


حًقّاً لقد هُزِمَت ألمانيا النازيّة، لكن انتصار جيوش الحلفاء لا يطابق انتصار دُوَلِها باستثناء الدولة الأمريكيّة. هذا ما بَرهنت عليه خبرة "حرب السويس"، التي انتهت بمجرد تصريح للرئيس الاميركي، على سبيل المثال لا الحصر.
ربما كان رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل واقعياً في قبول المظلة الامنية النووية الاميركية وغيرها، بينما سعى الجنرال شارل ديغول إلى تكبّد عناء المسار الاستقلالي للسياسات الفرنسية، وهذا يعكس معاناته من الحلفاء أثناء الحرب من تهميش على الرغم من دوره السياسي - العسكري الاستثنائي؛ لم تعاند واشنطن من جهتها المسعى الفرنسي، واعتبرت الأمر بمثابة دولة ترغب في ممارسة الحكم الذاتي في المجال النووي ليس إلا.
في بلادنا، نَبْني سرديّة الاستقلال السياسي، على تضخيم دور شعوبنا المناضلة في مصر وسوريا، والعراق، والأردن، ولبنان. بعيداً عن المنظور الاميركي للنظام العالمي الجديد، ومفخرته "هيئة الأمم المتحدة". بينما في اوروبا كانت التحوّلات أكثر وضوحاً في هبوط دور الامبراطوريات، وقد كانت صاحبة الشأن الكبير على ضفاف المتوسط بينما أصبحت دول أطلسية، تعيد بناء اقتصادها في إطار "مشروع مارشال" الأميركي.
الاتحاد الاوروبي
الهزيمة والجوع والفقر المشترك عند شعوب القارّة، جعل فترة الحِداد والخصومة قصيرة نسبياً. بعد أن بادرت كل من المانيا الغربية و فرنسا و إيطاليا و للكسمبورغ وبلجيكا وهولندا إلى اعلان تأسيس "الجماعة الاوروبية للفحم والصلب" عام 1951، اعلان تجاوَزَ البُعْد الاقتصادي و حَمَلَ على جناحه آليّة مُصالَحة تعتمد على المنافع الاقتصاديّة المشتركة، الّتي ساهمت بدورها إلى نجاح "معاهدة ماستريخت" عام 1992 عبر مسار ديمقراطي طويل ، مهّدت لظهور الاتحاد الاوروبي کما نعرفه اليوم ، اتحادا طوّر مواثيقه ومعاهداته البينيّة و علاقاته مع دُوَل العالم على قاعدة صلبة من الفكر الانساني المستنِد للقانون الدولي، وتسَلَّح بأفضل ما انتجه الفكر المعاصر في غير مجال - بما فيها معاهدة الشراكة الاوروبية - المتوسطيّة الخاصّة بمنطقتنا.
لكنَّ العودة مجدداً "للمتوسطية" لا تماثل بالمُطلق ما كان عليه الحال قبل الحرب العالمية الثانية. خاصّةً وأن الرئيس شارل ديغول أسّس موقفاً مناهضاً للعدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن في حرب الخامس من حزيران عام 1967. وبهذا فتح الباب الواسع لفرنسا في العالم العربي، عبر تجاوز "لحظة حرب السويس"، وانهاء الاستعمار الفرنسي للجزائر.
الموقف الفرنسي "الديغولي" الدّاعي لمُناصَرَة حقوق الشعب الفلسطيني أحْدَثَ أثراً إيجابيّاً عميقاً، ساعد أوروبا للعودة المتوسطيّة للمنطقة، في إطار معايير جديدة ومتوازنة لا تلغي حقوق الفلسطينيّين، من أجل حمایة دولة إسرائيل القادرة على هزيمة الجيوش العربية مجتمعة عند اللزوم.
لذا تمكّن الاتحاد الاوروبي لاحقاً من اعادة صياغة علاقاته المشتركة والمنفردة مع الدول العربية وفق نموذج حداثي ورؤية للمصالح المشتركة مُرْضِيَة للجانبين. حتى بدت "المتوسطيّة" اليوم خياراً لا يقل أهمية عن "الأطلسيّة" وعن الخيارات المرتبطة بالتكتّلات الدوليّة "مجموعة 7" و "مجموعة 20" الخ.. وهذا ما تعزّزه اليوم الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة واسرائيل من جهة. والعدوان الإيراني الشرس على الدول العربية وخصوصاً الخليجية منها من جهةٍ أخرى.
إنّ خلاصة ما يجري في الشرق الأوسط الآن، وتأثيره العميق على حياة الشعوب الأوروبية، ليس أقل من تأثير حرب البلقان سابقاً وحرب اوكرانيا المستَعِرَة، ولعلّ عجز الاتحاد الاوروبي الموصوف في إنتاج حلّ مستقلّ لأزمة البلقان (کوسوفو- صربيا) ظهر بشكل أكثر قوة ووضوح في العجز عن الإدارة المستقلّة أزمة (اوكرانيا – روسيا) قبل أن تصل الى المشهد الكارثي الراهن.
يمكن القول أنّ أوروبا الأطلسيّة غير قادرة على الاستمرار وفق المعادلة الثنائية "أوروبا-الولايات المتحدة" فقط، وأنّ السلام الذي نَعِمَت به القارّة تحت المظلة الأمريكيّة لا يمكن اعتباره راسخاً بعد مراجعة نتائج ثلاثة حروب في البلقان وفي أوكرانيا وفي الشرق الأوسط.
من الضروري العمل على إعادة بناء العلاقات الأوروبيّة - المتوسطيّة وفق أسُسٍ جدیدةٍ فيها قَدَرٍ من التواضع الأوروبي وقَدَرٍ من تجاوز السياسات النَّفْعِيّة القصيرة الأجل، لبناء استراتيجية متوسطيّة تَشارُكيّة متوازنة تحترم مصالح الشعوب کافّةً بِمعايير لا ازدِواجِيّة فيها، حيث أنّ السلام المنقوص هو في العُمْق لا سلام. وهذا ما حصلت عليه القارّة العجوز، وتشتكي منه وتحاول علاجه الآن عبر العلاقات مع دول الشرق الأوسط.
فإن أرادت أوروبا المحافظة على دورها كَحامِية للحضارة والثقافة الغربيّة لا بُدّ أن تَبْني معادلة جديدة للحضارة العالميّة وليس الغربيّة فحَسْب؛ وللثقافة المُعَوْلَمَة المنفتحة على الثقافات المتوسطيّة الحاضنة لأسُس ومنطلقات الحضارة الغربية منذ حضارة السومريّين والمصريّين اولاً، بدلاً من الاعتقاد غير العلمي بالأعجوبة الإغريقيّة.
احتجاجات قارّيّة
بموجب معاهدة الشّراكة الأوروبيّة المتوسطيّة وما تَضَمّنَتْهُ من واجبات والتزامات تحتلّ مسألة حقوق الانسان والحرّيّات الأساسيّة وسِيادة القانون واستقلال القضاء أولويّة ومدخل لِبُنود المعاهدة مع أي بلد يرغب في بناء الشّراكة.
لكنّ في الممارسة السياسيّة نلحظ تبايُنات تتراوح بين الشدّة والصّرامة في تطبيق تلك البنود، وبين التساهل والمرونة الذي يرقى في الحالة الاسرائيلية الى حدّ التجاهل. وإذا كانت الاحتجاجات العربيّة غير ذات صدقيّة ، لا يمكن أن تكون الاحتجاجات الأوروبيّة الصّادِرة عن بعض الدول أو الصّادِرة عن المستوى الشعبي في القارّة غير ذات صدقيّة أيضاً، خاصّةً عندما تعلن هيئات رسميّة أوروبيّة و أمميّة معتمَدة في تقاريرها المنشورة عبر "مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة" الذي وثّق انتهاكات اسرائيلية واسعة للقانون الدولي الانساني و عمليات التّهجير القسري للفلسطينيّين واللبنانيّين وانتهاكات مُمَنهجة لحقوق الإنسان فضلاً عن توسع عمليات الاستيطان و الضم و التهويد للأراضي المحتلة في الضفّة الغربية بالإضافة إلى تجاوز قرار محكمة العدل الدولية في توصيف "حرب الإبادة" على أهل قطاع غزة، و ما يجري اليوم من احتلال المشهد البصري للضفة الغربية بشوارعها و قُراها بالأعلام و الرموز الاسرائيليّة كي تبدو يهودا و السامرة كما في التّوراة و كأنّها ليست فلسطين.
أمام هذا القُصور مع مراكمة صور القمع والموت والدماء صدرت مُؤخّراً عريضة وقّعها أكثر من مليون أوروبي تشرح كيفيّة مُخالفة حكومة اسرائيل نصوص "اتفاقية الشّراكة الأوروبية المتوسطيّة" في جوهر بنودها ، و مع ذلك لم يتخذ الاتحاد الاوروبي إجراء ذو قيمة في هذا المجال إذ أن الإدانات والتصريحات لا تصل إلى أُذُن حُكّام اسرائيل ، وهم يجاهِرون و يتنافسون في عمليات القتل والتطهير العرقي والتهجير و ضم الأراضي و استخدام القوة المفرطة، فضلاً عن اعتماد الماء والغذاء والدواء أسلحة حرب ضد الفلسطينيين في قطاع غزة حتى هذه اللحظة.
إنّ رسائل أكثر من 350 دبلوماسي سابق واعتراض نُخَب من الفنانين والاكاديميّين فضلاً عن مذكّرة "المنظمات المدنيّة السبعون" أجمعت على مطالبة الاتحاد الأوروبي (بالالتزام بسياسة خارجية أوروبية وقائمة على احترام القانون الدولي كما حذّرت من استمرار الاتحاد الاوروبي في علاقاته الحالية مع اسرائيل رغم هذه الانتهاكات، التي تعتبر تواطؤاً واخلالاً بالتزاماته القانونية والاخلاقية).
إذاً عندما صار مطلب تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي واسرائيل ومطلب فرض تدابير قانونية واقتصادية، مثل حظر التجارة مع المستوطنات ومراجعة التعاون العسكري والعلمي وضمان المساءلة الدولية عن الجرائم وحماية المدنيّين الفلسطينيّين مطلباً لعدة دول أوروبية وللمنظمات الكبرى المشهود لها وللنّخب الأوروبية عامّةً. لا بُدّ لصانع القرار الاوروبي مراجعة حساباته بدقّة لأن الشراكة المتوسطيّة المطلوبة للقارّة بشكل مُلِحّ أكثر من ايّ وقتٍ مضى وفي ظلّ الحرب الدائرة في الخليج العربي لا بُدّ لها ان تكون شراكة متوسطيّة عادلة ووفق الأسُس والمعايير التي نصّت عليها المعاهدة ذاتها. عندها يمكن القول ان سياسة اوروبا المتوسطيّة سوف تسهم حقّاً في اخراج اوروبا الاطلسيّة من مأزقها.
مرةً اخرى، يُرَحِّب المشرق بأوروبا المتوسطيّة على هذه الأسُس ووفق هذه المعايير، عندها سنعترف بانها حامية الحضارة والثقافة الإنسانيّة.