شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

سيمون كرم… حين تتحول الذاكرة الوطنية إلى عنصر قوة في التفاوض

صورة للأخبار
السفير سيمون كرم (على اليمين في الصورة) برفقة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، في قصر بعبدا، في 8 مايو 2026 (صورة: الرئاسة اللبنانية/أ.ف.ب).
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي
نُشر أغسطس 2, 2026 - 20:26

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بقدراتها العسكرية فقط، بل بنوعية من يمثلها. فالمفاوضات المصيرية ليست نقاشًا تقنيًا حول خرائط أو ترتيبات أمنية، بل اختبار لقدرة الدولة على حماية روايتها التاريخية وصياغة مستقبلها.

في هذا السياق، يبرز السفير سيمون كرم كأحد الوجوه البارزة في الدبلوماسية اللبنانية. حضوره لا يقوم على الخطابة أو الظهور الإعلامي، بل على هدوء راسخ، ودقة في المقاربة، ونزاهة رجل دولة يضع معيار النجاح في ما يحققه للوطن لا لنفسه.

وخلال مسيرته، أثبت كرم استقلالية واضحة في الموقف والسلوك. لم يتعامل مع المناصب كامتياز شخصي، ولم يتردد في مغادرتها عندما تعارضت مع قناعاته أو مع ما يراه منسجمًا مع مبادئه. وقد عكس ذلك في محطات سياسية وتنظيمية متعددة، وصولًا إلى استقالته من منصبه كسفير للبنان في واشنطن، تأكيدًا على أولوية المبدأ على الموقع.

وتتجلى دلالة هذا السلوك بشكل أوضح عند مقارنته بسياقات دبلوماسية مشابهة، حيث غالبًا ما يفضّل العديد من الدبلوماسيين البقاء في مواقعهم رغم التباينات السياسية. في المقابل، شكّلت استقالته رسالة واضحة بأن الموقع بالنسبة إليه ليس غاية، بل وسيلة مرتبطة بمدى القدرة على خدمة الموقف الوطني. وهذا ما يمنحه لاحقًا هامشًا أوسع من الحرية في أي دور استشاري أو تفاوضي، لأنه لا يتحرك تحت ضغط الاعتبارات الوظيفية أو الحسابات الشخصية.

هذه الخلفية تمنحه مصداقية إضافية في العمل التفاوضي، إذ إن المفاوض غير المرتبط بموقعه يكون أكثر حرية في الدفاع عن المصلحة الوطنية، وأقل خضوعًا لحسابات البقاء في المنصب. وقد ظهر هذا النوع من الاستقلالية في تجارب دولية عديدة، حيث لعب دبلوماسيون سابقون أدوارًا حاسمة في مفاوضات حساسة بعد خروجهم من مناصبهم الرسمية، مستفيدين من خبرتهم دون قيود إدارية مباشرة.

إلى جانب ذلك، يتميز السفير كرم بمعرفة معمقة بجنوب لبنان، ولا سيما بتاريخ جبل عامل. وهي معرفة تتجاوز الإطار الجغرافي أو التوثيقي، لتشمل فهمًا لبنية المجتمع العاملي، وتاريخه الاجتماعي والسياسي، ودور نخبه ومرجعياته في تشكيل جزء من الهوية اللبنانية.

وتتجلى أهمية هذه المعرفة في كونها ليست نظرية فقط، بل مستندة إلى متابعة طويلة لتطورات الجنوب اللبناني خلال محطات مفصلية، من مرحلة ما بعد الاجتياحات الإسرائيلية، إلى التحولات الأمنية والسياسية التي شهدها الإقليم في العقود الأخيرة. هذا الاطلاع يتيح له قراءة أعمق لديناميات الأرض والناس، وهو عنصر أساسي في أي نقاش يتعلق بالحدود أو الترتيبات الأمنية أو مستقبل الاستقرار في المنطقة.

فعلى سبيل المثال، في أي نقاش حول الخط الأزرق أو النقاط الحدودية المتنازع عليها، لا يكفي الإلمام بالنصوص الدولية، بل يصبح فهم طبيعة القرى الحدودية، وتركيبة العائلات الممتدة عبر الخطوط، وتجربة السكان مع النزاعات السابقة، عنصرًا حاسمًا في صياغة موقف تفاوضي واقعي وقابل للحياة. وهنا تبرز قيمة الخلفية التي يمتلكها كرم، إذ تسمح له بربط البعد القانوني بالواقع الاجتماعي الميداني.

هذا الاهتمام ليس طارئًا، بل جزء من تكوينه الثقافي والفكري، ما يجعله يقرأ هذا التاريخ بوصفه عنصرًا حيًا في الذاكرة الوطنية، لا مجرد سردية ماضية.

وتكتسب هذه المعرفة أهمية خاصة في سياق المفاوضات المتعلقة بالحدود والأمن ومستقبل الجنوب، حيث لا تُختزل الأرض في خطوط جغرافية، بل في تاريخ وحقوق وتجارب تراكمت عبر الزمن. وفي حالات مشابهة في تجارب دول أخرى، أثبتت المفاوضات أن تجاهل البعد التاريخي والاجتماعي يؤدي إلى اتفاقات هشة، بينما يسهم دمج هذا البعد في إنتاج تفاهمات أكثر استقرارًا واستدامة.

وتُظهر التجارب الدولية أن المفاوض الفعّال هو من يجمع بين القانون والتاريخ والجغرافيا والسياسة، لا من يقتصر على البعد التقني وحده. ومن هذا المنطلق، ينتمي كرم إلى مقاربة تعتبر المعرفة العميقة جزءًا من أدوات القوة التفاوضية، لا مجرد خلفية ثقافية.

وتزداد أهمية هذا الدور في ظل مرحلة إقليمية حساسة قد تعيد رسم توازنات الجنوب اللبناني، وتفتح الباب أمام مقاربات جديدة للعلاقات في المنطقة، حيث تصبح التفاصيل الدقيقة في فهم الأرض والسكان جزءًا من معادلة الأمن والاستقرار.

وفي هذا الإطار، لا يمثل الوفد اللبناني طرفًا سياسيًا بعينه، بل يعكس الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها وتاريخها. لذلك، فإن وجود شخصيات ذات خبرة واستقلالية مثل السفير كرم يعزز من صدقية الوفد ويقوي موقعه التفاوضي، خصوصًا في الملفات التي تتطلب مزيجًا من الحس التاريخي والدقة القانونية.

ورغم تباين التقديرات حول نتائج هذه المفاوضات، يبقى الثابت أن لبنان، إذا أراد أن يكون فاعلًا في صياغة مستقبله، يحتاج إلى نماذج من رجال الدولة تجمع بين النزاهة والخبرة والمعرفة العميقة بتاريخ البلاد.

في هذا النموذج تحديدًا، يبرز السفير سيمون كرم، حيث تتقاطع الاستقلالية مع الخبرة، والمعرفة مع الالتزام. ومن هنا، فإن حضوره في أي مسار تفاوضي لا يعكس قيمة شخصية فحسب، بل يعبر عن تصور لدور الدولة نفسها: دولة تستند إلى تاريخها، ويمثلها من يضع المبدأ فوق المنصب، ويجعل من الدبلوماسية أداة لحماية الحق قبل أن تكون وسيلة لإدارة التوازنات.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل