

الفن الانطباعي اللبناني: قيصر الجميّل، رائد بين عالمين (3/4)
يبرز قيصر الجميّل كأحد أعمدة الرسم الحديث في لبنان، بوصفه شخصيةً مؤسسية وفناناً من الطراز الرفيع. طبع مسيرته بتحوّلٍ لافت من الأكاديمية الجامدة إلى تعبيرية أكثر حسّية وارتباطاً بالواقع اللبناني.
لقد ساهم الجميل في الانتقال من فنٍّ ديني وتوثيقي بحت إلى فنٍّ يستند إلى التعبير الشخصي، محوّلًا الفنّ اللبناني التقليدي
إلى لغةٍ حديثة مشبعة بتأثيراتٍ الانطباعية الفرنسية.
الإنسان
وُلد قيصر الجميّل في 9 شباط 1898 في عين التفاحة، وهي قرية صغيرة في جبل لبنان قريبة من بكفيا (كانت آنذاك تحت الحكم العثماني)، لأسرة من الأعيان.
بدأ دراسته في معهدٍ كهنوتي في قرنة شهوان، لكنه ما لبث أن غادره إثر وفاة والده، ليدرس الصيدلة في الجامعة الأميركية في بيروت.
البدايات الفنية
اتخذت حياته مساراً جديداً كلياً حين تقاطع دربه مع الفنان خليل الصليبي، أحد كبار أساتذة الرسم اللبناني. وإذ اضطلع الصليبي على رسومه، اتخذه تلميذاً في محترفه، حيث اكتسب الجميّل منه تقنية فنية استثنائية.
عدل الجميّل عن الصيدلة ليتفرغ كلياً للرسم. وفي عام 1927، سافر إلى باريس، حيث التحق بـ«أكاديمية جوليان» و«المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة، وهما مؤسستان خرّجتا كبار الرسامين أمثال ماتيس، وبونار، وجبران خليل جبران.
أمضى هناك ثلاث سنوات انكبّ فيها على دراسة المدارس الفنية الباريسية التي سادت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، مثل الانطباعية، وما بعد الانطباعية، والوحشية، مع ميل جليّ نحو الانطباعية والوحشية. كما تأثر بشكل خاص بأعمال رينوار.
كانت تلك الحقبة مفصلية في مسيرته؛ إذ ساهمت في تحرير ألوانه وطريقته بالرسم.
النضج الفني
في عام 1930، عاد الجميّل إلى بيروت. وفي العام التالي، نال الجائزة الأولى في "المعرض الاستعماري الدولي" في باريس، كما قُلّد وسام الأرز الوطني. وبدفعٍ من هذه التقديرات الرفيعة، قرر التفرغ كلياً لفنّه.
خلال تلك الحقبة، شهد الفن في لبنان نهضةً كبيرة، بفضل رعاة الفن أمثال ألفريد سرسق، وعمر الداعوق، وهنري فرعون، وكميل إده.
حتى وفاته إثر أزمة قلبية في بيروت عام 1958، ظل قيصر الجميّل يمارس الرسم والتعليم، مشاركاً بفاعلية في في الحياة الثقافية اللبنانية. وفي عام 1943، ساهم في تأسيس قسم الفنون والهندسة المعمارية في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA)، حيث تولى التدريس فيها، لاعباً بذلك دوراً محورياً في نشأة استقلالية الفكر الفني اللبناني، ومساهماً في مأسسة التعليم التشكيلي في لبنان.
رسّام الجسد والأرض
كان الجميّل عاشقًا للّون والضوء، فاستطاع أن يجسد في لوحاته الهوية اللبنانية دون أن يقع في فخّ الفولكلور. وتتميز لوحته بضربة ريشة حيوية، وبطلاء زيتي كثيف وطبقات من الألوان المتراكمة. فهو يبحث في فنه على الانفعال البصري بدلاً من التفاصيل الفوتوغرافية الدقيقة.
وإذا كان عمر الأنسي "سيد الضوء والشفافية"، فإن قيصر الجميّل يفرض نفسه سيد العري. ولعل هذا هو الجانب الأكثر جرأة في فنه؛ ففي مجتمع محافظ، استطاع الجميّل فرض العري الأكاديمي. فلوحاته كانت تضج بالحياة وهي أقرب الى المنحوتات منها الى الرسم. مع أن موضوع العديد منها كان العري، إلا أنها لا تقع أبداً في التزلف الرخيص، بل هي أقرب الى فن النحت الراقي.
أما الضوء والطبيعة اللبنانية، وعلى نقيض الرسامين المستشرقين الذين اختزلوا الشرق في مجرد ديكور جميل، فقد رسمها الجميّل بروحٍ صادقة نابعة من أعماق حسه الوطني المرهف.
نضاله الفني
طوال مسيرته، عاش الجميّل صراعًا دائمًا بين التقاليد والحداثة. ففي بعض المعارض، أثارت لوحاته التي تمثل العري سجالات حادة. ومع ذلك، استطاع بفضل مهارته التقنية كسب احترام النخب ورجال الدين على حد سواء، فاتحاً بذلك الباب أمام حرية فنية أوسع للأجيال اللاحقة. وبإدخاله العري والواقعية الحسّية إلى الشرق الأوسط، ترك أثراً بالغاً في مسيرة فنانين لبنانيين كبار، أمثال شفيق عبود وبول غيراغوسيان.
وفي عام 1988، في الذكرى المئوية لميلاده، أقام لبنان احتفالًاً وطنيًا تكريمًا له، في دليل قاطع على أنه لا يزال يمثل المرجع المطلق للجمالية اللبنانية في القرن العشرين.
وحتى اليوم ، لا تزال أعماله تشكل درة المقتنيات في متاحف ومؤسسات مرموقة، مثل متحف سرسق، ومتحف (المتحف العربي للفن الحديث) في الدوحة، ومؤسسة دلّول الفنية.
عملٌ أيقوني: «عُريٌ في استراحة» (Nude in Repose)
يُعدّ "العري" موضوعاً ملازماً ورمزياً في أعمال الجميّل، سواء في لوحاته الزيتية أو في رسومه بالفحم. العُري عنده ينبض بالحياة، ترافقه ألوان زاخرة تنبض بالحياة؛ كان يميل إلى استخدام الواناً دافئة للبشرة، ولا يتوانى عن إدخال ظلال ملونة ببراعة فائقة. وتحت ريشته المتحررة، تشعر وكأن البشرة ترتعش وتتنفس.
تجسد لوحة «عُريٌ في استراحة» (Nude in Repose) روحُ الريادة التي ميّزت فن الجميّل. فبحجبه وجهَ المرأة يوجه الرسام الانتباه كله إلى لعبة الضوء فوق الجسد.
ضربات ريشته، الانسيابية والمتحررة، تلتقط انحناءة الظهر والعمود الفقري، متبعاً بذلك أرقى تقاليد الانطباعية الفرنسية وأسلوب رسامين كبار أمثال رينوار.
فالعريّ عند الجميل ليس مبتذلاً، بل ينضح بشاعريةً رقيقة وشفافة ويجمع بين الجاذبية القوية والاحتشام الرقيق التي توحي به وضعية الجسد المتراخية. الجمال هنا متّزن، والخطوط منسابة تمنح اللوحة تناغماً تاماً.
بعيداً عن التقنية، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان عرض جسد امرأة عارٍ، ولو من الخلف، يمثل خطوة ثورية بامتياز. فمن خلال لوحاته، قد كسر الجميّلُ القيود الاجتماعية بجرأة، وفرض حرية التعبير الفني، رافعًا الفن اللبناني إلى مصاف التجارب الطليعية الغربية.
المقال المقبل
الفن الانطباعي اللبناني: مصطفى فروخ، رسّام ومثقف ملتزم
إقرأ في الموضوع نفسه
– الفن الانطباعي اللبناني: من رمادية سماء باريس الى نور سماء جبل لبنان الساطع (1/4)
– الفن الانطباعي اللبناني: عمر الأنسي، سيّد الضوء (2/4)