق برأي، بل وحتى بموقف سياسي. «هل تعتبرون حزب الله منظمة إرهابية؟» هو السؤال بامتياز الذي لم يكن قائد الجيش ليتمكن بالتأكيد من الإجابة عليه بنعم أو لا بسيطة. رده «لا، في السياق اللبناني» ليس ذكيًا، لكنه ليس خاطئًا أيضًا. كان بإمكانه القول إنه ما دام لم تحظر الحكومة اللبنانية هذه المنظمة رسميًا، فإنه لا يستطيع البت في المسألة، كونه هو نفسه عسكريًا ينفذ التعليمات التي يصدرها له السلطة السياسية. مع ذلك، ومع مخاطرة أن تكون الكلمات التالية صادمة، فإن حزب الله ليس (حتى الآن) يعتبر في لبنان منظمة خارجة عن القانون، خاصة وأنه ممثل في صلب الحكومة والبرلمان. على عكس الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA)، الذي كان لديه فكرة فصل جناحه شبه العسكري عن جناحه السياسي (شين فين)، والذي، بفضل قادة مثل جيري آدامز، نجح في التفوق على الميليشيا، فإن الجناح العسكري لحزب الله هو الذي يهيمن على الجناح السياسي، وكذلك على النظام اللبناني برمته. أعضاء البرلمان من حزب الله يتظاهرون بزي الميليشيا، ويدافعون عن جميع المواقف وكذلك عن شن الحروب والعداوات التي دمرت البلاد. الأكثر إيلامًا هو أن فصائل سياسية أخرى، بدافع الانتهازية أو، الأسوأ من ذلك، بدافع القناعة، تدافع عن حزب الله، الذي نجح، خلال ثلاثين عامًا مجيدًا (من 1994 إلى 2024)، في مد شبكته في جميع أنحاء الإدارة اللبنانية، بما في ذلك الجيش. لا يمكن إنكار أن تراجع الميليشيا قد بدأ منذ 27 سبتمبر 2024. ومع ذلك، فإن مطالبة المرؤوسين بتغيير الموقف (وهو ما ينطبق حرفيًا في هذه الحالة) هو أمر طوباوي. حادثة إضاءة مغارة الروشة هي أوضح مثال على ذلك. يجب إعطاء الوقت للوقت، كما كتب سرفانتس، حتى لو أظهرت مؤسساتنا السياسية و/أو العسكرية نوعًا من الدونكيشوتية بتجنب رؤية «الفيل في الغرفة» والتعامل مع مشاكل أخرى لن تُحل أبدًا بشكل حقيقي ما لم يتم نزع سلاح حزب الله بشكل نهائي. ولكن، ها هو الأمر: الوقت يداهمنا وليس لدينا ترف الانتظار. بناءً على ذلك، فإن إجابة رودولف هيكل ليست خاطئة: كل شيء نسبي، كل شيء مسألة إدراك. في اللحظة التي طُرح عليه السؤال، لم يكن حزب الله منظمة إرهابية في نظر الدولة. وإلا، لكان ذلك يعني أن الوزراء شحادة، عيسى الخوري، نصار، رجي، وسعدي، بالإضافة إلى جميع النواب السياديين، يتعاملون ويتفاوضون مع مجرمين، وبمعنى ما، هم أنفسهم مجرمون. يمكن دائمًا القول دفاعًا عنهم أن يهوذا كان لديه أصدقاء لا تشوبهم شائبة، لكن ذلك لا يزال يمثل رؤية مبسطة للوضع. وبالتالي، وبكل موضوعية، فإن حقيقة أن الجنرال هيكل قدم إجابة لا تتوافق بالضرورة مع تطلعات غالبية اللبنانيين ليست مستنكرة بشكل خاص. ولكن المؤسف هو أن معسكر حزب الله المبرمج، وحراسه وغيرهم من المرضى الذين يعانون من متلازمة مار مخايل، وهي أقوى بكثير من متلازمة ستوكهولم التي احتفلت بعيدها العشرين، قد استغلوا بالفعل، بطريقة شبيهة بـ«إبستين»، تصريحات الجنرال هيكل لإحياء الثالوث «جيش وشعب ومقاومة»، وهو انحراف حقيقي عانى منه البلد وجميع سكانه لعقود. يبقى أن نأمل ألا يمنح الرئيس، عند عودة رودولف هيكل، وسامًا جديدًا، خاصة وأن الذي حصل عليه سابقًا (بعد الروشة) كان أرفع وسام. إلا إذا تم التفكير في فئة جديدة: فئة الجدارة النسبية، وهي ميدالية لخدمات مقدمة للارتباك الوطني، تُمنح بمرتبة الشرف من قبل دولة تفضل تزيين تناقضاتها بدلاً من مواجهة واقعها...

احذروا من الاستخفاف بالمجازر في إيران

لقد وضع وزير الخارجية ماركو روبيو يده على الجرح، دون مواربة. وأظهر، بالمناسبة، وبشكل متناقض، قلة «الدبلوماسية»، فقد أظهر صراحة رائعة بتلخيصه في بضع كلمات، وفي جملة قصيرة ومقتضبة، أساس الأزمة الإيرانية من زاوية العلاقات المتوترة بين واشنطن والجمهورية الإسلامية. «القيادة في إيران لا تعكس بأي حال من الأحوال الشعب الإيراني (…). لست متأكدًا من أننا يمكن أن نتوصل إلى اتفاق مع هؤلاء الناس»… تصريحات تتفق مع تلك التي أدلى بها وزير الخارجية والدفاع الفرنسي الأسبق جان إيف لودريان، الذي يعرف جيدًا مراكز القوة في طهران لأنه تعامل معها. «إنهم أقوياء جدًا في فن الخداع (…), كما أشار في مقابلة تلفزيونية. همهم الوحيد هو كسب الوقت و(ضمان) استمرارية النظام». كل شيء قيل… ولكن، لا يزال من الحيوي، خاصة في السياق الحالي، أن نضع في الاعتبار باستمرار البعد الأيديولوجي، والأسس الثيوقراطية العميقة (والخطيرة) لنظام الملالي، وخاصة الحرس الثوري (الباسداران). من خلال إدراك كامل لهذا البعد العقائدي، الظلامي من جميع النواحي، يصبح من الممكن إدراك مدى احتمال أن تكون «المحادثات» الأمريكية-الإيرانية المقرر إجراؤها يوم الجمعة 6 فبراير في عُمان مجرد خدعة كبرى… أو، الأسوأ من ذلك، خطأً استراتيجيًا وتاريخيًا، بل وأخلاقيًا جسيمًا. بعد المجازر واسعة النطاق التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية لنظام الملالي خلال أيام قليلة، لا يسع المرء إلا أن يدين أي «اتفاق» يتم إبرامه في عُمان ويكون في غاية اللاأخلاقية السياسية . فهو سيمثل في الواقع إعادة تأهيل مخزية، وإعادة تأكيد للشرعية المزعومة لسلطة قتلت بدم بارد، في 48 ساعة (8 و 9 يناير)، ما لا يقل عن 30 ألف شاب ومراهق في ريعان شبابهم (أكثر من ذلك بكثير، حتى، وفقًا لمصادر مختلفة)، بعضهم شنق من رافعة، وآخرون قتلوا من مسافة قريبة في أسرّتهم في المستشفى بعد إصابتهم بطلقات نارية حية، وآخرون تسمموا بالزئبق ببرود… دون احتساب اعتقال الأطباء المتهمين بمعالجة المتظاهرين (!)، والطلاب الذين اختطفوا من داخل الحرم الجامعي. إن تطبيع، تحت غطاء السياسة الواقعية الساخرة، الفظائع الشنيعة التي ارتكبها نظام الملالي، بمنأى عن العقاب، سيكون له بلا شك – إذا تأكد هذا الموقف المتسامح – تأثير يلقي بظلال ثقيلة من عدم المصداقية على من يقدمون أنفسهم كحاملي راية القيم الديمقراطية في العالم، والذين يُوصفون بالفعل، بمرارة، بـ «المتخاذلين» من قبل العديد من الإيرانيين. بالتوازي مع هذا الجانب الأخلاقي، فإن إعادة تأهيل السلطة القائمة من خلال اتفاق مزعوم، حتى لو كان شاملاً، لن تفشل في تعزيز وتشجيع الجناح المتطرف في الحرس الثوري، بكل ما يترتب على ذلك من عواقب سياسية مزعزعة للاستقرار (على المستوى الإقليمي) ومدمرة (على المستوى الأمني) والتي قد يجلبها اتفاق مضلل بشكل واضح… لا يخفى على أحد، في هذا الصدد، أن قادة الجمهورية الإسلامية قد جعلوا الكذب و التقية (إخفاء النوايا السياسية الحقيقية) نظام حكم يقوم على أيديولوجية ثيوقراطية تفرض، بحكم طابعها الإلهي، ضمان استمرارية السلطة بكل الوسائل الممكنة. وفي هذا السياق، يصبح العنف الأعمى، والقتل الجماعي، وحمامات الدم، والقمع الوحشي، والتعذيب، وأحكام الإعدام، والإعدامات الموجزة «مشروعة» وتشكل حتى واجباً دينياً. الخداع و التقية، بالإضافة إلى السلطة السياسية المطلقة الممنوحة للمرشد الأعلى (الـ ولي الفقيه )، الإمام خامنئي، بصفته ممثل الإمام المهدي الغائب، يفسران لماذا يتظاهر نظام الملالي، بلا انقطاع، بمناقشة الملف النووي مع المجتمع الدولي، وخصوصاً مع القوى الغربية. إلا أن هذه المفاوضات مستمرة منذ ما يقرب من… 25 عاماً! وعندما يُبرم اتفاق، لا يتردد طهران في عدم احترام التزاماتها بوقاحة. في كل مرحلة صعبة تمر بها الجمهورية الإسلامية، يوحي المرشد الأعلى، بشكل خادع، بأنه يرغب في «الحوار»؛ ومع ذلك، فإن الهدف الحقيقي هو كسب الوقت، بانتظار تغيير السلطة في بلد صانع قرار أو تطور نحو ظرف أكثر ملاءمة يسمح باستئناف السياسة الهيمنية والتوسعية التي بدأها الحرس الثوري منذ عام 1979. قبل عام، تقريباً في نفس اليوم، في 9 فبراير 2025، صرح الرئيس دونالد ترامب بأنه يأمل أن تغير إيران مسارها، مؤكداً رغبته في التوصل إلى اتفاق مع طهران بدلاً من الانخراط في المسار العسكري. كان ذلك قبل عام… ونحن نعرف ما حدث لاحقاً. يعقد اجتماع عُمان اليوم في حين أن نظام الملالي لم يغير شيئاً، منذ عام… 1979، من سياسته المناهضة للغرب والمناهضة لأمريكا بشكل جوهري، والتي أظهرها بلا هوادة طوال 47 عاماً، كما يتضح من التحركات الإعلامية الأخيرة للنواب الإيرانيين الذين، متنكرين في زي ميليشيات الحرس الثوري، هتفوا بصوت واحد قبل أيام، في قلب البرلمان، «الموت لأمريكا»، بينما كانوا يحرقون بفرح علماً أمريكياً…

من رفع الغطاء عن سيف الإسلام القذافي؟
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

سؤال واحد وحيد يطرح نفسه في حال كان مطلوبا محاولة حل لغز إغتيال سيف الإسلام أشهر أبناء معمّر القذافي ذي الأفكار والأطباع الغريبة الذي حكم البلد بين 1969 و 2011. السؤال من رفع الغطاء عن سيف الإسلام الذي كان يعيش في منزل في الزنتان محاطا بحراسة شديدة تؤمنها له قوى محلّية. الأكيد أنّ سيف الإسلام تعرّض لخيانة سمحت لمجموعة مسلحة بدخول البيت الذي كان مقيما فيه بغية اغتياله. ثمة إجماع لدى العارفين بالشأن الليبي على إستبعاد أن تكون قوى محلية، وحدها، وراء تنفيذ عملية الإغتيال التي استهدفت سيف الإسلام الذي لعب دورا على صعيدي الداخل والخارج وأهّل نفسه ليكون خليفة والده، أو هكذا كان يظنّ. لا توجد في ليبيا قوى محليّة قادرة بنفسها على تنفيذ عملية من هذا النوع من العمليّات تتسم بمقدار كبير من الإحتراف. كان مطلوبا تصفية حساب مع أي قوى داخليّة أو خارجية تدعم نجل معمّر القذافي لمنعه من الوصول إلى الرئاسة يوما. فما لا بدّ تذكّره في هذا المجال أن الانتخابات الرئاسيّة التي كانت مقرّرة في العام 2021 ألغيت بمجرّد أنّ استفتاءات الرأي العام كشفت أن فوز سيف فيها كان احتمالا واردا. كان لافتا في الأشهر القليلة الماضية دخول قوى جديدة، مثل باكستان والهند الحلبة الليبية. لا يعني في ذلك وجود دور باكستاني أو هندي في قتل سيف الإسلام، بمقدار ما يعني اتساع الصراع على ليبيا. في ليبيا تجاذبات بين شرق البلد وغربه، الشرق الدي تسيطر عليه قوات خليفة حفتر وابنائه الثلاثة (صدام وخالد وبلقاسم) والغرب الذي تحكمه، ضمن حدود معيّنة، حكومة عبد الحميد الدبيبة الذي بدأ، مثله مثل حفتر يتكل على أبنائه. لكن يبقى أن الحدث الأهمّ الذي شهدته ليبيا قبل نحو شهرين كان مقتل رئيس الأركان الليبي محمد الحداد الذي كان في انقرة على رأس وفد عسكري. تحطمت طائرة الحداد الخاصة وهي "فالكون" قديمة الصنع بعيد إقلاعها من انقرة. لا تزال ظروف غامضة تحيط بسقوط الطائرة التي كانت تقل أحد ابرز العسكريين الليبيين الذي ليس معروفا ما طبيعة التنسيق بينه وبين تركيا ذات العلاقات القوية بحكومة الدبيبة من جهة والحركات الإسلاميّة في ليبيا من جهة أخرى. المهمّ الآن أنّ لاعبا اساسيا خرج من الحلبة الليبية لإسباب داخلية وخارجية في آن. لا يعني ذلك أنّ سيف الإسلام كان سياسيا استثنائيا، بمقدار ما كان شخصا عرف العالم وحاول لعب دور في مرحلة ما على الرغم من معارضة والده له ومنعه من الذهاب بعيدا في العلاقات التي أقامها مع دول غربية واوساط اميركيّة. في الواقع، لم يكن سيف يمتلك الوسائل التي تسمح له بتنفيذ الإصلاحات التي كان يطمح إليها. بقيت قدرته على التصرّف باموال الدولة الليبية محدودة. بقي معمّر القذافي يتحكّم كليا باموال ليبيا، هو الذي يعرف أنّ هذه الأموال أحد مصادر قوته. رفض معمّر القذافي في أي يوم أن يكون له شريك في السلطة المطلقة حتّى لو كان هذا الشريك أحد أبنائه. من هذا المنطلق، كان سيف في كلّ وقت لاعبا ثانويا ما دام والده حيّا وذلك على الرغم من ظهوره في مظهر من يمتلك برنامجا اصلاحيا وأنّه يمثل مستقبل ليبيا التي عرف معمّر القذافي كيف يجعل منها دولة منبوذة. يؤكّد ذلك عجز سيف عن الإستمرار في مشروع القناة الفضائية التي انشأها في ليبيا. عانى العاملون في تلك القناة الأمرين لدى التوقف المفاجئ لضخ الأموال المرصودة لتلك القناة التي اشرف عليها سيف. لم يكن سيف الإسلام ضعيفا في الخارج الليبي أيام حكم ابيه وما كان يسمّى "الجماهيريّة" فحسب، كان أيضا ضعيفا في الداخل حيث كانت هناك مواقع قوة يتحكّم بها معمّر القذافي نفسه. كان عبدالله السنوسي مركز قوة، كذلك اشقاء لسيف مثل المعتصم أو خميس. كذلك، كانت هناك شخصيات محسوبة على القذافي الأب تؤدي له مهمات معيّنة. ليس صحيحا أنّ صفقة تخلي ليبيا عن أسلحة الدمار تمت بواسطة سيف. توصّل إلى الصفقة جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركيّة (سي . آي . إي) الذي اقام علاقة مع موسى كوسة مدير جهاز المخابرات الليبي. أمر معمّر القذافي شخصيا بالتخلي عن أسلحة الدمار بعدما اكتشف، في ضوء ما دار بين تينيت وموسى كوسة، أنّ لا فائدة من كل محاولات الإفلات من الرقابة الأميركيّة الصارمة. مع مقتل والده معمّر ومعظم اشقائه، لم يبق من العائلة غير سيف الذي عرف كيف التعايش مع مرحلة ما بعد سقوط النظام. ساعدته في تحقيق طموحاته حال الفوضى التي سادت في ليبيا وهي حال مستمرّة منذ نهاية "الجماهيريّة" نتيجة ثورة شعبية حقيقية من جهة وتدخل قوات حلف شمال الأطلسي لملاحقة القذافي وصولا إلى التخلّص منه جسديا من جهة أخرى. وحدها الأيام كفيلة بكشف من اغتال سيف القذّافي. ستكشف الأيام هل من دور للإسلام السياسي في ليبيا وللمنتمين لهذا التيار، الذين يحظون بدعم خارجي، في التخلص من شخصيّة كانت مؤهلة لملء الفراغ السياسي الذي يعاني منه البلد منذ ما يزيد على 14 عاما؟ في النهاية، كان سيف القذافي الذي حاول في مرحلة معيّنة اصدار كتاب يحمل اسمه، يمتلك أفكارا سياسية ساذجة إلى حد كبير. لكنه رفض في كل وقت دخول لعبة الإسلام السياسي وبقي دائما، مثلما كان والده، معاديا لفكر الإخوان المسلمين وكل التنظيمات التي ولدت من رحم فكر حسن البنا ورفاقه...

هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة الانحدار التاريخي؟ (١/٢)

بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ارتقت الولايات المتحدة إلى مصاف القوى العظمى، محددة مسار العالم الغربي. ولعبت آلة صناعتها الضخمة دورًا حاسمًا في تحقيق الهزيمة العسكرية للفاشية. في الجزء الأول من هذا التحليل، نستعرض كيف فرضت الولايات المتحدة نموذجها – ليس بالقوة العسكرية فحسب، بل عبر بناء نظام عالمي جديد اقتصاديًا وماليًا ومؤسسيًا. أما في الجزء الثاني، فسنتناول المخاطر التي تواجهها أمريكا اليوم. يشير العديد من الاقتصاديين والمحللين إلى أن الولايات المتحدة دخلت المراحل الأولى لانحدار طويل الأمد. كما أوضح الاقتصادي الروسي نيكولاي كوندراكيف في ثلاثينيات القرن الماضي، يتكشف تاريخ العالم من خلال دورات اقتصادية وجيوسياسية طويلة الأمد. تمتد هذه الحقب غالبًا بين ستون وثمانين عامًا، وتشهد عادة هيمنة قوة رائدة، مصحوبة بثورات تكنولوجية كبيرة وانتقالات في القيادة العالمية. من الصين حوالي العام ٩٠٠، إلى مدن إيطاليا في عصر النهضة، وصولًا إلى الإمبراطورية البريطانية المرجعية في عهد الملكة إليزابيث الأولى، تتبع الدورات المتعاقبة للهيمنة الاقتصادية العالمية هذا النمط. بدأت حقبة القيادة الأمريكية تقريبًا بعد الحرب العالمية الثانية. وما نشهده اليوم، على الصعيدين الداخلي والدولي، قد يكون المؤشرات الأولى على بدء تآكل هذه الهيمنة خلال العقد المقبل. ارتقاء أمريكا من «سوق ناشئة» إلى «قوة عظمى» قبل الحرب العالمية الثانية، لم تكن الولايات المتحدة بعد مركز القوة العالمية بلا منازع. ففي كثير من النواحي، كانت لا تزال تشبه اقتصادًا ناشئًا، مدفوعًا بمصدر طاقة جديد، وهو النفط، وبابتكارات تحويلية مثل السيارة والهاتف. كانت بمثابة أرض الفرص، مدفوعة بروح ريادية أكثر تحررًا من الإمبراطورية البريطانية المرجعيةوالديمقراطيات الأوروبية الراسخة. وجمع النموذج الأمريكي بين عقلية «الإمكانية»، والتوسع الصناعي السريع، ومعدلات النمو المرتفعة، والديناميكية المضاربية، ونهج استثماري محفوف بالمخاطر، الشائع في الاقتصادات الناشئة. كما يظهر التاريخ مرارًا، فإن الإفراط في الأسواق الناشئة غالبًا ما يحمل بذور أزماته الخاصة. وقد بلغ هذا المسار ذروته في انهيار عام ١٩٢٩، تلاه الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي. آنذاك، كان التركيز الحقيقي لرأس المال والوزن الجيوسياسي لا يزال في أوروبا. وكانت المملكة المتحدة مرساة النظام العالمي، حيث كان الجنيه الإسترليني هو عملة التجارة والتمويل الدولية. الحرب العالمية الثانية: التحول العظيم للسلطة غيرت الحرب العالمية الثانية كل شيء. تدمّرت أوروبا. وآسيا دُمرت بالكامل. قتل عشرات الملايين، وتعرضت دول بأكملها – بما في ذلك ألمانيا واليابان – للدمار المادي والصناعي والمؤسسي. ضعفت الإمبراطورية البريطانية بشكل بالغ، وتحول ميزان القوة بشكل لا رجعة فيه. سمحت العزلة الأولية لأمريكا، إلى جانب قدراتها الصناعية الهائلة وموقعها الجغرافي، بأن تتحول الولايات المتحدة الى «مستودع الأسلحة» للعالم الحليف، حيث زوّدت كل شيء من الحبوب إلى المدافع، ومن الذخيرة إلى السفن والطائرات. وجاءت نقطة التحول في السابع من ديسمبر/كانون الأول عام ١٩٤١، عندما هاجمت اليابان بيرل هاربر. دخلت الولايات المتحدة الحرب، أولًا في المحيط الهادئ ثم في أوروبا. وانتصارات الحلفاء – الثامن من مايو/أيار عام ١٩٤٥ في أوروبا، والثاني من سبتمبر عام ١٩٤٥ في آسيا – لم تقتصر على إنهاء النزاع، بل دفعت الولايات المتحدة لتتبوأ دور القوة العالمية المهيمنة، خلفًا للإمبراطورية البريطانية المتراجعة. الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز يتحدث في مؤتمر بريتون وودز، يوليو 1944، الذي أسس النظام المالي العالمي بإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. (طاقم/صندوق النقد الدولي/وكالة فرانس برس) من خلال خطة مارشال في أوروبا وعقد من الإشراف على اليابان، رسخت واشنطن نفسها كمزود رأس المال، ومهندس إعادة الإعمار، والنموذج المرجعي للحداثة الغربية، والرأسمالية، والحكم الرشيد. لكن أعظم إنجاز أمريكي لم يكن مجرد إعادة بناء الاقتصادات. لقد أعادت بناء القواعد نفسها. بنت الولايات المتحدة نظامًا دوليًا قائمًا على التعددية، وسيادة القانون، وبنية مؤسسية تهدف إلى تعزيز السلام والأمن والتعاون الاقتصادي. لعبت واشنطن دورًا محوريًا في تشكيل المؤسسات التي حددت شكل العالم بعد الحرب: الأمم المتحدة؛ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ حلف شمال الأطلسي؛ والأطر الإقليمية مثل منظمة الدول الأمريكية. ومع مرور الوقت، توسعت هذه البنية لتشمل هيئات مثل منظمة الصحة العالمية، اليونيسيف، مجموعة السبع، ومجموعة العشرين. ولم تكن هذه البنية مجرد رمز أخلاقي، بل كانت بنية تحتية استراتيجية، بل أصبحت الدعامة الأساسية للقوة الأمريكية. انهيار الشيوعية وتأكيد دور أمريكا كقوة قيادية عالمية أدى انهيار الاقتصادات الشيوعية المخططة مركزيًا إلى تعزيز الهيمنة الأمريكية بشكل أكبر. بدت انفتاح الصين عام ١٩٧٨ وسقوط الكتلة السوفييتية عام ١٩٨٩ بمثابة تأكيد على انتصار النموذج الأمريكي. وقد صاغ فرانسيس فوكوياما هذه اللحظة في كتابه «نهاية التاريخ والانسان الأخير» بوصفها الشكل النهائي للتنظيم السياسي والاقتصادي. لفترة من الزمن، بدا أن الهيمنة الأمريكية غير محدودة. وغالبًا ما يُنسب هذا التفوق إلى الديمقراطية. لكن الواقع مقلق أكثر مما يبدو. فلم تنتصر الولايات المتحدة أساسًا بسبب نموذجها الديمقراطي، بل بسبب الكفاءة العالية لنظامها الرأسمالي، وإنتاجية القطاع الخاص، ونظام الحوكمة المؤسسية للمساهمين والذي طُوّر في أوروبا الغربية منذ أوائل عام ١٦٠٢ مع الشركة الهند-شرقية-هولندية – وهو نظام غير ديمقراطي بالمعنى التقليدي. فالكفاءة الاقتصادية الأمريكية هي التي مكنت من الفوز في الحرب العالمية الثانية، بينما أدت الكفاءة المحدودة للاقتصادات المخططة مركزيًا إلى فشل الأيديولوجية الشيوعية قبل انهيار الشرعية السياسية بفترة طويلة. الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف خلال اجتماع عام 1985. (مكتبة آن رونان للصور/Photo12 عبر وكالة فرانس برس) الديمقراطية، كنظام سياسي، هي بطبيعتها غير فعّالة عندما يتعلق الأمر بالتخطيط على المدى الطويل، والإصلاحات الهيكلية، والموازنات الاستراتيجية، سواء في الولايات المتحدة، أو أوروبا، أو العديد من الدول النامية. الأمثلة كثيرة: تخلي ألمانيا عن الطاقة النووية؛ الإخفاقات المتكررة لفرنسا وبريطانيا في إصلاح أنظمة التقاعد والرعاية الصحية؛ أو تأخر الولايات المتحدة في بناء البنية التحتية. غير أن الحجة الأوسع لافتة للنظر أكثر: الصعود المذهل لدول مثل الصين والإمارات العربية المتحدة خلال الخمسين عامًا الماضية يُعزى تقريبًا بالكامل إلى قدرتها على العمل ليس كديمقراطيات، بل كشركات استراتيجية. لقد اعتمدت هذه الدول نموذج حوكمة الشركات الغربية الخاصة كإطار لحكومتها العامة: – في الصين، يُنظر إلى الشعب على أنه «عملاء» (زبائن)، بينما يتصرف الحزب الشيوعي كما لو كان «المساهمين» في المشروع الوطني. وللحفاظ على سلطتهم، يجب على المساهمين تلبية احتياجات العملاء، كما تحتاج الشركة الخاصة إلى إرضاء زبائنها لتزدهر وتنمو وتحافظ على أرباحها. – في الإمارات، يُنظر إلى المواطنين والمقيمين على أنهم العملاء، بينما تعمل العائلات الحاكمة كمالكين استراتيجيين للنظام. في كلا الحالتين، لا تقع السلطة النهائية في اتخاذ القرار لدى العملاء أو الناخبين ضمن علاقة تشبه علاقة المستهلك بالشركة، بل تقع لدى صانعي القرار ذوي الكفاءات العالية الذين يحددون الرؤية ويستطيعون تنفيذها دون أن تعرقلهم جماعات الضغط أو المساومات السياسية غير المؤهلة، وذلك تحت رقابة المساهمين. إن التقدّم المذهل الذي حققته الصين في مجالات التكنولوجيا، والبنية التحتية، والاتصالات، والبحث العلمي، والمعادن الاستراتيجية، والطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية، والسكك الحديدية فائقة السرعة يعود بالأساس إلى قدرة الدولة على تحديد أولويات الصناعة وتمويل الأهداف الوطنية طويلة الأمد على نطاق واسع. وبالمثل، يعود ارتقاء الإمارات لتصبح منصة عالمية – حيث يأتي رأس المال ورواد الأعمال والمواهب للعيش والاستثمار والبناء – إلى السياسات الاستباقية التي تهدف إلى خلق بيئة مستقرة وآمنة وملائمة للضرائب لروّاد الأعمال والأثرياء والعمال المهرة والباحثين من أكثر من مائتي دولة. الديمقراطية أحيانًا تنتخب مُدمريها بنفسها هناك خلل آخر، أكثر قتامة، يكمن داخل الأنظمة الديمقراطية. فالديمقراطية قد تمكّن الاستبداد – ليس بالقوة، بل برضا الشعب. فهي تتيح للديماغوجيين الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، غالبًا من خلال إثارة المشاعر والخوف والانتماءات والامتعاض الشعبي. ثم، بمجرد اعتلائهم المناصب، يقومون بتحريف المؤسسات وإضعاف السلطات المضادة حتى تتحول الديمقراطية إلى مجرد مسرحيات إجرائية. من هتلر إلى موسوليني إلى فرانكو؛ ومن أردوغان إلى بوتين، التاريخ واضح. وهذا يطرح سؤالًا مزعجًا: هل تقترب الولايات المتحدة من لحظة مماثلة؟ تزداد المؤشرات على أن الديمقراطية الأمريكية قد تواجه الآن أقسى اختبار لها منذ تأسيسها في عام ١٧٧٦. عندما تنقلب أمريكا ضد النظام الذي بنته لم تكن قوة أمريكا يومًا عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل مؤسساتية أيضًا. لقد غرسَت الولايات المتحدة قوتها في النظام العالمي الذي أنشأته من خلال القواعد، والتحالفات، والمعاهدات، والمصداقية. وكان هذا النظام يدعم الدولار والأسواق المالية الأمريكية والقيادة العالمية للولايات المتحدة. لكن في اللحظة التي تبدأ فيها الولايات المتحدة بالتعامل مع هذا النظام كخيار ثانوي – أو، ما هو أسوأ، كعقبة يجب تفكيكها – فإنها لا تضعف خصومها فحسب، بل تضعف نفسها. تعتمد عقيدة دونالد ترامب القائمة على عبارة «لنجعل أمريكا عظيمة من جديد» على العزلة والاكراه: التعريفات أحادية الجانب، الانسحاب من عشرات الاتفاقيات الدولية، والقيود المشددة على الهجرة. هذه السياسات تعيد تشكيل ليس أمريكا فقط، بل النظام الدولي بأكمله. هنا يكمن خط الصدع المركزي في الجغرافيا السياسية الحديثة. النقاش المتجدد حول مطالب الولايات المتحدة بحقوقها على غرينلاند هو مثال بارز على ذلك. فغرينلاند ليست مجرد كتلة أرضية في القطب الشمالي؛ فهي مرتبطة بالدنمارك – حليف في الناتو – ومدرجة ضمن إطار التحالف الغربي. المسألة ليست أرضًا بقدر ما هي مصداقية. وتثير سؤالًا أكثر أهمية: هل وضعت الولايات المتحدة نفسها الآن فوق النظام القائم على القواعد؟ وفي اللحظة التي ينتشر فيها هذا الانطباع، لا تبقى العواقب محصورة في القطب الشمالي، بل تمتد لتشمل كل حدود متنازع عليها، وكل معاهدة هشة، وكل التزام تحالفي، وكل نظام عملة. إنها رسالة إلى روسيا مفادها بأن مناطق النفوذ أصبحت مشروعة مرة أخرى. إنها أيضًا رسالة إلى الصين مفادها أن الإكراه ليس سوى تعبير طبيعي عن القوة – وأن سماح واشنطن لنفسها باستخدام الإكراه ضد حلفائها في قضية غرينلاند يسلبها أي سلطة أخلاقية لمنع بكين من اعتماد المنطق نفسه حيال تايوان. وهي أيضًا رسالة الى القوى المتوسطة مفادها أن السيادة القانونية باتت موضع تشكيك، أقرب الى مسألة ملاءمةً منها الى مبدأ ثابت، كما أظهرت الأحداث الأخيرة في فنزويلا. والأهم من ذلك كله أنها رسالة إلى حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم مفادها أن أمنهم واقتصاداتهم وتجارة بلدانهم لا تقوم في نهاية المطاف على القانون، بل على الإرادة المنفردة لواشنطن. دافوس ٢٠٢٦: نقطة التحول في النظام الدولي بعيدًا عن مجاراة أساليب التفاوض التي اعتمدها دونالد ترامب، أدرك قادة العالم أخيرًا أنهم لم يعودوا قادرين على اعتبار الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا به – اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا. وجاء الرد سريعًا. في ٢٧ يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦، وقّع الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية التجارة الحرة بينهما، جامعَين نحو ملياري نسمة ضمن إطار تجاري يغطي قرابة ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي الوقت نفسه، يتجه قادة كندا وأستراليا ودول أوروبية إلى الصين لتأمين الوصول إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم، بينما تعيد الدول الأوروبية النظر في بنيتها العسكرية بهدف تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة وعلى حلف شمال الأطلسي. هكذا تنهار الأنظمة الدولية: عبر تآكلٍ مستمر وتراكمي في الشرعية، حيث تبقى قوة التنفيذ قائمة، لكن الأساس الأخلاقي يتلاشى. لم تكن الهيمنة الأمريكية يومًا غير قابلة للكسر. فقد كانت مشروطة بأصل حاسم لا يمكن تصنيعه بالإنفاق العسكري أو بالعجوزات المالية: المصداقية. والمصداقية، حين تُكسر، لا يمكن ترميمها بالشعارات. قد نكون قد بلغنا نقطة اللاعودة... المقال المقبل: هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة الانحدار التاريخي؟ ( ٢/٢ ) هشاشة الاقتصاد… خطر حقيقي