شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ثقافة

الفن الانطباعي اللبناني: مصطفى فرّوخ، رسّام ومثقف ملتزم (4/4)

صورة للأخبار
«كورنيش رأس بيروت» (1941)، إحدى روائع مصطفى فرّوخ.
صورة المؤلف
بقلم ميشا مسلم
نُشر أبريل 21, 2026 - 11:10

يُعدّ مصطفى فرّوخ أحد كبار روّاد الفن التشكيلي اللبناني الحديث، وقد ساهم بشكلٍ واسع في إرساء دعائم المشهد الفني الوطني وتشكيل معالمه.

 

وُلد فرّوخ عام 1901 في حيّ البسطة المتواضع ببيروت، لأسرة سنّية، وتوفي عام 1957. وفي مقتبل العمر، تلقى التشجيع والتوجيه في محترف الرسام الحداثي حبيب سرور، حيث صقل موهبته الأولى.

 

وفي عام 1927، غادر بيروت متوجهاً إلى روما، حيث التحق بالدراسة في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة (سان لوكا)، ونال شهادته منها في العام نفسه.

 

وبعد محطة روما، تابع تحصيله الفني في باريس، وتتلمذ على يد عددٍ من كبار الفنانين، من بينهم بول إميل شاباس، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس جمعية الفنانين الفرنسيين. وبدأ عرض أعماله في كبرى المحافل الفنية، ولا سيما الصالونات الباريسية، و«بينالي روما» (Biennale de Rome)، ثم في البندقية ونيويورك وبيروت.

 

العودة إلى الوطن

 

عاد فرّوخ إلى بيروت عام 1932، حيث افتتح محترفاً وصالة عرض دائمة، غدت محطة استقطاب للحياة الفنية البيروتية.

 

درّس الفن في مؤسسات عريقة عدة، منها الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، والأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA)، ودار المعلمين في بيروت. كما ألقى محاضرات في منتديات فكرية متنوعة، لا سيما في «الندوة اللبنانية»، مساهماً بذلك في التأسيس المؤسساتي للحقل الفني اللبناني الناشئ. وبفضل نشاطه الواسع في المعارض الدولية، أُدرج اسمه عام 1950 في «قاموس بينيزيت» (Bénézit)، المرجع البيبليوغرافي الأبرز عالمياً للفنانين.

 

كان فرّوخ فناناً ومثقفاً ملتزماً؛ نشر في الصحف مقالات عديدة حول الفن، مساهماً في الثقافة الفنية للجمهور العريض. كما أصدر خمس مؤلفات في فلسفة الفن والهوية اللبنانية، من بينها سيرة ذاتية. وقد ساهمت كتاباته بشكل كبير في بلورة النظرية الجمالية ومكانة الفن في المجتمع اللبناني الناشئ.

 

نتاجه الفني وأسلوبه

 

كان فرّوخ رساماً غزير الإنتاج، إذ ترك وراءه أكثر من 2000 لوحة، تقتنيها مجموعات فنية واسعة في لبنان والخارج.

 

تندرج لوحاته أساساً ضمن المدرسة «ما بعد الانطباعية»، وهي ذات طابع تشخيصي وواقعي، طبعتها دراسته الأكاديمية الأوروبية، لكنها ظلت متجذرة في الموضوعات اللبنانية.

 

شملت مواضيعُه الأثيرة تفاصيل الحياة اليومية: من المناظر الطبيعية الريفية والحضرية، والقرى، والحقول، والموانئ، وكورنيش بيروت، وصولاً إلى وجوه الأعيان، والنساء العاملات، والفلاحين. كما رسم بعض لوحات العرِي، في خطوة اتسمت بالجرأة ضمن السياق المشرقي في ذلك الزمن.

 

تتميز لوحاته بألوان دافئة ومشرقة، وقد أولى عناية خاصة لتقنية «الكلاروسكورو» (الضوء والظلال) الموروثة عن دراسته الإيطالية، والتي نجح في دمجها مع الضوء المتوسطي.

 

وفي الثلاثينيات، وبعد إقامة مؤثرة في إسبانيا، رسم فرّوخ الإرث العربي الأندلسي، مجسداً بذلك الذاكرة العربية للأندلس بلغة بصرية حديثة.

 

لوحة أيقونية: «كورنيش رأس بيروت»

 

تُعدّ لوحاته لواجهة بيروت البحرية والكورنيش من أبرز الصور الأيقونية للبنان في مرحلة تشكّل هويته المعاصرة؛ فهي تقدّم رؤية شاعرية لبلدٍ يتجاور فيه البحر والجبل والعمارة التقليدية في انسجام وتكامل تامّين.

 

تجسد لوحة «كورنيش رأس بيروت»، التي رسمها عام 1941 إبان الانتداب الفرنسي، رغبة مصطفى فروخ في إرساء قواعد فن تشكيلي وطني لبناني يستلهم من الجذور والتأثيرات الأوروبية.

 

ويرمز هذا المشهد المديني، المنفتح على البحر، إلى الحوار بين المدينة الحديثة والأفق المتوسطي اللامتناهي؛ إذ يُعلي الفنان من شأن الضوء والمناخات المحيطة. وبذلك، تصبح رأس بيروت عتبةً بين الشرق والغرب، وبين الحداثة والتقليد. إن هذا العمل يجسد الهوية اللبنانية الناشئة ويشكل محطة مفصلية في مسار الحداثة التشكيلية في البلاد.

 

إنها رؤية شاعرية للبنان، حيث يتعايش البحر والجبل والعمارة التقليدية في انسجام تام. وتمنح هندسة اللوحة الموزعة على ثلاثة مستويات عمقاً للوحة، تقود العين من الطريق الترابي وصولاً إلى خط الأفق.

 

وتتباين تدرجات الأرض الدافئة مع زرقة البحر والسماء الباردة، مما يخلق أجواءً تجمع بين الإشراق والشجن في آن واحد. أما وجود شخصيتين في وسط اللوحة، فيضفي لمسة إنسانية على المشهد ويُدخل بعداً سردياً محبباً لدى فرّوخ. وتأتي أشجار النخيل والبيوت المنخفضة، المنفذة بلمسات ريشة مرنة، لترسخ اللوحة في فضاء شرقٍ متوسطي مثالي، يفيض بالحنين والعذوبة.

 

روادُ الريشة.. أيقوناتُ وطنٍ في طور التكوين

 

ختاماً، يبرز روادنا الأربعة في الرسم اللبناني – خليل صليبي، وعمر الأنسي، وقيصر الجميل، ومصطفى فرّوخ – وهم ليسوا الوحيدين بالتأكيد، كفنانين أيقونيين لأمة في طور التكوين. هؤلاء الذين صقلوا مواهبهم في الخارج، استلهموا من المدارس الفنية الأوروبية في عصرهم، واستخلصوا منها الأفضل ثم طوّعوها لتتلاءم مع الضوء والحساسية المتوسطية والشرقية. وبذلك، ساهموا في تعزيز الهوية الوطنية اللبنانية الناشئة، وأبدعوا رسماً لبنانياً بامتياز، يتشابه مع الرسم الأوروبي في مطلع القرن العشرين ويختلف عنه في آن واحد.

 

لقد أتاح لهم تأثير الرسم الغربي تحرير ريشة الرسم ولوحة ألوانهم، كما مكّنهم من الانعتاق من قيود التكليفات الدينية والرسمية، كاسرين بذلك المحرمات الاجتماعية التي كانت سائدة حينها. وإذا كان بعضهم قد استلهم من الانطباعية، فقد اقترب آخرون من الواقعية أو ما بعد الانطباعية. ومع ذلك، فقد ساهموا جميعاً في صياغة هوية وطنية لبنانية، وفي النهضة الفنية والاجتماعية للبنان. كما شكلت أعمالهم مصدراً لإلهام المجتمعات المشرقية في ذلك العصر.

 

إقرأ في الموضوع نفسه

 

– الفن الانطباعي اللبناني: من رمادية سماء باريس الى نور سماء جبل لبنان الساطع (1/4)

 

– الفن الانطباعي اللبناني: عمر الأنسي، سيّد الضوء (2/4)

 

– الفن الانطباعي اللبناني: قيصر الجميّل، رائد بين عالمين (3/4)

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل