Logotipo de Levant Time

عين على الحدث

التفاهم والمصالحة
Por
هشام دبسي
Publicado
يونيو 23, 2026 - 13:11

تحرّك الرئيس ترمب بسرعة قياسية غير متوقعة، إثر إعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز مجدداً ، و وجّه نقمته هذه المرّة إلى حليفه نتنياهو ، فارضاً عليه وقفاً لاطلاق النار في الجنوب اللبناني. حرصاً على سلامة مسار المفاوضات في محطته السويسرية . إلا أنّ يوم الاغلاق الجديد هذا ، لم يمنع عبور خمسة وخمسين ناقلة نفط عملاقة إلى أسواق العالم بحماية أميركية حسب بيانات القيادة العسكرية المركزية فضلا عن تصريحات ترمب ونائبه فانس. الآن، ليس مهماً البحث في صِدْقيّة الطرفين ، ولا ضرورة لتقصّي الحقائق في كل تفصيل ، حيث تُبيح "مذكرة التفاهم" للطرفين تسويقها بما يناسب احتياجاتهم. إلا أن مجرد إعلان طهران مجدّداً عن اغلاق المضيق - حتى وإن لم تنفذ - صار حدثاً سياسياً بذاته يدفع الادارة الامريكية للتحرّك ولو على حساب الجيش الاسرائيلي، مفخرة الصناعة الحربية الامريكية في الشرق الاوسط. لقد بالغ الرئيس ترمب قليلاً بإعلانه تدمير سلاح الجو وسلاح البحر، لكنه لم ينتبه بأنه لم يستطع تدمير سلاح المفاوضات الايراني ولا يريد الاعتراف بذلك، في الوقت الذي برهن الإيراني على قدرات تفاوضية لا تتناسب مع وضعه الحالي و تتجاوز ميزان القوى . مجتبى المرشد الجديد ما زال يتحدّث من خلف حجاب ، و جمهوره في توقٍ لرؤيته، أما اعوانه المُقَرّبين أكثر دراية منه في حال الجمهورية بعد كل ما جرى من تدمير واسع النطاق للقدرات والمباني والأسلحة ويدركون أيضاً حاجتهم المُلِحّة للهدوء والمال والوقت وهذا ما منحتهم إياه "مذكرة التفاهم" ، بوابة المصالحة مع الشيطان الأكبر. لكنّهم يدركون أيضاً أن المُصالحة تحتمل حصول انهيارات داخلية، خاصةً و أنّ سياسات واشنطن لم تقنعهم و من خلفها اسرائيل المعترضة على "مذكرة التفاهم" بما هي ضمانتهم الوحيدة ، فإن وافق عليها المرشد الاعلى، فَقَدَ النظام مساحة المُناورة وان رفضها، تتعاظم الخسائر و كلا الخيارين أحلاهما مُرّ. لذا اختصر توجيهاته لاعوانه و شعبه بكلمتين يفصح فيها عن القبول على قاعدة عدم القناعة. بالأمس، في المنتجع السويسري وبعد النجاح الذي حققته دولة الباكستان بمساعدة "حيوية" قَطَريّة، أثمر اللقاء الاول والمباشر بين الوفدين عن رسالة ايجابية، لم يعَكّرها إلا تصريحات المتشددين في طهران و ردود فعل الرئيس ترمب المتسرّعة ، وهذا ما يذكر الجميع بهشاشة العملية السياسية حتى الآن وقابليتها للانهيار مجدّداً، إذ ما زال العقل السياسي الايراني تحت وطأة نظرية "الحَبَل بلا دَنَس" خاصةً إذا كان الزواج مع إدارة يقودها تاجر عقارات يتحدث بفظاظة وفضائحية. حدود اللعبة اياً تكن ملاحظات المعترضين على نص "مذكرة التفاهم" ، وفيها جانب من الصحة، إلا أن وظيفتها الأساسية ليس بظاهرها وانما بالملاحق السّرّيّة المصاحبة لها سواء كانت مكتوبة ام شفهية، و دورها هو دخول الايراني الى الغرفة السوداء الثنائية للمفاوضات المباشرة وجهاً لوجه. و عندما ينجح الوسطاء بإعداد غرفة التفاوض الثنائي المباشر، لن يتذكر أحد نواقص و ثغرات "مذكرة التفاهم" لأن مسار المفاوضات الايرانية - الاميركية عندما ينطلق و يترسخ لن يكون الا ترجمة مباشرة لموازين القوى الواقعية وليس للتشاطر والمراوغة. وبهذا المعنى، لا مجال في المفاوضات المباشرة لنظرية "الحَبَل بلا دَنَس". هذا ما يعرفه جيداً قادة النظام الإيراني ، وجُلّ ما يرغبون به هو حفظ رأس النظام وضمان عدم التعرّض مجدّداً للهجمات التي هدّدت وجودهم وسلطتهم. وهذا لا يعني أن القيادة الإيرانية لن تبذل كل ما تستطيع من أجل الحصول على اتفاق يناسبها، بل يعني أن قواعد اللعبة تتغير من مرحلة العداء و الصراع و المناكفة إلى مرحلة التفاهمات المؤقتة، وصولاً إلى المصالحة. هنا يمكن قراءة التجربة المَصرِيّة في المصالحة مع الولايات المتحدة عبر اتفاقية "كامب ديفيد" مع اسرائيل ، وكذلك اعادة قراءة التجربة الفلسطينية وعنوانها "اتفاق أوسلو" ، لندرك التباين الكبير في النتائج بين الحالة المصرِيّة والحالة الفلسطينية عندما يسود منطق ميزان القوى الواقعي وليس الافتراضي . الآن ايران أمام تجربتها الخاصّة، وحالتها الحاملة لإرث الجمهورية الاسلامية وخلفه ارث الدولة الشاهنشاهية الماثل حتى اليوم؛ فضلاً عن إرث الحروب التي لم تتوقف لحظة منذ وصول قائد الثورة الامام الخُمَيْني إلى سُدّة الحُكُم، سواء كانت حروب ضد الشعوب الإيرانية أو ضد الشعوب العربية والاسلامية، من افغانستان حتى اليمن ما يجعل الحرب الاخيرة مع اسرائیل و امیرکا من أقصر الحروب لكنها الأخطر على النظام والدولة. ولأنها كذلك وصلت اللعبة الى حدها الاقصى؛ حيث لم يبْقَ من الدولة الإيرانية إلا شعب يعاني الجوع والمرض وجيش مازال لديه صواريخ وقادة لا يكترثون لشعبهم ولا لجيرانهم. دينامية جديدة ساعة المنتجع السويسري، بدأت العد التنازلي لمدة الشهرين المتفق عليها في "مذكرة التفاهم" و قضايا الحوار الأساسيّة ليست تلك المُعْلَنَة "النووي ، العقوبات، الارصدة المجمّدة، وغيرها" بل هي قاعدة العلاقات الثنائية الاميركية- الايرانية في المستوى الامني اولاً وعلى المستوى الاقتصادي ثانياً وصولاً إلى المصالحة السياسية. و هذه القضايا الثلاث ( الامن و الاقتصاد و السياسة) هي العناوين التي تستوعب كافة الملفات المُختَلَفْ عليها، و هي عناوین تحتاج إلى ديناميّة جديدة في المفاوضات لا علاقة لها بالديناميّة التي أنتجت "مذكرة التفاهم". ولها أيضاً أولوياتها من اجل انتاج مصالحة سياسية قابلة للحياة، في مقدّمها انتاج سياسات امنية عَميقَة يطمئن لها النظام الإيراني وترضى عنها الولايات المتحدة التي تعتبر ايران حتى الآن فجوة أمنية في منطقة عمل القوات الأميركية في الشرق الأوسط الكبير "السنتكوم" ، وهذا يستتبع ايضاً الامن الاقليمي لمنطقة الخليج والدول العربية. فضلاً عن دول وسط آسيا في المحور الاوراسي الكبير، هذا الامر يتطلّب حسم مصير الاقتصاد الإيراني ثاني أكبر اقتصاد بعد المملكة العربية السعودية. وهنا يجدر الذكر بأنّ سبب انسحاب الرئيس ترمب من "الاتفاق النووي" هو الاقتصاد قبل الأمن حسب تصریحاته. إن الوقت قصير نسبياً لانجاز القضايا الأساسية إذا استمرت المفاوضات على طريقة الأرجوحة، وهو كافٍ إذا تعلّمت إدارة ترمب درساً في المفاوضات من خصمها اللّدود، وهذا ليس عيباً في السياسة. وهنا تبدو المسؤولية الامريكية أكبر بكثير من المسؤولية الإيرانية ، وإلا على الولايات المتحدة الاقرار بهبوط مكانتها إلى مستوى دولة اقليمية وليس كما تُصَرّح وتُمارِس بصفتها دولة كبرى. لا بد من الاشارة أيضاً إلى دور دول الوساطة الأربعة ( باكستان، السعودية، مصر، تركيا ) بصفته يعكس ثقل الناتج السياسي للقمم العربية والاسلامية معاً، وقدرته على التأثير الفعّال في عواصم العالم من بكين إلى موسكو إلى دول الغرب الاوروبي وكذلك علاقاته مع الدول اللاتينيّة. و قد وصل هذا التأثير الى الولايات المتّحدة باعتراف صريح من الرئيس ترمب. لذا لا يمكن لأحد التجاوز والقفز عن حقائق موضوعية برهنت على قدراتها، لأن دول الوساطة خلال الفترة القادمة قادرة على أن تكون لاعباً وازناً في معادلات المنطقة والعالم ، و هي تعلن ذلك وما يصدر من تصريحات واضحة المعالم والاتجاه عن وزراء خارجية الدول الاربعة في لقائهم الاخير في القاهرة لا يمكن اعتباره تفصیل او قناعة بدور الوساطة وهذا ما لا تفعله اسلام آباد و الرياض وانقرة والقاهرة بعد مِراسٍ طویل من الاشتباك السياسي والامني و الدبلوماسي على أكثر من محور واكثر من قضية بينما الآن نشهد الاشتباك على مستقبل المنطقة وهذه الدول هي الاساس فيها وعليها يدور الصراع أيضاً. البرازيل نموذجاً تُعدّ البرازيل من الدول الصاعدة في المسرح العالمي من خلال مجموعة العشرين و مجموعة البريكس بحجم سكاني و اقتصاد تريليوني يسمح لها كدولة كبرى فی امريکا اللاتينية ان تجسّد طموح شعبها بأعراقه المتعددة كي تصبح قطبأ في عالم متعدد الاقطاب فإن دورها هذا يفصح عنه بيان مقتضب صادر عن وزارة خارجيتها فى19 حزيران الجاري يرحّب بتوقيع "مذكرة التفاهم" من اجل انهاء النزاع ويحثُّ الاطراف على الالتزام التام بالبنود المتّفق عليها ويدعو تحديداً [إلى الوقف الكامل للأعمال العدائية على جميع الجبهات بما فيها لبنان وإلى مواصلة الانخراط في مفاوضات لضمان ابرام اتفاق سلام شامل وتؤكد البرازيل مجدّداً على تحقيق الاستقرار والأمن الدائمين في الشرق الاوسط ولا سيما في دولة فلسطين في كل من غزة والضفة الغربية]. بهذه العبارات الواضحة والبسيطة والمحدّدة بدقّة عبّرت دولة البرازيل عن موقف لا يستطيع رفضه اي مواطن لبناني او فلسطيني ، حيث تَجَلّت المقاربة الدولتية "لمذكرة التفاهم"، في الوقت الذي ضجّت وسائل الاعلام المحلّيّة بالمقاربات المتباينة يميناً و يساراً مقاربات تجاوزت حدود الوظيفة المؤقتة "لمذكرة التفاهم" عبّرت عن نزق سياسي لدى من لا يتوافق نص المذكّرة مع طموحه او رغباته أو أوهامه السياسية او يأسه من الواقع الصعب والمعقّد، الذي يواجه لبنان وفلسطين على خصوصية كل طرف وتباين موقعه و دوره. في الوقت الذي يُتاح للشرعيّة اللبنانيّة فرصة التقدم الحيوي والوازن للبرهنة على قدرتها. وكذلك فرصة الشعب الفلسطيني للتمسّك بحقّه السياسي و دولته المستقلّة. لقد منَحَت البرازيل دعماً لجنوب افريقيا في محكمة العدل الدولية ضد اسرائيل و قدّمت منحة ماليّة لوكالة الأونروا، بينما ايران الحرس الثوري لم تعترف بدولة فلسطين و لم تقدّم لشعوبنا سوى الموت و الدمار.

عند نقطة الانكسار
Por
هشام دبسي
Publicado
يونيو 16, 2026 - 12:10

العنوان هو شعار وضعته القيادة الإيرانية على لوحة اعلانية عملاقة وسط ساحة "انقلاب" في طهران، يُظهِر مضيق هرمز فوق فم دونالد ترمب رئيس دولة "الشيطان الأكبر" الذي يجب هزيمته ، كما ينبغي تدمير دولة "الشيطان الأصغر" اسرائیل. لكن الوقائع تخبرنا هذا الأسبوع أن ثمة اتفاق آتٍ "عند نقطة الانكسار" مع الشيطانين الأكبر و الأصغر،ربما يتم توقيعه يوم الجمعة القادم . لم يخطر على بال ماكينة الاعلام الايرانية ان الانكسار يصيب قادته أيضاً، وليس الاعداء فقط، حتى و لو كانت القيادة الإيرانية تعتقد انها حققت نصراً الهياً غير مسبوق عند نقطة الانكسار هذه في المضيق أو في جنوب لبنان. واذا صدقت النيّات الاميرکیة والايرانية وتم التوقيع على "مذكرة التفاهم" أو "الاتفاق الاطاري" الأميركي - الإيراني من أجل وقف الأعمال العدائية وفك الحصار المنصوب على المضيق المغلق؛ نكون أمام حالة نجحت فيها طهران في الامساك بالرقبة بُغْيَة انجاز النصر المطلوب عبر خنق شامل لاقتصادات العالم. بينما نجحت واشنطن بالامساك بالأنف والفم وإجبار الرأس الإيراني بالنزول تحت الماء عبر الحصار البحري و تعطيل حركة المرافئ الشاملة . هكذا تحوّل عامل الزمن ضد من يمسك بالرقبة فقط، كما تقول و تدل اللوحة الاعلانية، و إلى أن يتم التوقيع الاسبوع الجاري؛ ثمة ملاحظات يمكن الحديث عنها على صلة قوية بالاتفاق. الملاحظة الاولى: ان مذكرة التفاهم المُعلنة لا يُمكن التسليم بظاهرها فقط ، إذ أن الوسطاء تمكّنوا من انجاز بطانة صالحة لنجاح الاتفاق عبر توفير حلول غير معلنة ذات وزن سیاسي و امني و اقتصادي، تنسجم مع رؤية الوسطاء المستندة إلى قراءة استراتيجية مختلفة عن قراءة طرفي الصراع. و هذا يُحسب إيجاباً لأطراف الوساطة وإن أزعج انصار التشدد ودَيْمومَة الحرب، لأن احتساب وزن دول الوساطة والدول المؤيّدة لها في هذه المعركة لن يتوقف على دورها الراهن ولا على النتائج المباشرة التي سنحصل عليها، بل صار وزن هذه الدول رُكُن من أركان المعادلة السياسية الجغرافية، لا يمكن تجاوزه على المستوى الاستراتيجي الدولي او في صراع القِوى الاقليمية للشرق الاوسط الجديد، وهذا يفتح مساحة صراع حضاري تَنْمَوي ، بديل الصراع الميليشياوي بكل ما حمله من قذارة و تدمير وقتل للشعوب. الملاحظة الثانية: أن "مذكرة التفاهم" هذه او "الاتفاق الاطاري" ، كشفت هُزال القوّة الايرانية التي ترفض الاعتراف بالهزيمة، وتستحضر عدّة وعتاد الايديولوجيا، سلاحها الأخير للحفاظ على تماسك رأس النظام والكتلة الصلبة المكوّنة له من حرس ثوري وميليشيا عقائدية قادرة على اعتقال و قتل كل من يخالفها الرأي. لأنّ رفض الاعتراف بالهزيمة اساسي في نجاح خطة البقاء في السلطة، المبنيّة بدورها على فهم للسیاسات الامريكية وجدلها الداخلي في المؤسسة العميقة، حيث استثمرت القيادة الايرانية في سياسات الاحتواء الامريكية افضل استثمار في الوقت الذي فشلت إدارة ترمب في فهم واستيعاب العقلية الفارسية وهي جوهرة التاج لنظام الولي الفقيه. وكان المثل الفجّ على هذا الامر، يكْمُن في نجاح رئيس الوزراء نتنياهو بإقناع الرئيس ترمب في الهجوم الأوّل و ساعة الصفر التي ستُسقِط النظام؛ ما جعل نتنياهو يزهو بنفسه لفترة طويلة كعرّاب لهذه الحرب الذي لا يُرفَض له طلب عند الرئيس ترمب. إلا أنّ تدحرُج الحرب على المدى الزمني وإتساع تأثيرها على دول العالم شكّل معادلةً جديدة وضعت نتنياهو في حجمه بصفته مقامر سياسي لا يكترث حتى لو سقط البيت الأبيض نفسه. إن قصّة السّيّد والتابع نشهدها يومياً حين يكون ترمب مُنزعجاً من الخسائر التي يسببها نتنياهو، فيذهب إلى تقريعه كولدٍ عاقّ و حين يحتاجه يُكيل المديح لانجازاته حتى صارت حالة الثنائي ترمب - نتنياهو تستحضر مسرحية الكاتب الكبير برتولت بريشت الساخرة (“السيد بونتيلا وتابعه ماتي”- “Hean Puntila und Sein Knecht Matti”) حين يكون السيد مُنْتَشيًا فيُظهِرتسامحه وعندما يصحو لمصالحه يُظْهر قسوةً و تسلّطاً. لقد كان من الأجدر لنتنياهو،قبل اعلان نفسه سيّداً، مراجعة تعليق وزير الدفاع الاسرائيلي السابق موشي دايان عند قراءة نصوص اول إتفاقية مع أمريكا بعد حرب حزيران تحت مسمّى ( الشراكة الأمنية المتنامية ) حينها قال دايان: " أن اسرائيل دولة صغيرة توقّع اتفاقاً مع دولة عظمى ، هذا يعني أننا أصبحنا دولة عميلة". وفي مناسبة توقيع أولى شراكة استراتيجيّة عام 1981 مع رئيس الوزراء مناحيم بيغن قال وزير الخارجية الاميركي الكسندر هيغ :"بأن اسرائيل هي حاملة طائرات امريكية لا يمكن اغراقها" .ومن سخرية الواقع أن نتنياهو نفسه يطالب حكومته بأن تعمل على انتاج ما تحتاجه من الذخائر حتى يصبح قرارها مستقلاً. الملاحظة الثالثة : ان "الاتفاق الاطاري" المؤقت يستند إلى عجز النظام الإيراني عن تحقيق انتصار واضح ومقنع بعد الدمار الهائل الذي لحق بالمؤسسة العسكرية والامنية والاقتصادية ولم يبقَ للنظام إلا ذخيرته الصاروخية و ادواته الميليشاوية و هي مؤذية لكنها لا تبدل بالمعادلة شيئاً يُذكَر؛ وكذلك الولايات المتحدة التي حشدت معظم قوتها العسكرية على أمل أن يكفي إشهار السلاح و التهديد به قبل استعماله وهذا ما فشلت فيه فشل نسبي جعلها تعود في كل مرة للمشاركة في القتال، إلا أن حضور فائض القوة و أكلافها لا تقلّ ضرراً عن المعارك نفسها . ولما كان العجز العميق عن إنتاج الحل ، بدأت مفاعيله تظهر في الكونغرس و عند "الماغا" و في محطات الوقود، فان الاعيب البورصة و الأسهم ليست كافية لتغطية عجز يدفع ثمنه الناس من جيوبهم. بعد تلك الملاحظات ونحن نذهب إلى "اتفاق اوّلي"، "اتفاق مبادئ" ، باطنه غامض وظاهره لا يحسم أي قضية سوى وقف اطلاق النار و اعتماد المفاوضات كوسيلة وحيدة لحل الصراعات وتحييد اعمال البلطجة المحلية الإيرانية وأعمال التسلط و الهيمنة الامريكية المطلقة. اليس هذا يعكس ميزان قوة بين الجمهورية الاسلامية و الولايات المتحدة مشابه لميزان القوة بين دولة اسرائيل و منظمة التحرير الفلسطينية التي لا تملك إلا "انتفاضة الحجارة" وسيلتها الوحيدة لتحييد جيش الاحتلال وإجبار حكومة رابين على التخلّي عن سياسة كسر العظام والتفاوض على الانسحاب من الضفة الغربية و قطاع غزة؟ اليس اتفاق المبادئ الأولي المعروف "باتفاق اوسلو" تم إنتاجه وفق الفلسفة السياسية التي يتم فيها إنتاج "الاتفاق الاطاري" المؤقت الآن؟ عند توقيع اتفاق منظمة التحرير الفلسطينية مع الشيطان الأصغر اسرائيل كان حراماً و تم تخوين قادتها! و عند توقيع القيادة الايرانية اتفاقها مع الشيطان الأكبر امريكا صار حلالاً و سيحتفل البعض بانتصارها! لكن يُمكننا القول أن هذا الاتفاق هو اتفاق اوسلو الايراني.

مائة يوم على الحرب
Por
هشام دبسي
Publicado
يونيو 9, 2026 - 05:12

يستمر الجدل هذه الايام حول وحدة الملفات والمسارات وفصلها. والواقع يكشف أن الملفات السياسية مترابطة بطبيعتها، وتعكس تعقيد الحياة الاقتصادية والسياسية، لكن أوزانها مختلفة وتأثيراتها المتبادلة ليست متساوية وأنّ فصل أي ملف ومعالجته مسألة خيارات مرتبطة بالاولويات، وبالخطورة، والحساسية. وفي هذا المجال، كان الرئيس باراك اوباما يعتبر أن قوة السياسة الخارجية الاميركية تكمن في فن ترتيب الأولويات التي تسمح بإدارة عجلة الحلول في القضايا المعقّدة، ويمكن في كل يوم اعادة هذا الترتيب وفق النتائج المرجُوّة. بالامس وبعد فشل القيادة الإيرانية في الحصول على الاموال اللازمة لتسويق الاتفاق مع واشنطن داخلياً، عادت إلى ربط ملف لبنان بالمفاوضات و اطلقت صواريخها إلى شمال اسرائيل للتوكيد على جدّيّتها في تكريس وحدة المسارات في مواجهة المفاوضات اللبنانية - الاسرائيلية. بعد أن أدركت طهران ان البيت الابيض يتصرّف بارتياح نسبي بين استمرار الهدنة والحفاظ على التهدئة واستمرار الحصار البحري. هذه معادلة تنهك الاقتصاد الايراني اذا استمرّ الهدوء النسبي واستمرّ الحصار. هذه الحيثيّة وراء ما أعلنته طهران من غيرة متأخّرة على حزب الله وجمهوره في الوقت الذي لم تحصل فيه على نتائج مباشرة من عدوانها على الكويت والبحرين والامارات، لأنها لم تستطع اجبار هذه الدول على تغيير سياساتها الاحتوائية والحفاظ على حقوقها بما فيها حق الرد والتعويض. ويمكن تلخيص المسألة بأنّ المطالب الاساسية (النووي وغيره) ليست هي مجال البحث، وانما الخلاف على المطالب المالية المعلَنة، التي استدعت هذا التصعيد والعودة لربط الملف اللبناني بالاتفاق الشامل، وهذا لا يعني أن واشنطن سترضخ. بقدر ما يمكن ملاحظة أن استمرار البيت الابيض في ضبط رد الفعل الاسرائيلي يندرج برغبة واشنطن استمرار الهدنة والحصار إلى أن تستسلم القيادة الإيرانية للشروط المالية الاميركية. اما إذا كان رد الفعل الاسرائيلي يذهب اولاً إلى اغلاق منافذ قطاع غزة بموجب إعلان حالة الحرب، كما فعل نتنياهو اليوم، مع تصاعد حرارة المفاوضات في القاهرة بين حماس والفصائل التابعة لها. فإنّ هذا الملف الفلسطيني لا يزعج واشنطن إذا أبدى نتنياهو انضباطاً لبنان وهذا ما يمكن ترجيحه للأيام القادمة. قتال مجّاني اطلق قائد القسام يحيى السنوار عملية 7/أكتوبر من دون هدف سياسي مُعْلَن سوى ما يوحي به اسم العملية (طوفان الاقصى) من غيرة دينية على المسجد الاقصى، وظلّ منتظراً لأيامٍ طويلةٍ تحرُّك طهران لمساندته ضد الشيطان الأصغر، وكذلك اسناد غرفة عمليات "الممانعة والمقاومة" في دمشق الاسد والضاحية الجنوبية لبيروت فضلاً عن الحشد العراقي والحوثي في اليمن. وعندما تحرّكت حرب اسناد "الطوفان"، وفق معايير الحرس الثوري لم يقنع الجهد العسكري قادة وكوادر حماس والقسّام وهم في أوجّ المعارك الطاحنة، وأن هذا الاسناد هو ما كان مُتفق عليه. لذا لم تخل تصريحات قادة القسام من عبارات ونداءات تدعم هذا التقدير حتى بلغ الاحباط من المحور حدّ التصريح به. وبعد انتهاء أركان الحرب الاميركية - الاسرائيلية من إبادة وتدمير شعب غزة وعمرانها، شهدنا على النتائج الكارثية السريعة للهجوم الاسرائيلي على القدرات القتالية لحزب الله في لبنان وإصابتها، في "كعب أخيل"، قوتها الهجومية والدفاعية. ولما كانت حرب الاسناد المعلنة، لم تضع هدفاً سياسياً للقتال، سوى اسناد طوفان الاقصى، دخل الجهد العسكري من جانب حماس وحزب الله في دائرة الفراغ السياسي، في الوقت الذي تعلن فيه اسرائيل اهدافها المتتالية المرتبطة بعدة أجندات محلية واقليمية ودولية فضلاً عن الاجندة الشخصية لرئيس وزرائها نتنياهو وحلفائه في الحكومة. هكذا كشفت المواجهة بين محور المقاومة والممانعة واسرائيل، القُصور السياسي اولاً والقُصور العملياتي ثانياً عندما تم الاستفراد بكل طرف على حدة. ومن يقرأ في طبيعة العلاقات بين الدول والتنظيمات المتحالفة معها، يدرك ان المعادلة تسير في اتجاه واحد فقط، لان وظيفة الاتباع لا تتجاوز خدمة المركز مهما بدا متسامحاً وحريصاً على سردية التحالف. لذا لا داعي لإدراج الحرب من اجل الانتقام لمقتل المرشد الايراني الخامنئي في اطار الدفاع عن السيادة اللبنانية وردّ العدوان على ارض الجنوب وشعبه ولا يمكن جمع الخسائر البشرية والدمار الهائل في لبنان وفلسطين، بأي هدف سياسي على صلة بمصلحة الشعبين ولا يمكن اعتبار قتال المتطرّفين الا قتالاً مجانياً. عملية الليطاني الأولى استيقظت مدينة تل ابيب في 11 آذار مارس 1978 على قتال في شوارعها، للسيطرة على حافلة فيها مجموعة فدائيّين بقيادة الشابة دلال المغربي وعدداً من المدنيين الاسرائيليين. واستمر القتال حتى تم القضاء على الجميع وفق التعليمات التي صدرت للجنرال ايهودا باراك. كان هذا الحدث السبب المباشر لاجتياح ارض الجنوب وصولاً الى مجرى الليطاني وفي نفس الوقت نجح الرئيس الياس سركيس بتدويل قضية الجنوب، واستطاعت الدبلوماسية اللبنانية انتزاع القرارين 425 و426، لتأمين الانسحاب الكامل وتشكيل قوات اليونيفل. لكن لابد من تجاوز الحدث المباشر، الى قراءة التعثر في المفاوضات المصرية - الاسرائيلية واستعصائها، بعد انجاز عملية فك الارتباط الاولى والثانية وعدم استجابة حكومة مناحيم بيجن لمطالب الرئيس انور السادات، على الرغم من مبادراته للسلام وخطابه في الكنيست، واعلانه عن سقوط الحاجز النفسي. بينما تريد القيادة العسكرية الإسرائيلية اختبار السلوك المصري في حال الاشتباك مع الجيش السوري ومع قوات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. وبناءً على نجاح هذا الاختبار الناري بعد تنفيذ عملية الليطاني الأولى، نجح الرئيس الامريكي جيمي كارتر في مفاوضات "كامب ديفيد" بعد ستة اشهر على الحدث اللبناني. تلك المفاوضات التي أنتجت توقيع معاهدة السلام المصرية - الاسرائيلية في آذار 1979، أي خلال عام واحد تبدلت الدينامية السياسية العسكرية في لبنان، بموجب النتائج المباشرة لهذا الاختبار، انطلاقاً من الجنوب بعد ان صار قضية دولية بامتياز. هكذا شكلت "البروڤا" العسكرية الإسرائيلية المرجعية العملانية لاحقاً لاجتياح لبنان عام 1982 للقضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية واعادة تحجيم وضبط الدور السياسي والعسكري والامني السوري في لبنان. بعد ان صار الاسرائيلي لاعب مباشر عبر قواته وعبر تشكيل "جيش لبنان الجنوبي" الى جانب اللاعب الثاني نظام حافظ الاسد فضلاً عن اللاعبين المحليّين على خط الصدام بين الحركة الوطنية اللبنانية، وحليفها منظمة التحرير، وبين الجبهة اللبنانية وعلاقاتها بالغرب واسرائيل. وقتها بدأ يتشكّل جنين جديد في رحم لبنان على صلة عضوية بالثورة الاسلامية في طهران، وكانت ولادته بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان. بروڤة اورکسترا في ذاك الزمن قبل نصف قرن ونيّف كانت صالة كليمنصو في "بيروت الغربية" تعرض فيلماً يصعب نسيانه للمخرج الايطالي فريدريكو فيلليني “Prova d'orchestra”" في زمن صعود اليسار الايطالي ونشاط العصابات من مختلف الأصناف حيث كان الرصاص صوتاً يوميًّأ مألوفاً في روما ومدن إيطاليا. عندما خرجنا من العرض الاستثنائي الكاشف لعلاقة المايسترو بالعازفين وكيف كانت الكرة الفولاذية الثقيلة تلوح على عرض الشاشة وهي تضرب المبنى حتى انهياره. كان النقاش يدور إلى أين يذهب لبنان؟ وما هي الاحتمالات؟ واي مطرقة سوف توقظ أصحاب المشاريع المختلفة؟ في ذاك الوقت، كنت أنتظر سقوط الامبريالية، وتدمير دولة إسرائيل، والجواب عندي كان جاهزاً، بأن المطرقة الفيتنامية وليس الروسية ولا الصينية هي التي ستنجز مهام التحرر الوطني وتحقق "الحتمية التاريخية". لم يخطر على بالي أن الرئيس الياس سركيس كان على حق. لكنه كان في محبسه في قصر بعبدا ينتظر خروجه الشخصي من القصر بكثير من الرضى والرفعة. لقد استطاع المخرج فيلليني طرح أسئلته المحرجة في تلك "البروڤا" المستمرة حتى اليوم، ونحن نحصي ضربات المطرقة الفولاذية، تسوّي العمران والناس بالارض على مساحة لبنان وفلسطين وتفيض إلى أقاصي الشرق الأوسط الكبير. بالامس وللمرة الأولى في تاريخ لبنان المعاصر أمسكت السلطات الشرعية بعصا القيادة واخترقت جدار الوعي السائد، وجدار الانتظار والمراوحة، وتَبَنّت مبادرة إنقاذية للبنان وشعبه، مبادرة قادرة على وقف كرة الفولاذ العنيفة. وقادرة على منع انهيار المبنى اللبناني الانساني، والسياسي، والثقافي، والتاريخي. إنّ المهام التي ترقى إلى هذا المستوى من الإقدام من اجل الانقاذ لا تستوجب قرارات تُرضي الجميع، ولا تشترط موافقة هواة الموت والدمار والانتحار وانما شرطها هو الجرأة على الانتصار لمصالح الناس.

ظل المحارب
Por
هشام دبسي
Publicado
يونيو 2, 2026 - 00:15

صَنَعَ المخرج الياباني أكيرا كوروساوا Akira Kurosawaملحمته السينمائية "ظل المحارب" أو "كاجموشا \ Kagemusha" في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ليخلّد سيرة قائد شجاع تحدى قوى الاقطاع في القرن السادس عشر. لكنه قُتِلَ في المعركة مع أنّ جُنده لم يَبْخَلوا بأجسادهم لحمايته من سِهام العدو. إلا أن قيادة الجيش اتّخذت قراراً باخفاء موته، واستحضار شبيه له لمواصلة القتال، و المفارقة أن النسخة المطابقة كانت لأحد اللصوص من حثالة المجتمع. وكعادة المخرجين الكبار ، في عرضهم المُبهر يطرحون قضايا وإشكاليات عميقة تفضح هشاشة المنظومة العسكرية على ضخامتها وعنفها ، إذ يكفي أن تنهار اذا أُعلِن عن موت القائد الاستثنائي، الذي لا ترمش عيونه امام الموت . كما تُعرّي منظومة الوهم السياسي المسيطر على العامة والجند، وربما على أرفع الضباط والحاشية المقرّبة. أما المأساة - السخرية، حصلت عندما تقَمَّص اللّصّ - الشبيه شخصية الأصل ، ليكبّد الجيش المزيد و المزيد من الخسائر. زمن عرض الفليم ، كان بعد سنة من وصول الامام الخميني إلى سدّة السلطة في ايران وقد تحوّلت من مملكة وشاه إلى جمهورية وولي فقيه . الآن وقد رحل المخرج عن عالمنا، لا يدري ان موت المرشد الثاني الامام الخامنئي، تم الاعلان عنه من دون تأخير، وكذلك أعلنت القيادة الايرانية مبايعة ولي الدم ابنه المصاب مجتبى. المشترَك في المشهد أن اسباب اختيار الابن المصاب ، هي ذاتها التي عالجها "كيراساوا" من حيث أهميّة ثبات وتماسك القيادة واستمراريتها. وإلا فإنّ الانهيار ربما يكون حتمياً ، كما أن فكرة ولاية الفقية ، وضرورة وجود حامل الراية، يمنع الانهيار السياسي أيضاً ويغذّي الوهم الكبير الذي يحفّز ملايين الاتباع على مواصلة القتال، إلّا أنّ المرشد الجديد مُصاب كما قيل و غیر قادر على مخاطبة جمهوره بالصوت والصورة حتى يطمئن مُريديه . في زمن مخرج "ظل المحارب" لم يكُ الذكاء الاصطناعي التوليدي موجود لاستنساخ شخصية كاملة تنطق و تتحرّك ، للإستغناء عن البديل الشبيه. لكن مريدو الامام الجديد بحاجة لرؤيته بينهم ، يخطب فيهم ويصافحهم ويرسل مواعظه وأوامره بدلاً من قادة الحرس الثوري ، الذين يديرون هذه اللعبة من أجل تماسك العسكر وبقاء النظام ليس إلا. هكذا يتشوق الناس في حالة إنتظار محبوبهم ويبذلون المستطاع. مع ترمب استطاع الرئيس الاميركي فرض نمطه غير المألوف في التعامل مع القضايا الكبرى و الصغرى، على درجة من المساواة ، فهو يوجّه الهجوم إلى خصمه الفنزويلي أو الكوبي أو الايراني وفي الوقت عينه لا ينسى إهانة سلفه العجوز بايدن، أو تهديد بلد صديق بحجم فرنسا أو سلطنة عمان. يحاول اليوم الرئيس ترمب، إنجاز ورقة المقترحات الخاصة بالهدنة ، بتثبيت الجزء القابل للتسويق الداخلي والخارجي والانقلاب على أي بند يصعب عليه الاستثمار فيه، أو الدفاع عنه، إذا كان أقل فاعلية ممّا أنجزه باراك اوباما قبل عقدٍ من الزمن. هكذا نشهد لعبة "بينغ بونغ" بين واشنطن و طهران في المقترحات و التعديلات و هي لعبة مفيدة لإطالة زمن المفاوضات و فتح الفرص الجديدة للطّرفين. بعد زيارة بكين التي أسعدت ترمب بالحفاوة الغامِرة، جعلته يلمس عناصر القوة الصينية الناعمة ، ويدرك حدود القوّة الاميركية الخشنة . ما يجعل تأثير الزيارة عليه يتجاوز ما تمّ انجازه وهو قليل إذا نُسِب لطموحاته بالصفقات الكبرى والاستثنائية التي يرغب بها. كما أنه يدرك الآن النتائج السلبية لعلاقته مع الرئيس بوتين، و آثارها على الحلفاء في أوروبا أولاً وكذلك الدور الثنائي الروسي - الصيني في منع هزيمة النظام الإيراني ومنع استسلامه السهل لارادة البيت الأبيض ، بفعل الدعم المشترَك العسكري والامني والمعلوماتي. دعم مكّن القيادة الإيرانية من توظيف مخزونها المعرفي في فن المفاوضات المركّبة والمعقّدة وهذا ما شهدناه الشهر الماضي، أثناء انتاج مذكّرة التفاهم وإعادة ترتيب الأولويّات، إذ سجّل المفاوض الضعيف نقاط مهمة في مرمى المفاوض القوي. لقد فشل نائب الرئيس جي . في . فانس في مهمته ، وعاد أدراجه للبيت الأبيض بقناعة تفيد ، أن الإيراني ليس لقمة سائغة رغم ضعفه وخساراته الكبيرة. وأن المرونة التي حاول فانس اعتمادها في الباكستان ، لا يمكن تسويقها بالداخل الاميركي، بينما المبادرات المتلاحقة لإعادة إنتاج ورقة تفاهمات أوليّة ، نجحت في إقناع ترمب باعتبارها نقطة بدأ جديدة قابلة للتطوير والتنفيذ، إلا أن الاستعجال في الامر و ظهور معارضة صلبة من بعض الجمهوريّين وأغلبية الديمقراطيّين ، جعل ترمب يتملّص من التزاماته الأولية ، وينقلب على الوسطاء أيضاً، و يثير زوبعة غضب ، ضد كل من يقف في وجه رغباته العاجلة. وكل من لا يستجيب بالسرعة القصوى لطلباته المستعجلة. مع ترمب، لا يمكن الوثوق بصلاحية الموقف المعلن ولا بصدقيته . وهذا ما ادركته القيادة الإيرانية ، ودخلت بموجبه المفاوضات مع الاستعداد الدائم لمواجهة الانقلابات في اي وقت ولأي سبب . لقد احتفظت قيادة الحرس الثوري باستعمال ما تبقّى لديها من اسلحة للتحرّش العسكري بالأساطيل الاميركية بطريقة لا تؤذي ، لكنها تمنحها الادّعاء بالشجاعة ، بينما الانتقام الجدّي من دول الخليج لإنزال الأذى الحقيقي تمارسه من دون تردد. وهذا ما يكشف هُزال القوة العسكرية الايرانية، فضلاً من الوهم السياسي الذي يصاحبه ، عندما يُسْتَبْدَل الهدف الاميركي بالهدف الخليجي. في هذه المقاربة الايرانية تتضّح خِسّة وجُبُن الحرس الثوري الايراني ، وليس شجاعة المقاتل المتحدّر من "الساموراي" . الآن ما زال الافق مفتوح لاعادة انتاج مذكرة ، ربما تفتح الطريق لتسوية مناسبة، مع اليقين بأن الفشل الجديد لا يعني لترمب العودة للحرب؛ وهذا ما يستثمر به الحرس الثوري لأطول زمن ممكن، طالما أنه لا يكترث للخسائر وجُلّ ما يريده استمرارية النظام ومنع إنهياره . مَن المُنْتَصِر ؟ تهدف سردية كل طرف ، للبرهنة على انتصاره وفق معايير مختلفة ومُبْتَكَرة ، وتعريف جديد للمصطلح ( هدنة، وقف اطلاق نار ، صمود ، انجاز، بقاء ، خسائر ، مناورة ). وإذا لم يُنْجِز القوي ما يريده من أهداف الحرب ، يرى الضعيف فيها انتصاراً له ، و يصبح الصمود في "المضيق" تعويضاً لكل خسارة ، حتى لو قَدّم تنازُلات جوهرية تحقق للقوي أحد أهداف الحرب. هذا ما شهدناه خلال الأسبوعين الماضيين بين واشنطن وطهران، وهو قابل للاستمرار باشكال مختلفة ومبرّرات جديدة حتى تم اختزال المشهد إلى عنصر واحد و هو سيطرة الحرس الثوري على المضيق وعامل القوة الرئيس هنا ينتمي للموقف الاميركي و السلوك العسكري الذي يمتنع عن مغامرة فتح المضيق بالقوة، لأسباب مرتبطة بحسابات "البنتاغون" قبل أي طرف آخر . وهذا ما يوفر للسّرْدِيّة الإيرانية عناصر الادّعاء بالقوة وليس المسيّرات او الصواريخ المتبقية لديهم . كما أن القيادة الإيرانية ، استفادت من تلاقي المصالح الصينية – الروسية، لدعم بقاء النظام المناسب لهم في المحور "الاوراسي" حيث تكسب موسكو مما يدور في الشرق الأوسط، وتستطيع بكين أن تصبر قليلاً على خسائرها ، لطالما ان بقاء النظام أكثر أهمية لها في وسط اسيا. أما عنصر القوة الثالث ، الذي تستفيد منه ایران ، هو الاستراتيجية العقلانية الراسخة لدول الخليج العربي ، وقد مارست سياسة الدفاع الايجابي، ووظّفت ثِقَلِها السياسي المحلّي والدولي لانتاج حل ديبلوماسي شامل لأخطر أزمة دولية – اقليمية. لذا يمكن القول ببساطة، أن عناصر القوة التي يستفيد منها قادة الحرس الثوري ، ليست ملكه، وليست من إنتاجه ، كما يمكن القول ان استراتيجية واشنطن ، واسلوب قيادة الرئيس ترمب ، لم تجلب حتى الآن ما يُبَرْهِن على سَرْدِيّة النصر الاميركي المرغوب. كما أن استراتيجية اسرائيل وهي تُعَوّم سياساتها على بحرالدم في المنطقة و خصوصاً في فلسطين ولبنان ، لم تحقق سوى المجازر والدمار والإبادة . وها هو نتياهو وجنرالاته ، في أعلى درجات الغضب من ترمب ، يطلق كل ما لدى الجيش الاسرائيلي من قوه تدميرية ليحصل على إنتصار .. في غزة.. وفي الضفة الغربية… و في لبنان. لهذا يمكن القول بهدوء وثقة ، ومن خلال المعاينة السياسية الملموسة لمسار المفاوضات، أن إستراتيجية دول "مجلس التعاون الخليجي" وتقاطعها مع استراتيجيات كل من مصر وتركيا و الباكستان ، وقدرتها المشتركة على التفاعل المباشر والمؤثر مع الاستراتيجيّات الدولية الاميركية والصينية والروسية والاوروبية، برهنت على النجاح في إنتاج وساطة فاعلة أدّت إلى فتح مسار جديد وأفق سلمي للحل ، كما أدّت إلى خفض التصعيد ، واحتواء الجنون والتطرف الإيراني ، وإلى تعديل في مسار السياسات في الوقت الذي وصل فيه مثلث التطرّف ( الاميركي – الاسرائيلي- الإيراني ) إلى أقاصي العنف المعادي لطبيعة البشر. وفي إعادة قراءة المشهد منذ لحظة الهجوم الاميركي الاسرائيلي الأول والثاني ، وما أسفرت عنه هذه الحرب من كوارث على البشرية وأولها الشعوب الايرانية والعربية والاسلامية ، فإن البحث الجنوني عن الانتصار لن تجده عند مثلث التطرف القاتل ، بل عند من رفع راية مناهضة الحرب وتحمل الغدر الإيراني النزق الاميركي والجنون الاسرائيلي .واستمر في سعيه الدؤوب لانتاج حل سياسي - ديبلوماسي على نهج الاعتدال و الصلابة المبدئيّة.

استقلالهم… ونكبتنا
Por
هشام دبسي
Publicado
مايو 26, 2026 - 04:26

في مثل هذا اليوم من عام ١٩٤٨ حدث ما اصطلحنا على تسميته: النكبة... ثم مضى زمنٌ كانت فيه فلسطين دورة اسطوانة في مقاهي الأرصفة العربية... ثم أتى زمن أصبحت فيه فلسطين نبرة شعب استعاد صوته وتحسّس عضلاته... ثم أتى زمن أضحت فيه الحالة الفلسطينية بقعة زيت منتشرة وبئراً فارغاً فاه، تحتشد عنده كل الدلاء، على تزاحم وتدافع... ثم أتت لحظة خِيف معها على الجسد الفلسطيني من تيهٍ جديد، أشد هولاً من التيه الاول، إذ باتت الأم الفلسطينية قطة تنقل أبناءها من مكان الى لا مكان ... أزمان تعاقبت وتداخلت.. إلى أن ظهرت فلسطين اخيراً على أرضها عزفاً ملحمياً ... لكنه عزف منفرد على اللحم الحيّ!! بهذه العبارات الاستثنائية لخّص الاستاذ محمد حسين شمس الدين تعريفه، ومقاربته لذكرى يوم النكبة في مؤتمر عُقِدَ في بيروت تحت عنوان من "النكبة إلى الدولة" عام ٢٠٠٣، كانت لحظة الانتفاضة تفتح على احتمالات متناقضة تناقض أساليب النضال السلمي ودعاة العودة إلى العنف المسلح. فإمّا أن نسير في استراتيجية التسوية التاريخية مع دولة اسرائيل، أم تنتصر مشاريع العنف والتحرير الشامل من البحر إلى النهر، واسقاط "اتفاق أوسلو" الشعار الأثير على قلب محور الممانعة وطليعتهم حركة حماس. مضى أكثر من عقدين لتحل مرّة أخرى ذكرى استقلالهم ونكبتنا والعالم يشهد على جنون لا نظير له يلفّ جسد الفلسطيني في بلاده وبعض مخيمات الشتات في سوريا ولبنان. وتزداد ضبابيّة اللحظة الدولية والاقليمية المفتوحة على احتمالات ربما لا تُناسب ما يطمح له شعب فلسطين لتحويل نكبته إلى يوم استقلال. جنون الرقص جنون الرقص النابع من بذرة الحب، يضعُك امام "زوربا" الفاقد والحنون، وجنون الرقص المتفجِّر من بذرة الكراهية، تشهده مع "بن غفير" وأمثاله في حكومة اسرائيل الحالية. أمّا في زمن وزير الخارجية "آبا إيبان"، سأله صحفي: كيف لكم الادّعاء بانكم دولة صهيونية حديثة وديمقراطية والكنيست يدخله حاخامات من العصور القديمة؟ ابتسم "آبا ايبان" وصرّح بانهم يخلعون عباءتهم على عتبة الكنيست ويناقشون سياسات الدولة. لكنّ الآن، مع نتنياهو وصحبه من "العلمانيين"، يلبسون العباءة الدينية حتى يدخلوا الكنيست. جنون الرقص الذي يمارسه "بن غفير" مع "فتيان التلال" داخل المسجد الأقصى وعلى رؤوس من خطفتهم البحرية الاسرائيلية قبالة دولة قبرص لم يبلغ حدّه النهائي بعد، اذ أنّ المطلوب ابعد ممّا تمّ انجازه منذ عملية 7 اكتوبر وحرب الابادة. جنون الرقص على بذرة الكراهية، هو تعبير حِرَكي عن جنون العظمة يصاحب كل من يدّعي ان "الله" او "الرب" او "يهوه" كلّفَهُ بمهام قيادة الشعوب على اليابسة وفي البحر والسماء. عندما يستعرض وزير المال سموتريتش انجازاته قائلاً خلال ولايتي قُدْتُ بصمتٍ ثورة التغيير الجذري في الضفة وانشأنا مئة مستوطنة..... في مهدِ وطننا التوراتي الابدي صحف ٢١/٥ حسب ما نقلته المراسلة حاجيت روزينام لموقع (في السابعة الاخباري) ان التعاون بين سموتريتش ووزيرة المستوطنات اوريت ستروك شكّل ما تسمّيه "حركة كمّاشة" تهدف إلى تدمير "السلطة الفلسطينية" عبر الخنق الاقتصادي وتوسيع نطاق السيطرة الاستيطانية المباشرة... ومنع العمّال من العمل في اسرائيل وكذلك بناء تواصل استيطاني جغرافي بين القدس والخليل. هذا النمط من الحكومات المُتطرِّفة لا تهتم بما ترفعه المؤسسات الدولية من تقارير توثّق بالأرقام أنّ الجيش الاسرائيلي قتل آلاف الاطفال وهذه شهادة اِعتُمِدَت في محكمة العدل الدولية وبُنِيَ عليها الأحكام التي تُدين هذه العصابة الاجرامية. كما انّهم لم يكترثوا لنصيحة هنري كاسنجر لرابين في زمن انتفاضة الحجارة، وهو يسحق عظام الشبان الفلسطينيين حين قال له افعل ما تشاء بالفلسطينيين، ولكن خلف الكاميرا وليس امامها. لقد بلغ جنون العَظَمَة عند هؤلاء الوزراء لاستباحة الرقص على اجساد الاحياء والأموات وفي الساحات العامة بما يشبه طقس دموي اسود في وضح النهار. هكذا تحوّل يوم الاستقلال الاسرائيلي في 15 أيار/مايو من كل عام الى مناسبة لإعلان المكبوت من غير تردّد لطالما ان القوة التّدميريّة لدولة اسرائيل وصلت الى ذروة تسمح بإلغاء الآخر الفلسطيني، وتعلن عن برنامجها لتحقيق هذه الغاية. الّا ان هذا الطقس الاحتفالي هذه السنة ابتكر الجديد حيث لجأ المستوطنون من "فتيان التِّلال" إلى استهداف مدارس التلاميذ بعد ان نفذت لائحة بنك الاهداف "البدويّة" و "الفلّاحيّة". ربما يعتقدون بأنّهم يستطيعون احتلال مستقبل الاطفال ومنع تحققه. انه يوم واحد مشترك بيننا وبين ما نسمّيهم ابناء العمومة في 15 ايار من كل عام لكنه يوم الاستقلال عندهم، ويوم النكبة عندنا وفي هذا ربما يكمن سرّ جنون العَظَمَة وسرّ الرقص العنيف وسرّ الكراهية لان الآخر المنكوب ما زال يمارس حياته! فهذا الواقع يكشف معادلةً صعبة بين القوي والضعيف حينما يمارس الضعيف حياته منكوباً يُذكّر القوي بأن استقلاله ليس مكتملاً وهذه معادلة خفيَّة لا يستطيع البَوْح بها الا القوي القادر على شفاء نفسه. هكذا ستستمر نكبتنا في احباط استقلالهم وتجعل الاحتفال به تعويض لإخفاء فكرة النقص وعدم الاكتمال بما يُفسِد هدف الاحتفال من جذوره حيث لا حلول ممكنة من دون تجاوز فائض القوة والانحياز الى خيار المصالحة التاريخية بين شعبين يعيشان في ارضٍ واحدةٍ لكن بحقوقٍ متساوية. جِدارَيْن لا أقصد جدار الفصل الذي طوّق الضفة الغربية وفَصَلَ المستوطنات واستهلك 10% من مساحتها، اي نحو 560 كلم من افضل الاراضي الزراعية وفيها مصادر الماء وطرق التحكم الاستراتيجي الشامل. كما لا اقصد الجدار المسمّى "غلاف القدس" الذي يعزل القرى والبلدات عن احياء القدس الشرقية ويخترق المزارع والبيوت والملكيّات الخاصة بالمعنى الحرفي، ويبلغ طول هذا الجدار نحو 180 كم، لان هذين الجدارَيْن مضى عليهما زمن وصدر بخصوصهما توصية محكمة العدل الدولية بأنّ ما تمّ انشاؤه مخالف للقانون الدولي. انما اقصد بالجدارَيْن الآن ما تنوي حكومة اسرائيل فعله بالاستيلاء على المنطقة (East1) اي (E1) المعروفة في شرق مدينة القدس العربية وهي موطن تاريخي للعشائر البدوية وتبلغ مساحتها 12 كلم، وفيها تجمّعات سكنت جبل البابا وتفصل مستوطنة ادوميم عن مدينة القدس. هذه المنطقة واظب قناصل الدول الاوروبية مع القنصل الامريكي على زيارتها من اجل منع اسرائيل من مصادرتها، ليس حُبّاً بالعشائر البدوية، بل لأنها تقسِم نهائيّاً شمال الضفة عن جنوبها والقدس الشرقية عن الأغوار، اي الحدود الفلسطينية – الاردنية بما يحوّل الضفة الى كانتونات معزولة، في حال تم تنفيذ الجدار الاستيطاني الاول من القدس الى الأغوار بطول نحو 35 كلم عبر ربط الكتل الاستيطانية واغلاق اي فجوة بينها، بما يجعل مدينة القدس تصل الى الحدود مع الاردن. أما الجدار الثاني، فهو الجدار الاستيطاني الواصل بين القدس ومدينة الخليل على بعد نحو 40 كلم جنوباً، حيث يلاحظ من ينتقل بحافلة فلسطينية أن بداية الطريق السريع الخاص بالمستوطنين مقفل على اهل البلاد الاصلانيين وأنّ عليهم اتباع طرق قديمة متعرّجة تصل الى نحو 70 كلم وذلك لتأمين راحة المستوطنين في الخليل وسرعة وصولهم الى العاصمة. هذه المنطقة (1E) هي المحور الذي يؤمّن تواصل الجدار الاستيطاني الأول الى الاغوار وكذلك الجدار الاستيطاني الثاني الى مدينة الخليل، وهذا ما يفاخر به سموتريتش بما سمّاه خطة التغيير الجذري التي عمل عليها مع نتنياهو. لكن حتى اللحظة ما زالت هذه المنطقة ساكِنة ولم نسمع ضجيج الجرافات بعد، كما أنّ الجهد الذي تبذله السلطة الوطنية مع واشنطن ومع الدول المؤثّرة على حكومة اسرائيل يؤخّر اطلاق الجرافات لتنفيذ خطّتهم وكذلك الخلافات المستجدّة داخل الحكومة أفضت للتوجه مجدداً لانتخابات برلمانية مبكّرة ما يُتيح الوقت من أجل منع تنفيذ هذا المخطّط إلا انّ وقف التنفيذ عند الحكومات الاسرائيلية يعني انتظار وقت اكثر ملاءمة للتنفيذ ليس إلّا، هكذا تجري الأمور هناك. المنسيّون طلب المندوب الخاص لمجلس السلام نيكولاي میلادينوف من حركة حماس تسليم سلاحها حتى يتسنّى له السير بتطبيق البند الثاني من خطة ترمب، لكن قيادة حماس ردّت طلب المندوب السامي على أن جوهر الازمة ليس السلاح وانما انسحاب الجيش الاسرائيلي من كامل القطاع. من جهتها حكومة نتنياهو تمسّكت بمطلب ميلادينوف وتابعت سياسة الاغلاق وعدم السماح للشاحنات بالدخول إلى غزة وكذلك حجبت تصاريح دخول اعضاء اللجنة الادارية إلى القطاع. بين تصلُّب إسرائيل وممانعة حماس أورد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الانسان فولكر تورك في تقريره الجديد ونشرته صحف 19 الشهر الجاري: إنّ أفعالاً تقوم بها اسرائيل منذ اندلاع الحرب في السابع من اكتوبر تشكّل انتهاكاً فادحاً للقانون الدولي وتُحاكي جرائم حرب وجرائم ضد الانسانيّة. وطالب تورك اسرائيل بأن تحرص على عدم قيام جنودها بأفعال إبادة، وأن تتخذ كل ما يلزم من تدابير تحول دون التحريض على الابادة والمحاسبة. الأمر الذي جعل خطة ترمب تواجه شلل في حل مشكلة السلاح التي تعطّل باقي المسارات، حيث لا يدخل إلا ٨٠ شاحنة من اصل ٥٠٠ شاحنة مقرّرة. في هذا المشهد، والناس هناك تُعاني من مجاعة بطيئة وموت سريري لم يطرح ميلادينوف السؤال الصعب على الرئيس الاميركي ترمب الذي سمح لحركة حماس بالتمسّك بسلاحها وأبرم مع قادتها عن طريق وسطائه واجهزة امنه تفاهمات تُجيز لهم الاستمرار في حكم الجزء الغربي من القطاع حتى اشعار آخر مرتبط بقضايا تشكيل القوة الدولية وتمويلها. هكذا يدفع الشعب المنسي هناك ثمن مساومات غير معلنة الا بعبارة غير مباشرة للرئيس ترامب تفيد بأنّه ليس مستعجلاً لنزع سلاح حماس! كان اجدر بالسيد نيكولاي ميلادينوف أن يُظْهِر الحقيقة للمنسيّين.

مؤتمر فتح: عام الديمقراطية الفلسطينية
Por
هشام دبسي
Publicado
مايو 19, 2026 - 13:11

في خطابه الافتتاحي للمؤتمر الثامن لحركة فتح، لخّص الرئيس محمود عباس الرؤية الرسمية للشرعية الفلسطينية في راهنيّتها ومستقبلها القريب، محذّرًا من المخاطر الشديدة لاستمرار الحرب على غزة والتوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية وعمليات التهويد المستمرة لمدينة القدس الشرقية، فضلًا عن إصرار حكومة إسرائيل على هدف التهجير والتطهير العرقي للفلسطينيين من البلاد. واصفًا الحالة الفلسطينية الراهنة بأنها تتعرّض لمخاطر وجوديّة استثنائية. مطالباً المجتمع الدولي والأصدقاء والحلفاء ومن يناصر الحق الفلسطيني بضرورة السعي لتمكين دولة فلسطين عبر السلطة الوطنية من تولّي مسؤولياتها كاملة في قطاع غزة، عبر مؤسساتها الرسمية وبالتعاون مع الهيئات الأمميّة واللجنة الإدارية الموكَلة بالعمل في قطاع غزة وفق مخرجات "مجلس السلام العالمي"، ورافضاً أي واقع يكرّس انفصال القطاع عن الضفة الغربية أو يدفع باتجاه ازدواجية لا تخدم الحل السياسي وإقامة دولة فلسطين. هذا و يتزامن عقد المؤتمر مع ذكرى النكبة في 14-15-16\أيار\مايو الجاري كما أشار الرئيس إلى ريادة حركة فتح بما هي الحامل للمشروع الوطني، في الوقت نفسه أوْلى اهتمامًا خاصًا بدور المرأة والشباب في سياق التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية قبل نهاية هذا العام، بما يجعله عام استعادة النظام السياسي الفلسطيني وتمكين شرعيّته وفق معايير دستوريّة، ليصبحَ عام الديمقراطية الفلسطينية المتجدّدة. بهذا يمكن تلخيص المهمة السياسية لحركة فتح في قادم الأيام، ويمكن استخلاص ورسم معالم المرحلة المقبلة وما يلزمها من استراتيجيات وخطط عمل تُسهم في انتشال الحالة من ضعفها الراهن عبر مقاربة التحدّيات بما يخدم الإنسان والوطن معًا لإعادة بناء دورة الحياة السياسية. بالتزكية الناظر لمنصّة المؤتمر يلاحظ خمسة و عشرين صورة تعلوها و تتوسطها صورة الرمز ياسر عرفات، وإلى جانبه شهداء اللجنة المركزية للحركة، وثلثهم فقط من غادر الحياة على فراشه، لأنه نجا من المعارك والاغتيال. إنّ ظل القيادة التاريخية كبير، إلى درجة لا يمكن تجاوزه ويحتاج إلى دِراية و تبصُّر، و بالعودة إلى المؤتمر المنعقد في تونس العاصمة بعد الخروج من لبنان، لجأ الرئيس عرفات إلى تجنّب عدّ الأصوات التي تنتخبه، لأنه يدرك أن لا خلاف على زعامته يَرقى الى مكانته بعد عام 1982، و بقدر ما كانت لحظة الخروج من لبنان استثنائية، كذلك الانشقاق الذي دعمه النظام السوري "الأسدي" ومَوّله النظام الليبي البائد. و لما كانت معركة الشرعية في أوجّها، تم انتخاب الرئيس عرفات بالتزكية والتصفيق وقوفاً من اعضاء المؤتمر قبل انتخاب اللجنة المركزية. هذا التقليد انتقل إلى المؤتمرات اللاحقة كما حصل في رام الله مؤخراً، حيث شَهِدَ الجميع أنّ الرئيس عباس حمل أمانة أسلافه جميعاً بصبرٍ واقتدار، مجسّدًا مراحل التطور الفتحوي في الصراع من أجل البقاء والاستمرارية وصيانة المكانة التاريخية لهذه الحركة في الوجدان والحياة العامة للفلسطينيين، بعد أن بلغ الانقسام أشدّه مع حركة حماس وبلغت المخاطر ما سمح للأعداء بحرب الإبادة والتهجير والإلغاء؛ و من يتابع أعمال المؤتمر يلاحظ أن جيل المؤسسين ما زال حاضرًا، وكذلك جيل انتفاضة الحجارة والانتفاضة الثانية أيضًا. كما يمكن رصد الجديد في جيل الصراع الراهن من أجل البقاء. كل ذلك ينتمي الى ثلاثة سياسات: الأولى مع البدايات، و شعار التحرير والكفاح المسلّح والحق التاريخي، ثم الانتقال إلى شعار الحق السياسي والسّلطة والدّولة، أما الآن ومنذ حرب الإبادة التي تلت عملية السابع من أكتوبر، فإن شعار “باقون” هو ما يلخص المشهد في مؤتمر فتح الثامن: باقون من أجل دولة لجيل المستقبل. إنقاذ مشهد المرأة الغزّيّة الباحثة عن أثرٍ يُذكّرها بمنزلها المدمّر حتى و لو كان طبقًا مكسورًا في مطبخها، يشبه ما يفعله راعي الغنم المطرود من أرضه والفلاح المتشبث بشجرة ورثها عن أبيه. من أجلهم جميعًا نسمع صوت الرئيس عباس يسعى مع الإدارة الأمريكية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من "اتفاق أوسلو"، حيث يُحاول نوّاب الكنيست التلموديين إقرار مشروع قانون يُجيز إلغاء "اتفاق اوسلو" والدعوة للاستيطان في المدن الفلسطينية بعد السيطرة على “المنطقة “B الخاضعة للحكم الذاتي. هذا المشهد وتلك الخلفية تجعل المهام المباشرة للسياسة اليومية الفلسطينية مهام إنقاذية ليس إلا. كما أن برنامج عمل اللجنة المركزية المنتخبة لن يخرج عن هذا السياق أو يتجاوزه. لذا، وفق تركيبة أعضاء المؤتمر وتنوّعهم ندرك أن اللجنة المركزية الجديدة بنصف أعضائها التسعة القدامى يحملون إرث التأسيس ونضال الكفاح المسلّح وانتفاضة الحجارة، وأن نصف أعضائها الجدد هم جيل لحظة الانتفاضة الثانية التي اختلط فيها الفعل الجماهيري مع العنف المسلّح بعد أن نبذناه. كما أن منهم من يحمل فكر الدولة الحديثة وما ينبغي أن تكون عليه دولة فلسطين المستقبليّة في المدى المنظور. إلا أن هذه الإمكانات والطاقات المخضرمة والوسيطة والحديثة لا يمكن أن تُجدي نفعًا الا إذا عملوا بصفتهم فريقاً واحداً ، من أجل تطوير حركة فتح أوّلًا نحو الانسجام السياسي مع أطروحة الرئيس عباس، في فتح مسارات جديدة لتعظيم الحضور الفلسطيني في الفضاء الأمريكي أوّلًا، بهدف وقف الحرب الإسرائيلية المفتوحة علينا في كل الأراضي المحتلة عام 1967. و من دون إنجاز هذه المهمّة لا يُمكن الحديث عن نجاحنا في حماية حقوقنا السياسيّة المشروعة و المُعترَف بها من أغلبية دول العالم. إنّ الواقعية السياسيّة التي يتّسم بها الرئيس عباس ليست مسألة ذاتية بقدر ما تعكس تراكمًا نضاليًا شاملًا في الحالة الفتحوية وتحوُّلاتها من الشعارات العامّة التي تلبي رغبة العامّة منذ نكبة عام 1948، إلى تحسُّس الاحتياجات المُلِحّة للناس بعد حرب الإبادة. فإذا نجحت السلطة الوطنية في هذا العام بتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية، حينها يمكن القول أنّ شعار “باقون” تحقق من خلال أعلى نسبة مشاركة، وأن ما يمكن أن نحصل عليه بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية يسمح بالقول إن العبور إلى المرحلة الجديدة ممكن مع تظهير كامل للتحديات الصعبة الماثلة أمام الشعب الفلسطيني.

حرب مفتوحة...  أسئلة أهل غزة
Por
هشام دبسي
Publicado
مايو 12, 2026 - 16:44

في حِوار عن بُعد مع ناشط شارك في الانتخابات المحليّة والبلديّة لمدينة دير البلح، أفصَحَ عن دافعه الذاتي للاقتراع لأول مرة، بأنه يريد اختبار الشعور بالمساواة مع الناخب اليهودي المستهدَف دائماً باستطلاع رأيه أسبوعياً، في شتى مناحي الحياة الإسرائيلية. كما أفصح هذا الناشط أيضاً، عن رغبته في الشعور بالتوازن الإنساني قليلاً، باعتباره من سكان البلد الأصليين من أجل ردم الفجوة الناتجة عن التفوق الإسرائيلي الكبير، بواسطة جيشه الحديث والقبة الحديدية التي تحميه. بينما لا يملك أبناء هذه البلاد إلّا القدرة على البقاء أحياء، مهما بلغ حجم التنكيل والقسوة والإذلال. هذه الحالة في الواقع الغزّي، لها ما يماثلها في الضفة الغربية، و زِدْ عليها ضمّ الأراضي وتهويدها فضلاً عن بناء المستوطنات. لكن السؤال الصعب الثاني يتعلّق بالاقتراب من الخط الأصفر الفاصل بين شرق القطاع وغربه، اقتراب يؤدي إلى الموت "بالذكاء الاصطناعي"، وهذه المخاطرة ناتجة عن تحرُّك معالم الخط الاصفر بما يُناسب الاحتياجات اليومية لِجيش الاحتلال وهي دائماً احتياجات وجودية تسقط أمامها قداسة الحياة. أما السؤال الثالث فقد ارتبط بدخول المساعدات الغذائية والدوائية، حيث تحسبها الرقابة الإسرائيلية بعدد الوحدات الحرارية الداخلة للقطاع وهذا ليس تضخيماً، بل حقيقة تُعْلَن رسميّاً كي لا تُتّهم حكومة إسرائيل بأي مجاعة تسبّبها للناس هناك في ظل العَوَز الشديد. تَضامُنَ كان المشهد الفاضح لسياسة التجويع الممنهَج دافعاً قوياً لانطلاق "أسطول الصمود العالمي" في شهر نيسان/ أبريل الماضي حاملاً معه كوكبة من الناشطين الدوليين، و قليلاً من الغذاء، وكثيراً من العطف الإنساني. عندما غادرت سفنه مَراسي إسبانيا وفرنسا، مع صرخة بصوتٍ عالٍ من أجل كسر الحصار المحْكَم على غزة. لكن المتحدِّث باسم الخارجية الأمريكية تومي بيغوت اعتبر ما يجري تجاوزاً لا ينبغي السكوت عنه، قائلاً [تماشياً مع القانون، تُعَد الموانئ مياهاً داخلية تمارس الدول سيادتها عليها] . " صحف 5 ايار" في انتقادٍ لسلوك حكومات فرنسا وإسبانيا وتساهلهما في مسألة "سيادية"، متجاهلاً أن ميناء غزة ليس إسرائيلياً، كما لم ينتبه المتحدث باسم الخارجية أنّ الناشطين الـ (١٧٥) يحق لهم التعبير عن آرائهم وليس بينهم "إرهابي" واحد مطلوب للعدالة. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي، لم يتردّد لحظة في تنفيذ إنزال بحري و جوّي على 20 سفينة مسالمة في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت. بل قام باستعراضٍ مُتباهياً أنه [نجح في منع الأسطول من الوصول] وأنّ عليهم [مشاهدة غزة على اليوتيوب] حسب تصريحه في 20 نيسان /أبريل. أما في وصف ما جرى، سجّل الناشطون في حملة التضامن شهاداتهم لأساليب الاعتقال على يد الكوماندوز الإسرائيلي تخلّلها استعمال "عصا الصّعق الكهربائي"، لشلّ أي مقاومة جسديّة للاعتقال. إلّا أنّ أحدهم أطلق صرخة مطالِباً حكومة إسرائيل ببناء "قبة أخلاقية" تحميهم بدل "القبة الحديدية". مصير انتهت العمليّات العسكرية الكبرى في قطاع غزة في 10 أكتوبر من العام الماضي بإعلان خطة الرئيس ترامب المكوّنة من 20 بنداً. بينما مضى سبعة أشهر ونحن لا نزال في تنفيذ البند الأول. لقد قُتِلَ خلال هذه الفترة أكثر من 7000 ضحية وما زال نحو 85% من السكان أي 1.9 مليون نازح يعيشون بِما يُشبه الخِيَم، لأن الرقابة الإسرائيلية تمنع دخول الخِيم الجديدة كما تمنع دخول أي معدّات ثقيلة لإزاحة الركام. فضلاً عن منع دخول العدد المقرّر من شاحنات الغذاء. اشترطت إسرائيل نزع سلاح حماس اوّلاً، في مفاوضات القاهرة الأخيرة للانتقال للبند الثاني من خطة ترامب، وهذا ما رفضته حماس، وطالبت بتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي أوّلاً. وهنا يتأمّل أهل القطاع بما يجري في المفاوضات، من غير أن يجيبهم أحد على سؤال يتعلّق بمصيرهم، وليس بمصير السلاح. كما تبدو قيادة حماس على ثقة بموقفها، على الرغم من استهداف قائدها المحلي الأسبوع الماضي عزّام الحيّة، نجل مسؤولها الأول. لا يدري معظم أهل غزة، أنّ قائد حماس الحالي خليل الحيّة، حصل على مُنحة من البيت الابيض وقطر وتركيا، سمحت لأجهزة حماس الشُرَطيّة والحكوميّة في ممارسة سلطتها في الشطر الغربي من القطاع حتى وصول "قوات السلام" وهذه بدورها تشهد تعثّراً و عجزاً عن إنجاز الهدف المرجو منها بفعل تباين مواقف الدول المشاركة في "مجلس السلام" لِتعريف مهمّتها؛ وبفعل الشروط الإسرائيلية التعجيزية، والمماطلة في تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى. حيث استطاع الجيش الإسرائيلي فرض وقائع ميدانية في معالجة مسألة سلاح غزة ، عبر إمداد و تسليح مجموعة عصابات من المهمّشين ومُحْتَرفي الجريمة ووفّر لهم الحماية؛ في الوقت الذي لجأت فيه العائلات والعشائر للتسلّح الفردي، بينما تقْتَني بعض الفصائل الأخرى أسلحة خفيفة كافية لممارسة قَدَر من النفوذ المحلّي. بالخلاصة، لدينا الآن في هذا القطاع السلاح الإسرائيلي بكامل ثِقَله، ولدينا ما بَقِيَ من سلاح حركة حماس وأجهزتها الأمنية، فضلاً عن سلاح المجموعات العميلة وأخيراً سلاح العائلات والعشائر والفصائل الأخرى. هذا ما يجعل الجدل حول المفاضلة على أولوية نزع السلاح له وظيفة تخدم استمرار الحالة المسلّحة في قطاع غزة باعتبارها عنواناً لبقاء الوضع على حاله بما يُرضي حكومة نتنياهو، ويسمح لها بالاستثمار السياسي في سلاح حماس و غيرها لخدمة بقاء الاحتلال إلى مدى غير منظور تجري من خلاله عمليات السيطرة والضم على القسم الشرقي من غزّة. وهذا ما يجعل سؤال المصير عند أهل غزة له بُعد مركزي الآن. أين السُّلْطة ؟ منذ الانقلاب الدموي الحمساوي على السلطة الفلسطينية في قطاع غزة عام 2007 بَنَت حركة حماس أجهزتها الحكومية والشُّرَطيّة المُوازية. أما السلطة الوطنية في رام الله، استمرت في دفع رواتب نحو 37 ألف موظف مدني وعسكري وهم ما زالوا خارج الخدمة الفعلية في القطاع. ولما كانت مسألة فتح المعابر على الحدود الفلسطينية المصرية تخضع لمعاهدة رسمية بين إسرائيل والسلطة بوساطة أمريكية أوروبية، فإنّ عودة السُّلطة لدورها للمشاركة في إدارة معبررفح، و إعداد نحو عشرة آلاف عنصر جديد للشرطة، تم تدريبهم في مصر والأردن بانتظار دخولهم القطاع مع قوة السلام الدولية، يمكّنها من المساهمة في صناعة الحلّ. ومن جهةٍ أخرى فإنّ الحضور السياسي للسلطة الوطنية يرتبط بقدرتها على تنفيذ خطّتها بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية قبل نهاية هذا العام، وهذا ما زال في حقل الممكن إذا سنحت الظروف ووافقت الإدارة الأمريكية على منع العرقلة الإسرائيلية. لأنّ خطّة السلام الترامبية تفترض ممارسة "لجنة إدارة غزة" دورها بصفتها حكومةً محليّةً مؤقتةً، إلّا أنّها لم تتمكن بدورها من دخول أرض القطاع بفعل المنع الإسرائيلي، وتعثّر تشكيل قوة السلام الدوليّة حتى هذه اللّحظة. الآن تكثر أسئلة الغزّيّين حول ارتباط مصيرهم بنهاية الصراع مع إيران أو بما يجري في لبنان. أم مُرتّبِط بالنوايا التي صرّحت بها أقطاب حكومة نتنياهو القاضية بعدم الانسحاب من القطاع، لا بل ترغب بِضم جزء منه كمنطقة عازلة. إنها أسئلة لا إجابة مقنعة لها لدى أهل غزة، حتى تضع الحرب أوزارها.

الانتخابات الفلسطينية... "باقون"
Por
هشام دبسي
Publicado
مايو 4, 2026 - 07:31

بعد عملية ٧ اكتوبر "طوفان الاقصى"، كما سمّتها حركة حماس، تطوّر ردّ الفعل الاسرائيلي ليشمل الانتقام من الشعب الفلسطيني في غزة و الضفة الغربية وصولاً إلى حرب التهجير و الإبادة. حينها تًبًنّت السلطة الوطنية في رام الله مطلب الحماية الدولية، و رفعت شعار من كلمة واحدة هو "باقون" لِكسر التوحّش الاسرائيلي ؛ المدعوم من بعض الدول الغربية، فضلاً عن تنفيذ التطهير العرقي باتجاه صحراء سيناء. لولا أنّ مصر والأردن اتّخذتا موقفاً صلباً في دعم السُّلطة الوطنيّة ورئيسها محمود عباس خلف هذا الشعار، الذي ما زال معتمداً في كافّة المحافل السياسيّة والدوليّة، و ناظماً للنشاط اليومي الفلسطيني. هذا ما شهدناه في الانتخابات المحلية والبلدية التي جرت مؤخراً في الضفة الغربية و في مدينة واحدة في قطاع غزّة هي دير البلح. دير البلح النّاجِيَة إليها لجأ الزحف البشري من مدينة غزة في الشمال ورفح وخانيونس من الجنوب اثر عمليات التدمير المُمنهج. وتحوّلت المدينة الى كتلة بشرية متراكمة على بعضها البعض من النّاجين. وعلى الرّغم ممّا أصابها بالقصف و التدمير، إلّا أن الكثافة البشرية انتصرت على حرب الإبادة. سُمّيت هذه المدينة نسبةً للدير الذي أسّسهُ القِدّيس هيلاريون المُتَوفّى عام 372 م وهو اول دير مسيحي في قطاع غزة تحيط به غابة من النّخيل. بعدما كان اسمها الكنعاني "الداروم" او "الدارون" صار اسمها دير البلح. هكذا استمرّت عامرةً على خريطة البشرية منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وفق ما تدل عليه آثارها الثقافية وقلعتها ومدافن من اسّسها وسكنها وعمّرها. إنّ إصرار السلطة الوطنية في "رام الله" على التمسُّك بالوحدة الجغرافيّة الفلسطينية جَعَلَ الخيار الوحيد لاجراء الانتخابات في هذه المدينة هو الخيار الممكن انتزاعه من رئيس "مجلس السلام" دونالد ترامب للبرهنة على بقاء مسار حل الدولتين حياً. هذا الانتصار الجزئي الذي حقّقه شعار "باقون" في وطننا يُبنى عليه الآن العمليات الانتخابية لإعادة انتاج الشرعية مجدداً في هذا العام. اشكالية دستورية ثار الجدل الداخلي ولم يهدأ بعد، حول المرسوم الرئاسي القاضي بتعديل "قانون 23" لسنة 2025 بشأن الانتخابات وجوهر التعديل هو العبارة التالية [إقرار مرشّحي القائمة بقبولهم الانتخابات المحليّة في القائمة والتزامهم بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثّلاً شرعيّاً و وحيداً للشعب الفلسطيني، و برنامجها السياسي الوطني، و قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة]. على هذا اتّحدت فصائل الاسلام السياسي واليسار القومي مثل "حماس" والجبهة الشعبية، التي قادها سابقاً الدكتور جورج حبش،على رفض المشاركة في الانتخابات بينما بعض النُّخب الفلسطينيه استمرّت بالمجادلة والطعن في شرعيتها والتقليل من أهميتها. هذا الجدل ليس جديداً وهذا التعديل ما هو إلّا تصحيحٌ لخطأ استراتيجيٍ سابقٍ ارتكبته السُّلطة الوطنية، لأنها سمحت في الانتخابات العامّة منذ تسعينيات القرن الماضي بمشاركة القوى المتطرّفة التي أعلنت الحرب على "اتفاق اوسلو" وعملت على إسقاط السلطة الوطنية و اتّهمتها بالخيانة. وما زالت حتى اليوم تسعى لتحقيق هذا الهدف، انطلاقاً من رفضها المطلق للبرنامج الوطني المُعلَن عام 1988 و "وثيقة اعلان استقلال فلسطين". ولما كانت الحالة السياسيّة الفلسطينيّة لم تنضج بعد لاعلان الدستور الذي يُشكّل المرجعية الاولى لشرعية اي سلطة منتخبة فإنّ مرجعية "وثيقة الاستقلال" و اعتراف غالبية دول العالم بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً، هو الأساس القانوني و الدستوري حتى نتمكن من إقرار دستور دولة فلسطين. في النتائج في اثر غياب القوائم الحزبية والفصائلية عن انتخابات البلديات، ارتفع وزن و دور العائلات والعشائر، باعتبارها الأُطُر الفاعلة في المجتمع الفلسطيني و ازدادت قدرتها بالتزامن مع ضعف السلطة وأجهزتها الأمنية في هذه المرحلة. إلّا أنّ هذا لم يُخْفِ إنتماء القوائم الانتخابية لأحد القطبين سواء فتح أو حماس في ظلّ انحسار و تراجع القوى المستقلّة خارج هذا الانقسام العمودي. واذا كانت النتائج في دير البلح والضفة الغربية جاءت لمصلحة فتح، فإنّ القياس هنا لا يُحْسَب للمنتصر بِقَدَر ما يُحْسَب لِنسبة المشاركة أوّلاً، إذ بَلَغَت في الضفة الغربية 56% بالمقارنة مع نسبة الإقتراع في عام 2017 التي لم تتجاوز 53.7% وهذا يعني أنّ إعلان المقاطعة لم يُخفِض نسبة الاقتراع على الرّغم من الضعف الشديد الذي تعانيه السلطة الوطنية من الإحتلال الإسرائيلي واجراءاته القمعية والمُذِلّة في آنٍ واحد. وفي تفسيرٍ آخر، يُمكن القول أنّ فتح التي تعاني من هبوطٍ في أداء تنظيمها وأداء كوادرها في أجهزة السُّلطة والوزارات لم تكُن هي الرافعة، بقَدَر ما كان التيار الفتحوي الجماهيري هو الرافعة لحركة فتح قبل التنظيم. وما زال هذا التيّار حاضراً في كافّة تشكيلات الحالة الفلسطينيّة بقوة مهما بلغت مشكلات التنظيم واجهزة حركة فتح. إنّ المسألة الأهم ليست فوز حركة فتح، إنّما قدرة السُّلطة الوطنية وهي تحت اقسى الضغوط على تحقيق شعارها "باقون" الذي يُؤرِّق حكومة إسرائيل الأكثر تطرُّفاً، ويبرهن على فشلها في التطهير العرقي والتهجير المُعْلَن. اما الانتخابات في دير البلح و هي وحدة الربط مع الضفة الغربية، ونموذج للنّاجين من الإبادة و"الباقون" في قطاع غزة فقد جَرَت المنافسة فيها على 15 مقعد في البلدية و شاركت فيها أربع قوائم انتخابية. حيثُ حصلت قائمة "نهضة دير البلح" المُقرّبة من حركة فتح على ستّة مقاعد وقائمة "مستقبل دير البلح" على خمسة مقاعد، بينما قائمة "السلام والبناء" المستقلّة حصلت على مقعدين، أمّا قائمة "دير البلح تجمعُنا" المُقرّبة من حماس حصلت على مقعدين أيضاً. إنّ أهمية إعادة الحياة للعملية الانتخابية ، مهما كانت نواقصها وثغراتها، هي الطريق الوحيد لإعادة تفعيل النظام السياسي الفلسطيني، من أجل تمكين المواطن من ممارسة حقه الانتخابي باعتباره جزء من حقه في تقرير مصيره؛ لا سيّما أن هذا العام سيشهد أيضاً قبل نهايته، انتخابات المجلس الوطني والمجلس التشريعي، و كذلك الانتخابات الرئاسيّة. فان استطاعت السلطة الوطنية إنجاز المرحلة الأكثر خطورةً وتعقيداً في الانتخابات يمكن أن ترسو سفينة فلسطين في ميناء غزة.

حرب مفتوحة... اوروبا المتوسطيّة
Por
هشام دبسي
Publicado
أبريل 27, 2026 - 05:48

حًقّاً لقد هُزِمَت ألمانيا النازيّة، لكن انتصار جيوش الحلفاء لا يطابق انتصار دُوَلِها باستثناء الدولة الأمريكيّة. هذا ما بَرهنت عليه خبرة "حرب السويس"، التي انتهت بمجرد تصريح للرئيس الاميركي، على سبيل المثال لا الحصر. ربما كان رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل واقعياً في قبول المظلة الامنية النووية الاميركية وغيرها، بينما سعى الجنرال شارل ديغول إلى تكبّد عناء المسار الاستقلالي للسياسات الفرنسية، وهذا يعكس معاناته من الحلفاء أثناء الحرب من تهميش على الرغم من دوره السياسي - العسكري الاستثنائي؛ لم تعاند واشنطن من جهتها المسعى الفرنسي، واعتبرت الأمر بمثابة دولة ترغب في ممارسة الحكم الذاتي في المجال النووي ليس إلا. في بلادنا، نَبْني سرديّة الاستقلال السياسي، على تضخيم دور شعوبنا المناضلة في مصر وسوريا، والعراق، والأردن، ولبنان. بعيداً عن المنظور الاميركي للنظام العالمي الجديد، ومفخرته "هيئة الأمم المتحدة". بينما في اوروبا كانت التحوّلات أكثر وضوحاً في هبوط دور الامبراطوريات، وقد كانت صاحبة الشأن الكبير على ضفاف المتوسط بينما أصبحت دول أطلسية، تعيد بناء اقتصادها في إطار "مشروع مارشال" الأميركي. الاتحاد الاوروبي الهزيمة والجوع والفقر المشترك عند شعوب القارّة، جعل فترة الحِداد والخصومة قصيرة نسبياً. بعد أن بادرت كل من المانيا الغربية و فرنسا و إيطاليا و للكسمبورغ وبلجيكا وهولندا إلى اعلان تأسيس "الجماعة الاوروبية للفحم والصلب" عام 1951، اعلان تجاوَزَ البُعْد الاقتصادي و حَمَلَ على جناحه آليّة مُصالَحة تعتمد على المنافع الاقتصاديّة المشتركة، الّتي ساهمت بدورها إلى نجاح "معاهدة ماستريخت" عام 1992 عبر مسار ديمقراطي طويل ، مهّدت لظهور الاتحاد الاوروبي کما نعرفه اليوم ، اتحادا طوّر مواثيقه ومعاهداته البينيّة و علاقاته مع دُوَل العالم على قاعدة صلبة من الفكر الانساني المستنِد للقانون الدولي، وتسَلَّح بأفضل ما انتجه الفكر المعاصر في غير مجال - بما فيها معاهدة الشراكة الاوروبية - المتوسطيّة الخاصّة بمنطقتنا. لكنَّ العودة مجدداً "للمتوسطية" لا تماثل بالمُطلق ما كان عليه الحال قبل الحرب العالمية الثانية. خاصّةً وأن الرئيس شارل ديغول أسّس موقفاً مناهضاً للعدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن في حرب الخامس من حزيران عام 1967. وبهذا فتح الباب الواسع لفرنسا في العالم العربي، عبر تجاوز "لحظة حرب السويس"، وانهاء الاستعمار الفرنسي للجزائر. الموقف الفرنسي "الديغولي" الدّاعي لمُناصَرَة حقوق الشعب الفلسطيني أحْدَثَ أثراً إيجابيّاً عميقاً، ساعد أوروبا للعودة المتوسطيّة للمنطقة، في إطار معايير جديدة ومتوازنة لا تلغي حقوق الفلسطينيّين، من أجل حمایة دولة إسرائيل القادرة على هزيمة الجيوش العربية مجتمعة عند اللزوم. لذا تمكّن الاتحاد الاوروبي لاحقاً من اعادة صياغة علاقاته المشتركة والمنفردة مع الدول العربية وفق نموذج حداثي ورؤية للمصالح المشتركة مُرْضِيَة للجانبين. حتى بدت "المتوسطيّة" اليوم خياراً لا يقل أهمية عن "الأطلسيّة" وعن الخيارات المرتبطة بالتكتّلات الدوليّة "مجموعة 7" و "مجموعة 20" الخ.. وهذا ما تعزّزه اليوم الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة واسرائيل من جهة. والعدوان الإيراني الشرس على الدول العربية وخصوصاً الخليجية منها من جهةٍ أخرى. إنّ خلاصة ما يجري في الشرق الأوسط الآن، وتأثيره العميق على حياة الشعوب الأوروبية، ليس أقل من تأثير حرب البلقان سابقاً وحرب اوكرانيا المستَعِرَة، ولعلّ عجز الاتحاد الاوروبي الموصوف في إنتاج حلّ مستقلّ لأزمة البلقان (کوسوفو- صربيا) ظهر بشكل أكثر قوة ووضوح في العجز عن الإدارة المستقلّة أزمة (اوكرانيا – روسيا) قبل أن تصل الى المشهد الكارثي الراهن. يمكن القول أنّ أوروبا الأطلسيّة غير قادرة على الاستمرار وفق المعادلة الثنائية "أوروبا-الولايات المتحدة" فقط، وأنّ السلام الذي نَعِمَت به القارّة تحت المظلة الأمريكيّة لا يمكن اعتباره راسخاً بعد مراجعة نتائج ثلاثة حروب في البلقان وفي أوكرانيا وفي الشرق الأوسط. من الضروري العمل على إعادة بناء العلاقات الأوروبيّة - المتوسطيّة وفق أسُسٍ جدیدةٍ فيها قَدَرٍ من التواضع الأوروبي وقَدَرٍ من تجاوز السياسات النَّفْعِيّة القصيرة الأجل، لبناء استراتيجية متوسطيّة تَشارُكيّة متوازنة تحترم مصالح الشعوب کافّةً بِمعايير لا ازدِواجِيّة فيها، حيث أنّ السلام المنقوص هو في العُمْق لا سلام. وهذا ما حصلت عليه القارّة العجوز، وتشتكي منه وتحاول علاجه الآن عبر العلاقات مع دول الشرق الأوسط. فإن أرادت أوروبا المحافظة على دورها كَحامِية للحضارة والثقافة الغربيّة لا بُدّ أن تَبْني معادلة جديدة للحضارة العالميّة وليس الغربيّة فحَسْب؛ وللثقافة المُعَوْلَمَة المنفتحة على الثقافات المتوسطيّة الحاضنة لأسُس ومنطلقات الحضارة الغربية منذ حضارة السومريّين والمصريّين اولاً، بدلاً من الاعتقاد غير العلمي بالأعجوبة الإغريقيّة. احتجاجات قارّيّة بموجب معاهدة الشّراكة الأوروبيّة المتوسطيّة وما تَضَمّنَتْهُ من واجبات والتزامات تحتلّ مسألة حقوق الانسان والحرّيّات الأساسيّة وسِيادة القانون واستقلال القضاء أولويّة ومدخل لِبُنود المعاهدة مع أي بلد يرغب في بناء الشّراكة. لكنّ في الممارسة السياسيّة نلحظ تبايُنات تتراوح بين الشدّة والصّرامة في تطبيق تلك البنود، وبين التساهل والمرونة الذي يرقى في الحالة الاسرائيلية الى حدّ التجاهل. وإذا كانت الاحتجاجات العربيّة غير ذات صدقيّة ، لا يمكن أن تكون الاحتجاجات الأوروبيّة الصّادِرة عن بعض الدول أو الصّادِرة عن المستوى الشعبي في القارّة غير ذات صدقيّة أيضاً، خاصّةً عندما تعلن هيئات رسميّة أوروبيّة و أمميّة معتمَدة في تقاريرها المنشورة عبر "مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة" الذي وثّق انتهاكات اسرائيلية واسعة للقانون الدولي الانساني و عمليات التّهجير القسري للفلسطينيّين واللبنانيّين وانتهاكات مُمَنهجة لحقوق الإنسان فضلاً عن توسع عمليات الاستيطان و الضم و التهويد للأراضي المحتلة في الضفّة الغربية بالإضافة إلى تجاوز قرار محكمة العدل الدولية في توصيف "حرب الإبادة" على أهل قطاع غزة، و ما يجري اليوم من احتلال المشهد البصري للضفة الغربية بشوارعها و قُراها بالأعلام و الرموز الاسرائيليّة كي تبدو يهودا و السامرة كما في التّوراة و كأنّها ليست فلسطين. أمام هذا القُصور مع مراكمة صور القمع والموت والدماء صدرت مُؤخّراً عريضة وقّعها أكثر من مليون أوروبي تشرح كيفيّة مُخالفة حكومة اسرائيل نصوص "اتفاقية الشّراكة الأوروبية المتوسطيّة" في جوهر بنودها ، و مع ذلك لم يتخذ الاتحاد الاوروبي إجراء ذو قيمة في هذا المجال إذ أن الإدانات والتصريحات لا تصل إلى أُذُن حُكّام اسرائيل ، وهم يجاهِرون و يتنافسون في عمليات القتل والتطهير العرقي والتهجير و ضم الأراضي و استخدام القوة المفرطة، فضلاً عن اعتماد الماء والغذاء والدواء أسلحة حرب ضد الفلسطينيين في قطاع غزة حتى هذه اللحظة. إنّ رسائل أكثر من 350 دبلوماسي سابق واعتراض نُخَب من الفنانين والاكاديميّين فضلاً عن مذكّرة "المنظمات المدنيّة السبعون" أجمعت على مطالبة الاتحاد الأوروبي (بالالتزام بسياسة خارجية أوروبية وقائمة على احترام القانون الدولي كما حذّرت من استمرار الاتحاد الاوروبي في علاقاته الحالية مع اسرائيل رغم هذه الانتهاكات، التي تعتبر تواطؤاً واخلالاً بالتزاماته القانونية والاخلاقية). إذاً عندما صار مطلب تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي واسرائيل ومطلب فرض تدابير قانونية واقتصادية، مثل حظر التجارة مع المستوطنات ومراجعة التعاون العسكري والعلمي وضمان المساءلة الدولية عن الجرائم وحماية المدنيّين الفلسطينيّين مطلباً لعدة دول أوروبية وللمنظمات الكبرى المشهود لها وللنّخب الأوروبية عامّةً. لا بُدّ لصانع القرار الاوروبي مراجعة حساباته بدقّة لأن الشراكة المتوسطيّة المطلوبة للقارّة بشكل مُلِحّ أكثر من ايّ وقتٍ مضى وفي ظلّ الحرب الدائرة في الخليج العربي لا بُدّ لها ان تكون شراكة متوسطيّة عادلة ووفق الأسُس والمعايير التي نصّت عليها المعاهدة ذاتها. عندها يمكن القول ان سياسة اوروبا المتوسطيّة سوف تسهم حقّاً في اخراج اوروبا الاطلسيّة من مأزقها. مرةً اخرى، يُرَحِّب المشرق بأوروبا المتوسطيّة على هذه الأسُس ووفق هذه المعايير، عندها سنعترف بانها حامية الحضارة والثقافة الإنسانيّة .

حرب مفتوحة... فرصة لبنان
Por
هشام دبسي
Publicado
أبريل 16, 2026 - 19:03

مقاربة المسار التفاوضي الذي انتهى في العاصمة اسلام آباد باعتباره جزء من الصراع الدائر بي الطرفين، بأشكالٍ متعددة، يُعفينا من تقييمه وفق مزدوجة النجاح أو الفشل. بل يمكن تسليط الضوء على الحدث من زاوية اللقاء المباشر الأول بين الجمهورية الاسلامية و "الشيطان الأكبر" . بعد نحو نصف قرن من التصلب المَحْسوب ، وليس الايديولوجي فقط. إلا أن الإنجاز الأهم للطّرفين هو النزول السّلِس من أعلى الشجرة، و وقف الحرب المدمِّرة لإيران و المُكْلِفَة لأمريكا. فكّ الحِداد عنوان مقال لمن غادرنا مُبَكّراً المبدع سمير قصير ، في لحظة " التحرير"، ودعوته لحزب الله ان يخلع السّواد ، لكنهم خلعوا عباءة الحِداد على أحبابه واصدقائه و البلد أيضاً . لو كان سمير قصير معنا اليوم ، ربما كتب عن "قاليباف" أنه هو من فكّ الحِداد، و فتح منصّة المفاوضات أمام احتمال جَدّي للتفاهم مع نظيره الاميركي، ذلك لأن العرض الإيراني السَّخِيّ "لمُبادَراتٍ للمستقبل"، يُفيد بإمكانية انتقال الاقتصاد الايراني إلى الحضن الامريكي، لكنّ ترمب لا يشتري سمكاً ما زال في البحر ، بل يريد الامساك بالبضاعة المطلوبة بيده في الملف النووي ، باعتباره الملف المفتاحي لكل الملفات الاخرى. لذا حسب تصريح قاليباف "فشلت امريکا في کسب ثقة ایران" و هو تصريح يعكِس العنجهيّة الايرانية ، لكن لو قلبنا الكلام على وجهه الآخر اي " فشلت ايران فى كسب ثقة امريكا" لكان اقرب إلى الواقع. على كل حال، ما جرى في الباكستان رَسَمَ الخطوط السياسية التفاوضية بوضوح، إنّه انجاز بحدّ ذاته ، و الانجاز الآخر هو تظهير الاولويات الأمريكيّة المختلفة عن الأولويات الايرانية، وهذه قضية تحتاج إلى المزيد من تعديل موازين القوى السياسيّة والاقتصاديّة و العسكريّة. هذا ما نراه اليوم وسنراه أيضاً حتى موعد الجولة التفاوضية الثانية، وإن لم يُعلن عنها بعد. مشتركات اي مراقب لِما يدور من صراعٍ مفتوح بين واشنطن وطهران، يلاحظ بعض المشتركات في العقلية و السلوك بينهما مثل استخدام لغة متشابهة في مفرداتها و معانيها الفوقيّة و سلوك الاستعلاء واستحضار ماضٍ لا يمكن ترجمته في تعديل نسبة القوى من الجانب الإيراني، وما يشبه هذه اللغة في البيت الابيض مع فارق القدرة على التحشيد. و ثمّة مشترك آخر يجمعهما و هو السّعي إلى مُراكَمَة القوة في الاقليم ، ولو على حساب الدول الاخرى او على حساب الجماعات المُوالِية نفسها ، في محاولةٍ لإجبار دول الاقليم على قبول متطلبات طهران، او التعايش معها. وهذا ما تفعله ايضاً واشنطن من خلال تابعها الاسرائيلي و لغته الموازية وسلوكه العملي. والمهم أيضا أن الطرفين يستنزفان الوسائل القانونية والدبلوماسية، و يذهبان معاً لتجاوزها ، على حساب الهيئات الدولية و دول المنطقة والعالم أجمع، مهما كانت الوسيلة قذرة لتنفيذ الاهداف المعلنة، كما شهدنا ونشهد على مدار الساعة. بالخلاصة، نحن إزاء ثُلاثي التّطرّف (امريكا، اسرائیل، ایران) ثُلاثي لا يردعه شيء عن الوصول إلى أهدافه المباشرة والبعيدة ، أيّاً كانت الأكلاف البشرية والاقتصادية وهذا ما تدفع ثمنه الدول العربية عامّةً و فلسطين و لبنان على وجه الخصوص. فصل المصلحة مبادرة الرئيس جوزاف عون و قرارات حكومة الرئيس نواف سلام، شكّلا معاً انعطافة تاريخية في مسار تصحيح دور السلطة اللبنانية السياسي- السيادي ، وحمايتها للوطن و الشعب و الدولة. مبادرة أدّت إلى فصل المصلحة الوطنية اللبنانية عن أي إرتباط خارجي ، وإعادة إنتاج نظام المصلحة اللبنانية وفق ما ترتضيه الغالبية الساحقة من الشعب و نوّابه و احزابه . وكذلك سَدَنِة العائلات الروحية المشكّلة للخصوصية اللبنانية ، بما يجعل خروج حزب عن هذا الاجماع أو معارضته لنظام المصلحة ، مسألة تحتاج لمعالجة تنسجم مع الهدف النبيل المُرتَجى، من دون السماح بأي إعاقة لمسار هذه المبادرة التاريخية. واذا كان اليوم يُذَكّرنا بلحظةٍ أليمة أرّخت للحرب الأهلية في لبنان ، فإنّ ما جاء في كلمة رئيس الوزراء، حول المرجعيّات المعتمدة لِصَوْن السلم الأهلي، هي المعيار الذي يُرَشِّدْ الجميع إلى مفاتيح الحل وليس أي مقاربة أخرى تنتمي للغة الحرب و السلاح المنبوذة من غالبية الشعب اللبناني ومعه مجتمعات اللجوء أيضاً من فلسطينيين وسوريين وغيرهم، وعلى هذا التقدير شواهد لا داعي لذكرها. و عليه تبدو سياسة البيت الأبيض من خلال الضغط على حكومة نتنياهو قد أدركت أهمية المبادرة الرئاسية وضرورة معالجة الملف اللبناني ، بعيداً عن المفاوضات الجارية مع ايران. كما أن المبادرة الرئاسية مكّنت المملكة العربية السعودية و مصر وفرنسا و اصدقاء لبنان الكُثُر من بريطانيا إلى أستراليا ، التحرّك في الاتجاه نفسه ، بما يدعو للاطمئنان أن المعركة التفاوضية المقبلة مع اسرائيل ، لن يكون لبنان فيها بلا قدرات تمكّنه من حماية مصالحه الوطنية. و أن التفوق العسكري الاسرائيلي ، ليس هو العنصر الحاسم في كل شيء، و أن احتلال ارض الجنوب، لا يعطي حكومة اسرائيل ما تريد و ما ترغب به و هو كثير كما يصرّح جنرالاتها. لأن الفضاء السياسي اللبناني و حُسن التّدبير أكبر وأكثر غنى و اتّساع من العقل الاسرائيلي المتطرّف و هو يُكيل دائماً بميزان القوّة والقوّة المفرطة فقط. حماية السِّلْم الأهلي في هذه الأيام العَصيبَة والصّعبة يحتاج لبنان إلى أعلامه الكبار من نساءٍ و رجال من كافة الطوائف كي تتقدم الصفوف ، من أجل إنقاذ الناس والوطن معاً ، و أفترض أن الانسان الرائع،الذي غادَرَنا مُؤخّراً، محمد حسين شمس الدين و لَحِقَ بتوأم روحه البيك الاحمر سمير فرنجية لقال الآن جملةً واحدة: لا بدّ من عقد مؤتمرٍ وطنيٍّ شامل لحماية الشعب والوطن على قاعدة تحقيق العدالة و نبذ العنف. ولا بد من دعوة الجميع سواسيةً بصفتهم أفراد في هذا الوطن يتشاركون مصيرهم فيه و يصنعون مستقبل ابنائهم ، ويضعون حدّاً للحرب المفتوحة حتى يبقى لبنان منارةً عربيةً شرق اوسطية عالمية. حقّاً: انها فرصة لبنان.. لمن يجرؤ.