شعار Levant Time

ألف هضبة

الحريرية في مواجهة تحدي التجدد
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 15, 2026 - 17:02

يشبه سعد الحريري إلى حدٍّ ما بطلاً ملعوناً في مأساة إغريقية. بعد واحد وعشرين عاماً على اغتيال رفيق الحريري، يعود سعد إلى مدينة لم تعد تشبه تماماً تلك التي غادرها. مراكز القرار تغيّرت. وهو يدرك ذلك جيداً. فالمملكة العربية السعودية، التي ساهمت يوماً، في عهد الملك فهد ثم الملك عبد الله، في تثبيت رفيق الحريري على الساحة اللبنانية، تُكثِر منذ نحو عقد من الزمن من الإشارات السلبية تجاه سعد. وقد عبّرت وسائل الإعلام السعودية بوضوح عن امتعاضها من احتمال إعادة إطلاق تياره السياسي بعد أربع سنوات من التجميد. الحريرية، التي كانت العمود الفقري للسنّية السياسية اللبنانية في مرحلة ما بعد الحرب، تواجه اليوم سؤالاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره: هل ما زال لها دور تاريخي؟ لقد وُلدت دينامية رفيق الحريري من ظرف تاريخي جمع بين مشروع اقتصادي، ورهان دبلوماسي، وتموضع هويّاتي. فقد جسّد سنّية معتدلة، مدعومة من المملكة، منفتحة على الأسواق، تتقن لغة العواصم الغربية، وتقدّم نفسها كحلقة وصل بين لبنان والعالم. من مسار أوسلو إلى المرحلة التي أعقبت أحداث 11 أيلول 2001، كان الحريري ضرورة مطلقة للعالم العربي-الإسلامي السنّي وللغرب. أما «التحالف الموضوعي للأقليات»، من إسرائيل إلى إيران، فقد رآه عدواً. وأدّى اغتياله على يد محور دمشق-طهران إلى إطلاق موجة شعبية سيادية عابرة للطوائف غير مسبوقة في لبنان، كرّست الحريرية رمزاً للاستقلال اللبناني. هذه المعمارية بأكملها، التي ورثها سعد، انهارت تدريجياً. وليس ذلك فقط بسبب حساباته السياسية والمالية الخاطئة، أو بسبب إدارته المثيرة للجدل للسلطة. فالسعودية لم تعد كما كانت في تسعينيات القرن الماضي، ولا كما كانت بعد 14 آذار. لم تعد تسعى إلى رعاية تيار لبناني كما يُرعى موقع نفوذ. بل باتت تفكّر بمنطق التوازنات الإقليمية الواسعة، وإعادة التموضع الاستراتيجي، والمنافسة مع أنقرة وطهران. وفي هذه اللعبة الجديدة، لم يعد سعد الحريري لاعباً أساسياً. هو، في أفضل الأحوال، ممثل ثانوي في مشهد يُعاد رسمه في مكان آخر. وهو يعلم ذلك، رغم قواعده الثابتة في الداخل اللبناني. لقد انتقل مركز الثقل السنّي في الشرق الأوسط. إن بروز أحمد الشرع كشخصية سنّية صاعدة، حظيت بدعم من الرياض وأنقرة وبنوع من المباركة الدولية – يا للمفارقة، للقيام بالدور نفسه الذي كان يُراد لرفيق الحريري أن يلعبه في إطار مسار أوسلو – يُعيد رسم المعادلة بعمق. للمرة الأولى منذ عقود، يشهد المشرق صعود قيادة سنّية غير لبنانية قادرة على الجمع بين التجذّر الديني والمهارة السياسية والاعتراف الخارجي. سواء أكانت هذه الصيغة قابلة للاستمرار أم لا، فالإشارة واضحة: الاحتكار الرمزي للسنّية المعتدلة الحديثة لم يعد يمرّ عبر بيروت. في هذا السياق، تبدو الحريرية اليوم تعبيراً عن لحظة انقضت. لقد كانت ابنة مرحلة كان العالم العربي يتأرجح فيها بين سلطويات عسكرية وإسلاميات راديكالية، وطرحت نفسها – بحق – طريقاً ثالثاً. اليوم تُعاد صياغة الخطوط بطريقة مختلفة. سقوط النظام السوري، وتراجع المحور الإيراني بعد 7 تشرين الأول 2023، وإعادة تعريف التحالفات الإقليمية، فتحت فضاءً جديداً. وهذا الفضاء لم يعد منظّماً حول قيادة سنّية لبنانية مركزية، بل حول مجموعة من الشخصيات والأعيان وروّاد السياسة المتناثرين. هذا، على الأقل، ما يبدو أن الرياض تفضّله، رغم شعور السنّة الواضح بالتهميش داخل المعادلة السياسية اللبنانية الراهنة – ورغم اعتراضاتهم على أداء سعد الحريري، خصوصاً منذ عام 2016. غير أن أزمة الحريرية تتجاوز البعد الإقليمي لتطال نموذجها الداخلي. فقد قام المشروع الحريري على معادلة ضمنية: التنمية الاقتصادية مقابل تنازل جزئي عن السيادة. ما دامت الوصاية السورية تُحكم إغلاق الحقل السياسي، كان المطلوب البناء في الهوامش. بعد 2005، جرت محاولة تحويل حركة سيادية إلى أكثرية حاكمة. لكن التجربة اصطدمت بعنف حزب الله، وانقسامات 14 آذار، ثم بخيارات استراتيجية خاطئة، أبرزها الرهان على عهد ميشال عون وعلى نوع من تسوية ضبابية مع المعسكر الإيراني. ذلك الرهان كسر شيئاً ما. لقد أضعف صدقية تيار قدّم نفسه سداً في وجه الهيمنة الإيرانية، ليجد نفسه – بحساب أو بإرهاق – يبارك بنية مؤسساتية يهيمن عليها حزب الله. وجاء انسحاب سعد الحريري من الحياة السياسية ليُكمل تشتّت صفوفه. من هنا، يطرح عودته سؤالاً وجودياً: هل يمكن العودة من دون إعادة ابتكار الذات؟ ثم إن المشكلة لا تخصّ سعد الحريري وحده – حتى وإن كانت القوى الأخرى، المنشغلة بصراعات السلطة المقبلة، لا تبدو واعية لذلك. فانحسار الحريرية ليس معزولاً. إنه جزء من تآكل أوسع للقوى التي وُلدت من الحرب وما بعدها. العونية استُهلكت في السلطة. حزب الله، رغم خطاباته، يواجه تراجعاً استراتيجياً غير مسبوق وجوهرياً. وحتى الشخصيات الكاريزمية الأخرى تبدو معلّقة في زمن لم يعد زمنها. السياسة اللبنانية تشبه مسرحاً يكرّر فيه ممثلو الأمس أدوارهم، فيما تغيّر النص والجمهور. هذه القوى بنت شرعيتها على استمرارية سياسية لم تعد موجودة، مع سقوط نظام الأسد وعودة طهران إلى حجمها الطبيعي. السؤال الحقيقي، إذاً، يتجاوز مصير تيار بعينه. إنه سؤال تجدد النخب. من يمكنه أن يتقدّم؟ من يستطيع أن يصوغ مشروعاً لا يكرّر تسويات الماضي ولا يتوهّم قطيعة رومانسية معه؟ لقد أثار انتخاب رئيس للجمهورية استُقبل في البداية كـ«منقذ مفاجئ»، ثم تكليف رئيس حكومة نال الإشادة لنزاهته وعدم انتمائه للنخب التقليدية، موجة حماسة سرعان ما خبت، بفعل تعقيدات الداخل والخارج. أسطورة المخلّص لا تزال حيّة في لبنان، حيث يُستعاض عن بناء طبقة سياسية جديدة بعادة الانتظار أو حتى بالرضوخ الطوعي. أما قانون الانتخاب الحالي، المصمّم للحفاظ على التوازنات الطائفية الأكثر جموداً، فيعمل كمتحف شمع للماضي، إذ يمنع نشوء قوى عابرة للطوائف قادرة على تشكيل أكثرية أو حمل برنامج حكم متماسك. في هذا الإطار، أمام الحريرية خياران: إما محاولة استعادة موقعها السابق عبر استثمار الحنين والتعبئة الطائفية – وهو ما لا يزال ممكناً بفعل رمزية رفيق الحريري وولاء شريحة من الجمهور لسعد كمرساة في زمن الضياع – وإما فهم ضرورة إعادة صياغة ذاتها للمساهمة في مشروع وطني جامع. الطريق الأولى قد تبدو أكثر أماناً، لكن الأوهام كثيرة. أما الثانية فهي أكثر خطورة، لأنها تفرض مراجعة نقدية للماضي وإعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسيادة والدولة. إن عودة سعد الحريري، إذا تجسدت فعلياً وأُجريت الانتخابات في مواعيدها، هي اختبار بامتياز. اختبار له أولاً: هل سيقرأ اللحظة من دون أن يخطئ في فهم الزمن؟ اختبار للطبقة السياسية: هل تدرك أن انحسار قوى ما بعد الحرب يفتح فراغاً خطيراً قد يُنتج فوضى أو استبداداً جديداً باسم الاستقرار؟ واختبار للناخبين: فليس الحريري وحده من ينبغي أن يسأل «أين أخطأنا؟»، بل مجتمع-نظام يعيد إنتاج نفسه بلا نهاية، بمعارضاته أيضاً. قد تبدو هذه السطور ضرباً من حلم رقيق في عالم متشظٍ ومنطقة زلزالية. ومع ذلك، حتى وإن لم «يزرقّ» الأفق بعد، فإن لبنان يقف فعلاً عند مفترق طرق: إما إعادة ترتيب العالم القديم بين وجوه متعبة، أو المجازفة بتجدد حقيقي يتجاوز أنماطاً تقليدية تُستخدم لتهدئة مخاوف «عنف محاكاة» وهمي لا يوجد إلا بقدر ما تغذّيه شهوة السلطة لدى من يزعمون احتواءه. ولكي يتحقق هذا التجدد، لا بد من بروز نساء ورجال يتمتعون بالمصداقية والشفافية والاتزان، قادرين على حمل مشروع يتجاوز جماعتهم. إن زمن المسؤولية يحتاج إلى نساء ورجال للآخرين – لكل الآخرين ، بلا استثناء. يحتاج إلى تعزيز ثقافة الانفتاح والربط، في عالم منغلق يخشى التبادل والاختلاف. وهو السبيل الوحيد لجعل لبنان، في القرن الحادي والعشرين، استثناءً سياسياً وثقافياً حقيقياً.

حوارات مع الذئاب
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 4, 2026 - 10:51

لا بدّ من قولها صراحة، وبلا مواربة: أحد أوجه العمى المتكرّرة في الديمقراطيات الغربية يكمن في علاقتها بالزمن. فالزمن الديمقراطي — زمن التداول على السلطة، والاستعجال الانتخابي، والولايات المحدودة، والحاجة الدائمة إلى تحقيق نتائج ملموسة ضمن أفق زمني قصير — هو زمن مُجزّأ، متقطّع، مُتكسّر… ومن ثمّ هشّ بطبيعته. إنّه زمن نافد الصبر، يبحث باستمرار عن مخارج، وعن تسويات، وعن استقرارات مؤقتة. وهو يفترض، في تصوّر غائي أقرب إلى النزعة الغنوصية للتاريخ، أنّ هذا الأخير يمكن تطويعه عبر حسن النيّة، والحوار، والعقلانية المشتركة، وأنه يسير حتماً في الاتجاه الصحيح. في المقابل، لا يعزف الزمن التوتاليتاري اللحن ذاته أبداً. فهو ليس متعجّلاً، ولا خطّياً، ولا خاضعاً لاختبار الاقتراع. بل على العكس، هو متحرّر من كل هذه القيود التي يعتبرها عبثية. إنّه زمن طويل، هوسي، أرضيّ، زمن الحفاظ على السلطة بأي ثمن. يشكّل النظام الإيراني إحدى أكثر تجليات هذا الزمن اكتمالاً. فهو يعيش خارج التقويم الديمقراطي، وعلى مسافة شاسعة من المحاسبة الشعبية، بل خارج الزمن الأخلاقي العادي نفسه. يستطيع أن ينتظر، وأن يتراجع، وأن يناور، وأن يماطل بلا حدود. وهو يدرك أن الجوهر ليس الإقناع، بل البقاء. مهما كانت الوسائل. هذه اللامتناظريّة بالذات هي ما تكشفه، مرة جديدة، تردّدات إدارة ترامب حيال طهران، رغمًا عنها. لا يعني ذلك أنّ على ترامب أن «يضرب» إيران، ولا أن يسعى إلى مواجهة عسكرية مباشرة. فذلك لن يكون سوى تقديم ما ينتظره نظام الملالي منذ زمن: خطاب الضحية، والتعبئة القومية، وتقديس السلطة عبر العدو الخارجي. لطالما كان «الشيطان الأكبر» شماعة جاهزة. كما أن ذلك يعني الاستمرار في منطق التنمّر الدولي وفتح صندوق باندورا، مع ما يحمله من خطر انفجار إقليمي شامل. فالقوة بهذا الشكل لم تحلّ يوماً أي مشكلة على المدى الطويل. الخطر يكمن في مكان آخر. في الوهم القائل إن نظاماً قائماً على الازدواجية، والقمع البنيوي، وتصدير العنف أيديولوجياً، يمكن أن يتحوّل عبر الحوار أو الإدماج التدريجي أو وعود الاعتراف الدولي. فمنذ عام 2008 على الأقل، وبصورة أوضح منذ موجة القمع الدموية في الأسابيع الأخيرة، بات جليّاً أن هذا النظام لا يتفاوض إلا لكسب الوقت. وقت لإعادة بناء قواه. وقت لمتابعة برامجه النووية والباليستية. وقت للاستمرار في تمويل وتسليح وتوظيف الميليشيات ضمن منطق إمبريالي لم يتبدّل يوماً. إن الزمن المعتم والجامد للاستبداد هو حليفه، فيما الزمن الديمقراطي فريسته. هنا، يجب رفع أي التباس أخلاقي. فكما أن على بنيامين نتنياهو أن يُحاسَب، عاجلاً أم آجلاً، على الجرائم المرتكبة في غزة، كذلك يجب أن يخضع النظام الإيراني للمساءلة عن القمع المنهجي، المستمر، والواسع الذي يمارسه بحق شعبه. ليست هذه مقارنة سهلة أو كسولة، بل مبدأ: لا يمكن لأي نظام أن يعفي نفسه إلى ما لا نهاية من القانون والعدالة بحجة السيادة أو التعقيد الجيوسياسي. حتى في عالم مفكك، مختزل إلى مناطق نفوذ متروكة لأهواء المهووسين بالعظمة، فإن التخلي عن هذا المبدأ يعني تكريس الفوضى كركيزة تأسيسية للنظام الدولي. وحتى في عالم يشهد تراجعاً عاماً نحو أشكال ما قبل ديمقراطية، بل معادية للديمقراطية، غير آبهة بزمن القانون الدولي ومتطلباته. إن نظام الملالي خارج الزمن بكل معاني الكلمة: خارج الزمن الديمقراطي الذي يحتقره، وخارج الزمن الأخلاقي الذي يدوسه، وخارج الزمن التاريخي نفسه، لأن مشروعه قائم على لاهوت سياسي جامد، أحادي، متخشّب، عاجز عن إنتاج أي شيء سوى العنف والموت كي يستمر. إن المطالبة بأي شيء أقل من رحيله وتفكيك بنيته القمعية والعسكرية بكل تفرعاتها تمثّل خطأً استراتيجياً جسيماً، بل فعلاً من أفعال التواطؤ. لقد أثبتت التجربة ذلك بوضوح قاسٍ مع اتفاق عام 2015 في عهد باراك أوباما: فكرة عودة إيران إلى المجتمع الدولي تحت هذا النظام تحديداً — بدفع من نخبة إيرانية متمركزة في واشنطن بلغت حدّ سوء النيّة — لم تكن مجرد وهم، بل كانت، والأسوأ من ذلك، يوتوبيا مدمّرة. فقد عزّزت سلطة المتشدّدين، وأضعفت قوى التغيير الداخلية، ومنحت النظام الوسائل المالية والسياسية لمواصلة مشروعه الإمبريالي. كم من الدماء أُريقت خلال عقد واحد بسبب هذه الأوهام الساذجة التي تشبّث بها بعض الأسطوريين أو الانتهازيين المنزوعين من أي بوصلة أخلاقية! والأخطر من ذلك، أن مثل هذا التفاوض يشكّل خطيئة أخلاقية فادحة. خيانة صامتة لكل الدم المسفوك؛ ولأولئك الذين نزلوا إلى شوارع إيران لسنوات وهم يعلمون أن ثمن شجاعتهم قد يكون الموت أو التعذيب أو المحو التام. خطيئة سترتد حتماً على أولئك، في الولايات المتحدة أو أوروبا، الذين ما زالوا يزعمون الدفاع عن القيم الإنسانية والديمقراطية، فيما أداروا ظهورهم مراراً في الماضي لمعاناة الشعوب الخاضعة. إذا لم يعد نظام ما قادراً على إدارة شعبه إلا عبر سحقه، فهو فاقد لأي شرعية. فلماذا إعادة ضخّها فيه؟ باسم الواقعية؟ من خلال سياسة العصا والجزرة بلا معايير ثابتة — أي دون أولوية للحياة البشرية وحرية الشعوب — يوجّه ترامب رسالة إضافية متناقضة حول القوة الأميركية: رسالة مفادها أنها في الواقع لا-قوة، تتأرجح تدخلاتها، بلا أي قيم، بين العنف الصرف (اختطاف مادورو، إدارة ملف غرينلاند)، والصمت المتواطئ (غزة)، والوهن (أوكرانيا)، وها هي اليوم تسوية موحلة (إيران). صحيح، وهذه علة بنيوية في النظام الدولي ما بعد 1945، أن «الآلة» الأممية باتت أكثر من أي وقت مضى محصورة في دور المتفرّج المذهول أمام النزاعات والمجازر، مكبّلة إلى ما لا نهاية بتضارب مصالح القوى الكبرى. أما «واجب التدخل» الشهير لبرنار كوشنير، المفترض أن يفعّله؟ وفق أي معايير، وأي آليات، وأي أدوات؟ لغز. الأحادية الأميركية بمعاييرها المزدوجة وأجنداتها المجتزأة؟ التعددية الأوروبية التي انتظرت حتى عام 2026 لتدرج الحرس الثوري، على استحياء، على لوائح العقوبات؟ السؤال ذاته مصدر ارتباك عميق… ومزيد من الفوضى. ومع ذلك، وللبقاء في صلب الواقع العملي، فإن «النقاش» الوحيد الممكن، الوحيد الذي يرقى إلى مستوى الواقع، يجب أن يتمحور حول رحيل خامنئي وجهازه القمعي الواسع، الموتي، المهووس بالاستشهاد، وحول إلغاء ولاية الفقيه، بوصفها المصفوفة الأيديولوجية والمؤسساتية لهذا التوتاليتارية. كرامة ضحايا الأسابيع الأخيرة لا تطلب أقل من ذلك. وكل ما دون ذلك ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل العمى ذاته، وتكرار للتاريخ تحت غطاء الواقعية. بل أكثر من ذلك، سيكون فرصة جديدة للملاّلي وأذرعهم الإقليمية لتحقيق نصر عبثي جديد على طريقة بيروس… على حساب شعوبهم، كما هي العادة. على ترامب ومن يدور في فلكه أن يتذكروا ذلك جيداً. فالوقت الذي تتظاهر إيران بأنها تطلبه ليس وقت إصلاح قط؛ إنه دائماً وقت افتراس، دائماً وقت قنبلة موقوتة. ومن الرياض إلى واشنطن، يحقّ للمرء أن يتساءل إن كان هؤلاء الاستراتيجيون البراغماتيون قد قرأوا يوماً قصة ليلى والذئب، وما تحمله من افتتان قاتل بالحوار مع الذئاب المتنكرة في هيئة جدّات. وهل سمعوا يوماً اللازمة القاتمة لأغنية ليونارد كوهين الوصية You Want It Darker : «مليون شمعة مشتعلة طلباً لمساعدة لم تأتِ أبداً… تريدونها أكثر ظلاماً؛ ونحن نطفئ الشعلة».

نسيب لحود، « الخاسر النبيل »
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 2, 2026 - 13:21

قبل أربعة عشر عاماً، في الأول من شباط 2012، غيّب الموت النائب والوزير السابق نسيب لحّود. في زمنٍ باتت فيه الشعبوية تفتك بالعالم، وكان لبنان، مرة أخرى، يبدو كأنه سبق الجميع إلى هذه الموجة الكاسحة، يحسن بنا أن نستعيد ذكرى رجلٍ حمل، على مدى العقود الثلاثة الماضية، رؤيةً أخرى وممارسةً أخرى للسياسة. وذلك تحديداً في أرضٍ تميل فيها الغرائز الجماعية إلى تفضيل نموذجٍ شديد التعيّن: زعيمٍ تاريخيٍ متحمّس، أو ثعلبٍ نفعيٍّ مُحبطٍ يرتدي أسمال الطائفية، على حساب رجال دولةٍ هادئين يمتلكون أفكاراً حديثة ورؤيةً عميقة واستراتيجية للشأن العام. في كل مكان، في العالم القديم كما في العالم الجديد، بات نمطٌ من القيادة التقليدية، القائم على الخوف والانغلاق والنزعة الإثنية الهويّاتية، يتفوّق على خطاب الانفتاح والاعتدال والالتزام بالقيم التي قامت عليها فكرة كرامة الإنسان وفكرة المجتمع الدولي المسكون بمثل نظامٍ دولي لا يقوم على القوة الغاشمة، بل على التضامن والعدالة والقانون والسلام. كم يبدو كل ذلك اليوم شديد اليوتوبية! في بلد الأرز، تبدو الردّة أكثر فجاجة، بفعل أشكال الولاء ما قبل الدولتي، من العشائرية والإقطاع السياسي إلى الميليشياوية الثيوقراطية، مع جرعةٍ لازمة من العصبية الجماعاتية لتهدئة الهواجس الوجودية لدى الجميع. الازدواجية سيدة المشهد في كل مكان، حتى في صفوف أولئك الذين يدّعون، ببراءةٍ ملائكية، الحداثة والتقدمية، فيما لا يفعلون سوى إعادة إنتاج البنى المعتادة نفسها، تحت خطاباتٍ إصلاحيةٍ زائفة، أي تقاليدَ الانغلاق المتيبّسة في تصلّب المحسوبية، بما تحمله من إرثٍ عريقٍ من الفساد والرذائل والأكاذيب. المظهر لا يصنع الراهب؛ فكيف يصنع رجل دولة؟ والثرثرة السياسية ما زال أمامها عمرٌ طويل. في هذا الليل السياسي الطويل، الطويل جداً، بعيداً عن أن تتلاشى شخصية نسيب لحّود بين أشباح الذاكرة، تظل صورته، بهدوئه وبصيرته واتزانه وصرامته وحسّه المؤسساتي وسمته وأناقة حضوره ونبله، تشعّ بقوة، كأنها تُري الطريق. لأن نسيب لحّود لم يكن مسؤولاً سياسياً كسائر السياسيين. كان من أولئك النادرين جداً الذين مثّلوا نموذجاً ومشروعاً للمستقبل. وهذه مغامرة شبه مستحيلة في بلدٍ يفضّل أن يستسلم لواقعيةٍ سياسيةٍ سينكية، تُسقط عن كل من يرفض الخلط بين السياسة والمكر، وبين القوة والعنف، وبين الدولة ومحاكاتها، تهمةَ السذاجة واللاواقعية. ومع ذلك، لم يكن نسيب لحّود حالماً. ولم يكن ريمون إدّه، ولا ألبير مخيبر، ولا فؤاد بطرس، ولا سمير فرنجية، ولا حسن الرفاعي، ولا ميشال الخوري، على سبيل المثال لا الحصر. علّته الأساسية؟ أنه خرج عن «القواعد السياسية» التي ورثها لبنان من تفكك الدولة، ومن الحرب، ومن ثقافة العبودية الطوعية للأقوى أو للأكثر قدرة على الشراء. لذلك لم يكن بحاجة إلى بريقٍ استعراضي أو إلى احتلال الفضاء العام بالصوت، ولا إلى جموعٍ متعطّشةٍ لأن تهب نفسها جسداً وروحاً لتعويض عطبٍ مرضيٍّ في الحاجة إلى السلطة والاعتراف. كان حضوراً كثيفاً، لا اجتياح فيه؛ وسلطةً لا تسعى إلى فرض ذاتها، لأنها لم تكن بحاجة إلى إثبات شيء. قيمه كانت تتحدث عنه. نظرته إلى الإنسان، وطموحه إلى استعادة الدولة، وفهمه للقيادة على أنها خدمةٌ للمواطن لا سيطرةٌ عليه، جعلت منه قائداً طبيعياً. لم يكن بحاجة إلى بناء شرعيته على وقائع حرب أو على أمجادٍ تافهةٍ ملوّثةٍ بالدماء. ومن المفيد التذكير بذلك اليوم، فيما لا يزال الماضي وشياطينه يسمّمان الخطاب السياسي في لبنان، كأن لا طريق إلى السلطة إلا عبر ذاكراتٍ متشظّيةٍ ومفكّكة. نعم، كان نسيب لحّود من تلك الفصيلة النادرة من الرجال الذين لم تكن السياسة عندهم مسرحاً، بل انضباطاً داخلياً: هيئةً، ووقاراً، بل وحتى تحفّظاً. وفي مواجهة ذكورةٍ صاخبةٍ ووضعياتٍ قتالية، كان يمضي في طريقه: جعل من الاتزان قوة، ومن البطء فضيلة، ومن الدقة أخلاقاً. كان يزن كل كلمةٍ بوعي الثقل والمسؤولية. في الحقيقة، كان يحترم الحقل السياسي لأنه كان يحترم الآخرين. وكان يحترم وطنه: هشاشته، توازناته المتقلّبة، تعدديته غير القابلة للاختزال، سيادته، حرياته. علّمته تجربة الحرب، باكراً، أن لبنان لا ينجو برجالٍ متعجّلين، ولا برجالٍ مخمورين باليقينيات، ولا ببائعي الوطن الضعفاء القابلين للشراء؛ ولا برجالٍ يظنون أنهم تجسيد القدر. كان لبنان، لكي يثبت، بحاجةٍ إلى حكّامٍ أكثر من قادة، وإلى حرّاسٍ أكثر من فاتحين. كان بحاجة إلى دولةٍ تعرف أن تقول «لا»، حتى داخل معسكراتها، وإلى رئاسةٍ جامعة، قادرةٍ على الحكم والتحكيم بقوة الدستور، بلا نوباتٍ هستيرية ولا صراعاتِ نفوذ. بهذا المعنى، كان نسيب لحّود رجل دولةٍ بالمعنى الكامل، شبه الكلاسيكي للكلمة. كان من أقليةٍ في لبنان تفكر بالسيادة بلا هستيريا، وبالإصلاح بلا ضغينة، وبالهوية بلا انغلاق. لم تكن لبنانيته تعويذةً ولا صنماً. كانت توازناً بالغ الدقة بين الحرية والنظام، بين التنوع والوحدة، بين الانفتاح العربي والاستقلال الوطني. لبنانية ناضجة، محرَّرة من العقد والأوهام، من الحُمّى التي نخرت الكيان لعقود، حتى أوصلته إلى التدمير والاستعباد والعار… كاد معها يختفي. من هنا، فإن “فشله” السياسي، إن صح هذا المصطلح، ليس فشل رجلٍ وحسب. إنه فشل «النظام» الذي اختار، عند كل منعطفٍ حاسم، الإصغاء إلى صفّارات الإغواء بدل صوت العقل. وكيف يمكن أن يكون غير ذلك في بلدٍ لطالما فضّل التعبئة العاطفية على البناء المؤسساتي، حيث كانت القوة، ممزوجةً بالنفاق، هي الوسيلة التي تسمح لكل جماعة، ومن خلفها لكل فرد، بأن يوجد في وجه آخر متخيَّل أو حقيقي؟ لم يُقصَ نسيب لحّود لأنه افتقر إلى البصيرة. ببساطة، امتلك منها ما يفوق قدرة طبقةٍ سياسيةٍ كانت قد دخلت بالفعل في استقالتها الأخلاقية. قد يبدو، من بعيد، وكأنه ينتمي إلى زمنٍ آخر. لكنه، في الحقيقة، شديد الراهنية. في زمن الانهيار الشامل، وتفكك الدولة، وافتراس المؤسسات بمنطقٍ ما دون الدولة أو بمنطقٍ افتراسي، نفتقده لأنه لم يقدّم حلولاً سحرية، بل بوصلة: أخلاق قرار، فكرة صارمة للخدمة العامة، معايير. لبنان اليوم يعاني عجزاً في الطباع والقيم. هذا هو الداء المزمن. ونسـيب لحّود كان من تلك السلالة النادرة التي جعلت السياسة مسألة طبعٍ قبل أن تكون مسألة تقنية: انسجاماً بين ما نفكر به، وما نقوله، وما نفعله. وبعبارة أخرى: وفاءً للذات ليس نرجسياً ولا مرضياً، بل مؤسِّساً. قيل كثيراً بعد رحيله إنه كان «الرئيس الذي لم ينله لبنان». وهذا صحيح. لكن الأمر أشد فداحة من ذلك. لقد كان نوع الرئيس الذي أخاف الجميع: العصابات، وأمراء الحرب، وأتباع السياسة الرخيصة، و«الواقعيين» الكبار الذين يفضّلون، بداعي الملاءمة، تتويج الرداءة. وربما هنا تكمن مسؤوليتنا الجماعية الأثقل. يبقى من نسيب لحّود هذا الدرس الصامت، شبه القاسي: درس رجلٍ فضّل الخسارة على خيانة فكرته عن الدولة. في بلدٍ يربح فيه المرء غالباً عبر التنكّر لذاته، يظلّ درس «الخاسر المهيب» يزعج. ولحسن الحظ… كذلك يجب أن يكون.

إنهيار حزب الله الوجودي
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
يناير 30, 2026 - 10:05

في كل عشرين سنه يأتي إلينا رجلٌ مقامرٌ ليرهن البلاد ، والعباد ، والتراث ، والشروق ، والغروب ، والذكور ، والإناث ، والأمواج ، والبحر ، على طاولة القمار .. نزار قباني هكذا، يريد نعيم قاسم أن يقدّم لبنان قرباناً لإيران. بعد أن ساق مناصريه إلى الموت في سوريا الأسد، وترك أهل “بيته الثوري” يُسحقون من أجل حماس، ها هو اليوم يحاول أن يختم “المسيرة” على طريقته: انتحار جماعي، في لحظة باتت فيها الدار الإيرانية الأم نفسها مهدَّدة، فيما تُستعرض في مياه الشرق الأوسط أذرع “الأسطول الذي لا يُقهر” الذي نشره دونالد ترامب. قد تُؤخذ تصريحات الأمين العام لحزب الله، للوهلة الأولى، على أنها صَخَبُ بطلٍ من ورق، وربما ما زالت تُسكر شريحة من جمهورٍ تربّى على أسطورة “الإنسان المتفوّق” الذي صاغه الملالي في معاملهم. لكن تلك “الشجاعة” التي كانت، في أواخر التسعينيات، تُقرأ عند غالبية اللبنانيين دفاعاً عن أرضٍ محتلة، انحدرت منذ زمن إلى انتحارٍ سياسي وعسكري… إن جاز أصلاً أن نُبقي على كلمة “سياسي” أو “عسكري” دون أن تضحك منا. طائرة (الفانتوم) .. تنقض على رؤوسنا الحرب .. لا تربحها وظائف الإنشاء . ولا التشابيه .. ولا النعوت .. والأسماء فكم دفعنا غالياً ضريبة الكلام ... مأزق نعيم قاسم، في الجوهر، أن خطابه… بلا عقل. حيث كان حسن نصرالله لاعباً بارعاً في اللغة، يكسو خطابه بـــ virtù سياسية صقلها عبر السنين حتى صار منوِّماً جماعياً، فإن “حارس العقيدة” الذي قُذِف إلى الواجهة قذفاً، بعد سلسلة التصفيات التي نفذتها تل أبيب في صفوف القيادات، لا يمتلك سوى حضورٍ باهت… حضور تمساحٍ حزين. نصرالله كان يبرّر ولاءه لطهران، ونتيجته الطبيعية: السعي إلى القبض على لبنان، عبر خليط من “منطق” مُفبرك، ومباهاة سياسية، وعبارات تتأرجح بين الأيديولوجيا والشعبوية. وكان يفعل ذلك بمهارة زعيمٍ تاريخي. أمّا قاسم، فيحاول اليوم أن يجمع الشظايا… بأصابع ثقيلة. صورة كاريكاتورية لمن صعد فوق قدرته، ثم ابتلعه “مبدأ بيتر”. كان نصرالله ساحراً في فن الإخفاء بالكلام. حتى حين كان يعترف، في لحظات نادرة من “صدقٍ محسوب”، بأنه جندي في جيش ولاية الفقيه، كان يعترف من موقع قوة: من داخل منطق تمدّدٍ إيراني كاسح في الإقليم، بلا توازنٍ فعلي، بل أحياناً بتواطؤٍ موضوعي من الغرب. أما عند قاسم، وخطابه الأخير شاهدٌ صارخ، فالكلام إمّا هذيان طائفةٍ لم يعد لديها ما تخسره، وإمّا استعراض عضلات من مصارعٍ منفوخ… ومحكومٌ بالضربة القاضية. لم يعد ذلك “صدقاً” ولا “وضوحاً”. إنه تهوّر قاتل. لا مبالاة قاتلة. حين يقول إن أي تهديد لإيران، وخصوصاً للمرشد الأعلى، هو تهديد مباشر يستدعي تدخل حزب الله، فهو لا “يرفع السقف” فقط كما تعوّدنا في مزايداتٍ لفظية. إنه يعلن، بلا أقنعة، أين تقيم السيادة التي يطيعها. وهي ليست هنا. ليست لبنان. صحيح أن ذلك لا يفاجئ أحداً. تبعية الحزب-الميليشيا لـ“الأممية الثورية الفارسية” من أسرار العلن. لكن الفضيحة ليست في المعرفة… بل في الإصرار على العمى، حتى بعد أن تحوّلت مغامرته الأخيرة، في خدمة حماس، إلى كارثة: على الحزب نفسه، وعلى أهل الجنوب وبيروت، وعلى الطائفة الشيعية كلها… وعلى لبنان أولاً وأخيراً. في كل عشرين سنه يأتي إلينا رجلٌ معقدٌ يحمل في جيوبه أصابع الألغام .. نعيم قاسم يثبت مرة أخرى، وبشكلٍ صريح، أن مصير لبنان موضوع تحت وصاية بنية سلطة خارجية: طائفية، عابرة للحدود، تتعامل مع هذا البلد كمساحة عرضٍ قابلة للحرق، كأرضٍ “ممكن الاستغناء عنها”، كولايةٍ تُذبح على مذبح مواجهةٍ أكبر منها. فالذي يكرّسه هذا الخطاب، في العمق، هو إلغاء القرار الجماعي. الحرب والسلم، الحياة والموت، المستقبل والخراب… لم تعد تُستمد من نقاش وطني، ولا من مؤسسات مشتركة، ولا من عقدٍ سياسي مهما كان هشاً. صارت امتداداً آلياً لمنطق “المحور”، لولاءٍ أيديولوجي لا يرى شرعية إلا في المركز الذي يخدمه. في هذه الرؤية، لبنان ليس دولة، ولا مجتمعاً، ولا شعباً بالمعنى الكامل. إنه مجرّد “رهينة”. مجرّد “ضمانة”. مجرّد جبهة مبتذلة بين جبهات، بدمٍ فائض وجنودٍ من قصدير. واحد من آخر ما تبقى في خدمة المستبد الإيراني… مع العراق. في كل عشرين سنه .. يأتي إلينا حاكمٌ بأمره ويأخذ الشمس إلى منصة الإعدام . الصورة التي ألصقها الحزب بلبنان هي صورة بلد-ممر، بلد-جبهة، بلد-شهيد دائم، محكومٌ بدفع فواتير صراعات الآخرين. منطقٌ دمّر الدولة، أفرغ المؤسسات، شقّ المجتمع، وحوّل السيادة إلى شعارٍ أجوف. والمفارقة فاضحة: الحزب يتحدث عن السيادة في اللحظة التي ينقضها؛ يلبس قناع “الدرع” وهو يمارس أقصى تعريضٍ للبلد؛ يعيّر الدولة بالضعف بعدما جرّدها منهجياً من أدواتها. هذه ليست مناورة تكتيكية فقط. إنها أزمة وجود. إنها بنية ذهنية عاجزة عن الاعتراف بالزمن التاريخي: بحدوده، بهزائمه، وبمسؤولياته. اسم آخر للهذيان. لبنان ليس أسطورةً نغذّيها ولا مذبحاً نستثمره. إنه بلد واقعي: مأهول، هش، متعدّد، لم يعد قادراً على احتمال اقتصاد دائم للحروب بالوكالة. خطاب نعيم قاسم لا يهدد خصماً خارجياً فحسب. إنه يهدد فكرة أن لبنان يمكن أن يبقى فضاءً سياسياً مستقلاً: مكاناً يُقدَّم فيه القرار العام على الإيمان المفروض، ولا تُرهن فيه حياة المواطنين لــ“آخِرَةٍ مسلّحة”. في كل عشرين سنه .. ليذبح الوحدة في سريرها ويجهض الأحلام. مرة أخرى، ينكر حزب الله التعددية التأسيسية للبلد. يمحو كل من يرفض أن تظلّ قوةٌ ما فوق الدولة، وقد فقدت من شرعيتها حتى داخل بيئتها، تُدار البلاد على مزاجها: قوة بدأت تُترك وحيدة من أقرب الحلفاء؛ فقدت عمقها الاستراتيجي بسقوط الأسد؛ تواجه نزعةً لبنانية لإعادة السيادة واحتكار العنف الشرعي على كامل الأرض؛ والأهم: قوةٌ منهكة من كوارث متتالية إلى حد أن المجتمع لم يعد يحتمل جسدياً ومادياً ومعنوياً كارثةً إضافية. وفوق ذلك، هي سلطة ميليشياوية تتراكم حولها أفعال لا تُحصى: من العنف الإجرامي إلى تعطيل العدالة… إلى شبكات مافيوية لا تنتهي. لكن الأخطر أن الحزب يحبس الطائفة الشيعية نفسها داخل قفص هوية عنيف: يحوّلها إلى كتلة “مفترضة” متجانسة، جاهزة للتضحية بلا شرط لقضية لا تحظى، في واقع تنوعها، بإجماع. شيعة لبنان ذاقوا الاضطهاد والتهميش منذ العهد العثماني. نعم، احتاج الأمر إلى موسى الصدر، ثم إلى الثورة الإسلامية في إيران، لتتغير الشروط. نعم، بعد غياب الصدر، أعاد الحزب شعوراً بالفخر والاعتبار. لكنّه أيضاً أخضع الطائفة لقانون القوة العارية. “بسَّجها”. “طهّرها” عبر تصفية نخب فكرية لم تشاركه عقيدته ولا اصطفافه العسكري والجيوسياسي مع إيران. ومدّ سلطته بالسلاح على المجتمع الشيعي كله حتى رهنه. وبطريقة ملتوية وخبيثة، شحنها بوهم مجدٍ زائف، وعيّنها في وظيفة “مقاومة” لا تنتهي، بينما كان يبني شبكة مصالح اجتماعية وسياسية ومافيوية موصولة بطهران. تحت ستار المقاومة، نزع عنها لبنانيّتها… لصالح المركز الإيراني. في كل عشرين سنه يأتي إلينا نرجسيٌ عاشقٌ لذاته ليدعي بأنه المهدي ، والمنقذ ، والواحد ، والخالد ، والحكيم ، والعليم ، والقديس ، والإمام ... ما يكشفه خطاب نعيم قاسم، قبل أي شيء، هو قلب المنظومة: تقديس الأمر، بحيث يصبح الاعتراض غير مشروع، والاختلاف شبهة، والنقد خيانة. في هذا العالم الذهني المِلّيناري الشمولي، القائد ليس مسؤولاً سياسياً يختبره الواقع. إنه كائنٌ مُكلَّف برسالة “متعالية”. وبديهي أن هذا البناء يتعارض مع فكرة الدولة: الدولة تعني المحدودية، والمسؤولية، وإمكان الفشل، وإمكان المحاسبة. هنا تتوارى هشاشة الحزب الراهنة، التي تحاول اللغة القتالية تغطيتها يأساً. خلف قناع الصلابة يقيم رعب الخسارة. الحزب يدخل طور ضعفٍ لم يعرفه بهذا العمق. سقطت الرموز التوتمية. المحور يتشقق. الفضاء الإمبراطوري الذي منح القوة معنى وعمقاً ينكمش. ومعه تتزعزع هوية الحزب. ما حزب الله بلا “موعظته” عن المقاومة؟ ماذا يبقى بلا سلاحه؟ والأهم: ما مصيره إن تهاوى مجلس قيادته في طهران، والحرس الثوري، ومرجعه الأعلى، ولاية الفقيه؟ المسألة مسألة وجود… بل مسألة جوهر. وأمام هذا التآكل، يأتي رد الفعل قديماً، آلياً: حزب الله لا يعرف كيف يخسر. لا يستطيع تخيّل نفسه في الهزيمة، لأن قبول الهزيمة يعني التنازل عن وضعه الاستثنائي، وعن احتكاره الرمزي، وعن روايته المؤسسة. لذلك ينقل ساحة الصراع. يوسع المسرح. يحوّل أزمة محلية إلى قضية كونية. يحاول بالكلام أن يستعيد مركزاً يسحبه الواقع منه. إنه ينفجر في تضحيةٍ استعراضية، كطائفة ترفض مواجهة مرارة الحقيقة بعد هذيان مسياني بالتفوّق والعصمة. بعد كل شيء، أليس الملائكة والأنبياء والحسين نفسه “يقاتلون معه”؟ قبول الهزيمة يعني الاعتراف بفشل العقيدة. وانهيار العقيدة، بالنسبة لحزب ثيوقراطي، هو انهيار نفسي: تفسّخ، وفقدان تماس مع الواقع، وانفصال كامل عنه. هدف نعيم قاسم ومن حوله ليس فقط “الدفاع عن طهران” ضد “الشيطان الأكبر” وذراعه الإسرائيلي وأسطوله. الهدف أعمق: أن ينجوا من العبث، من الفراغ… ولو كان طريق النجاة، paradoxically، هو الموت. في هذا الإطار، لبنان لا يعود موجوداً. لا يدخل في الحسابات ولا في الخيال السياسي لطائفةٍ غرق شيوخها وأتباعها في اللاعقل. نعيم قاسم، في النهاية، ليس إلا نسخة أخرى من جيم جونز أو ديفيد كوريش. وإذا حُوصِر، فلن يتردد في القفز إلى الهاوية، آخذاً معه الطائفة الشيعية ولبنان كله رهينةً إن لزم الأمر. وليس لأنه “وفيّ” لسادته في طهران بقدر ما هو لأنه يريد أن يثبت… أنه كان على حق. كل عشرين عاماً، يكتب نزار قباني. بل أقل… للأسف. لكن زمن لبنان لم يعد زمن الدورات التضحية. نحن أمام خيارٍ لا مهرب منه: إما أن يعود لبنان بلداً، بكل ما يعنيه ذلك من حدود ومسؤوليات وتنازلات، وبحياد عن المحاور الإقليمية… أو أن يختفي نهائياً كفاعل سياسي، مذاباً في تشنجات إمبراطورية تتداعى. وهذه المرة، لا مرسوم ولا شعار ولا ثرثرة ستؤجل الاستحقاق. وهذه المرة، لا بد أن يقف أحد في وجه قاسم وأمثاله، أيّاً كانوا: لا بمنطقهم، العنف والجنون، بل بمنطق دولة القانون، وبحوارٍ صلب وحاسم، إذا كان لا يزال داخل الحزب من يمكن أن يسمع صوت العقل ويريد تجنّب الكارثة الجماعية. وهذا “الأحد” لا يمكن أن يكون الولايات المتحدة، ولا إسرائيل بطبيعة الحال. والمفارقة القاتلة أن مواجهة جديدة مع الدولة العبرية لن تفعل سوى تعزيز نفوذها وربما تثبيت احتلالها في لبنان. لذا، الأفضل ألا نوقظ الوحش… خصوصاً أنه يترصّد من يمنحه المنجل. مبدئياً، هذا دور الدولة اللبنانية: ردع الحزب الموالي لإيران. وإن كانت لا تزال هناك إرادة شعبية وسياسية لبنانية تريد مصلحة لبنان لذاته، فقد آن لها أن تقول كلمتها بلا مواربة، وبسيادة كاملة، وبكل الوسائل الديمقراطية: ضد الحرب، بصوتٍ عالٍ وواضح، كي تثبت أنها ما زالت تريد الحياة… بعيداً عن عودٍ أبدي لجنون العنف وكل شياطينه.

هل ننسى رفعت الأسد؟
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
يناير 21, 2026 - 15:08

إذا كانت أبسط مقتضيات اللياقة الإنسانية تحول دون الابتهاج حتى بموت الوحوش، فإنها لا تحول دون شعورٍ خفيف، عابر، يكاد يشبه ارتياحًا خجولًا، عند سماع الخبر. غاب رفعت الأسد. وأمام العجز المتأخر، بل العجز الارتجاعي، في مواجهة أفدح فظائع التاريخ، لا يملك المرء إلا أن يتشبث بما تبقى من عزاء هش، كيفما اتفق. يرحل الأسد حاملًا معه جزءًا من الذاكرة الأكثر قتامة في المشرق المعاصر: ذاكرة المدن التي سُحقت لأنها صرخت عاليًا في وجه الهمجية، والأحياء التي أُبيدت لتكون عبرة. يكفي أن نقرأ شهادة ميشال سورا، التي كلّفته حياته، لندرك، برعشة لا تخلو من الرعب، كيف تحوّلت حماة وحمص عام 1982 إلى مختبرات لتجربة مهووسة، شبه سريرية، في فنّ القتل. لبنان بدوره، من طرابلس إلى هوامشه المهانة، دفع ثمن لا إنسانية رفعت عبر ميليشياته، المعروفة بـ«الفرسان الحمر». كان شقيق حافظ الأسد المنفّذ المكرّس للنظام، جزّاره الأكبر، ووجهه الأكثر فظاظة وصدقًا. دورٌ استأنفه لاحقًا، وبالشهية الوحشية نفسها للعنف، ابن أخيه ماهر. وكان ذلك قبل أن تمنحه فرنسا منفىً مذهبًا، وقبل أن يحتفي به بعض مسؤوليها في موائد فاخرة، لا تخلو من الفضيحة والعار. إن غياب رفعت الأسد، وانزلاقه أخيرًا إلى غياهب التاريخ، يتزامن على نحو مريب مع مرحلة تبدو فيها سوريا، مرة أخرى، منجذبة إلى إعادة كتابة سلطوية لوحدتها، هذه المرة تحت شعار «استعادة» ترابية يقودها نظام أحمد الشرع. بعد الدروز، وبعد العلويين، ها هم الأكراد يُقدَّمون اليوم بوصفهم العقبة التالية في طريق دولة يُعاد بناؤها بالقوة والإكراه، وكأن التاريخ السوري، بلعنته المتكررة، عاجز عن إنتاج الوحدة إلا عبر سحق الآخر وإلغائه. ومصطلح «الاستعادة» ليس بريئًا. إنه يحمل في طياته تصورًا عموديًا للسيادة، حيث تسبق الأرضُ البشر، وحيث لا تعبأ الجغرافيا والحدود للغاية النهائية للإنسان. في هذا المنطق، لا تُرى التعددية بوصفها ثروة سياسية، بل شذوذًا، أو عيبًا بنيويًا يجب تصحيحه مهما كلف الأمر. وهكذا يتوقف أكراد سوريا عن كونهم مواطنين يُقنَعُون، ليصبحوا «مشكلة» تُحل. بالقوة، إن اقتضى الأمر. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، الدعوة إلى التعايش مع الميليشيات أو الجماعات شبه الدولتية المسلحة. فمن الواضح أن ثمة أجندات موازية تسعى إلى زعزعة النظام السوري الجديد، سواء تحت تأثير إسرائيل، أو إيران، أو بقايا أتباع الأسد. وجميع الميليشيات، دون استثناء، ترتكب انتهاكات. غير أن شيئًا من ذلك لا يمكن أن يبرر الاعتداء على السكان المدنيين. فهذا، من حيث المبدأ، هو الحد الفاصل بين سلطة تسعى إلى استعادة الدولة، وسلطة ميليشياوية اعتباطية. من حيث المبدأ. ويجب أن يُقال الأمر بوضوح لا لبس فيه: إن سحق الغالبية السنية تحت بعث علوي، مع ما رافقه أحيانًا من غطاء منحته بعض الأقليات باسم تحالف هشّ ومضلّل، لن يُمحى بانتقام، ولو ضمني، ضد هذه الأقليات تحت راية الإسلاموية. فما يُبنى على الظلم والقمع لا يمكنه في نهاية المطاف إلا أن ينتج مزيدًا من الظلم والقمع. ولا يمكنه أن يؤسس لسلطة شرعية، ولا لهيبة حقيقية. وليس مفاجئًا، من جهة أخرى، أن يرضي هذا التوجه أنقرة. فالرئيس رجب طيب أردوغان يبدي ارتياحًا واضحًا إزاء سوريا تعيد بسط سيطرتها على أطرافها الكردية. إن التقاطع هنا شبه آلي: دولة سورية معاد تركيزها بالقسر تطمئن سلطة تركية مهووسة بكل أشكال الحكم الذاتي الكردي، من القامشلي إلى دياربكر. فالاصطفاف ليس أيديولوجيًا فحسب؛ إنه أمني أيضًا. وهنا تحديدًا يكمن خطره. لقد أظهر التاريخ السوري الحديث، بما لا يدع مجالًا للشك، إلى أين تقود مثل هذه الاختصارات. فنظام الأسد، الأب والابن معًا، دون أن ننسى «العمّ المسلّح»، لم يكف عن التشدق بالوحدة الوطنية، فيما كان يحكم عبر التفتيت، وبث الخوف، والعقاب الجماعي. أما «الاستقرار» الذي ادعاه، فلم يكن سوى صمت مفروض بالشبيحة، والدبابات، والتعذيب، والمعسكرات. كانت السجون، والاختفاءات القسرية، والمجازر، هي المصدر الوحيد لشرعية نظام بُني على كراهية عميقة لمجتمعه ومحيطه. وهنا يعود شبح رفعت الأسد بوصفه تحذيرًا. فهو يجسد تلك اللحظة التي يقنع فيها الحكم نفسه بأن العنف ليس ناجعًا فحسب، بل تأسيسيًا؛ حين تُختزل الدولة في جهازها القمعي، وتُختصر السيادة في القدرة على السحق. دفعت سوريا ثمن ذلك لعقود طويلة. وقد آن الأوان لكي يتوقف هذا المسار، من دون أن يغضّ ما يُسمى بـ«المجتمع الدولي» الطرف مرة أخرى. ومن هنا، تُوجَّه رسالة تحذير إلى أحمد الشرع، أقرب إلى تذكير فلسفي. فقد كتب فريدريش نيتشه أن من يحارب الوحوش عليه أن يحذر من أن يتحول إلى واحدٍ منها، وأن من يحدق طويلًا في الهاوية، ستحدق الهاوية فيه بدورها. إن حكم بلد مكسور كسوريا يعرّض صاحبه تحديدًا لهذا الدوار: الاعتقاد بأن الغاية تبرر الوسيلة. لكن النظام لا يمكنه أن يحل محل العدالة، كما لا يمكن انتزاع الوحدة بالرشاشات. إن تحويل سوريا إلى غولاغ جديد، إسلاميًا كان، أو قوميًّا عربيًا، أو مستعادًا من ردود الفعل البعثية، سيكون خيانة إضافية تُضاف إلى سلسلة خيانات التاريخ الحديث للبلاد. لم يُنتج الانصهار القسري يومًا دولًا قابلة للحياة. بل أنتج دولًا قلقة، مسكونة بهوامشها، مهووسة بأقلياتها. يكفي أن نتأمل أنقاض العالم العربي اليوم لإدراك ذلك. وفي هذا المشهد الكئيب، بعدٌ أخلاقي لا يمكن الالتفاف عليه. فمنذ عام 2011، قُتل وعُذّب ونُفي مئات الآلاف من السوريين لأنهم طالبوا بأمر في غاية البساطة: الكرامة. هؤلاء الثوار المدنيون، الذين سحقوا بين وحشية النظام والتطرف اللاحق، لم يطالبوا لا بالتقسيم ولا بالانتقام، بل بدولة حديثة، دولة قانون، تعترف بهم كمواطنين كاملين في أهليتهم السياسية. وموتهم ليس ضجيجًا خلفيًا يمكن تغطيته بخطابات جديدة عن النظام والسيادة. أشباحهم اليوم تسمع وترى. تراقب كل قرار يُتخذ باسمها، وكل تسوية تُعقد من دونها، وكل «استعادة» تنسى لماذا انتفض البلد أصلًا. لم تنهَر سوريا بسبب فائض من التعددية والحرية، بل بسبب نفيهما باسم إرهاب طغياني لنظام، وحزب، وأقلية، وعشيرة. قد يكون توحيد سوريا ضرورة تاريخية. لكن ثمة طريقتين لذلك. الأولى تكرار الآليات القديمة تحت رايات جديدة: مركزية عنيفة، إنكار للاختلافات، تحالفات تكتيكية مع قوى إقليمية على حساب الحقوق الداخلية. أما الثانية فهي أبطأ، وأكثر هشاشة، وأقل بهرجة. تمر بالحوار مع الأكراد، والدروز، والعلويين، والسنة، والمسيحيين؛ وبالاعتراف بمخاوفهم وحقوقهم؛ وببناء دولة تحمي قبل أن تُكره، وربما عبر صيغ إدارية داخلية جديدة، مضمونة دوليًا في وجه تدخل الأنظمة المجاورة باسم «الضرورات الاستراتيجية» و«المجالات الحيوية». في غيابه، قد يخدم رفعت الأسد أخيرًا غاية أخرى غير سفك دماء الآخرين. لعل زوال هذا الرمز للانحراف، كما تصفه أظلم كتب علم المسوخ، يذكّر بأن سوريا الجديدة لا تحتاج إلى جلادين جدد مقتنعين بأنهم يعملون من أجل خيرها، بل إلى قادة قادرين على مقاومة إغراء الهاوية. وليبقَ الوحوش في الماضي. ولعل التاريخ السوري يُكتب أخيرًا بغير حروف الدم.

لإيقاف السقوط
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
يناير 14, 2026 - 18:35

هل أصبحت الوقاحة محرّك التاريخ؟ من يتابع مسار الأحداث عن كثب قد يخلص، عن حق، إلى هذا الاستنتاج. فثمّة بالفعل شيء فاضح في الطريقة التي لا يزال بها العالم المعاصر يحتفي بمحاكاته الزائفة للنظام، في الوقت الذي تتهاوى فيه السدود كلها، بلا استثناء. نعم، الخطابات المتدفقة لا تزال حاضرة، والمؤسسات تتكاثر. لم تكن الخطب الكبرى يوماً بهذا القدر من الوفرة، لكنها باتت اليوم تطفو في فراغ مقلق، وتصدر صدى أجوف، حين لا تضيع في الكتلة غير المتشكلة من التضليل وتيمات الشعبوية والهويات القاتلة. وهكذا لا نزال نتحدث عن القانون، والسيادة، والشرعية، والأمن الجماعي، كما لو أننا نردد ألفاظاً مهترئة من ليتورجيا دنيوية عدميّة… في الوقت الذي نقبل فيه، وبقدر من الاستسلام، أن تعود العنف ليغدو متغيراً مقبولاً في مسار التاريخ. البنى التي وُلدت من أنقاض القرن العشرين، تلك التي سعت إلى احتواء القوة، وضبطها، وإخضاعها لحد أدنى من القواعد المشتركة، تُفكَّك اليوم بشكل منهجي. لا بفعل الجهل، بل نتيجة إرادة ميفيستوفيلية، مفترسة ومدمّرة. تُعتبر هذه البنى بطيئة أكثر من اللازم، أخلاقية أكثر من اللازم، مقيِّدة أكثر مما ينبغي لعالم يطالب مجدداً بالاستثناء الدائم، وبالسلطة المنفلتة، وبالهوية كتبرير أخير. إن النظام المنبثق من سان فرانسيسكو وبريتون وودز يُفرَّغ عمداً وبصورة منهجية من مضمونه، ليغدو مجرد ديكور دبلوماسي رخيص. وبالتالي، وقد تحررت من كل كوابحها، تتكاثر نداءات الإمبراطورية، بأشكال مختلفة لكنها متقاربة في الجوهر. لا يهم إن ارتدت لباس الأمة، أو الحضارة، أو الأمن، أو العقيدة: المنطق واحد. عالم مُجزّأ إلى مناطق نفوذ، حيث تُطبّق القاعدة على الآخرين، وحيث تصبح القوة لغة السياسة، وحيث يُختزل الإنسان إلى ضرر جانبي. تتلاشى الفوارق الإيديولوجية أمام قسوة واحدة مشتركة. وفي هذا الإطار، تتحول النزعة إلى التطرف إلى نبوءة تحقق ذاتها، تبرّر لكل فاعل سلوكه. أفعى تلتهم ذيلها، إلى أن لا يبقى شيء، لا منها ولا مما حولها. في مثل هذا المشهد، لا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن الشعوب لم تعد تُحسب كثيراً. خارج استطلاعات الرأي، يتم استدعاؤها، توظيفها، والتضحية بها في سبيل مشاريع أكبر منها. بعضها بشكل أوضح من غيره. إيران اليوم تجسّد هذا الانهيار الأخلاقي. مجتمع كامل، واعٍ، شجاع، غني ثقافياً، يواجه قمعاً عنيفاً، بارداً، متكرراً، يكاد يكون صناعياً. وفي المقابل، يراقب العالم، يعبّر عن سخط متقطع، ثم يساير، بهدوء. حذر دبلوماسي يتحول إلى ذريعة، وحسابات استراتيجية تطغى على أي مطلب أخلاقي. وكأن الحرية يمكن أن تنتظر، وكأن بعض الأرواح أقل قيمة من توازنات إقليمية أو مصالح طاقوية. غير أن ما يجري في طهران، كما في أوكرانيا أو غزة، يتجاوز نظاماً أو أزمة أو بلداً بعينه. إنه يعيد طرح مسألة معنى النظام الدولي ذاته. ما قيمة نظام لا يحمي من هم بأمسّ الحاجة إلى الحماية؟ ما معنى حكم القانون حين يتراجع بمجرد أن يصبح مكلفاً؟ متى يتوقف الكوني عن كونه مبدأ ليصبح خطاباً مشروطاً، خاضعاً لموازين القوى وأمزجة الأقوياء؟ كيف يمكن إعادة بناء نظام إنساني، تكون فيه الحرية مكوّناً جوهرياً للشخص الإنساني، من دون تحطيم ما هو مكسور أصلاً؟ هذه أسئلة قديمة قِدم العالم. لكنها في نظام بلا أي صمّامات أمان، تصبح ملحّة إلى حد الإلحاح المرضي. الحقيقة أننا ربما دخلنا تلك اللحظة المخيفة التي تستمر فيها الثقافة بإنتاج الأشكال والصور والخطابات، بينما تكفّ الحضارة عن الإيمان بما تقوله. نهاية ثقافة، على حد تعبير جورج شتاينر، ليست حتى الآن استعراضية – فالشر غالباً ما يتجلى في عاديّته – لكنها مع ذلك شاملة. التعب الأخلاقي يتعمق؛ المعايير تتلاشى؛ اللغة تُفرَّغ من معناها في سيل متواصل من الصور والشعارات والاستنكارات الانتقائية. العقل يتزعزع. هل هُزم، أم أعلن انسحابه لغياب من يدافع عنه؟ لا يهم. النتيجة واحدة. في هذا الفراغ المسكون بالوحوش – وما أطول هذا الليل الطويل من الفراغ – تتصلب الهويات، يتشرعن العنف، ويغدو الخوف أساس السياسة ومادتها. يعيد العالم اكتشاف ردود الفعل القديمة، برعب أو بفتور: الانغلاق، الكراهية، الافتتان بالرجال الأقوياء، وازدراء الحريات باسم الأمن. لم تنتج العولمة الكونية الموعودة، بل سرعت غالباً التفكك والذرّة وفقدان الرابط. في كل مكان، تعجز المجتمعات عن إنتاج مرجعيات مشتركة، من دونها لا ثقافة حية ولا تعايش ممكن. وإذا كانت نووية موازين القوى قد عادت إلى الواجهة، فإن نووية العلاقات الإنسانية والعقول قد تحققت بالفعل. لم يكن هناك توازن ردع. من واشنطن إلى موسكو، مروراً بتل أبيب وطهران وأنقرة، يسود إجماع على سباق تفتيت الإنسانية. أمام هذا الفشل الدولتي – الناتج في جزء كبير منه عن جماعيات تزداد نرجسية وريبة – تفرض نفسها مسؤولية جديدة، شاء من شاء وأبى من أبى: مسؤولية رأي عام عالمي عابر للحدود. لا جمهوراً عاطفياً، قطعاً لا. ولا أخلاقاً للزينة. بل وعياً قادراً على تجاوز الحدود، ورفض تراتبيات الشفقة الضمنية، وتسمية غير المقبول حيثما وُجد. رأياً عاماً لا يكتفي بالتعليق، بل يعيد الأمور إلى مستوى المسؤولية، والواقع، وأخلاق العلاقات الدولية. يذكّر بأن ليس كل شيء متساوياً، وبأن ليس كل شيء قابلاً للتفاوض. وبأن ثمة سلّم قيم ما زال يحكم مصير هذا الكوكب، حتى وإن كان يعاني ليجد موطئ قدم. أو أن البشر قرروا، اليوم، أنهم لا يريدون العيش معاً بسلام في فضاء واحد، وأن عليهم تدمير المبادئ التي تجمعهم باسم فروقاتهم الصغيرة وقلقهم الوجودي. قد يبدو هذا ضرباً من السذاجة. لكنه ليس طوباوية. وعلى أي حال، ما الذي تبقى لنخسره، قبل أن يتحول العالم بأسره، كما في مطلع القرن العشرين، إلى ساحة أنقاض هائلة، إلى مقبرة جماعية عملاقة؟ إن ابتكار نظام جديد لا يعني الحلم بعالم مسالم أو متصالح. بل يعني إعادة إدخال الحدود، وإعادة كلفة للعنف، والتأكيد من جديد أن كرامة الإنسان ليست خياراً، بل ضرورة حيوية. وهذا يتطلب صحوة حضارية، هشّة، صراعية، ناقصة، لكنها ضرورية. لا لوعد بالجنة، بل لمنع تطبيع الجحيم. وإلا فإن الكلفة الأخلاقية للصمت والتقاعس ستكون باهظة، على الجميع. السقوط في العنف ليس قدراً تاريخياً. إنه دائماً خيار. وكذلك النهضة.

نزع الخمينية
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
يناير 12, 2026 - 09:01

إنّ الصورة التي باتت أيقونية لتلك الشابة وهي تحرق صورة آية الله خامنئي لتشعل بها سيجارتها تقول الكثير، على المستوى الرمزي: إنّ الثيوقراطية الإيرانية قد ماتت ودُفنت. ولم يعد الأمر سوى مسألة وقت. صحيح أنّ السلطة الإيرانية لا تزال قادرة على القمع، والاعتقال، والتعذيب، والاغتصاب، والإعدام، والقتل الجماعي بلا حرج، كما فعلت بلا انقطاع منذ الحركة الخضراء عام 2008. لكنّ جدار الخوف قد انهار نهائياً هذه المرّة، وهو ما تؤكده، في حدّ ذاته، خسارة النظام السيطرة على بعض المدن، في سابقة لم تشهدها الجمهورية الإسلامية منذ قيامها. إنّ نظام الملالي يلفظ أنفاسه الأخيرة. فالسردية التي حملته منذ عام 1979 قد فرغت من مضمونها، والسلطة المنبثقة عنها لم تعد تقوم، منذ زمن، إلا على القسر والخوف والاستدعاء الآلي لماضٍ مؤسطَر لم يعد يؤمن به أحد تقريباً، باستثناء بعض أتباع قاسم سليماني في لبنان والعراق. وما يشهده العالم اليوم ليس سوى استنفاد نموذج سياسي توقّف عن إنتاج المعنى منذ عقود. لقد أصبحت المفارقة مباشرة وصدامية. فمن جهة، سلطة انغلقت بشكل لا رجعة فيه داخل منطق ديكتاتوري متفاقم، متجمّدة في لاهوت سياسي لم يعد سوى أداة وظيفية تُستخدم غطاءً لمنظومة فساد مقرونة برياء تزمتّي. انحراف مرفوع إلى عقيدة حكم. ومن جهة أخرى، مجتمع في حركة دائمة، تقوده فئة شابة لم تعد ترى نفسها وريثة لثورة، بل أسيرة لنظام. حيوية تسير إلى الأمام. فكلما أصبح العالم أكثر حداثة، وترابطاً، وانفتاحاً، ازداد انكفاء الجمهورية الإسلامية نحو قراءة سلطوية ومتقادمة للسياسة. وهذه الفئة الشابة، التي استُنزفت عقداً بعد عقد، وانتفاضة بعد انتفاضة، والتي قُدّمت باستمرار قرباناً على مذبح الثورة وتصديرها، باتت اليوم تطمح إلى شيء آخر. ولا شيء يمكنه كبح شهيتها للتقدّم. لقد أصبح الشرخ غير قابل للردم، ولم تعد كل النداءات إلى «الوحدة المقدسة للحفاظ على الإنجاز الثوري»، التي شكّلت طويلاً كلمة السرّ في بقاء النظام، كافية. فهذه «الوحدة» لم تعد تعمل كمبدأ أعلى يبرّر التضحيات المفروضة باسم الأمة أو الإسلام. وعندما تنفصل الوحدة عن الحرية، تتحوّل من عامل تماسك إلى أمرٍ فارغ، بل إلى عنف رمزي. ولم يعد المجتمع الإيراني مستعداً لتعليق تطلعاته إلى أجل غير مسمّى باسم نظام لا يضمن لا عدالة ولا كرامة ولا مستقبلاً. ومع ذلك، لا يزال النظام يتصرّف وكأنّ الثورة تمثّل مطلقاً غير قابل للنقاش. ويواصل إنكار الواقع الاجتماعي باسم أولوية الثورة، كما لو أنّ فعل 1979 التأسيسي كافٍ لإضفاء شرعية أبدية على السلطة. غير أنّ هذه الثورة، منذ زمن بعيد، تحوّلت، بفعل رفضها مواجهة الواقع، إلى عقيدة جامدة، ثم إلى جهاز هيمنة. وقد باتت القطيعة مكتملة، حتى وإن كان نظام أحاديّ مثل ذاك القائم في طهران عاجزاً بطبيعته عن إدراك ذلك. إنّ ما صنع القوة الأولى للخمينية لم يكن الوعد بنظام إسلامي بقدر ما كان فضح سلطة اعتُبرت غير شرعية بسبب تبعيتها للغرب. فقد وفّر تحالف الشاه مع القوى الغربية للثورة عدواً واضح المعالم، سمح بتجميع تيارات اجتماعية وأيديولوجية متباينة حول رفض مشترك. وهكذا قُدّمت الثورة آنذاك بوصفها استعادة للسيادة الوطنية، قبل أن يقرّر الخميني تحويلها إلى معسكر اعتقال واسع. لكنّ هذا المنطق لم يعد صالحاً. فالغرب لم يعد يشكّل نقطة الارتكاز الرمزية للصراع، كما جرى توظيفه عام 1979 لتوحيد الصفوف ضد النظام القمعي للشاه. فهو لا النموذج الذي يُحتذى، ولا العدو البنيوي. إنّ النظام الإيراني معطوب من دونه، وهو معطوب في ذاته. وإصراره على اتهام الغرب بالوقوف خلف الاحتجاجات الحالية ينطوي على خطأ مزدوج: فهو ينكر الاستقلالية السياسية لمجتمعه، ويكشف في الوقت نفسه، وبصورة مفارِقة، حجم إفلاسه الداخلي. بل إنه يسرّع سقوطه عبر إظهار قطيعة تامة مع الواقع، تماماً كما فعل الأسد عام 2011 في بدايات الثورة السورية. إنّ النظام الإيراني يواجه اليوم واقع إيران الجديد. واقع اسمه الحرية والحداثة، وإن لم يكن بالضرورة وفق النموذج الغربي، خلافاً لما يحاول النظام تصويره بفظاظة لإعادة إنتاج «وحدة» زائفة ضد المتظاهرين. يبدو أنّ خامنئي وأتباعه يتناسون أنّ تاريخ إيران أقدم بكثير من عام 1979، وأنّ فارس أعتى من أن تستنسخ نماذج جاهزة. فهي ستشق طريقها الخاص نحو الحداثة، بعيداً عن التزلّف الإجرامي والمنحطّ للملالي، وعن لعناتهم الساذجة. ثم إنّ تهمة «التواطؤ مع الغرب» لا تعزّز شرعية النظام، بل تساهم في تآكلها أكثر. فهي اعتراف ضمني بعجز السلطة عن إنتاج قبول داخلي، وبأنها لا تعيش إلا عبر اختراع أعداء وهميين للتغطية على انفصالها الجذري عن المجتمع الحقيقي. إنّ شيطنة الشباب، واتهامهم بالاستلاب أو التلاعب، ليست سوى إقرار غير مباشر بانقطاع الصلة بين الحاكم والمحكوم. والقطيعة هنا ليست سياسية فحسب، بل أخلاقية أيضاً. فقد ابتعدت السلطة الإيرانية منذ زمن طويل عن المبادئ التي كانت تؤسّس، في التقليد الفارسي كما في الفكر السياسي الكلاسيكي، لشرعية الحاكم: داد ودَهِش، أي العدالة والكرم. وبالابتعاد عنها، قوضت بالضرورة آباداني، أي الازدهار، وفقدت خِرَد، أي الحكمة. ومن هذا المنظور، فإنّ سلطة محرومة من العدالة والكرم والحكمة محكوم عليها، عاجلاً أم آجلاً، بالانهيار. لقد غرقت في تضخّم أناه إلى حدّ الجنون. ويجب أن تسقط. وبالفعل، أصبحت المبالغة قاعدة. فالقمع تحوّل إلى أسلوب حكم، والهوس الأمني حلّ محلّ أي رؤية سياسية. والعنف، حين يُمارَس بلا ضوابط، لا يدلّ على قوة بقدر ما يكشف عن خوف عميق: خوف نظام يدرك، مرة أخرى، أنّ سلطته لم تعد قائمة على القبول، بل على الجمود والإكراه. ولم يعد لـ ولاية الفقيه أي شرعية، خارج الدوائر الفاسدة أو العقائدية التي يحكمها، أو بعض الجماعات الشيعية العربية المُلقّنة في قلب الساتراپيات المنهارة في الشرق الأوسط. في هذا السياق، لم تعد الحرية، آزادي، مفهوماً تجريدياً. بل أصبحت ضرورة وجودية. وحين تغيب العدالة، لا تعود الثورة فوضى، بل تصبح فعلاً صحياً. لقد بلغ مستوى الظلم في إيران حداً لم يعد يسمح لمطلب النظام، الذي طالما قُدّم على حساب الحرية، بأن يواصل أداء دوره كمبدأ استقرار. فالنظام بلا عدالة لم يعد يُنظر إليه كحامٍ، بل كقوة قمعية، هشّة، ومختلّة. صحيح أنّ مسار نزع الخمينية لا يعني بالضرورة اختفاء كل مرجعية دينية من الفضاء العام الإيراني. لكنه يعني نهاية نموذج تدّعي فيه سلطة، عبر تسييس الدين، الحكم ضد المجتمع. وما ينهار اليوم، في العمق، هو اليوتوبيا الثورية نفسها. ففي ظل التراجع الاقتصادي، والمغامرات الإمبريالية المكلفة، والفساد البنيوي، والشمولية الأيديولوجية، فقد الإسلام السياسي، وقد تحوّل إلى مشروع هيمنة على الفرد والجماعة والمجتمع، قدرته على تلبية تطلعات مجتمع معقّد، متعلّم، ومتصل بالعالم. لم يعد ينتج تماسكاً، بل سخطاً. ولم يعد يبعث حلماً أو نشوة. لقد انحدر إلى أبسط صوره: مصّاص دماء قبيح يتغذّى من دم مجتمع باسم مشروع سلطة شخصية. إنّ هذا النوسفيراتو الجائع هو ولي الفقيه. وقد آن الأوان لأن يُلقى في مزبلة التاريخ. أو، والأجدر، أن يتلاشى دخاناً تحت أعين كابوسه الأكبر: ابتسامة النساء الإيرانيات المتظاهرات، الحرة والمتمرّدة، وقد تحرّرن من الحجاب.

هلسنكي بلا ضوابط
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
يناير 5, 2026 - 16:42

في صورة نيكولاس مادورو وهو يُقاد في نيويورك، لا كرئيس دولة بل كأنّه مجرم عادي، شيءٌ يعيد إلى الذاكرة مشهد فرسن جتريكس وقد سيقَ إلى روما غنيمة حرب أمام يوليوس قيصر، بعد حصار أليسيا. مشهد قديم، لكنه لا يزال يعمل بالمنطق نفسه: إذلال الخصم عبر تحويله إلى رمز مهزوم. لا معنى طبعًا للبكاء على ديكتاتور شعبوي حكم بلاده بالاستعراض والإنكار. ثم إن مادورو ليس لومومبا، ولا تشي غيفارا. لا يحمل مأساة كبرى ولا أسطورة تحرّر. هو مجرّد نتاج مألوف من نتاجات أميركا اللاتينية في لحظاتها القاتمة: شخصية ماركيثية بامتياز، خارجة من خريف البطريرك، حيث البهرجة تعوّض غياب الهيبة، وحيث السلطة تتحول إلى ظلّها. حضور بلا وزن. صورة بلا عمق. الرسالة الأميركية كانت واضحة. أراد دونالد ترامب أن يذكّر، مرة أخرى، بمن يمسك بمفاتيح الهيمنة. كما فعل جورج دبليو بوش قبل عشرين عامًا، حين أُغلقت صفحة صدام حسين بالمشنقة بعد حرب العراق. لكن ما يبدو، للوهلة الأولى، استعراض قوة، يكشف في العمق شيئًا آخر. ليس رسوخ الهيمنة، بل هشاشتها. ليس ثقة الإمبراطورية بنفسها، بل حاجتها إلى التذكير بذاتها. ما نشهده ليس تقدمًا في النظام الدولي، بل عودة غير معلنة إلى منطق قديم: منطق مجالات السيطرة. هذا المنطق ليس جديدًا. عرفه العالم في أوج الحرب الباردة، حين قُسّمت الخريطة بين قطبين، وتم تثبيت التوازن في اتفاقات هلسنكي عام 1975. يومها، لم يكن النظام عادلًا ولا أخلاقيًا، لكنه كان مقروءًا. كان يعرف حدوده. اليوم، المشهد مختلف. والفارق جوهري. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حاول النظام الدولي أن يعيد تعريف نفسه. تحدّث بلغة الكونية، ورفع شعارات القانون والديمقراطية وسيادة الشعوب. لكن هذه اللغة أخفت، في الواقع، تدخلًا انتقائيًا، يخضع لموازين القوة لا لمبادئ معلنة. النظام لم يكن عالميًا، بل أميركيًا. «فرطَ قوة»، كما وُصف آنذاك. خلال عقدين، ركّزت الولايات المتحدة على استهداف فاعلين خارج منطق الدولة: طالبان، أسامة بن لادن، البغدادي، قاسم سليماني. وحتى صدام حسين، الذي كان رئيس دولة، أُدرج في سردية استثنائية عن تهديد شامل ومنهجي. مع مادورو، يتغير الإطار. لا فاعل عابرًا للحدود هنا، ولا تهديدًا كونيًا. بل رئيس دولة في منصبه، داخل منطقة تعتبرها واشنطن منذ عقود امتدادًا طبيعيًا لنفوذها. الرسالة ليست أيديولوجية. هي جيوسياسية خالصة: هذا المجال لنا. هكذا يتشكّل، بصمت، ما يشبه «هلسنكي» جديدة، بلا مؤتمرات ولا توقيعات. قاعدة غير مكتوبة، لكنها فاعلة: كل قوة كبرى تضبط فضاءها الحيوي، شرط تجنّب الصدام المباشر مع القوى الأخرى. إسرائيل ترسم نظامها الأمني في الشرق الأوسط بالردع والضربات المحددة. تركيا توسّع هوامشها من سوريا إلى القوقاز. السعودية تقرأ أمنها بمنطق وجودي. الولايات المتحدة تعود إلى نصف الكرة الغربي بروح مونوية صريحة. روسيا تتحرك حيث ترى عمقها الاستراتيجي مهددًا، في أوكرانيا كما في سوريا سابقًا. الصين تعتبر تايوان خطًا أحمر لا يقبل التأويل. الهند وباكستان يعودان إلى صراعهما المزمن. وفي الخلفية، القرن الإفريقي، مسرح مفتوح للتجاذبات. العالم لم يعد يُدار بقواعد عامة، بل بموازين قوى محلية، متحركة، وهشة. لكن هنا تحديدًا تنهار مقارنة هلسنكي. في سبعينيات القرن الماضي، كان النظام ثنائي القطبية. خطوط التماس واضحة. الردع النووي، على خطورته، فرض منطقًا كابحًا. كل طرف يعرف ما لا يمكن تجاوزه. الخوف من الفناء المتبادل شكّل السقف الأعلى للصراع. التنافس كان موجودًا، لكن ضمن إطار من الضبط. اليوم، لم يعد هذا الإطار قائمًا. العالم متعدد الأقطاب، متشظّي. قوى متوسطة، فاعلون هجينون، ميليشيات، دول منهارة، تكنولوجيات قاطعة. السلاح النووي لم يختفِ، لكنه لم يعد ينظم النظام بأكمله. إلى جانبه، حروب طويلة، ضربات دقيقة، عمليات سرية، هجمات سيبرانية، وصراعات بالوكالة. لم تعد الردع لغة مشتركة. أما التنسيق، فغائب. أو مُفرغ من معناه. في هذا السياق، تبدو عودة «الشرطيات الإقليمية» مريحة للقوى الكبرى، لأنها تجعل العالم أكثر قابلية للقراءة من زاويتها. لكنها تجعل المناطق الرمادية أكثر هشاشة. دول لا تملك القدرة على فرض سيادتها، ولا تملك رفاهية أن تُترك وشأنها، تتحول إلى ساحات توتر دائم. الأخطر أن غياب إطار عالمي موثوق يفتح الباب أمام ما لم يكن ممكنًا سابقًا: خطأ في الحساب، تصعيد محلي، شرارة لا تجد من يحتويها. نظام يستدعي القواعد في الخطاب، لكنه لا يؤمن بها في الفعل. وهذا اسم آخر للفوضى. فوضى لا تحمل شيئًا «بنّاء». هلسنكي جمّدت العالم بالخوف من الإبادة المتبادلة. عالم اليوم يتحرك بلا شبكة أمان، مقتنعًا بأن القوة المحلية كافية لضبط كل شيء. لكنه يتجاهل حقيقة بسيطة: سياسة حافة الهاوية لا تلغي السقوط، بل تجعله احتمالًا دائمًا. ربما هذا هو نذير المرحلة المقبلة: نظام دولي أقل نفاقًا، لكنه أشد تقلبًا؛ أكثر صراحة في عنفه، لكنه بلا ضوابط. عالم يمارس فيه كل طرف الشرطة داخل حدوده، إلى أن تتداخل هذه الحدود من جديد، وتسقط. «رأيتُ المستقبل يا أخي، وهو قتل»، قال ليونارد كوهين بعد سقوط جدار برلين. لم يكن نبوءة شعرية، بل تشخيصًا مبكرًا. بين أحلام الحرية والديمقراطية، وكوابيس العنف المنفلت، المسافة غالبًا أقصر مما نحب أن نعتقد.

الحريات: روح الجمهورية
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
ديسمبر 30, 2025 - 16:17

يمكن أكتر مفهوم مستهلك بلبنان هو الحرّيّة، بس مع هيك هي لا رفاهيّة ولا شعار. هي شرط وجودنا نفسه؛ هالنَفَس الخفيف اللي خلّى هالبلد الغريب يضل واقف بين البحر والجبل، بين لغات وطقوس وذكريات وجروح. من دونها، ما بيبقى غير أرض مكسّرة، قبائل مسلّحة. ومعها، بصير لبنان مساحة—هشّة، مليانة صراعات، بس حيّة—بعدها بتحاول تجمع عوالم، بمحلّات تانية بالعالم، ما عادوا يشوفوا بعض. بس هالحرّيّة اليوم بخطر. من كل الجهات. من جهة، مهدَّدة من “أقليّات” حقيقيّة أو معلَنة عن حالها، باسم اعتراف مشروع، بتنجرّ لإنكار الآخر بالكامل: ثقافة الإلغاء، ملاحقة الكلمات، الأعمال، والاختلاف. التحرّر بيتحوّل لمحكمة دايمة، النقاش لمحاكم تفتيش، والنقد لتهمة تجديف. ومن الجهة التانية، الحرّيّة محاصَرة بالشعبيّات المتطرّفة، بالتعصّب، وبالقوميّات السلطويّة اللي أسماءها ترامب، بوتين، أوربان، وأشباههم المحلّيّين—رجال أقوياء من كرتون، بوعدوا بالنظام وبيزرعوا الخوف. مرض العصر مش بس صعود “الفاشيّات” وباقي الـ“إيزمات” المعجبة بحالها، ولا بس “انحلال الأخلاق”. المرض الحقيقي هو الدوغمائيّة بكل أشكالها. هو ادّعاء كل فريق إنّه يمثّل الحقيقة المطلقة، وإنّه يملك الوسط، وبيطلع برّا الإنسانيّة السياسيّة كل شي ما بيشبهه. هون، باسم الله، في قمع ومنع وتهديد. وهونيك، باسم التقدّم، في محو وإقصاء و”دي-بلاتفورمينغ”، وفي اختزال حياة كاملة بزَلّة كلمة. بالحالتين، الفعل واحد: تسكير المساحة المشتركة، طرد الشكّ، ومنع الخلاف الخلّاق. تقليد غيراردي بأبهى—وبأحطّ—صوره. لبنان مش محصَّن ضد هالوباء. بالعكس، هو مختبر إلو. عرفنا المكتب التاني، الميليشيات، الاحتلال الإسرائيلي والسوري، ظلّ إيران، الوصايات الظاهرة والمخبّاية. منعرف منيح ردّات الفعل الأمنيّة، الاستدعاءات على بوست، نكتة، أو رأي. منعرف شو يعني محكمة عسكريّة بتحاكم مدنيّين، وأجهزة بتفتّش بيت أستاذ متل ما بتفتّش بيت مجرم، ورقابة بتقرّر عن الكل شو مسموح ينشاف وينقرا وينسمع. ومع هيك، ولا واحد من هالأنظمة البوليسيّة—ولا حتى الوصاية السوريّة-الإيرانيّة بكل تشعّباتها—قدر يتجذّر كليًّا. لأنّ هالبلد، بتكوينه نفسه، بيقاوم الطغيان. ممكن يتحمّله، يتكيّف معه فترة، يسايرُه من تعب أو خوف، بس بالنهاية دايمًا بيشقّه، بيلفّ عليه، أو بيسخر منه. تنوّع لبنان الديني والثقافي والاجتماعي ما بينحبس بالكامل بجهاز واحد للسيطرة. هاي نقمتنا… وفرصتنا. عكس الخيال اللي دايمًا بيرجع بالخطاب الشعبي—“بدنا أتاتورك أو عبد الناصر ليَفرضوا العلمانيّة”، “بن سلمان ليحارب الفساد”، “أسد ليسحق الإسلام السياسي”، “شرع ليهذّب الأقليّات”، “بشير ليستعيد المسيحيّين”، “جنرال ليضبط الكل”—لبنان ما رح ينقذه رجل قوي. التجارب علّمتنا شو بيعملوا “الرؤساء الأقوياء” والزعماء الكاريزميّين: تعليق الدستور، إلغاء المحاسبة، عبادة الشخص، وبعدين انهيار كامل—أخلاقي، مؤسّساتي، وعمراني. مشكلة لبنان مش نقص قادة. مشكلته نقص مواطنين. لفترة طويلة، خلطنا بين الشرعيّة السياسيّة وعبادة الزعيم والطائفة والراية. وبحسب تعبير فيبر، بقينا عالقين بين شرعيّة تقليديّة للقبائل والجماعات، وشرعيّة كاريزميّة لـ“المنقذين”—أنصاف قدّيسين، جنرالات، أو أمراء حرب. وما كمّلنا الانتقال للشرعيّة الوحيدة اللي بتحرّر: الشرعيّة العقلانيّة-القانونيّة، شرعيّة الدولة والقانون والمؤسّسات والمسؤوليّة المشتركة. الحرّيّة مش إضافة أخلاقيّة بتجي بعد ما “يرجع النظام”. هي نقطة البداية. هي وجوديّة: بتكوّن الإنسان قبل أي انتماء. هيدا اللي قاله سبينوزا برغبة الكائن بالاستمرار بوجوده؛ واللي أكّده ميشال شيحا لما جعل الشخص والملكيّة ركائز لبنان المنفتح على العالم؛ واللي ذكّره البابا بنديكتوس السادس عشر بعبدا لما قال إنّ كرامة الإنسان بتفترض خيارات حرّة “مش تحت ضغط إكراه خارجي صرف”. وهيدا اللي ردّده لآخر نفس محمد مهدي شمس الدين، سمير قصير، جبران تويني، غسان تويني، هاني فحص، سمير فرنجية، نصرالله صفير، حسن رفاعي، وغيرهم كُثُر. من دون هالحرّيّة الأولى، ما في مواطَنة ولا مسؤوليّة ولا عدالة—بس غرائز قطيع، جموع بدائيّة، كلاب وذئاب. لهيك، الرقابة بلبنان أكتر من تجاوز: هي خيانة لرسالتنا. كل مرّة مجموعة بتفرض فيتو على حفلة أو فيلم أو مسرحيّة أو مقال؛ كل مرّة كنيسة أو حزب أو ميليشيا بتهدّد بالشارع لتركّع الدولة؛ كل مرّة جهاز أمني بيستدعي مواطن على كلمة أو رسمة أو سخرية—بينبتر جزء من الروح اللبنانيّة. عم نربّي على الخوف، ننتج رقابة ذاتيّة، ونحضّر للعنف. شوي شوي، عم ندمّر إمكانيّة نصير شعب مواطنين. عم نقتل روح هالبلد، فرادته الأساسيّة. الخيار قدّامنا، بعد قرن على ولادة لبنان الكبير، واضح وقاسي: يا منكمّل نحلم بليفياثان يحلّ خلافاتنا على حساب حرّيّاتنا؛ يا منقبل أخيرًا مخاطرة الديموقراطيّة. هالمخاطرة مش فوضى. هي تعلّم صعب للتعدديّة، لفصل السلطات، لمراقبة الأجهزة الأمنيّة، ولحطّ حدود لكل مقدّس—ديني أو هويّاتي—بس يحاول يصير رقيب. هي احترام الدستور وقواعد الـ jus cogens اللي بتأطّره. مرّة جديدة، لبنان ما بحاجة لطاغية مستنير جديد. بحاجة لرجال ونساء دولة بيحترقوا بخدمتهم مش ليستغلّوها؛ لقضاة بيحموا الحرّيّة كقاعدة مش كاستثناء مسموح؛ لجيش بيشوف حاله آخر خط دفاع عن الدستور، مش ذراع نظام أو عشيرة. وقبل كل شي، بحاجة لمواطنين محرَّرين من العبوديّة الطوعيّة، رافضين يسلّموا تفكيرهم لزعيم أو طائفة أو قوّة خارجيّة. هيدا بيتطلّب نتخطّى خوفنا من الآخر، ونثق فيه لنصنع سوا مستقبل مشترك قائم على ثقافة الرابط. الذاكرة والماضي مهمّين، بس ما فيهن يضلّوا جامدين؛ دورهم يتطوّر، مش يرجع لورا. بعالم عم تعلى فيه الجدران، وعم تحبسنا الخوارزميّات بقفص ذهني، وعم تتغذّى فيه التطرّفات من بعض لحدّ ما تطحن المعتدلين، لبنان بعده قادر يقدّم شي غير الخراب. قادر يرجع يكون اللي كان لازم يضلّه: مساحة لتجريب الحرّيّة، مختبر للعيش المشترك، ورهان خطِر على قدرة البشر يمدّوا إيدهم لبعض من دون ما يتنازلوا عن ذاتهم. هيدا مش يوتوبيا، بل فعل يومي من إرادة وحياة. بس هالرهان ما بينربح بالتعاويذ. بده قرارات واضحة: إلغاء الرقابة المسبقة؛ سحب أي صلاحيّة للمحاكم العسكريّة بمحاكمة المدنيّين؛ إخضاع الأجهزة الأمنيّة لرقابة مدنيّة حقيقيّة؛ تعليم التعدديّة والشكّ والمسؤوليّة من المدرسة؛ حماية حرّيّة التعبير لحدّ الفضيحة—خصوصًا لما تهزّ قناعاتنا الدينيّة أو السياسيّة أو الأخلاقيّة. قتل العبوديّة الداخليّة وعبادة الزعيم. ما في حدا كامل. ولا حدا فوق النقد. الكلّ معرّض للخطأ، من الجبّة للبدلة العسكريّة. الحرّيّة مش نزوة مثقّفين. هي آخر حدودنا قبل الفوضى. إذا لبنان تخلّى عن فرادته—هالمزيج المستحيل بين التعدديّة والحرّيّة—ما رح يبقى عنده شي يواجه فيه الإمبراطوريات اللي محيطته، ولا العقائد اللي ساكنته. بصير مجرّد قطعة إضافيّة على خريطة السيطرة، محبوس بالماضي متل بعوض محجور بالكهرمان من العصر الجوراسي، أو سكّان متجمّدين بحمم بومبي. بقايا زمن مضى، ميّتين بس بعد ملموسين، قبل ما يحملهم الغبار. إنّو نرجّع نأخذ الحرّيّة بجدّ، يعني نرجّع الروح للجمهوريّة—ويمكن نرجّع فرصة لتاريخنا المشترك. وهون، بالضبط، خلاصنا… فداءنا الحقيقي.

فلسطين: سلام رهينة التطرف
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
ديسمبر 26, 2025 - 13:56

خلافًا للاعتقاد الشائع، فإن القضية الفلسطينية ليست محاصرة في طريق مسدود بفعل حتمية تاريخية، ولا بفعل كراهية أزلية لا يمكن التوفيق بينها. بل يتم تحييدها بشكل منهجي من خلال تقارب مصالح بين متطرفين يتشاركون، بينما يتصارعون في سفك الدماء، هوسًا مشتركًا: منع ظهور حل سياسي قائم على الاعتراف المتبادل والحقوق المتساوية. على جانب واحد، قوة إسرائيلية أسيرة لمنطق أمني مطلق، تحولت على مر السنين إلى أيديولوجية حاكمة. وعلى الجانب الآخر، حركات إسلامية تزدهر على انهيار السياسة، وتقديس العنف، واختطاف القضية الفلسطينية لصالح أجندات إقليمية. في المنتصف، سكان محتجزون كرهائن، واحتمال للسلام يتم تخريبه عمدًا. يجب أن نبدأ من هذه النقطة: التطرف ليس السبب الرئيسي للصراع؛ بل هو عرض. فكما أظهر كبار المثقفين الفلسطينيين والعرب الذين ينتقدون القومية المنغلقة والإسلاموية المسلحة منذ فترة طويلة، يزدهر التطرف في المقام الأول على غياب أفق سياسي ذي مصداقية. حيثما تصبح السيادة مستحيلة، يصبح العنف اللغة البديلة. وقد تم القيام بعمل مماثل من قبل عقول مستنيرة في إسرائيل. ومع ذلك، لأكثر من عقدين، تمثلت استراتيجية اليمين الإسرائيلي المتشدد في إفراغ أي حل قائم على وجود دولتين من جوهره. ليس برفضه صراحةً—مما كان سيكلف ثمنًا دبلوماسيًا—ولكن بجعله غير ممكن ماديًا: نشاط استيطاني مستمر، وتفتيت إقليمي، وتدمير منهجي لأي استمرارية سياسية فلسطينية. لهذه الاستراتيجية نتيجة طبيعية، وهي إبقاء الفلسطينيين محاصرين في خيار ثنائي مميت: الخضوع بلا حقوق أو المقاومة بلا مستقبل. وفي كلتا الحالتين، تختفي الدولة الفلسطينية كمشروع حقيقي. ومعها، تختفي إمكانية قيادة سياسية معتدلة ومسؤولة، قادرة على الحكم والتفاوض والاستجابة لتطلعات شعبها بطرق أخرى غير تقديس التضحية. هنا تتجلى تناظر التطرفين، مستعيرين الأطر التي وضعها رينيه جيرار. لا تمثل الحركات الإسلامية الفلسطينية قطيعة مع هذا المنطق: إنها نتاجه، وبشكل متناقض، أحد أفضل حججه الواهية. من خلال تقديم نفسها كقوة المقاومة الوحيدة، تختطف القضية الفلسطينية، وتنزع الشرعية عن أي بديل سياسي، وتقدم للمعسكر الإسرائيلي الذريعة المثالية لمعادلة أي مطالبة وطنية فلسطينية بالإرهاب. تكمن المأساة الفلسطينية المعاصرة في هذا: كل معسكر متطرف يحتاج إلى الآخر للبقاء سياسيًا. أحدهما يبرر استمرار الاحتلال والسيطرة، والآخر يبرر استمرار الحرب باسم تحرير بلا معالم أو موعد نهائي. أما السلام، فيصبح العدو المشترك. في هذه القاعة من المرايا، تم القضاء على شخصيات السلام—الذين حاولوا تصور الاعتراف المتبادل كضرورة تاريخية، وليس تنازلًا أخلاقيًا—أو تهميشهم أو تشويه سمعتهم. لقد مهد الاغتيال السياسي والرمزي لهذا الجيل الطريق لحكم الخوف والاستياء والتطرف القائم على الهوية. ولكن ليكون واضحًا: السعي وراء هذا المنطق يؤدي إلى طريق مسدود استراتيجي كامل. لا يختفي شعب تحت الضغط العسكري، ولا تتلاشى هوية وطنية بمرسوم، ولا يمكن تأسيس أمن دائم على المحو المخطط للآخر. القضية الفلسطينية ليست مشكلة إنسانية تُدار، ولا هي شذوذ أمني يُحتوى. إنها مشكلة سياسية لم تُحل. وطالما تُعامل على هذا النحو، وتُسند إلى منطق القوة، فإنها حتمًا لن تُنتج إلا العنف، ودورات من التطرف، وانفجارات إقليمية. الخيار الوحيد ذو المصداقية يكمن في العودة إلى السياسة. هذا يعني الاعتراف بأن أمن إسرائيل لا يمكن أن يكون مستدامًا بدون سيادة فلسطينية، وأن السيادة الفلسطينية لا يمكن أن تظهر حرة من منطق الميليشيات، والوصاية الإقليمية، والمسيانية المسلحة. وهذا يعني خيارًا واضحًا: حل الدولتين، ليس كشعار دبلوماسي، بل كبنية سياسية ملموسة. دولة فلسطينية قابلة للحياة، متصلة، ذات سيادة، معترف بها دوليًا، بقيادة قوى سياسية قادرة على الحكم، والمساءلة، وكسر منطق الحرب الأبدية. هذا الخيار ليس تنازلًا للفلسطينيين على حساب إسرائيل. إنه شرط للبقاء السياسي لكلا الشعبين. البديل معروف جيدًا: إما نظام من عدم المساواة الهيكلي والسيطرة الدائمة والعنف المزمن، وهو ما يعادل اعترافًا متبادلًا غير كامل، وهش، ولكنه مفتوح، مما يشير إلى مستقبل ممكن. المسؤولية الدولية محورية هنا. التكرار الاستفزازي للقانون الدولي، بدون آليات ملزمة، أفرغ هذا القانون من مصداقيته. عدم الفعل ليس حيادًا: إنه شكل من أشكال التواطؤ السلبي مع منطق التطرف. أخيرًا، يجب أن نكسر الوهم الخطير بأن الوقت في صالح الوضع الراهن. تُظهر التجربة التاريخية العكس: كلما تجمد الصراع في الظلم، كلما ازداد تطرفه، وكلما امتد تأثيره، وكلما سمم بيئته الإقليمية والعالمية بأكملها. السلام ليس مثاليًا ساذجًا. إنه خيار سياسي شجاع، دائمًا ما يكون خيار الأقلية على المدى القصير، ولكنه الوحيد القادر على منع الانهيار العام على المدى الطويل. في فلسطين، كما في أي مكان آخر، يبدأ بحقيقة بسيطة: لا يمكن بناء مستقبل على إنكار الآخر. حل الدولتين، الذي أكدته مبادرة السلام العربية عام 2002، هو الإطار الوحيد غير السام للمستقبل، ليس فقط للشرق الأوسط ولكن للعالم بأسره، نظرًا لمدى عمق تداعيات الصراع في تأجيج الهويات والعواطف الدينية داخل كل مجتمع. لم يعد المنطق الذي اعتبر الصراع "في مكان آخر" جغرافيًا، وبالتالي يمكن التعامل معه كقضية سياسية أو دبلوماسية أو أمنية أو إنسانية منفصلة عن الخيارات الاستراتيجية الحيوية لأي بلد معين، صحيحًا. تعمل القضية الإسرائيلية الفلسطينية الآن كورم خبيث داخل الحدود الوطنية. هناك خطر حقيقي للانفجار، لم يعد محصورًا، كما في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، في الهجمات الإرهابية. إن بقاء وأمن عالم ينزلق هو نفسه بشكل متزايد نحو التطرف على المحك. طالما ظلت هذه الحقيقة غير معترف بها من قبل القادة المحاصرين في هذه التطرفات، ستبقى المنطقة محتجزة في حرب لا نهاية لها، وسيتأثر العالم بأسره بعواقبها، كما أظهرت المذبحة الأخيرة في بوندي بيتش بسيدني. إن اتفاقيات السلام المفروضة على الدولة الإسرائيلية لن تحل المشكلة الأساسية. لا يضمن النار وسفك الدماء سلامًا دائمًا. بل على العكس، إنهما يغذيان فقط استمرارًا لا نهاية له للصراع. لقد حان الوقت لكسر دائرة العنف واتخاذ خطوات تأسيسية نحو السلام. لقد اتخذت خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، طال انتظارها لعقود، على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 22 سبتمبر 2025. ولكن يجب أن تتبعها إجراءات ملموسة، وهو ما يعني قطع نفوذ إيران في المنطقة بشكل نهائي، ولكن أيضًا—وهذه هي جوهر المسألة الحقيقية—التوقف عن اعتبار إسرائيل دولة مميزة، فوق القانون الدولي، تتمتع بإفلات تام من العقاب في تحدٍ لجميع الاتفاقيات والمبادئ العامة، وتمتلك ادعاء خياليًا بـ "أرض موعودة"، وتمارس سلطة الحياة والموت على الفلسطينيين. يجب اتخاذ خيار تاريخي واستراتيجي ضد الكراهية وثقافة الإقصاء والموت. لقد حان الوقت لاتخاذ هذا الخيار، حتى لو بعد فوات الأوان بـ 77 عامًا. لقد دفع مئات الآلاف من الأرواح في المنطقة وعبر العالم بالفعل ثمن هذا الصراع. يجب أن يتوقف هذا سفك الدماء غير الضروري قبل أن يبتلع الجميع. أليس من خلال أعمال السلام الحقيقية، بعيدًا عن الجوائز والزينة، يتم تأكيد القيادة العالمية الحقيقية؟