


وصل الوفد الاخير لحركة حماس إلى القاهرة في مطلع الشهر الجاري حاملاً ردود الحركة على أسئلة "میلادينوف" و مقترحاته دائمة التعديل. لم يرأس الوفد هذه المرة خليل الحيّة إلا أنه أرسل موقفاً متشدّداً و ثابتاً بشأن بند حَصريّة السلاح على أن يتم هذا الأمر تدريجياً وفق جدول زمني مرتبط [بِمَسار سياسي واضح بشأن تقرير الفلسطينيّين لمصيرهم وضمان حق سيادتهم]، ومن جهة اخرى طالب [بصرف جميع المستحقّات للموظفين الّذين كانوا يعملون في حكومتها عبر "لجنة إدارة غزّة"] صحف 2\7 ، والسّعي لعدم إقصاء دورها في المرحلة الانتقاليّة.
أمّا المواقف الاسرائيليّة ما زالت ترفض أي صيغة تسمح ببقاء جَناح عسكري لحماس بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
بين التصلّب الاسرائيلي والتشدّد الحمساوي، ما زال عمل "لجنة الادارة" مُتَوَقّف واجتماعاتها تُعْقَد في العريش أو قبرص ، لكن ليس في القطاع المُحتَلّ حيث لا تسمح لها حكومة اسرائيل.
تَقاسُم وظيفي
حالة تشظّي القطاع إلى منطقتين تترسّخ، في شرقه مسرح عمليّات الجيش الاسرائيلي، وفي غربه غالبية السكان تحت حكم جهاز أمن حماس وشرطتها و الناس يعيشون في بقايا الخِيَم وبقايا البيوت المُدَمَّرَة و بقايا الطّعام والماء والدواء.
وفي هذا الجزء تمارس حركة حماس السيطرة والتَحَكّم وجِباية الضرائب وادارة العمليات التجاريّة مع حفنة من التّجار لا يقلّون بأساً بتجارتهم عن بأس أمن حركة حماس في علاقته بالناس. وفي كلّ مرّة نتحدّث فيها عن السلاح و حصريّته في القطاع يجب أن نذكر أنّ إدارة ترمب والوسيط التركي والقَطَري توصّلوا إلى ضرورة بقاء سلاح حماس حتى يتم الانتهاء من المرحلة الانتقالية.
لذا لدينا مُعادلة بسيطة: اسرائيل تقول لا لسلاح حماس، و حماس تتشدّد في مطالبها بشأن حصرية السلاح إلى درجة طلب ضمانات مستقبليّة جماعيّة و فرديّة بينما المندوب السامي لمجلس السلام نيقولاي ميلادينوف يعمل مثل المكّوك لخياطة إتّفاق يُرضي اسرائيل وحماس معاً.
وفق هذه المعادلة المُستعصِيَة، و حسب تعلیمات الادارة الأميركية، وموافقة اسرائيل فإنّ لجنة إدارة غزّة يجب أن تبدأ عملها في الجزء الشرقي وتحت رقابة جيش الاحتلال مباشرةً، علماً أن هذا الأمر لا يوجد له سقف زمني للتنفيذ. والخلاصة هي أن حكم حماس سيستمر في الجزء الغربي، في إزدواجية سلطات لا يمكن فهمها وقراءتها إلا بصفتها تقاسُماً وظيفيًّأ بين الطرفين، ما يؤدي إلى تعاظم مصائب الناس نتيجة الجمود و اللّاحل، بينما الامن الغذائي والمائي والدوائي ينهار بشكلٍ متسارِعٍ، حيثُ يفتك المرض والجوع والعطش بشعب غزة. وهو يعاني وصاية مجلس السلام و احتلال الجيش الاسرائيلي و حكم حماس معاً.
إنّ مجلس الامن الدولي باصداره القرار الخاص بتشكيل "مجلس السلام" في 17-11-2025 لم يمنح الرئيس دونالد ترمب الوصاية والولاية على الفلسطينيّين، وإنّما لوقف حرب الابادة التي صارت تضُرّ بمصلحة اسرائيل وصورتها، ومن أجل الترخيص لنشر قوّة دوليّة تساعد على عبور الشعب الغزّي معاناته من الابادة الموصوفة.
لقد مضى الشهر الثامن على تشكيل "مجلس السلام" ومازالت المفاوضات تراوح في تنفيذ البند الأول من أصل عشرين بندًا نصّت عليه مبادرة ترمب.
خطوط حمراء
الجولة التفاوضية الأخيرة هي الخامسة من دون أي تقدم يُذكر، حيث تتقاطع الخطوط الحمراء من موقع التّضاد الشامل بين اسرائيل وحركة حماس حول حصريّة السلاح و مستقبل الحكم في قطاع غزة وبانتظار التغيير في السلطة الفلسطينيّة بعد الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة المقرّرة في نهاية هذا العام.
وفي كل مرة تفشل العملية التفاوضية تتقدم الديبلوماسيّة المصريّة، بمقترحات جديدة من أجل استمرار المفاوضات، حتى لا تترك لاسرائيل حريّة التنصّل من الالتزامات الدولية، ولمنعها من فرض أمر واقع جديد في قطاع غزة يؤثر على الأمن القومي المصري تأثيرًا استراتيجيًّا من خلال تحويل الحدود الفلسطينيّة - المصريّة، إلى حدود اسرائيليّة – مصريّة، فضلاً عن ما يستتبع ذلك من تجاوز على معاهدة السلام المصرية – الاسرائيلية.
من هذا المنظور للجغرافية السياسية، تدفع الدبلوماسية المصرية بدور السلطة الوطنية للأمام وتأمين حضورها السياسي والمادي، وقد نجحت في إحياء “معاهدة المعابر" وإعادة الحضور الفلسطيني الرسمي بمشارکة اوروبية، و بالاتفاق أيضاً على ادخال خمسة عشر الف شرطيًا على ثلاثِ دفعات لتأمين حياة الناس في القطاع لاحقاً، بالإضافة للمشاركة الرمزيّة لمدينة دير البلح في انتخابات البلديات منذ أشهرٍ قليلة مضت.
لهذا، مازالت القاهرة حريصة كل الحرص على منع فشل المفاوضات، كما يرغب نتنياهو و جنرالاته.و لتحقيق هذا الهدف، تستخدم القاهرة وسائل المرونة والصلابة معاً مع كافّة الاطراف، بما فيها الطرف الاسرائيلي.
حيث تراقب القاهرة من خلال دورها مع دول الوساطة الاربعة "الباكستان، السعودية، وتركيا" تطوّر حركة الصراع بين واشنطن و طهران و تل ابیب والاحتمالات المفتوحة حتى الآن على امكانية العودة مجدّداً إلى مستويات من العنف قابلة للانفجار، مهما تكن مضبوطة. إذ تحتمل العمليات السياسيّة والانتخابيّة المقبلة في الولايات المتّحدة واسرائيل إلى ظهور نتائج لا تُساعد على نجاح عمليّة سلام واسعة دُوَليّة واقليميّة.
في الوقت نفسه، تتحرّك السياسات التّركيّة والقَطَريّة بديناميّة مختلفة، تسعى من خلالها لبناء علاقة جديدة بين حركة حماس وادارة البيت الأبيض، إنطلاقاً من خبرتهم الطويلة مع قوى الاسلام السياسي المتطرّف وخاصّةً مع حركة الطالبان الأفغانيّة، تلك التجربة العزيزة على قلب عضو المكتب السياسي لحماس خالد مشعل من كثرة ما اعتبرها بتصريحاته، نموذجاً مرجعياً، يسمح تقليده بإعادة انتاج الحركة ودمجها في النظام السياسي الفلسطيني مجدّداً.
ولولا مرونة الادارات الاميركية السابقة والحالية، لما تشدّدت قيادة حماس في مطالبها التفاوضية، حيث رهانها على نجاح مساعي انقرة والدوحة في اعادة تسويق دورها في الحالة الفلسطينيّة، الأمر الذي يُمَكّن البيت الابيض من فرض شروطه على حماس والسلطة الفلسطينيّة معاً، لخفض سقف المطالب الوطنيّة التي يقبل بها الشعب الفلسطيني، وهذه لعبة مستمرّة منذ تمكين حُكومة شارون عام 2007 لحركة حماس في انقلابها على الشرعيّة الفلسطينيّة. فإذا كانت اللعبة مضمونة النتائج... لماذا لا تتكرّر؟
قطرة ماء
بينما تستمر اسرائیل في منع دخول المساعدات الإنسانية تتفاقم أزمة الماء النظيف، حيث يحتاج القطاع يوميًّا إلى ١٤٠ الف لتر مكعّب لحاجات الشرب والمشافي والطعام بينما تُبلغ الأمم المتّحِدة بصوتٍ عالٍ عن انهيار الأمن المائي لكن حركة حماس لا تُظهر من جانبها مواقف أو سلوك يدل على اكتراثها بالناس لأن السلاح عندها أهم من قطرة الماء..!