شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ثقافة

نهب المتحف العراقي: كارثة ثقافية كبرى

صورة للأخبار
يحاول المتحف الوطني العراقي استعادة تراثه الثقافي الذي نُهب عام 2003، خلال الغزو الأمريكي للعراق. (مرتضى السوداني / الأناضول عبر وكالة فرانس برس)
صورة المؤلف
بقلم ميشا مسلم
نُشر يناير 27, 2026 - 20:31

أدى نهب المتحف الوطني العراقي في عام 2003 إلى فقدان آثار لا تُقدر بثمن، وأحدث رد فعل متسلسل تمثل في النهب الواسع للمواقع الأثرية في جميع أنحاء البلاد. وأدى ذلك بدوره إلى تعزيز الاتجار الدولي بالآثار وإلى إعاقة البحث العلمي في هذا المجال بشكل كبير.

 

ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا الحدث مثالًا بارزًا على المسؤولية السياسية التي تتحملها القوات المحتلة في زمن الحرب، وعلى نشوء اقتصاد مبني على تجارة الآثار غير المشروعة لخدمة الجريمة المنظمة والإرهاب، إلى جانب تطوير ما يمكن وصفه بـ"دبلوماسية الاسترداد"، القائمة على التعاون الدولي لضمان إعادة الممتلكات المسروقة.

 

يُعد المتحف الوطني العراقي واحدًا من أهم المؤسسات الأثرية في العالم، ويحافظ على أهم ما تزخر به حضارة بلاد الرافدين من إرث منطقة يوصف غالبًا بأنها "مهد الإنسانية".

 

تأسس المتحف في عشرينيات القرن الماضي، بالتزامن مع قيام الدولة العراقية الحديثة، على يد جيرترود بيل، الكاتبة وعالمة الآثار البريطانية، التي سعت إلى الحفاظ على كنوز بلاد الرافدين ومنع خروجها من العراق.

 

يغطي المبنى الرئيسي نحو 45,000 متر مربع، ويضم تاريخًا يمتد من 5,000 إلى 7,000 سنة، ويضم واحدة من أكثر مجموعات آثار بلاد الرافدين شمولًاً. وتشمل مقتنياته آثارًا من حضارات السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين والكلدانيين، إضافة إلى فترات ما قبل الإسلام والعصر الإسلامي.

 

ويحتوي المتحف على قطع رئيسية، بما في ذلك الألواح المسمارية، والخواتم الأسطوانية، والتماثيل الملكية، والقطع الجنائزية، والتي تشكل شهادات أساسية على تاريخ الكتابة وتكوين الدولة والقانون والدين في الشرق الأدنى.

 

من بين هذه المقتنيات، كنوز نمرود الذهبية، بما في ذلك المجوهرات والتحف التي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، إضافة إلى المنحوتات والنقوش والألواح المسمارية القادمة من أوروك وغيرها من أهم المواقع الأثرية في بلاد الرافدين. ويُمثل المتحف رمزًا للوحدة الوطنية واستمرارية الحضارة من سومر وأكاد وبابل، مرورًا بالعصر الإسلامي وصولًا إلى العراق المعاصر.

 

كما يُعد المتحف مركزًا للبحث والتوثيق للآثاريين، ويحتفظ بأرشيفات مهمة تتعلق بالحفريات في أور وأوروك ونينوى ونمرود.

 

نهب 2003: أبعاد جيوسياسية

 

يمكن وصف نهب المتحف في 2003 بكلمة واحدة: كارثة.

 

كان من المفترض أن تكون حماية المتحف أولوية قصوى للقوات الأمريكية، لكنها لم تُطبّق إلا بعد أسبوع كامل من دخول قوات التحالف بغداد، ما أتاح للسارقين فرصة السلب.

 

بين 10 و12 نيسان 2003، وقبل تأمين الموقع من قبل القوات الأمريكية، وبعد انسحاب موظفي المتحف، اختفت نحو 15,000 قطعة، شملت أواني طقسية، وأنيابًا آشورية، ورؤوس تماثيل، وتمائم، وأكثر من 5,000 ختم أسطواني.

 

وقد صدم النهب الرأي العام العالمي، وأصبح منذ ذلك الحين حالة نموذجية لتدمير التراث الثقافي في أوقات الحرب.

 

التعبئة الدولية

 

أدى هذا الحدث إلى تعبئة دولية شملت الإنتربول والجامعات ومنظمة اليونسكو والبعثات المتخصصة، بهدف استعادة الأعمال الفنية المسروقة وتعزيز حماية التراث الثقافي العراقي.

 

وبعد خمسة عشر عامًا من الحدث، اعتُقد أن نحو 7,000 من أصل 15,000 قطعة مسروقة قد تم استردادها.

 

وقد أعيدت هذه القطع من خلال برامج العفو الداخلية، ومصادرات الجمارك، وعمليات الشرطة حول العالم.

 

القطع الأثرية البارزة التي تم استرداده

 

تم استرداد قطع رئيسية مثل إناء وقناع ورقة، وتمثال النحاس من منطقة باسِتكي الأثرية، بالإضافة إلى قطع من كنز نمرود، وغالبًا ما كانت مدفونة أو مخفية من قبل اللصوص الذين لم يتمكنوا من بيعها.

 

كما تم العثور على العديد من التماثيل الملكية السومرية والقطع الطقسية الموجودة في الخارج، وأعيدت لاحقًا إلى العراق بفضل التعاون بين الإنتربول والسلطات الأمريكية والمتاحف والباحثين الأكاديميين.

 

وعلى الرغم من إعادة افتتاح المتحف في 2015 والجهود المستمرة لاستعادة القطع، لا تزال آلاف القطع متداولة في السوق السوداء أو فقدت بشكل نهائي، مما يقلص فهمنا لفصول كاملة من تاريخ بلاد الرافدين.

 

درس لحماية التراث الثقافي في أوقات الحرب

 

أصبح سلب عام 2003 اليوم نموذجًا دراسيًا في النقاشات حول حماية التراث الثقافي أثناء النزاعات، مؤثرًا في المعايير العسكرية والقانون الدولي وسياسات تتبع مصادر الآثار في المتاحف الغربية.

 

ومن الجدير بالذكر أن هناك العديد من الأطر القانونية التي تهدف إلى حماية التراث في أوقات النزاع، بما في ذلك اتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكولاتها الملحقة لعام 1999، بالإضافة إلى اتفاقية اليونسكو لعام 1970.

 

وعلاوة على ذلك، مكّن التعاون الدولي من رسم خرائط لشبكات النهب الأثري، من طرق التهريب والمحاور الإقليمية إلى الأسواق النهائية، وكذلك تحديد الجهات الاقتصادية المعنية، بما في ذلك الوسطاء ودور المزادات والمقتنين، وعلاقاتهم بالجريمة المنظمة والإرهاب.

 

ويُعد هذا التعاون الدولي عنصرًا أساسيًا في الجهود العالمية لحماية التراث الثقافي، ويسهّل استعادة القطع المسروقة.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل