Logotipo de Levant Time

عين على الحدث

حرب مفتوحة... المفاوضات إلى أين؟
Por
هشام دبسي
Publicado
أبريل 11, 2026 - 16:18

لأول مرة تدخل الصين بثقلها السياسي الدولي وراء الباكستان و السعودية وتركيا ومصر، من أجل إعداد مسرح تفاوضي امريكي- ايراني لانتاج حل ممكن للصراع على قاعدة وقف "اطلاق النار"، وليس نهاية الحرب كما طلبت ايران. ويبدو ان الأمر نجح حيث بدأت اسلام اباد باستقبال الوفدين في فندقٍ واحد يوم أمس. هذا التحوّل في مبادرة الوساطة، يعكس قدرة بكين على التأثير المباشر في القرار الايراني، كما يعكس تقاطع موقفها الاستراتيجي مع الدول الأربعة حول انهاء الحرب من دون اسقاط النظام في طهران و من دون انفلات العنف الى مديات لا يمكن ضبطها. لكن من دون الثقل الصيني، لا تستطيع الدول الاربعة تأمين الحضور الإيراني للمفاوضات ، أو توفير الضمانات لنجاحها. و هذا يعود بدوره إلى طبيعة التوازنات في الشرق الأوسط بين القوى الاقلیمیة (اسرائیل ، مصر، السعودیة، ايران وتركيا)، بما هي توازنات غير حاسمة و غير قادرة على انتاج حل شرق اوسطي بمعزل عن واشنطن اولاً ، و ثمّ الصين و روسيا و الاتحاد الاوروبي ثانياً . وهذا ما يمكن تعريفه بـِ (السيولة الجيوبوليتكية) ، التي تسمح للميدان، بانتاج وقائع جديدة مؤثّرة على المعادلة الشاملة الاقليمية والدولية ، وتسمح أيضاً بتعديل الأولويات التي يمكن اعتمادها في واشنطن ، بما هي القطب الدولى المهيمن ، الذي استدعى قوته العسكرية من الشرق الأقصى إلى المنطقة من اجل ضمان استمرار هذه المكانة التي لا يتنازل عنها ولو كلفه ذلك الحرب المفتوحة. ذنب الكلب في مقابلة مع محطة الـ CNN في 3 نيسان/ ابريل الجاري، تحدّث الامير السعودي تركي الفيصل واصفاً الحرب بأنها "حرب نتنياهو"، الذي يريد تحويل الانتباه عن تصرفاته الداخلية في غزة، والضفة الغربية المحتلة، واصفاً نتنياهو بـِ "ذنب الكلب"، الذي قاد ترمب الى هذه المعركة بوصفه أيضاً بِـ "رأس الكلب". إنّها استعارة قاسية، تدل على خلل كبير في المؤسسة السياسية الأمريكية. لأن في ذلك مخالفة لمنطق الامور في دولة مثل الولايات المتحدة تخوض حرباً في الشرق الأوسط ، قلب العالم القديم - الجديد.­­ بعد كلام الأمير السعودي المخضرم في الأمن والسياسة... جاء تصريح وزیرالخارجية ماركو روبيو في صحيفة النيويورك تايمز في 8 نيسان/ ابريل يصف نتنياهو بأنه ( بائع ماهر وبارع في المراوغة) وأنه ( خَدَعَ الادارة مرة اخرى) بتقارير عن إمكانية اسقاط النظام في طهران ، بدل استراتيجية الاحتواء. في الوقت نفسه، كشفت صحف اسرائیل أن الخارجية الامريكية و وكالة الـ CIA واركان البنتاغون ، لم يوافقوا على تقديرات نتنياهو و تقارير "الموساد" ، وهذا ما أدى إلى الاستقالات والإقالات المعروفة، و كذلك الى ارتفاع منسوب التخبط السياسي في التصريحات الرئاسية. إلى أن رست السياسة النهائية للبيت الابيض على تكليف نائب الرئيس، جي.دي.فانس لادارة المفاوضات في العاصمة كراتشي وهو المعروف اصلاً بموقفه الرافض للحرب. وهذا ما يفسر بوضوح أن الامير تركي الفيصل أطلق الانذار السياسي ، للتنبيه لخطورة ما يجري في واشنطن، و لدور نتنياهو الاستثنائي. كما انّه أعطى مؤشراً صلباً عن ثبات توجه السياسات الرسمية للمملكة العربية فهي لم تغادر استراتيجيتها، لانتاج حل على قاعدة توازن المصالح في مواجهة طموح نتنياهو بالتّسيّد على الاقليم. و لما تجاوزت الأحداث الآن­ "ذنب الكلب" نتنياهو، من المفيد العودة إلى تنسيب تبدل الأولويات في رأس الهرم الامريكي إلى طبيعة الرئيس ترمب اولاً، و إلى توزع الصلاحيات في النظام السياسي الامريكي ثانياً، وتوازن القوى المحركة للدولة بمؤسساتها السياسية والعسكرية والامنية الضخمة ، ما يجعل صناعة القرار حصيلة مركّبة للتوازنات الداخلية على كافة المستويات، هكذا حُسِمَت مسألة المفاوضات بالعودة لسياسة احتواء النظام الايراني. وقاحة سفير من العاصمة الكويت تعرّفنا على السفير الإيراني هناك محمد توتونجي عبر تصريحه لوكالة فرانس برس يوم 7 نيسان/ ابريل داعياً إلى بذل كل جهد ممكن "للحيلولة دون وقوع الفاجعة"، لأن طهران سترد على التهديدات الخارجية بما يشمل (الأمن والاستقرار في دول الخليج). وهذا يتناغم مع وقاحة السفير الذي لم يُعتمد في بيروت ، ولم يغادرها على الرغم من قرار السلطات الرسمية اللبنانية. إنّه نهجٌ سائد في الديبلوماسية الايرانية الميليشياوية، لتغطية تراجع القيادة العليا عن سقف مطالبها الاول، و اعتماد لغة مزدوجة موجّهة للادارة الامريكية ، و أخرى موجّهة للشعب الايراني وشعوب المنطقة ، فقد كشفت الاوراق المقدّمة للبيت الابيض، عن نسخةٍ غير معلنة. فلو كانت طهران متشدّدة حقاً ، ولم تلبّي المطالب الرئيسة الواردة في نقاط الورقة الأمريكية، لَما ذهب نائب الرئيس الامريكي للقاء رئيس البرلمان الايراني. بعدما استنزفت الحرب القدرات الشاملة للنظام و لم يبقَ له غير جزء من مخزونه الصاروخي ومسيراته ، وعدة ملايين من أتباعه القادرين على قتال الشعب الإيراني كلما نزل إلى الشارع احتجاجاً. الأربعاء الأسود شكّل نجاح الوسطاء نكسة " لذنب الكلب نتنياهو" ، عندما قرر ترمب ما يناسب المصلحة الأمريكية أولاً، لا بل لم يستشره هذه المرة ، واكتفى بابلاغه الامر .. أعتقد أن تلك اللحظة هي ما دفع القيادة الاسرائيلية لاطلاق جنونها هذه المرة على مدینة بیروت ، و تفريغ غضبها السياسي و تنفيذ يوم اجرامي ينتمي لحرب "الإبادة في غزة" . فلولا موقف الدولة اللبنانية لَذهبت القيادة الاسرائيلية على المستويات الثلاث السياسية والعسكرية والأمنية لتحويل الحرب من نمطها السابق إلى نمط الابادة الغزية. لذا لا يهم مصير المفاوضات في الباكستان الآن سواءاً نجحت أو فشلت بقدر ما يهم لبنان النجاح في مسعاه لفصل قضيته الوجودية عن ملف الساحات كما ترغب طهران دائماً. إنّها الآن معركة المفاوضات المباشرة مع اسرائيل من أجل خلاص لبنان ونجاته عبر تصوّر شامل لما يجب أن تكون عليه الدولة اللبنانيّة و كيفية انهاء هذه الحرب على قاعدة إنتصار السيادة و تأمين السلامة للناس والعيش الكريم. عندها سنقول أن خطاب القسم و البيان الوزاري هما القابلة التي ولّدت الجمهورية الجديدة كما يرضاها و يقبل بها شعبها.

الحالة الفلسطينية… الشتات
Por
هشام دبسي
Publicado
أبريل 6, 2026 - 23:24

صدر قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1947، المعروف بالقرار الدولي رقم 181، الذي بموجبه وُلِدَت دولة إسرائيل، على مساحة 15 ألف كم 2 ، وسكانها لم يتجاوزوا نصف مليون مستوطن، بينما دعا القرار إلى إنشاء دولة عربية على مساحة 11 ألف كم 2 ، في الوقت الذي بلغ تعداد الشعب الفلسطيني مليون وأربعمائة ألف مواطن. كما نصّ القرار على فرض الوصاية الدولية على العاصمة القدس ومدينة بيت لحم، وأدّى الرفض العربي والفلسطيني لهذا القرار إلى اندلاع حرب فلسطين بما أسفرت عنه من نتائج كارثية، مكّنت إسرائيل من احتلال 78% من الأرض، وتهجير نحو 750 ألف مواطن. لكن من اتجه نحو الأردن و سوريا و لبنان لم يتجاوز نصف هذا العدد، حيث استقرّ نصفهم الآخر في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة. اي ان أكثر من مليون فلسطيني لم يغادر أرضه رغم نزوحه الداخلي، والمفارقة هنا أن الوعي العام السائد تعامل مع الفلسطينيّين على أنهم شعب لاجئ، وهذا "بفضل" قانون الجنسية الأردني، وقانون التجنيس الإسرائيلي. أما في قطاع غزة، منحت الادارة المصرية، بطاقة هوية لاجئ لمن أتى الى قطاع غزة و لأهل مدنها و هم لم يغادروا أرضهم و أصبحوا لاجئين بدورهم. هدنة إلى لبنان لجأ نحو مئة ألف فلسطيني، وعاد أيضاً ما يماثلهم من اللبنانيين المقيمين في فلسطين، وما زال قسماً منهم ضمن احصاءات "الاونروا" التي اعتمدت تعريف اللاجئ " كل من كان مقيم في فلسطين قبل النكبة". لكن اللاجئين الفلسطينيين عندما سمعوا باتفاقات الهدنة التي عقدتها إسرائيل مع مصر والأردن وسوريا ولبنان. أدركوا أن الهزيمة في الحرب تم ترسيمها و الاعتراف بها، وكذلك الاعتراف بالواقع الإسرائيلي الجديد، على الرغم من كل الشعارات الجوفاء. وما أن استقر الحال في المخيمات وبعض القرى والمدن، حتى بدأ البحث في المصير والمستقبل، و مضى عقد و نيّف على النكبة سُمّيَ عند بعض النُّخَب بمرحلة الضياع و فقدان الاتجاه. في خمسينيات القرن الماضي حاول بعض الافراد العودة للوطن، و البعض الآخر شكّلوا مجموعات قتالية منها من نجح و منها من فشل و معظمها استُخْدِمَت لدى الجيوش العربية من اجل اغراض الاستطلاع الحربي. لكن غالبية اللاجئين قبلوا بسلطة الدولة المضيفة و قوانينها. و خاصةً في سوريا و مصر حيث استُخْدِمَت المسألة الفلسطينية في بناء شرعية الانظمة نفسها. اما في لبنان فإنّ الحال يختلف لجهة اسلوب تعامل السلطات مع اللاجئين على انهم حالة خاصة، تولت الاجهزة الامنية ادارتها. وطبقت قوانين عزل و منع تنقل و منع اعمار ومنع بناء مجرد مرحاض خاص للعائلة، فضلاً عن التدخل الامني الفظ في حياة الافراد. تحت مطالعة السيطرة على نمو الاتجاه القومي الناصري والبعثي وغيره وسط جيل النكبة. اتفاق القاهرة ليست عوامل البؤس والشقاء وحدها دفعت اللاجئين في لبنان الى حمل السلاح، بل إنّ دور مصر وسوريا بعد الهزيمة الحُزَيْرانية المذلّة له ابلغ الاثر في توفير السلاح والتدريب عليه وطرق الوصول الى الجبهات المحيطة باسرائيل ومنها الجنوب اللبناني. لكن عندما نشأت ازمة ازدواجية السلطة في الاردن بين الثورة الفلسطينية والعرش الهاشمي في احداث ايلول 1970، لعب الرئيس جمال عبد الناصر دور المنقذ للفدائيين عبر تأمين خروجهم من العاصمة عَمّان و اطلق شعار " وُجدَت المقاومة لتبقى" ، اي بعبارة اخرى ما زالت الحاجة العربية الرسمية لها مستمرة، بينما رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات اضاف لهذا الشعار، "وُجدَت المقاومة لتبقى وتنتصر". هذا ما يفسّر دور الرئيس عبد الناصر في انتاج اتفاق القاهرة عام 1969. حيث استمرّت حاجة النظام الرسمي العربي للمقاومة المسلحة من دول الطوق واستمرّ هذا الامر حتى حرب تشرين عام 1973. وفي قراءة نقدية فلسطينية متأخرة لهذا الحدث المفصليّ في تاريخ لبنان المعاصر، جاء في رسالة الاعتذار للشعب اللبناني المعروفة "باعلان فلسطين في لبنان" ما نصّه: [... ولكن الانصاف يقتضي القول ان الوجود الفلسطيني في لبنان، بحجمه البشري والسياسي والعسكري، قد اثقل كثيرا على هذا البلد الشقيق و رتّب عليه اعباءاً فوق طاقته واحتماله.... الامر الذي اصاب دولته واقتصاده واجتماعه الانساني و صيغة عيشه اصابات بالغة ما عادت خافية على احد. كذلك من الانصاف القول ان التورط الفلسطيني في لبنان على نحو ما شهدناه، و بخاصة في اثناء حروب 1975- 1982 ، انما كان مجمله قسرياً بفعل ظروف داخلية وخارجية اشبه ما تكون بالظروف القاهرة.] تلك المراجعة لم تكُ مراجعة اخلاقية فقط، بل جاءت نتاج تطور عميق و تحوّل في الفكر السياسي الفلسطيني بعد اعلان استقلال دولة فلسطين في المجلس الوطني المنعقد في الجزائر عام 1988 الذي جسّد مشروع السلام الفلسطيني في اطار مشروع السلام العربي و كذلك ابرام "اتفاق اوسلو" عام 1993 و ما تلاه من تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية. ما تقدّم و مع عودة العلاقات الفلسطينية - اللبنانية عام 2005 بعيداً عن الوصاية السورية، صارت السياسة الفلسطينية الجديدة تعبر عن نفسها بمنطق الدولة وليس بمنطق الثورة، لذا اكتسب الاعتذار الفلسطيني وزنه السياسي- الاخلاقي وصِدقِيّته في الممارسة اولاً قبل القول حيث جاء فيه: [.....، وفتحاً لباب المراجعة، ومساعدةً لانفسنا جميعاً على تنقية الذاكرة و اياً ما كان الامر فإننا من جانبنا نبادر الى الاعتذار عن أي ضرر الحقناه بلبنان العزيز، بوعي او من غير وعي، وهذا الاعتذار غير مشروط باعتذار ٍمقابل.] 7/1/2008 بينما كان قرار مجلس النواب اللبناني في الغاء "اتفاق القاهرة" عام 1987، غير مُرتبط باعادة بناء الدولة اللبنانية على قاعدة حصرية السلاح في ذاك الوقت بقدر ما جاء في سياق صراع نظام الاسد مع قيادة منظمة التحرير من اجل السيطرة و الهيمنة على المخيمات، التي كان لبنان مرة اخرى مسرحاً لها بعد الخروج الفلسطيني عام 1982. (حرب المخيمات) (حرب الانشقاق ) (احداث شرق صيدا) الخ... لذا يمكن القول الآن بخلاصة واضحة و نتيجة اساسية لهذا المسار، بأنّ العهد الحالي و بما أتى بخطاب القَسَم والحكومة الراهنة و بما جاء في بيانها الوزاري، عندما اتّخذت قرار حصرية السلاح كانت منظمة التحرير وعبر سفارتها في لبنان، تُطلِق مبادرتها السياسية و العملية لتطبيق هذا القرار . و ما جرى في المخيمات السنة الماضية بشأن تسليم السلاح الثقيل و المتوسط شاهد على صدقية السياسة الفلسطينية تجاه بناء علاقة ثقة مع الشرعية اللبنانية. تقوم على احترام نظام المصلحة الوطنية اللبنانية ، و عدم الاخلال به، في سياق حل المعضلات المتراكمة في مجتمع اللجوء الفلسطيني، باعتباره جزء من المشكلات اللبنانية التي ينبغي معالجتها بمنظور جديد لا يسبب اي اذى للبلد. كلمة شرف كان لاحتلال الاراضي المقدسة في فلسطين تداعيات مؤلمة على المؤمنين منعتهم من الحج الى كنيسة القيامة وكنيسة المهد، وكذلك الى المسجد الاقصى. وفي هذا الاتجاه، أطلقت حاضرة الفاتيكان مبادراتٍ متلاحقة، عبر زيارة الباباوات لفلسطين في العقدين الاخيرين. كما تلاقت مع هذا المسعى مبادراتٍ أخرى انطلقت من "الازهر الشريف" الى مراكش، الى ابو ظبي ومبادرات محلية هنا في لبنان رسمية و اهلية. معظم تلك المبادرات نطقت بجملة اولى تؤكد ان فلسطين عنوان الرسالة المسيحية وجغرافيتها. بينما اكدت الجملة الثانية على ان المسيحية في لبنان كانت عنوان التفاعل الحضاري والثقافي والانساني، في هذه المنطقة و هي المنارة الابرز للحضور المسيحي في الشرق. واذا كانت هجرة المسيحيين تحدي كبير للمشرق فإنّه تحدي عظيم للبنان وفلسطين، حيث يتناقص الوجود المسيحي بفعل تداعيات الاحتلال الاسرائيلي. الذي يريد فلسطين خالية من هذا الوجود بعد ان كانت نسبته 13% صار اليوم اقل من 2%، عبر سياسات ممنهجة تريد اقصاء الدور المسيحي في مقاومة الاحتلال. وفي مثل هذه الايام المباركة بالصوم واعياد الفصح وفي 29 نيسان/ ابريل من عام 2008 زار وفد فلسطيني كبير ضمّ قيادات من رام الله برئاسة سفير فلسطيني في لبنان ومعه معظم القيادات المحلية الصرح البطريركي في بكركي مقدماً لغبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير و عموم العائلات المسيحية في لبنان وثيقة صدرت عن القيادة الفلسطينية تحت عنوان"كلمة شرف و عهد وفاء لاخوتنا المسيحيين في لبنان". جاء فيها ما نصّه: [اننا كفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، نعتبر انفسنا في فلسطين و اياكم في لبنان جزءًا اصيلاً من اكثرية عربية، من شأنه ان ينهض الآن، مثلما نهض في الماضي القريب، بدور ريادي في نهضة عامة، لنشر رسالة السلام و المحبة و الترقي و الانفتاح، .... واننا اذ اعربنا عن خياراتنا وتوجهاتنا في هذا البلد المعطاء، اردناها مراجعة صادقة وصريحة، فإننا نخصُّكم بكلمة الشرف هذه ونعاهد انفسنا واياكم على: اولاً: الاحترام الكامل لخصوصيتكم اللبنانية والمشرقية، وان نكون معاً لدرء الاذى الذي يترصّد لبنان العزيز،بوصفه كياناً مستقلاً ودولة سيدة. ثانياً: مقاومة اي محاولة لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان على حساب هذا الوطن، او بعيداً عما تنص عليه قرارات الشرعية الدولية في هذا الشأن وفي مقدمها حق العودة وفقاً للقرار الدولي 194. ثالثاً: العمل على شفاء النفوس وتنقية الذاكرة، وتعزيز روح المصالحة، كي يبقى وطنكم لبنان، ووطننا فلسطين منبع الاشعاع الروحي،ومنصة التعبير الحضاري والثقافي، كما كانا عبر العصور. تلك كلمة شرف وعهد وفاء نرجو ان نوثّقهما بأعمال تُرضي الله وضميرنا الوطني.] التوقيع: سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية تلك المبادرة و غيرها من المبادرات حفرت مجرى جديد للمصالحة وتنقية الذاكرة. لكن ما يمكن قوله الآن في السياسة، هو ان الحكومة اللبنانية الحالية في سياق قراراتها لحصرية السلاح بيد الدولة، كلّفت "لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني" المعنيّة بمعالجة قضايا مجتمع اللجوء ، بإعداد ورقة سياسيّة أوليّة تحت عنوان ( الخطة الوطنية اللبنانية لِحَوْكَمَة المخيمات الفلسطينية في لبنان) وهذه المبادرة هي الاولى من نوعها على مستوى الدولة اللبنانية ، لاخراج المخيمات من دائرة المعالجات الامنية الى كنف رعاية الدولة وبسط سيادتها على اراضيها وسحب السلاح الفلسطيني من المخيمات و تأمين الحياة اللائقة باللاجئ حتى لحظة عودته. يمكن القول اخيراً ان المستقبل يحمل وعداً بتجاوز الماضي.

الحالَةُ الفِلَسْطِينِيَّةُ..  عَرَبُ الداخِلِ
Por
هشام دبسي
Publicado
مارس 30, 2026 - 04:52

جَدَّتِي وُلِدَتْ جَدَّتِي عائِشَةُ فِي العَقْدِ الأَخِيرِ مِنَ القَرْنِ التاسِعَ عَشَرَ، فِي وَقْتِ وِلادَةِ الحَرَكَةِ الصَّهْيُونِيَّةِ العالَمِيَّةِ. وَأَنْجَبَتْ جَدَّتِي ابنَها الأَوَّلَ والثانِيَ قَبْلَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الأُولى وخِلالَها، وبَعْدَها أَنْجَبَتْ ابنَتُها وآخِرَ ذُكُورِها. قَبْلَ نَكْسَةِ حَرْبِ حُزَيْرانَ بِسَنَةٍ واحِدَةٍ، كانَتْ مَشْغُولَةً فِي “سَرايا صَيْدا” طَيلَةَ الوَقْتِ، وهِيَ سَعِيدَةٌ لأَنَّها حَصَلَتْ عَلَى تَصْرِيحٍ مِنَ الصَّلِيبِ الأَحْمَرِ الدَوْلِيِّ يَسْمَحُ لَها بِرُؤْيَةِ ابنِها البِكْرِ تَوْفِيق، الإِسْرائِيلِيِّ الَّذِي لَمْ يُغادِرْ مَدِينَتَهُ عَكّا. كانَ تَصْرِيحُ الصَّلِيبِ الأَحْمَرِ لا يَكْفِي لإِنْجازِ هٰذا الحَدَثِ الاسْتِثْنائِيِّ فِي حَياتِها. لَوْلا حُصُولُها عَلَى طَلَبِ زِيارَتِهِ مِن ابنَتِها مَرْيَمَ الأُرْدُنِيَّةِ المُقِيمَةِ فِي نابُلُسَ فِي الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ لِلمَمْلَكَةِ الأُرْدُنِيَّةِ الهاشِمِيَّةِ. وهٰذا التَّصريحُ أَي (طَلَبُ الزِيارَةِ العائِلِيَّةِ) لا يَنْفَعُ عِنْدَ الأَمْنِ العامِّ اللُبْنانِيِّ لِوَحْدِهِ مِن دُونِ إِذْنِ مُرُورٍ خاصٍّ حَصَلَتْ عَلَيْهِ جَدَّتِي مِن ابنِها اللاجِئِ إِلَى دِمَشْقَ حَيْثُ وَجَدَ العَمَلَ والمَأْوَى واسْتَقَرَّ هُناك. هٰكَذا عِنْدَما اسْتَلَمَتْ جَدَّتِي عائِشَةُ وهِيَ فِي عِقْدِها السابِعِ آخِرَ تَصْرِيحٍ، قالَتْ: “لا بُدَّ مِنَ الاحتِفالِ”. وحَزَمَتْ أَغْراضَها فِي شَنْطَتِها الصَّغيرَةِ لِهٰذِهِ الرِّحْلَةِ مِن صَيْدا إِلَى دِمَشْقَ وعَمّانَ ونابُلُسَ لِلوُصولِ قَبْلَ مَوْعِدِ المُقابَلَةِ. فِي مَوْعِدِ المُقابَلَةِ، ذَهَبَتْ جَدَّتِي وابنَتُها مَرْيَمُ ومَن اسْتَطاعَ مِنَ العائِلَةِ فِي سَفَرٍ لَيْسَ طَوِيلاً ومِن دُونِ تَصْرِيحٍ هٰذِهِ المَرَّةَ مِن نابُلُسَ إِلَى القُدْسِ الشَرْقِيَّةِ، لِتُصَلِّيَ أَوَّلاً فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى، وتَذْهَبَ مَعَ العائِلَةِ إِلَى الشَّرِيطِ الشائِكِ فِي غَرْبِ المَدِينَةِ حَتَّى تَلْتَقِيَ ابنَها وعائِلَتَهُ مِنَ الصَّباحِ إِلَى الظَّهِيرَةِ لٰكِنْ مِن دُونِ تَجاوُزِ الحاجِزِ الفاصِلِ. وفِي نِهايَةِ يَوْمِ المُقابَلَةِ سَتَعُودُ جَدَّتِي مِن غَيْرِ عَجَلَةٍ إِلَى نابُلُسَ، وكَذٰلِكَ لا بُدَّ لَها أَن تَقْضِيَ يَوْمَيْنِ فِي عَمّانَ مَعَ أَبْناءِ عَمَّتِي لِتَرَى أَحْفادَها، وتَقْضِيَ أَيَّاماً أُخْرَى فِي دِمَشْقَ حَيْثُ يَسْتَقِرُّ هُناكَ أَكْثَرِيَّةُ أَفْرادِ عائِلَتِها قَبْلَ أَن تَعُودَ إِلَى صَيْدا، مُسْتَقَرِّ ابنِها الصَّغِيرِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي بَيْرُوتَ فِي مَصْنَعٍ لِلوَرَقِ فِي كُورْنيشِ النَّهْرِ الَّذِي صارَ بَيْرُوتَ الشَّرْقِيَّةَ، حَيْثُ ماتَ عِنْدَما سَقَطَتْ قَذِيفَةٌ عَلَى المَصْنَعِ واحْتَرَقَ الوَرَقُ وغادَرَ الحَياةَ. لٰكِنَّ جَدَّتِي لَمْ تَحْزَنْ عَلَيْهِ، لأَنَّها سَبَقَتْهُ فِي وَداعِ رِحْلَةِ الشَّقاءِ وهِيَ عَلَى فِراشِها، مِن دُونِ حَرْبٍ أَهْلِيَّةٍ. عَرَبُ الدَّاخِلِ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى الفِلَسْطِينِيِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا لأَسْبابٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِن مُدُنِهِم وقُراهُم، وقَدْ أَصْبَحَتْ إِسْرائِيلِيَّةً لَحْظَةَ إِعْلانِ الاسْتِقْلالِ فِي 15/5/1948، وهِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي نُسَمِّيها “النَّكْبَةُ”. أَمَّا الخَطُّ الفاصِلُ الَّذِي ذَهَبَتْ إِلَيْهِ جَدَّتِي فيُسَمَّى الخَطَّ الأَخْضَرَ، ولا أَدْرِي لِماذا سُمِّيَ بِالأَخْضَرِ. لِذا يُطْلَقُ عَلَى أَمْثالِ عَمِّي تَوْفِيقٍ عَرَبُ الداخِلِ، أَوِ العَرَبُ خَلْفَ الخَطِّ الأَخْضَرِ، بَيْنَما حُكُومَةُ دافيد بِنْ غُورْيون سَمَّتْهُم “عَرَبُ إِسْرائِيلَ” فِي الوَقْتِ الَّذِي نادَتْهُم إِذاعَةُ “صَوْتِ العَرَبِ” وإِذاعَةُ “دِمَشْقَ” “عَرَبُ الأَرْضِ المُحْتَلَّةِ”. ثُمَّ أَعادَتْ تَسْمِيَتَهُم حُكُوماتُ إِسْرائِيلَ وِفْقَ هُوِيَّاتِهِم الدِّينِيَّةِ أَو العِرْقِيَّةِ، أَي “دُرُوزُ إِسْرائِيلَ”، “بَدْوُ إِسْرائِيلَ”، “مُسْلِمُونَ”، “مَسِيحِيُّو إِسْرائِيلَ”، “شَرَاكِسَةُ إِسْرائِيلَ”؛ أَو “الأَقَلِّيَّاتُ فِي إِسْرائِيلَ”. ثَمَّةَ مُشْتَرَكٌ واحِدٌ بَيْنَ التَّسْمِياتِ جَمِيعِها، هُوَ تَغْيِيبُ ونَفْيُ هُوِيَّتِهِم الفِلَسْطِينِيَّةِ. إِنَّهُمُ الشَّعْبُ الأَصْلانِيُّ الَّذِي لَمْ يُغادِرْ أَرْضَهُ لَحْظَةً واحِدَةً، بَلْ أَجْبَرَتْهُ حُكُومَةُ بِن غُورْيون عَلَى النُّزُوحِ الداخِلِيِّ عِنْدَما حَطَّتْ رِحالَها حَرْبُ فِلَسْطِينَ واسْتَقَرَّ حالُ إِسْرائِيلَ بَعْدَ تَوْقِيعِ اتِّفاقاتِ الهُدْنَةِ مَعَ “دُوَلِ الطَّوْقِ”. عِنْدَها اكْتَشَفَتِ الحُكُومَةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ أَنَّ فِي دَوْلَتِها الحَدِيثَةِ والدِيمُقْراطِيَّةِ نَحْوَ 156 أَلْفَ إِنْسانٍ مِن سُكَّانِ البِلادِ الأَصْلِيِّينَ. كانَ الجَيْشُ الإِسْرائِيلِيُّ عِنْدَما يَحْتَلُّ المُدُنَ الكُبْرَى يُهَجِّرُ قاطِنِيها بِالقُوَّةِ النارِيَّةِ، مِثْلَ مَدِينَةِ يافا حَيْثُ غادَرَها نَحْوُ 71 أَلْفَ نَسَمَةٍ، وبَعْدَ ذٰلِكَ تَمَّ تَجْمِيعُ ما يُقارِبُ 400 شَخْصٍ فِي حَيِّ العَجَمِيِّ. أَمَّا فِي حَيْفا فَجَرَى تَهْجِيرُ 75 أَلْفٍ بَرَّاً وبَحْراً. وتَمَّ تَجْمِيعُ نَحْوِ 3200 مِنَ الباقِينَ فِي “حَيِّ وادِي النِّسْناسِ”. هٰكَذا دَوالَيْكَ فِي المُدُنِ والبَلَداتِ والقُرَى. الأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ رَئِيسَ الوُزَراءِ يُصْدِرُ تَعْلِيماتِهِ القاضِيَةَ باعتِبارِ الباقِينَ مِنَ الفِلَسْطِينِيِّينَ طابُوراً خامِساً يُشَكِّلُ خَطَراً أَمْنِيَّاً عَلَى الدَّوْلَةِ الناشِئَةِ، وقُنْبُلَةً دِيمُغْرافِيَّةً يَجِبُ السَّيْطَرَةُ عَلَيْها. لِذا أَمَرَتِ الحُكُومَةُ بِوَضْعِ كُلِّ هَؤُلاءِ تَحْتَ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ بِتَصَرُّفِ جَيْشِ الدِّفاعِ بِمُوجِبِ قَوانِينِ الطَّوارِئِ البِرِيطانِيَّةِ لِسَنَةِ 1946. وفِي هٰذا المَجالِ، يُطْلِعُنا الدُّكتورُ يِئِير بُويمِل بِمُحاضَرَةٍ بِعُنْوانِ “دَوافِعُ فَرْضِ سِياسَةِ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ وقِسْرِيَّاتُها” أَنَّ السُّلُطاتِ الإِسْرائِيلِيَّةَ [انْتَهَجَتْ فِي العَقْدِ الأَوَّلِ مِنَ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ سِياسَةَ الترانسفير لِلمُواطِنِينَ العَرَبِ، والَّتِي بَلَغَتْ أَوْجَها فِي مَذْبَحَةِ كَفْرِ قاسِم فِي 29/10/1956… أَمَّا فِي العَقْدِ الثانِي فَقَد تَغَيَّرَتْ سِياسَةُ الدَّوْلَةِ العِبْرِيَّةِ بَعْدَما اتَّضَحَ أَنَّ الترانسفير لَمْ يَعُدْ أَمْراً واقِعِيَّاً ومُمْكِناً… حَيْثُ بُوشِرَ فِي مُحاصَرَةِ المُواطِنِينَ العَرَبِ وإِقْصائِهِم… باعتِبارِهِم خَطَراً عَلَى أَمْنِ الدَّوْلَةِ] 1 . وتابَعَ يَقولُ إِنَّ رَئِيسَ الوُزَراءِ الإِسْرائِيلِيَّ الأَوَّلَ [أَمَرَ بِكِتابَةِ التَّقْوِيمِ العِبْرِيِّ فِي بِطاقاتِ المُواطِنِينَ اليَهُودِ فَقَطْ مِن أَجْلِ تَشْخِيصِ المُواطِنِينَ العَرَبِ…] 2 [كَما حَصَلَ إِخْراجُ العَرَبِ مِن دائِرَةِ التَّخْطِيطِ لِلمَشارِيعِ المُخْتَلِفَةِ لِشُؤُونِ حَياتِهِم وضَمانُ عَدَمِ تَطَوُّرِ رَأْسِ مالٍ عَرَبِيٍّ.] 3 ومَنَعَ مُحاوَلَةَ رَئِيسِ مَجْلِسِ كَفْرِ ياسِيف “يَنِي يَنِي” لإِقامَةِ [رابِطَةٍ لِرُؤَساءِ السُّلُطاتِ المَحَلِّيَّةِ العَرَبِيَّةِ فِي بِدايَةِ السِّتِّينِيَّاتِ] 4 تَجْنِيدُ الدُّرُوزِ عانَتِ الطائِفَةُ الدُّرْزِيَّةُ فِي فِلَسْطِينَ وَضْعاً اقتِصادِيَّاً سَيِّئاً وسادَ الفَقْرُ الشَّدِيدُ بَعْدَ إِعْلانِ دَوْلَةِ إِسْرائِيلَ، ومارَسَتِ الحُكُومَةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ ضَغْطاً مُتَواصِلاً مِن أَجْلِ إِجْبارِ الطائِفَةِ عَلَى التَّعامُلِ مَعَها، كَبَوَّابَةٍ لِلتَّعامُلِ مَعَ إِخْوانِهِمُ الدُّرُوزِ فِي سُورْيا ولُبْنانَ. ومِن أَجْلِ كَشْفِ سِياساتِ الحُكُومَةِ الإِسْرائِيلِيَّةِ عَمِلَ البروفسور قَيْسُ فِرَّو عَلَى أَوراقِ الأَرْشِيفِ الإِسْرائِيلِيِّ وأَنتَجَ أَوراقاً بَحثِيَّةً نُشِرَتْ أَيْضاً فِي يَوْمِ الدِّراسَةِ والحِوارِ الَّذِي شارَكَ فِيهِ دُكتور يِئِير بُويمِل فِي الناصِرَةِ، وكَتَبَ [أَنَّ وَزِيرَ الدِّفاعِ مُوشِيه دايان اسْتَدْعَى زُعَماءَ الدُّرُوزِ عامَ 1954، فِي بَلَدَةِ نِيشِر ودَعاهُم لِلخِدْمَةِ العَسْكَرِيَّةِ بِوَصْفِها فُرْصَةَ عَمَلٍ لِلخُرُوجِ مِن أَزْمَتِهِمِ الاقتِصادِيَّةِ.] 5 وشَمَلَتِ الدَّعوَةُ أَيْضاً الطائِفَةَ الشَّرْكَسِيَّةَ. ومِن أَجْلِ عَدَمِ اخْتِلاطِهِم بِالجَيْشِ الإِسْرائِيلِيِّ تَمَّ تَشْكِيلُ “وَحْدَةِ الأَقَلِّيَّاتِ”، الَّتِي لَمْ يَتَجاوَزْ عَدَدُها المِئاتِ. ولِلمُفارَقَةِ فإِنَّ “وَحْدَةَ الأَقَلِّيَّاتِ” كانَتْ تَتْبَعُ وِزارَةَ الخارِجِيَّةِ ولَيْسَ وِزارَةَ الدِّفاعِ. وفِي هٰذا السِّياقِ، اعتَبَرَ البروفسور قَيْسُ أَنَّها وَحْدَةٌ لِلأَغراضِ الدُّعائِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ مِن أَجْلِ انتِزاعِ الطائِفَةِ مِن حاضِنَتِها وعُرُوبَتِها وهُوِيَّتِها الفِلَسْطِينِيَّةِ، عَبْرَ إِخْضاعِها ومَنْعِها مِنَ العَوْدَةِ إِلَى الوَراءِ. فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، جَرَتْ مَلاحَقَةُ “حَرَكَةِ الأَرْضِ” وهِيَ حَرَكَةٌ سِياسِيَّةٌ قَوْمِيَّةٌ حَتَّى تَمَّ القَضاءُ عَلَيْها، وكَذٰلِكَ التَّضْيِيقُ عَلَى الطاقاتِ والكَوادِرِ الإِعْلامِيَّةِ والصَّحافِيَّةِ الَّتِي اسْتَمَرَّتْ فِي نَشاطِها الفَرْدِيِّ بَعْدَ النَّكَبَةِ. هٰكَذا تَطَوَّرَتْ سِياساتُ الاحتِواءِ والتَّفْتِيتِ والإِخْضاعِ القَسْرِيِّ. نِهايَةُ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ مارَسَتِ الحُكُوماتُ الإِسْرائِيلِيَّةُ سِياسَةَ الإِقْصاءِ الكامِلِ لِلأَقَلِّيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ عَن أَجْهِزَةِ الدَّوْلَةِ ومُؤَسَّساتِها، عَلَى الرَّغْمِ مِن مَنْحِهِمُ الجِنْسِيَّةَ الإِسْرائِيلِيَّةَ، إِلَّا أَنَّهُم لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِن خَدَماتِ الدَّوْلَةِ، باعتِبارِهِم يَتْبَعُونَ جِهازَيِ الشُّرْطَةِ والمُخابَراتِ. ومِن أَجْلِ مَنْعِ تَشَكُّلِهِم كَجَماعَةٍ قَوْمِيَّةٍ أَصْلانِيَّةٍ لَها حُقُوقٌ، جَرَى شَرْذَمَتُهُم وتَشْتِيتُهُم وتَغْذِيَةُ الهُوِيَّاتِ الفَرْعِيَّةِ وإِثارَةُ النَّعَراتِ بَيْنَ المُكَوِّناتِ الدِّينِيَّةِ والطائِفِيَّةِ والعَشائِرِيَّةِ والعائِلِيَّةِ، مِن أَجْلِ تَحْطِيمِ الثِّقَةِ فِيما بَيْنَهُم. وفُرِضَتْ عَلَيْهِم قُيُودُ التَّنَقُّلِ والمِلْكِيَّةِ، والنُّزُوحُ مِن أَراضِيهِم وبُيُوتِهِم إِلَى أَماكِنَ جَدِيدَةٍ تُحَدِّدُها أَجْهِزَةُ الشُّرْطَةِ والمُخابَراتِ. اسْتَمَرَّ هٰذا الحالُ حَتَّى حَرْبِ حُزَيْرانَ 1967 حَيْثُ احْتَلَّ الجَيْشُ الإِسْرائِيلِيُّ الضَّفَّةَ الغَرْبِيَّةَ وقِطاعَ غَزَّةَ فَضْلاً عَن صَحْراءِ سِيناءَ وهَضْبَةِ الجَوْلانِ. هٰذا الانتِشارُ والتَّوَسُّعُ الجَدِيدُ لِلجَيْشِ الإِسْرائِيلِيِّ أَدَّى إِلَى رَفْعِ قَوانِينِ الطَّوارِئِ فِي نِهايَةِ عامِ 1968 وانتَهَى مَعَهُ نِظامُ الحُكْمِ العَسْكَرِيِّ. لِيَنْتَقِلَ حالُ الفِلَسْطِينِيِّينَ هُناكَ إِلَى مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ، يَجْرِي التَّعامُلُ مَعَهُم عَلَى أَنَّهُم مُواطِنُونَ، ولَهُم وَضْعٌ قانونيٌّ جَدِيدٌ يَسْمَحُ بِحَقِّ التَّصْوِيتِ والتَّرَشُّحِ لِلانتِخاباتِ وحَقِّ العَمَلِ فِي مُخْتَلِفِ القِطاعاتِ وحَقِّ الحُصُولِ عَلَى خَدَماتِ الدَّوْلَةِ مِن تَعْلِيمٍ وصِحَّةٍ وضَمانٍ اجتِماعِيٍّ. وبِناءً عَلَى هٰذِهِ الحُقُوقِ القانونِيَّةِ، لَهُمُ الحَقُّ فِي التَّمْثِيلِ فِي الكِنِيسِت عَبْرَ الأَحْزابِ الإِسْرائِيلِيَّةِ أَو الأَحْزابِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي تَشَكَّلَتْ لاحِقاً. وفِي المَجالِ الاقتِصادِيِّ والاجتِماعِيِّ شَهِدَتْ حَياتُهُم نَقْلَةً نَوْعِيَّةً بِالقِياسِ إِلَى وَضْعِهِم السابِقِ. لٰكِنَّهُ حَتَّى الآنَ لَمْ يَجْرِ رَدْمُ الفَجْوَةِ فِي مُتَوَسِّطِ الدَّخْلِ الفَرْدِيِّ بَيْنَ الفِلَسْطِينِيِّينَ واليَهُودِ، كَما أَنَّ البِنْيَةَ التَحْتِيَّةَ فِي المُدُنِ والبَلَداتِ والقُرَى الفِلَسْطِينِيَّةِ تُعانِي مِن تَخَلُّفٍ وضَعْفٍ، فَضْلاً عَنِ القُيُودِ الشَّدِيدَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ العُمْرانِيِّ. بِهٰذا التَّطَوُّرِ نَشَأَتْ عِنْدَ الأَقَلِّيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ تَحَدِّياتٌ جَدِيدَةٌ مُرتَبِطَةٌ بِالأَرْضِ والسُّكَّانِ والتَّعْلِيمِ وفُرَصِ العَمَلِ، وتَحَدِّياتٌ فِي تَعْرِيفِ الهُوِيَّةِ والانتِماءِ، حَيْثُ تُفْرَضُ عَلَيْهِمُ الجِنْسِيَّةُ الإِسْرائِيلِيَّةُ وهُم سُكَّانُ البِلادِ الأَصْلانِيُّونَ. لا شَكَّ أَنَّ قِسْماً مِنهُم حَسَمَ انتِماءَهُ لِلجِنْسِيَّةِ الإِسْرائِيلِيَّةِ، لٰكِنَّ غالِبِيَّتَهُم ما زالَتْ تَعْتَبِرُ نَفْسَها جُزْءاً مِنَ الشَّعْبِ الفِلَسْطِينِيِّ، ولٰكِنَّهُم مُواطِنُونَ أَيْضاً فِي إِسْرائِيلَ الَّتِي تَحْتَلُّ قِسْماً آخَرَ مِن شَعْبِهِم… تَحَدِّياتٌ وإِشْكالِيَّاتٌ أَنتَجَتِ الآنَ نُخَباً تُعَبِّرُ عَن وَعْيٍ عَمِيقٍ وتَفْكِيرٍ حَداثِيٍّ فِي مُخْتَلِفِ المَجالاتِ. الجَرِيمَةُ المُنَظَّمَةُ تَنتَشِرُ فِي مُدُنِ اللِّدِّ والرَّمْلَةِ والناصِرَةِ وأُمِّ الفَحْمِ عِصاباتُ جَرِيمَةٍ مُنَظَّمَةٍ ومُسَلَّحَةٍ تُجَنِّدُ الشُّبَّانَ العاطِلِينَ عَنِ العَمَلِ وتَسْتَغِلُّ حالَةَ التَّهْمِيشِ والإِحْباطِ واليَأْسِ. فِي عامِ 2024 بَلَغَ عَدَدُ ضَحايا العِصاباتِ الإِجرامِيَّةِ 235 قَتِيلاً مُعْظَمُهُم مِنَ الشَّبابِ، وفِي عامِ 2025 ازْدادَ عَدَدُ القَتْلَى ووَصَلَ إِلَى 252. عَلَى الرَّغْمِ مِن ذٰلِكَ لَمْ تَصِلِ التَّحْقِيقاتُ إِلَى كَشْفِ المُجرِمِينَ إِلَّا بِنِسبَةِ 15%، الأَمْرُ الَّذِي جَعَلَ أَجْهِزَةَ الأَمْنِ الإِسْرائِيلِيَّةَ مُتَّهَمَةً إِمَّا بِتَشْجِيعِ هٰذِهِ الظاهِرَةِ وإِمَّا بِالتَّغاضِي عَنْها وعَدَمِ الاكتِراثِ فِي كَشْفِ مُلابَساتِها. حَتَّى وَصَلَ الاحتِقانُ الشَّعبِيُّ فِي الوَسَطِ الفِلَسْطِينِيِّ إِلَى تَنْظِيمِ تَظاهُراتٍ كَبِيرَةٍ فِي المُدُنِ والقُرَى والبَلَداتِ الَّتِي خَسِرَتْ أَبْناءَها، وتَحَوَّلَتِ الحَرَكَةُ الاحتِجاجِيَّةُ فِي السَّنَةِ الماضِيَةِ إِلَى الضَّغْطِ عَلَى القُوَى السِّياسِيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ مِن أَجْلِ تَوْحِيدِ مَوْقِفِها فِي جَبْهَةٍ واحِدَةٍ لِانتِخاباتِ الكِنِيسِت الخامِسِ والعِشْرِينَ الحالِيِّ. واسْتَطاعَ الضَّغْطُ الشَّعبِيُّ أَن يَدفَعَ بِالكُتَلِ الانتِخابِيَّةِ إِلَى الاتِّفاقِ عَلَى ما سُمِّيَ “بِالقائِمَةِ المُشْتَرَكَةِ”، وقَد ضَمَّتْ “الحَرَكَةَ العَرَبِيَّةَ لِلتَّغْيِيرِ” بِزِعامَةِ الدُّكتور أَحْمَد الطَّيِّبِي، و”الجَبْهَةَ الدِّيمُقراطِيَّةَ لِلسَّلامِ والمُساواةِ” بِقِيادَةِ أَيْمَن عَوْدَة، و”حِزْبَ التَّجَمُّعِ الوَطَنِيِّ الدِّيمُقراطِيِّ” بِقِيادَةِ سامِي أَبُو شَحَّادَة، و”القائِمَةَ العَرَبِيَّةَ المُوَحَّدَةَ” الإِسْلامِيِّينَ بِرِئاسَةِ مَنصُور عَبَّاس. إِلَّا أَنَّ التَّحالُفَ فَشِلَ ودَخَلَتِ القَوائِمُ المُتَنافِسَةُ مُنفَرِدَةً وحَصَلَتْ عَلَى 10 مَقاعِدَ فَقَطْ بَعْدَ أَن كانَتْ تَفُوزُ بِـ15 مَقْعَداً. وبِهٰذِهِ النَّتِيجَةِ سَجَّلَتِ الأَحزابُ المُتَنافِسَةُ أَكبَرَ خَسارَةٍ فِي الكِنِيسِت، بَيْنَما الجَرِيمَةُ المُنَظَّمَةُ فِي هٰذا العامِ تَصاعَدَتْ حَتَّى بَلَغَ عَدَدُ الضَّحايا فِي الأَشهُرِ الثَّلاثَةِ الماضِيَةِ 66 ضَحِيَّةً بَيْنَهُم أَرْبَعُ نِساءٍ وثَلاثَةُ فِتْيانٍ. هٰكَذا حَصَدَ الفِلَسْطِينِيُّونَ فِي إِسْرائِيلَ النَّتائِجَ المُرَّةَ لِمَواقِفِ الكُتَلِ السِّياسِيَّةِ، حَيْثُ اختارَتِ الكُتْلَةُ الإِسْلامِيَّةُ بِقِيادَةِ مَنصُورِ عَبَّاسٍ التَّحالُفَ والاندِماجَ مَعَ الأَحْزابِ الصَّهْيُونِيَّةِ والدِّينِيَّةِ والمُشارَكَةَ فِي الحُكُوماتِ، بَيْنَما تَسْتَمِرُّ الكُتْلَةُ اليَسارِيَّةُ الشُّيُوعِيَّةُ فِي نَهْجِها الاعتِراضِيِّ المَطْلَبِيِّ، فِي الوَقْتِ الَّذِي اتَّخَذَتْ فِيهِ كُتْلَةُ التَّجَمُّعِ الدِّيمُقراطِيِّ شِعارَ مُناهَضَةِ “الأَسرَلَةِ”. واسْتَمَرَّتِ الحَرَكَةُ العَرَبِيَّةُ لِلتَّغْيِيرِ فِي سِياساتِها الأَقْرَبِ إِلَى دَعْمِ إِخْوانِهِم فِي الضِّفَّةِ وغَزَّةَ. لٰكِنَّ حَقِيقَةَ تَفَرُّدِ الكُتْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ فِي الالتِحاقِ بِالأَحْزابِ الصَّهْيُونِيَّةِ والدِّينِيَّةِ اليَهُودِيَّةِ لا تُعْفِي الكُتَلَ الثَّلاثَةَ العِلْمانِيَّةَ مِن مَسؤُولِيَّتِها فِي الفَشَلِ وعَدَمِ الاتِّفاقِ عَلَى خَوْضِ الانتِخاباتِ الأَخِيرَةِ مُوَحَّدَةً، الأَمرُ الَّذِي ضاعَفَ الخَسائِرَ فِي عَدَدِ النُّوَّابِ الفِلَسْطِينِيِّينَ فِي الكِنِيسِت. وهٰذا ما يَجعَلُ الأَقَلِّيَّةَ الفِلَسْطِينِيَّةَ فِي إِسْرائِيلَ تُعانِي المَزِيدَ مِنَ المُشكِلاتِ والتَّهمِيشِ لِدَوْرِها السِّياسِيِّ والاجتِماعِيِّ وعَجْزِها عَن مُعالَجَةِ القَضايا الكُبرَى، ولَيْسَ فَقَطْ فَشَلِها فِي التَّصَدِّي لِلجَرِيمَةِ المُنَظَّمَةِ المَرْعِيَّةِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَنْظُورٍ. الحاشية: - 1”\2\3\4 “: موقع مدار https://www.madarcenter.org/ - “5” : نفس المصدر

الحالة الفلسطينيّة ... الضفة
Por
هشام دبسي
Publicado
مارس 23, 2026 - 17:51

كان اسمها فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، و بموجب قرارات مؤتمر سان ريمو في نيسان عام 1920 تم الاعلان عن كيان جيو سياسي جديد في الشرق الأوسط اسمه دولة فلسطين، التي تشكّلت من سنجق القدس وسنجق نابلس وسنجق عكا، وفق التقسيم الاداري للامبراطورية العثمانية المهزومة فضلاً عن ضم بادية شرق الأردن. و تم التوقيع على دستور دولة فلسطين في 10-8-1922، و أُنْجِزَ أيضاً التعداد السكاني يوم 23 \ اكتوبر من العام نفسه. و لما كانت "عصبة الأمم"، القيّمة على الحضارة البشرية و ضمان رفاهها، قد أصدرت وثيقة تحدد شروطها على بريطانيا العظمى، الدولة المكلّفة بالانتداب على دولة فلسطين بحيث يبدأ سريان مفعوله في 29 أيلول \ سبتمبر 1923 على أن ينتهي في 15 ايار \ مايو من عام 1948. ومن أجل حل اشكالية سنجق عكا الذي يمتدّ شمالاً الى جنوب ولاية بيروت، فقد جرى ترسيم للحدود بين السلطات الانتدابية الفرنسية والبريطانية و توصل الطرفان الى اتفاقية بولية - نيوكومب في 23/12/1920 الى ما نعرفه الآن بالحدود اللبنانية – الفلسطينية؛ التي صارت حدود لبنانية - اسرائيلية، مع خروج جيش الانجليز من فلسطين في موعد نهاية الانتداب في 15/5/1948 و اعلان استقلال دولة اسرائيل. اما فلسطين الانتدابية، و قد تشكّلت حكومتها المعترف بها لكن برئاسة المندوب السامي البريطاني فقد رأت وزارة المستعمرات ضرورة فصل بادية شرق الأردن البالغ مساحتها 90 الف كم 2 . و انشاء امارة، و ادارة مستقلة لها بعد سنتين من ضمّها لدولة فلسطين، و منحها للأمير عبد الله بن الحسين، احد ابناء قائد الثورة العربية الكبرى. بدورها تحوّلت هذه الامارة لاحقاً في ظل الانتداب البريطاني إلى المملكة الاردنية الهاشمية. وكانت خطوة فصل امارة شرق الأردن من وجهة نظر بعض المؤرّخين، ضرورة بريطانية لرعاية الهجرة الصهيونية إلى فلسطين بين النهر والبحر و رعاية نشأة "الوطن القومي للشعب اليهودي"، كما جاء في تصريح وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور في 2 نوفمبر عام 1917. في دولة فلسطين الانتدابية، تطوّر سوق العمل وشهدت البلاد نمواً اقتصادياً متسارعاً، وصارت القدس بمكانتها. العاصمة الثانية بعد القاهرة، بينما تصدّر ميناء حيفا موانئ شرق المتوسط. وازدهرت مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. و تشكّلت الاحزاب والجمعيات وغرف التجارة ودخلت بعض الزراعة في انماط انتاجية حداثية. و اتّسع سوق العمل لتلبية احتياجات الجيوش البريطانية التي اتّخذت من فلسطين مركزاً عملياتياً لادارة مستعمراتها. و في هذا السياق، تمّ افتتاح ثلاث قنصليات في القدس و حيفا و يافا، للجالية اللبنانية من أجل تلبية احتياجاتها و حضورها المميّز، التي بلغ تعدادها نحو مئة الف مقيم عاد معظمهم الى وطنهم إبان النكبة. فضلاً عن عدد مثيل من الجاليات السعودية و العراقية و السورية الى حين لحظة نهاية الانتداب البريطاني لدولة فلسطين، اللحظة التي أرّخت لولادة دولة اسرائيل، بعد هزيمة جيوش مصر و الأردن و السعودية و العراق و سوريا و لبنان. جيوش حشدت ما يقارب 25 الف جندي فضلاً عن جيش الانقاذ، وقوامه ثلاثة آلاف متطوع بقيادة الضابط اللبناني فوزي القاوقجي. بينما استطاعت الحركات الصهيونية المسلّحة انشاء جيش اكثر حداثة بدأ القتال بعديد 30 الف جندي، سرعان ما وصلت حركة التجنيد الميداني الى نحو 115 الف جندي خلال سنة. هكذا حُسِمت المعركة على قاعدة التفوق الاسرائيلي الكمّي و النوعي. بينما استقرّ تموضع الجيوش العربية خلف و بعيداً عن خطوط التقسيم التي أقرّتها الأمم المتّحدة. ماذا جرى في أريحا ؟؟ أريحا الأرض التي شهدت ولادة أول تجمّع بشري يسعى الى الاستقرار والبناء والانتاج قبل 13 الف سنة من وقتنا الحالي اي في العصر الحجري الحديث. هناك بدأ يتشكّل مفهوم المجتمع و مفهوم المدينة بالشكل الجنيني للبشرية، قبل أن يظهر مكتملاً في الحضارة السومرية. لقد بناها الشعب الكنعاني و سكنها البابليون و مرّ فيها الرومان و استقرت أخيراً للعرب الفلسطينيين. أريحا مدينة الدفء في عز البرد، وهي بجوار البحر المالح الغائر لأربعمائة متر تحت سطح المتوسط هناك يستريح ماء العمادة النازل من جبل حرمون، انها سمفونية التاريخ والجغرافيا و الانسان، بكل أبعاد فرادتها الاستثنائية. هناك في اريحا انتهت حرب فلسطين وبقي جزء من المدن والاراضي تحت سيطرة الجيش الاردني بقيادة الجنرال الانجليزي غلوب باشا- هناك عُقِد مؤتمر على عدة مراحل لجمع وجهاء فلسطين من أجل مبايعة الملك عبد الله بن الحسين ملكاً على كامل الاراضي الفلسطينية و اعلان وحدة كل فلسطين مع امارة شرق الاردن. انها اول وحدة عربية!! في العصر الحديث. هكذا تحوّلت إمارة شرق الأردن إلى المملكة الأردنية الهاشمية و عاصمتها عَمّان و ليس القدس الشرقية. و في مطلع عام 1949 صدر قانون اَرْدَنَة الفلسطيني ليمنع أي حامل جواز فلسطيني، من حقوق المواطنية الاردنية!! بهذا الاجراء، تحوّلت أراضي فلسطين غرب النهر إلى مسمّى "الضفة الغربية"، هكذا نُسِبَت البلاد إلى النهر و ليس إلى شعبها !! عندما اُبْرِمَت أول اتفاقيات الهدنة مع اسرائيل في 12/12/1949 حضرت المفاوضات مصر و الأردن و سوريا و لبنان و مُنِعَ رئيس دولة فلسطين المنفي في القاهرة الحاج أمين الحسيني ورئيس وزراءه أحمد حلمي عبد الباقي من تمثيل شعب فلسطين على الرغم من اعتراف جامعة الدول العربية بحكومة عموم فلسطين التي انبثقت من المجلس الوطني المنعقد في غزة في 30 ايلول \ سبتمبر من عام 1948 هكذا فاز الجنرال غلوب باشا!! بينما فشل الرئيس الفلسطيني و صارت فلسطين إما اسرائيل او الاردن. صار اسمها فلسطين مضى العقد الاول على النكبة في اعادة بناء مجتمعات اللجوء في الضفة الغربية و قطاع غزة و الشتات وما يسمى بلغة ذاك العصر بدول الطوق ( مصر، الاردن، سوريا، لبنان). كما تبدّل حال الفلسطينيّين في الضفة الغربية، بأن تحوّلت تسمية مؤسساتهم من غرف التجارة الفلسطينية إلى غرف التجارة الأردنية و هذا أيضاً تعمّم على الجمعيات و النوادي و الصحف و كل لافتة كُتِب عليها اسم فلسطين تحوّلت إلى الأردن و بات لنا ملك و تاج و دولة و جيش لكن من دون مصطلح فلسطين. و لما كان الملك الاردني مَحْمي بالتاج البريطاني و بالرضا الامريكي توجهت عقول جيل النكبة الفلسطينية الى قائد (الثورة - الانقلاب) المصري جمال عبد الناصر، حتى رأوا صورته بالقمر. بينما عقول أخرى حمله راية البعث العربي الاشتراكي و لا فرق إذ كانت التبعية لدمشق أو بغداد. و في سياق الصراع بين "اليمين - الرجعي العربي" و "القوى القومية التقدمية" إنحازت غالبية فلسطينية إلى التيارات القومية و اليسارية المعاصرة لذاك الزمان. في رحم هذا المناخ و مع بداية العقد الثاني للنكبة، التقت مصالح الزعامة الناصرية في صراعها مع الرجعية العربية (السعودية+ الأردن) مع الهوى الفلسطيني و الشغف باستعادة فلسطين. وهذا ما كان في مؤتمر القمة العربية عام 1964 حيث تم اعلان كيان سياسي باسم منظمة التحرير الفلسطينية يتبعها جيش منظّم هو جيش التحرير الفلسطيني. لكن بادارة الأركان المصرية للواء عين جالوت. و الاركان السورية للواء اليرموك. و الاركان العراقية للواء القادسية. وكذلك الاركان الاردنية للواء قوات بدر. من هنا، بدأت مسيرة الكيانية الفلسطينية المعاصرة التي احتضنت عدة تيارات قومية ويسارية. لكنها اعتمدت في جوهرها على حركة فتح بصفتها التيار المركزي الذي رسم مساراً مستقلاً عن العواصم العربية، و اتّسم بالمحافظة والاعتدال والتحالف والصدام عند الضرورة. بين حربين بين هزيمة الجيوش العربية المُذِلّة في حرب الخامس من حزيران عام 1967 و بين حرب تشرين عام 1973 حرب عبور قناة السويس نشأت حاجة مُلِحّة للقيادات العربية بالسماح للتنظيمات الفلسطينية أن تشعل حرائق في محيط اسرائيل حسب تعبير الزعيم المصري جمال عبد الناصر. و كانت قيادة البعث اليسارية في دمشق نُزايد على الزعيم المصري بأن طالبت بحرب "التحرير الشعبية الطويلة الأمد" ، بينما قادة البعث في العراق ينظرون باستعلاء شديد و فوقية لم يستطع الجنرال حافظ الأسد تحمّلها. هكذا تم استدعاء الكفاح المسلح الفلسطيني من الشعب التوّاق للقتال من أجل وطنه و هويته و مستقبله السياسي، و على هذا الايقاع، تم بناء رحلة استعادة فلسطين إلى الخريطة السياسية مهما كلّف الأمر. حقاً لقد كلف الأمر كثيراً من الدم و الدمار و المعارك ليس في مواجهة اسرائيل فقط كما يريد الفلسطيني البسيط، و إنما في كل مرة تصطدم مصالح اي دولة عربية مع المشروع المسلح الفلسطيني تأتي النتائج وبالاً على الجميع كما جرى في الأردن و لبنان، فإذا استطاع النظام الأردني خلال ثلاث سنوات من الصراع انهاء الوجود المسلح الفلسطيني هناك، فإن النظام اللبناني شَهِد مساراً مختلفاً عند لحظة توقيع "اتفاق القاهرة" عام 1969. الذي تم بموجبه تنازل الدولة اللبنانية عن سيادتها على جزء من أراضيها سواءً كانت في الجنوب أو في مخيمات اللجوء. لذا ما إن انتهت حرب تشرين حتى علق لبنان و من فيه و الفلسطينيون معه بالنتائج الكارثية التي اسفرت عنها المفاوضات العربية - الاسرائيلية تحت عنوان "السلام" ؟!! و هذا موضوع آخر. اما رحلة استعادة الهوية الوطنية الفلسطينية لم تكتمل الا باعلان المملكة الأردنية الهاشمية قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية و الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً. هكذا حصلت المنظمة على الاعتراف الرسمي الاردني لكنها لم تحصل على الضفة العربية حتى اتفاق اوسلو عام 1992، بعد ثورة "انتفاضة الحجارة". يهودا و السامرة عندما شنّ الاسلام السياسي السُّنّي "حماس" حربه على "اتفاقية اوسلو"، لم يطرح اي شعار له علاقة بالهوية الوطنية، او بمستقبل الانسان الفلسطيني. لقد استخدمت حماس المسجد الاقصى بوصلة تتجه نحوه العمليات العسكرية و السياسية و نقطة الاستقطاب الشعبي. و المهمة المركزية الفضفاضة ( تحرير المسجد الاقصى) ، وهذه ليست مسألة عفوية بل توّجتها بعملية 7 اكتوبر، التي اراد من خلالها قادة القسام الوصول الى هذا الهدف او الموت دونه وفق تصريحاتهم. إنّ "عملية طوفان الاقصى" هي نموذج للفكر الديني المتشدّد، والاكثر تطرُّفاً في تعديل مسار النضال الوطني التحرّري الى مسار الصراع الدين الاسلامي- اليهودي. إنه المسار نفسه الذي انتهجه التطرف الاسرائيلي المعاصر على خلفية الصهيونية – الدينية. هنا، اعتقد ان الشعبين الاسرائيلي والفلسطيني ضحية تقاطع ارهاب التطرف الديني الذي يتبادل الخدمات، و يغذي بعضه البعض على الجانبين - ارهاب فكري / سياسي/ ثقافي يستخدم العنف والمزيد من العنف، من أجل صراع لا نهاية له سوى تدمير المجتمعات من داخلها. وهي نتيجة ظهرت سريعاً في الحالة الفلسطينية، وتظهر في الحالة الاسرائيلية ، بمعدلات بطيئة لكنها شديدة الوضوح. و مثالنا على هذا، بأن أول ما بدأت به حكومة اسرائيل هو تغيير اسم الاراضي الفلسطينية المعتمدة في القانون الدولي عند ترسيم اتفاق اوسلو في الامم المتحدة إلى الاسم التوراتي "يهودا و السامرة". وكما الغت "حماس" التعريف الوطني العلماني للصراع ممّا أدّى إلى الغاء فلسطين مجدداً، و العودة الى مصطلح "يهودا و السامرة". حتى الآن منذ عملية طوفان الاقصى جرى ضم وتهويد 44% من مساحة الاراضي الفلسطينية في الضفة وتم الاستيلاء على ٩٠ الف دونم تحت مسمى املاك دولة بينما استولى جيش الاحتلال على 27% من الاراضي باعتبارها مناطق عسكرية وتضاعف عدد المستوطنين ثلاثة اضعاف و جرى اقتلاع معظم مضارب البدو و قُراهم في المشاعات والاغوار هذا فضلاً عن حصار المدن وتدمير ثلاثة مخيمات عبر 1900 اعتداء مسلح و تدمير 1022 منشأة سكنية و زراعية و صناعية، و اخطار 1167 مبنى بالهدم و اخيراً اعتقال 11 الف مواطن وقتل 835 انسان و اصابة 6450 بين رجل و امرأة و طفل. هذه حصيلة تقاطع تطرّفين حتى الآن في الأراضي الفلسطينية، التي فقدت اسمها و استعادته و تتعرض للفقد مجدداً كان اسمها فلسطين، صار اسمها فلسطين لكنهم يريدونها الآن يهودا و السامرة.

الحالة الفلسطينيّة .. غزة
Por
هشام دبسي
Publicado
مارس 15, 2026 - 13:49

هي المستقبل الصورة المولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لمشروع "ريفييرا غزة" تعكس بجمالها المخيّلة العقارية للرئيس ترمب وصهره كوشنير. فهي تمتد على مساحة 365 كم 2 من الرمال الذهبية، تداعبها الأمواج المتوسطية الدافئة ومناخ يحلم به أثرياء البلاد الباردة. لم يَغِب عن الصورة المولّدة إلّا أصحاب الأراضي الّذين لا مكان لهم في المشهد المستقبلي حتى لو بصفة عمّال خدمات نظافة وبناء كمثل العبيد المحرّرين حديثاً من ذوي البشرة السمراء الّذين ساهموا بعضلاتهم وعَرَقهم في بناء العاصمة واشنطن وصيانتها وقت تأسيسها وصاروا غالبية سكانها حتى اليوم. لكن شعب غزة، لم يُستبعَد من الصورة فقط، بل لم يحصل أيضاً على وقف لاطلاق النار إذ صار متوسط القتلى والجرحى بالعشرات يومياً وهذا معدل مقبول على درجة قياس حرب الإبادة !!! لذا تُعتبَر الحرب منتهية عند الرئيس ترمب وما تقوم به حكومة نتنياهو هو ما يفرضه واقع الحال ليس إلّا. وليس له تصنيف او مسمّى سوى عمليات تنظيف؟!! إنّ مؤسّسي العاصمة واشنطن، يستحقون التكريم، كمحرّرين للعبيد، ومشغّلين للفقراء في بناء عاصمة القرار في العالم. فَهُم حقّاً اكثر انسانيةً وتحضراً من ورثتهم المعاصرين. لكننا اذا غادرنا واشنطن الى "أورشليم - القدس" ربما نحصل على صورة مغايرة مولَّدة هذه المرة من النصوص التوراتيّة. اذ تطالب فئةً واسعةً من السياسيّين والوزراء، و في مقدّمتهم الحاخامات المتشدّدين، حكومة نتنياهو بترحيل أهل غزة إلى أي مكان وعدم السماح بالبقاء لأكثر من مئة ألف فقط من "المختارين" جيّداً وذلك من أجل أعمال الخدمة. لكن ليس بصفتهم من أصحاب البشرة السمراء بل بصفتهم "دوابّ" حسب ما جاء في النصّ التوراتي، "دوابّ" سخّرها "الرّب" لخدمة "بني إسرائيل" العائدين من التّيه لأرض الميعاد. الحق أقول لكم، بأنّنا كفلسطينيّين لم ندرِ أنّ اللّه خلقنا على هذه الشاكلة و أنّ مهمّتنا في الأرض هي خدمتهم!! ولو كنا نعلم.. لَما قَبِلنا مشيئته. أمّا قصة غزة هي المستقبل، ليست جديدة، بل وُلِدَت في عهد الرئيس ترمب "الأول" ، عندما قرأ صهره كوشنير على حدّ قوله كافة الخطط التي فشلت في حل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، و نامت في أدراج البيت الأبيض. و وجد أنه قادر على استخلاص خطة ناجحة، سرعان ما أعلن عنها وقتذاك باسم "صفقة القرن" التي اعتَمدت المقاربة الإقتصادية الكفيلة بتحقيق الرفاه للفلسطينيّين بعيداً عن صُداع السياسة ... مُقترحاً أن يُشَكّل قطاع غزة قاعدة الحل الجغرافية، و ترتبط به مدن الضفة الغربية كلها باستثناء القدس الشرقية لأنّ ترمب ضمّها لاسرائيل و أثلج بها قلب نتنياهو و ربعه؛ بغاية تحقيق راحة المستوطنين من احتكاكهم اليومي بالأغيار "الغوييم" و منحهم ثلثي مساحة الضفة الغربية مكافأةً لصبرهم على السكان الأصليّين. لكنّ للقصّة بُعداً آخراً وجده السيد كوشنير في مخططات عهد الرئيس أوباما "الثاني" ، و هو تسمية هذا المشروع "بدولة فلسطين الإسلامية" و كان قد جرى التفاوض بشأنها مع "قيادة الأخوان المسلمين الدولية". و مع حركة حماس و كذلك مع الرئيس الأخواني المنتخب في مصر محمد مرسي، على أن تتولى حركة حماس التي تحكم قطاع غزة منذ انقلابها على الشرعية الفلسطينيّة عام ٢٠٠٧، تسويق هذه "الدولة الفلسطينيّة الإسلامية" التي تعترف "بيهوديّة" دولة اسرائيل، الشعار و الهدف الأثير عند نتنياهو في ذاك الوقت. لِما يتيح له هذا الشعار من قدرة على التخلص من كافة من يحملون الجنسية الإسرائيلية من غير اليهود. الا أن "كعب آخيل" هذه الخطة كان مقترح توسيع أرض القطاع على حساب صحراء سيناء كتعويض عن ضم ثلثي اراضي الضفة الغربية. من هنا تحركت الدولة العميقة المصرية في صراعها مع رئيسها المنتخب حتى تم اسقاطه. ربما على هذه الخلفية، اجتهد "كوشنير" في نزع أي بُعُد أيديولوجي لمقترحه. و اكتفى بالمضمون الاقتصادي و سمى مشروعه "بصفقة القرن" التي تجلب الرفاه للجميع في الشرق الأوسط!!؟ لذا لا بد من الاجابة على اسئلة تبدو بسيطة و ساذجة، مثل كيف يمكن تجاهل حق الملكية الفرديّة، و اسقاط حمايتها، و هي الركن الأهم في دستور الولايات المتحدة؟!! و كيف يمكن القفز عن حق تقرير المصير السياسي لشعب تجاوز تعداده في هذا العام خمسة عشر مليون نسمة، نصفهم يمارسون حياتهم في وطنهم، و نصفهم الآخر في الشتات؟!! و ماذا بقي من المآثرة الاميركية في لحظة تأسيس هيئة الأمم المتحدة ؟!! خاصةً و أن أمينها العام و فرق عمله في دائرة الاستهداف اليومي لترمب و نتنياهو!!؟ و من الذي يستحق جائزة السلام، دونالد ترمب أم انطونيوس غوتيريس!!؟ مجلس السلام تأسس هذه الهيئة بموجب قرار مجلس الأمن 2803 من أجل وقف حرب الإبادة في غزة و إدارة القطاع لمرحلة انتقالية غير محددة بالسنوات. فالأمر يعود إلى تفاهم واشنطن وتل أبيب فقط. و كان مجلس السلام هذا قد ألعن مهامه في متابعة اتفاق وقف إطلاق النار ودعم السلم و الأمن في القطاع بواسطة قوة دولية مؤقتة أيضاً. فضلاً عن تقديم التزامات مالية للاعمار والمساعدات الانسانية. و لمّا كان مجلس السلام لا يضم اي شخصية فلسطينية على الاطلاق خلصت التسويات لحل هذا الاستعصاء إلى ضرور تشكيل لجنة ادارية من كوادر التكنوقراط الفلسطينيّين، لهم صفة تنفيذية بأمرة المجلس حتى يتم الربط مع الشعب الغزي. بعد تجاهل السلطة الشرعية الفلسطينية وتغييبها عن دورها الطبيعي بفعل "الفيتو" الاسرائيلي. لكن عندما لجأ الرئيس الامريكي الى توسيع صلاحيات مجلس السلام بعيداً عن مضمون القرار الأممي، و اتجه لاعتباره آلية أوسع للسلام في المنطقة والعالم، آليّة تتجاوز إطار "هيئة الأمم المتّحدة" وقواعد عملها و قوانينها، ظهر الاعتراض من جانب الاتحاد الاوروبي وعدد من الدول العربية والاسلامية للتوكيد على أهمية احترام القانون الدولي و التمثيل الفلسطيني و ضرورة ربط اي خطة بالحل السياسي الشامل وتحقيق هدف انشاء الدولة الفلسطينيّة. وفي الاتجاه نفسه أعربت بكين عن تحفظاتها وكذلك أكدت موسكو على ضرورة التوازن والحفاظ على مشروعيّة الأمم المتحدة و تأمين دوراً فلسطينياًّ فاعلاً في ادارة المرحلة الانتقالية. ما تقدم أسفر عن العودة مرة أخرى للسلطة الفلسطينية من أجل تشغيل "معبر رفح" بموجب اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي منذ عام 2005 كما لم يجد مجلس السلام أي حل لتأمين قوة شُرَطيّة داخلية للقطاع غير العودة أيضاً لجهاز الشرطة الفلسطيني المعترف به دولياً. و على هذه التحوّلات التي لم تعترف بها حكومة نتنياهو إلا مرغمة بالضغط الأميركي و العربي و الدولي . استطاع مجلس السلام أن يعقد اول اجتماع له في واشنطن في منتصف فبراير/ شباط الماضي وخلص إلى جمع نحو ١٧ مليار دولار و التحضير لخطة إعادة إعمار القطاع و التأكيد على دور اللجنة الادارية الفلسطينية في خطة التعافي وتثبيت وقف اطلاق النار والانتقال الى المرحلة الثانية من خطة ترامب ذات المراحل العشرين. لكن اين نحن الآن؟؟ أمام ضجيج الحرب مع ايران لم يعد أحد يسمع ما يجري في قطاع غزة حيث استطاع نتنياهو منع الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام بذريعة تسليم سلاح حماس أولاً، من دون الإفصاح عن اتفاق جرى في الدوحة و أعلن عنه الرئيس ترمب، بأنهم سمحوا لحركة حماس بالاستمرار في حكم غزة و بقاء سلاحها حتى تدخل القوة الدولية؟!! بينما جيش الاحتلال يوسع تواجده في المنطقة الصفراء التي تجاوزت نصف مساحة القطاع، ويقوم بعمليات عسكرية يومية تؤدي إلى تهجير الفلسطينيّين باتجاه البحر ما يجعل القطاع مقسوم عمودياً من الشمال إلى الجنوب وفق شارع صلاح الدين ، بأقل كثافة سكانية شرق الطريق و أعلى كثافة غربه. ولطالما أن قوة حفظ السلام الدولية تعاني من مشكلات قانونية بتعريفها وتحديد مهامها و يتأخر تشكيلها حتى كتابة هذه السطور فإن حكومة اسرائيل مستمرة في معدل عملياتها العسكرية لإعادة ترتيب مسرح قطاع غزة بما يناسبها أمنيّاً على المدى الطويل. إن هذا الوضع السائد جعل أعضاء اللجنة الادارية الفلسطينية يجلسون في مكاتبهم فقط ويفكرون بالاستقالة على قاعدة أن اللجنة الادارية الفلسطينية مقرها المؤقت في مدينة العريش المصرية، و قد منعت اسرائيل أعضائها ومسؤولها الأول المهندس علي شعث من دخول قطاع غزة كما منعت دخول الشاحنات المفترضة للمساعدات إلا ضمن تقليص أعدادها وتحديد نوعيتها باستخدام آليات ضغط مستمرة تؤدي إلى شح الإمدادات الغذائية المجانية ومنع دخول أي خيمة جديدة بعد اهتراء 90% من الخيم المستعملة و المتهالكة. فضلاً عن منع دخول معدات ثقيلة للبدء في إزالة الركام من الشوارع من أجل تعطيل البحث عن جثامين أكثر من عشرة آلاف مفقود تحت الانقاض. وحتى الآن لا إعلان يُذكر حول جدول الانسحاب الاسرائيلي من القطاع بل إنّ ما يجري ان جيش الاحتلال مستمر بجعل اللجنة الاداريّة بلا مقدرة على التواصل مع أهلها في القطاع وهذا ما صرّح به عدد من الشخصيات المشاركة. وما يجري واقعياً، هو تحويل قطاع غزة إلى منطقة عازلة اسرائيلية تجعل حياة الغزيين في "السلم" أكثر قسوة و أشد مذلّة منها في زمن حرب الإبادة. بينما يجري تدجين حركة حماس والتفاهم مع قادتها على دورهم في المرحلة المقبلة والسماح لجهازها العسكري- الأمني- الاداري بالاستمرار في حكم المنطقة الغربية من القطاع والعودة مجدداً لإدارة هذا الجزء الذي يضم ثلاثة ارباع الغزيين. بانتظار تسويات قادمة لا أحد يعلم طبيعتها اذا تُرك الامر لواشنطن وتل ابيب. في الوقت نفسه تعلن حكومة نتنياهو أنها ثابتة على مطلبها بترحيل الغزيين إلى صحراء سيناء و أنها لن تسمح بعودة القطاع إلى احتضان الكثافة السكانية فيه. باعتبار الفلسطيني كمّ بشري لا هوية له ولا إرادة ولا قرار. لقد تحوّل بقاء الانسان الفلسطيني في بلده هاجس وجودي لدولة اسرائيل. هكذا فجرت عملية ٧/اكتوبر أعمق المخاوف التي تستدعي إلغاء الآخر وليس البحث عن السلام مع الآخر. حقاً لم تصل شدة الكراهية بين الشعبين ما وصلت إليه الآن. إذ اتّخذت بُعداً مرضيّاً من الصعب معالجته او الشفاء منه في المدى المنظور.

الحالة الفلسطينيّة .. فكّر بغيرك
Por
هشام دبسي
Publicado
مارس 5, 2026 - 02:15

ما تقرأه هنا ليس مجرّد مقالة، بل هو محاولة للفهم — فهم ما آلت إليه قضيّة شعبٍ حمل حلمه عقودًا وما زال يحمله، فوق أرضٍ لم تهدأ ولن تهدأ. هذا النصّ مدخلٌ إلى دراسةٍ ستتوزّع على أجزاء، تتناول الحالة الفلسطينيّة في تشعّباتها التاريخيّة والسياسيّة والإنسانيّة. لأنّ ما يجري لا يحتمل الاختزال، ولأنّ الصمت أيضًا موقف. وأنت تعدّ فطورك، فكّر بغيرك لا تنسَ قوت الحمام وأنت تخوض حروبك، فكّر بغيرك لا تنسَ من يطلبون السلام وأنت تعود إلى بيتك، فكّر بغيرك لا تنسَ شعب الخيام هذا ما قاله الشاعر محمود درويش في نهاية القرن الماضي. بعد عودته إلى وطنه، بموجب إتفاق المبادئ الأوليّة للحكم الذاتي المحدود، في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967، بفعل حرب الأيام السّتّة، كما تسمّيها إسرائيل، وحرب "النّكسة" كما سمّاها العرب. لعلّ الشاعر الذي لم يُعلن موافقته على "اتفاق أوسلو" المبرم عام 1993، كما لم يُعلن معارضته أيضًا، قد اكتفى بالاستقالة من عضويّته الرفيعة في اللّجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير، بما تمثّله كأعلى سلطة سياسيّة معترف بها، وربّما أراد أن يختبر أمره بأسلوبه الشاعري في الميدان الذي غاب عنه طويلًا. لكن الشاعر سرعان ما أفصح عن دهشته وإعجابه لِما رآه من احتفالات شعبيّة مستمرّة عبّر عنها أهل غزّة والضفّة الغربيّة أثناء استقبال العائدين، وفي تبجيل صانع الاتفاق ومهندسه الرمز ياسر عرفات، وكذلك الفرح العارم بما أحدثه هذا الاتفاق من تغيير شامل وعميق في حياة الناس اليوميّة، وإحساسهم بأنّ الحريّة آتية، وأنّ السلام قريب، خاصّةً عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من المدن الكبرى أوّلًا، وزالت قبضة الاحتلال المباشرة عن خمسة ملايين من الفلسطينيّين بعد أكثر من ربع قرن. لكن المشهد الحاسم كان في تأييد الغالبيّة الساحقة من الشعب، وتصويتهم لصالح الرئيس عرفات في أوّل انتخابات شهدتها أرض فلسطين وشعبها عام 1996. وبالعودة لشاعرنا المرهف، وقد صار أحد أركان المرحلة الجديدة الذي يحظى بإجماع نخبوي وشعبي لم يحظَ به الرئيس ياسر عرفات نفسه، يمكن المغامرة بالقول بأنّ حدسه العميق تجاه مسيرة السلام الفلسطينيّة-الإسرائيليّة، بما واجهته من مشكلات مستعصية، جعلها هشّة وضعيفة وتحتاج أن لا ننسى جميعًا إمكانيّة انهيارها بعدما شهر التطرّف الإسرائيلي مسدّسه وقتل إسحاق رابين في لحظة مجده، وهو المتوّج بصفته "الملك". كما أسقطت قوى التطرّف بالانتخابات السياسيّة المخضرم شمعون بيريز. في الوقت نفسه شحذ التطرّف الفلسطيني خناجره، وأطلق طاقته الانتحاريّة لتفجير "اتفاق الخيانة" كما يسمّيه أطراف محور "المقاومة والممانعة". وها هم اليوم يحتفلون "بانتصارهم" على مسيرة السلام من غير اكتراث بما جرى لشعب الخيام في غزّة ولأهل الضفّة ومدينة القدس الشرقيّة. لقد صدق حَدْس الشاعر حين طالب الجميع بأن يفكّروا بغيرهم. لكنّ المتطرّفين في الاتّجاهين لا يعنيهم هذا الأمر. الإرهاب مهما كانت مقاصد التفكير بالآخر، سواء الأخ أو الصديق أو الخصم أو العدو، وأيًّا تكن مقاصد التعايش أو التسوية أو المصالحة المنشودة أو العيش معًا، لا بدّ لصانع السلام من معالجة التطرُّف في بيئته أوّلًا، حتى يستطيع التعامل مع البيئة الأخرى. وفي هذا السياق، أدعو للتخلّي عن مصطلح "الإرهاب"، بعد أن حمل دلالات أبعد من تعريفه التّقني واللغوي، وبات مصطلحًا سياسيًّا يتراشقه الإرهابيّون أنفسهم، وتُهمة جاهزة للدول والسياسيّين تُلصق أحيانًا بأكثر خصومهم وأعدائهم اتزانًا واعتدالًا، ومثالنا على هذا الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس!! لذا أرى أن "الاستعلاء القومي" عند الدول الكبيرة، و"التعصّب الدّيني" و"التطرّف السّياسي"، مصطلحات أكثر موضوعيّة في دلالتها وتوصيفها لِما تتعرّض له البشريّة من مصطلح "الإرهاب". وعطفًا على ما جاء في الفقرة الأولى، يمكن القول أنّ بُعدها الأخلاقي يطرح تحدّيات من طرازٍ مختلف، تنتمي إلى صلب النظريّات السّياسيّة المعاصرة والمعبّرة عن النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، حيث شهدنا صعودًا استثنائيًّا في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وإنتاجًا لأرقى القوانين في أكثر من موضوع. لكنّنا شهدنا أيضًا المجازر والمذابح من حرب فييتنام إلى حرب الإبادة في قطاع غزّة حسب تعريف محكمة العدل الدوليّة. كما شهدنا أيضًا أعمال التطهير العرقي من البلقان وميانمار حتى ناغورني كاراباخ، فضلًا عن التهجير القسري من سوريا والسودان وغيرها من البلدان. وإذ نخصّ بالذكر الحرب على أفغانستان والعراق والصومال، فذلك لأنّها حروب شُنّت لاجتثاث الإرهاب والقضاء على الإرهابيّين ليس إلّا! أمّا النتيجة فكانت التسوية مع الإرهابيّين، بينما الإنجاز الوحيد كان تدمير الدول والأوطان والشعوب. أمّا وأنّ حرب الإبادة على أهل غزّة توقّفت بقرار من سيّد البيت الأبيض، بينما لم يتوقّف إطلاق النار لحظة واحدة حتى الآن، ولم تتراجع العمليّات الهادفة لتهجير ملايين الفلسطينيّين خارج أرضهم، فإنّ هذا الواقع يستدعي معالجة جديدة يمكن تلخيصها على النحو التالي: ١. أنّ جغرافيا فلسطين التاريخيّة وشعبها هي مثال تطبيقي حيّ ومستمرّ حتى اللحظة، يكشف عجز القانون الدولي والمواثيق ذات الصّلة عن تأمين أبسط حقوق الحياة من الماء والغذاء والدواء، فضلًا عن تأمين مجرّد خيمة... خيمة ليس شيئًا آخر!! من يصدّق أنّ هذا يحدث في زمن الحضارة والقيم الإنسانيّة؟!! ٢. إنّ ما يجري من إبادة بطيئة من دون نيرانٍ ثقيلة، هو في الواقع اختبار شامل لصدقيّة المفاهيم التي صدّرتها الحكومات الغربيّة بقدرٍ من التعالي علينا وقدرٍ من الاستخفاف بنا. ٣. إنّ وظيفة قرار وقف الحرب الصّادر عن سيّد البيت الأبيض هي حماية للنّظام السياسي الدولي وآليّات عمله وفق المنظور الأميركي، ومنع تآكل مكانة دولة إسرائيل وفق تصريح ترامب نفسه، ومن أجل حماية حكومة إسرائيل فقد أنعم على الفلسطينيّين بوقف حرب الإبادة والسّماح باستمرار حرب الاستنزاف. هكذا إذًا سمحت الحداثة بأبهى صورها عبر الذكاء الاصطناعي، وبواسطته أيضًا في إنتاج الإبادة، وما زالت مفاعيلها مستمرّة، حيث لم تتراجع حكومة إسرائيل عن أهدافها المعلنة في التطهير العرقي وضمّ الأراضي والسحق السياسي للبنية الكيانيّة الفلسطينيّة والبنية المجتمعيّة التاريخيّة. كلّ هذا يصدر عن دولة حديثة ترعاها أكبر ديمقراطيّة علمانيّة في الكوكب، ومع ذلك وببساطة شديدة يمكن التخلّي عن الحداثة والعودة إلى الأسطورة التوراتيّة للبرهنة على أنّ مقاصد ما يدور هو تحقيق "الوعد الإلهي" كما صرّح السفير الأميركي في إسرائيل، لكنّه لم يُخبرنا إذا كان هذا الوعد التوراتي مكتوبًا قبل الانفجار الكبير أم بعده؟ أم في لحظة حدوثه؟!! هجوم 7 أكتوبر سبّب هجوم 7 أكتوبر الانتحاري، حالة هستيريا جماعية في دولة إسرائيل. من قمّة الهرم السياسي مرورًا بالجيش وصولًا إلى المستوطنين، فالعقل الإسرائيلي لم يستوعب هذا السقوط المفاجئ للموانع العسكريّة والأمنيّة المعتمدة على حدود قطاع غزة، وعلى وجه الخصوص، فشل الحاجز الإلكتروني العالي التقنية، في إطلاق الإنذار المُبكِر!! ومن المعروف جيّدًا أنّ هذا الحدث المفصلي أدّى إلى تغيير عميق ونوعي في طبيعة العلاقات الإسرائيليّة-الفلسطينيّة على المستويات كافّة. لم يبقَ شيئٌ على حاله، حيث انفجر الغضب والكراهية والسعي المباشر إلى تدمير الآخر، هكذا صارت المعادلة بين الطرفين وهذا ما شهدناه مصوّرًا وموثّقًا على شاشات العالم أجمع. على الجانب الفلسطيني قلة من النخب استنكرت الهجوم الحمساوي، لأن غالبية الناس رأت فيه فعلًا انتقاميًا، طبيعيًا في مواجهة بطش وتنكيل جيش الاحتلال الإسرائيلي. كما رآه البعض أنه مواجهة بين التطرُّف الديني اليهودي الذي تمارسه حكومة إسرائيل والتطرُّف الديني الإسلامي الذي تمارسه حركة حماس. في هذا الجدل، أرى من المفيد الإضاءة على زيارة وزير الخارجيّة الأميركي أنتوني بلنكن في زمن إدارة الرئيس جو بايدن لرام الله ولقاءه مع الرئيس محمود عباس حيث سارع لمطالبته بإدانة واستنكار الهجوم وتصنيفه بالإرهاب... إلّا أنّ الرئيس عباس قال بلهجة حادّة وصوتٍ عالٍ، أنتم من صنع حركة حماس وأنتم من جاء بها إلى السلطة في قطاع غزة.... وعليكم تقع المسؤوليّة ولا تطلب مني شيئًا. بعد تلك الواقعة بدأ الإعلام الأميركي والإسرائيلي يتحدث عن فساد السلطة وعن ضرورة التغيير، وعن شيخوخة وعجز الإدارة الفلسطينيّة... وصولًا إلى إسقاط شرعيّتها السياسيّة من دون التوقف أمام حقيقة تكشف أنّ صناعة السلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، توقّفت منذ تسنُّم فريق نتنياهو السلطة في إسرائيل على أنقاض حكومة رابين-بيريز في نهاية القرن الماضي. ولأنّ الإدارات الأميركيّة بعد هجوم 11 سبتمبر على بُرجَي التجارة العالمي لم تنجح إلّا في توسيع استخدام العنف الذي يلغي العدالة ويكرّس الهيمنة بالقوّة، على أن يسمّى هذا "عملية السلام"، واليوم نحصد نتائج سياسات المساكنة والاستخدام للإسلام السياسي بشقّيه السُّنّي والشّيعي معًا، بما نشهده من انفلات للعنف مجدّدًا تحت عناوين جديدة-قديمة تُفيد بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الكبير. ولا ندري متى تحُطّ الحرب رِحالها بعد تصفية النخبة الحاكمة في إيران، لأنّ الأمر لا يتعلّق بمن يحكم إيران بل بمن يدير دفّة العالم في البيت الأبيض.

/