شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ألف هضبة

هلسنكي بلا ضوابط

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر يناير 5, 2026 - 16:42

في صورة نيكولاس مادورو وهو يُقاد في نيويورك، لا كرئيس دولة بل كأنّه مجرم عادي، شيءٌ يعيد إلى الذاكرة مشهد فرسن جتريكس وقد سيقَ إلى روما غنيمة حرب أمام يوليوس قيصر، بعد حصار أليسيا. مشهد قديم، لكنه لا يزال يعمل بالمنطق نفسه: إذلال الخصم عبر تحويله إلى رمز مهزوم.

لا معنى طبعًا للبكاء على ديكتاتور شعبوي حكم بلاده بالاستعراض والإنكار. ثم إن مادورو ليس لومومبا، ولا تشي غيفارا. لا يحمل مأساة كبرى ولا أسطورة تحرّر. هو مجرّد نتاج مألوف من نتاجات أميركا اللاتينية في لحظاتها القاتمة: شخصية ماركيثية بامتياز، خارجة من خريف البطريرك، حيث البهرجة تعوّض غياب الهيبة، وحيث السلطة تتحول إلى ظلّها. حضور بلا وزن. صورة بلا عمق.

الرسالة الأميركية كانت واضحة. أراد دونالد ترامب أن يذكّر، مرة أخرى، بمن يمسك بمفاتيح الهيمنة. كما فعل جورج دبليو بوش قبل عشرين عامًا، حين أُغلقت صفحة صدام حسين بالمشنقة بعد حرب العراق. لكن ما يبدو، للوهلة الأولى، استعراض قوة، يكشف في العمق شيئًا آخر. ليس رسوخ الهيمنة، بل هشاشتها. ليس ثقة الإمبراطورية بنفسها، بل حاجتها إلى التذكير بذاتها. ما نشهده ليس تقدمًا في النظام الدولي، بل عودة غير معلنة إلى منطق قديم: منطق مجالات السيطرة.

هذا المنطق ليس جديدًا. عرفه العالم في أوج الحرب الباردة، حين قُسّمت الخريطة بين قطبين، وتم تثبيت التوازن في اتفاقات هلسنكي عام 1975. يومها، لم يكن النظام عادلًا ولا أخلاقيًا، لكنه كان مقروءًا. كان يعرف حدوده.

اليوم، المشهد مختلف. والفارق جوهري.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حاول النظام الدولي أن يعيد تعريف نفسه. تحدّث بلغة الكونية، ورفع شعارات القانون والديمقراطية وسيادة الشعوب. لكن هذه اللغة أخفت، في الواقع، تدخلًا انتقائيًا، يخضع لموازين القوة لا لمبادئ معلنة. النظام لم يكن عالميًا، بل أميركيًا. «فرطَ قوة»، كما وُصف آنذاك.

خلال عقدين، ركّزت الولايات المتحدة على استهداف فاعلين خارج منطق الدولة: طالبان، أسامة بن لادن، البغدادي، قاسم سليماني. وحتى صدام حسين، الذي كان رئيس دولة، أُدرج في سردية استثنائية عن تهديد شامل ومنهجي.

مع مادورو، يتغير الإطار. لا فاعل عابرًا للحدود هنا، ولا تهديدًا كونيًا. بل رئيس دولة في منصبه، داخل منطقة تعتبرها واشنطن منذ عقود امتدادًا طبيعيًا لنفوذها. الرسالة ليست أيديولوجية. هي جيوسياسية خالصة: هذا المجال لنا.

هكذا يتشكّل، بصمت، ما يشبه «هلسنكي» جديدة، بلا مؤتمرات ولا توقيعات. قاعدة غير مكتوبة، لكنها فاعلة: كل قوة كبرى تضبط فضاءها الحيوي، شرط تجنّب الصدام المباشر مع القوى الأخرى.

إسرائيل ترسم نظامها الأمني في الشرق الأوسط بالردع والضربات المحددة. تركيا توسّع هوامشها من سوريا إلى القوقاز. السعودية تقرأ أمنها بمنطق وجودي. الولايات المتحدة تعود إلى نصف الكرة الغربي بروح مونوية صريحة. روسيا تتحرك حيث ترى عمقها الاستراتيجي مهددًا، في أوكرانيا كما في سوريا سابقًا. الصين تعتبر تايوان خطًا أحمر لا يقبل التأويل. الهند وباكستان يعودان إلى صراعهما المزمن. وفي الخلفية، القرن الإفريقي، مسرح مفتوح للتجاذبات.

العالم لم يعد يُدار بقواعد عامة، بل بموازين قوى محلية، متحركة، وهشة.

لكن هنا تحديدًا تنهار مقارنة هلسنكي.

في سبعينيات القرن الماضي، كان النظام ثنائي القطبية. خطوط التماس واضحة. الردع النووي، على خطورته، فرض منطقًا كابحًا. كل طرف يعرف ما لا يمكن تجاوزه. الخوف من الفناء المتبادل شكّل السقف الأعلى للصراع. التنافس كان موجودًا، لكن ضمن إطار من الضبط.

اليوم، لم يعد هذا الإطار قائمًا.

العالم متعدد الأقطاب، متشظّي. قوى متوسطة، فاعلون هجينون، ميليشيات، دول منهارة، تكنولوجيات قاطعة. السلاح النووي لم يختفِ، لكنه لم يعد ينظم النظام بأكمله. إلى جانبه، حروب طويلة، ضربات دقيقة، عمليات سرية، هجمات سيبرانية، وصراعات بالوكالة. لم تعد الردع لغة مشتركة. أما التنسيق، فغائب. أو مُفرغ من معناه.

في هذا السياق، تبدو عودة «الشرطيات الإقليمية» مريحة للقوى الكبرى، لأنها تجعل العالم أكثر قابلية للقراءة من زاويتها. لكنها تجعل المناطق الرمادية أكثر هشاشة. دول لا تملك القدرة على فرض سيادتها، ولا تملك رفاهية أن تُترك وشأنها، تتحول إلى ساحات توتر دائم.

الأخطر أن غياب إطار عالمي موثوق يفتح الباب أمام ما لم يكن ممكنًا سابقًا: خطأ في الحساب، تصعيد محلي، شرارة لا تجد من يحتويها. نظام يستدعي القواعد في الخطاب، لكنه لا يؤمن بها في الفعل. وهذا اسم آخر للفوضى. فوضى لا تحمل شيئًا «بنّاء».

هلسنكي جمّدت العالم بالخوف من الإبادة المتبادلة. عالم اليوم يتحرك بلا شبكة أمان، مقتنعًا بأن القوة المحلية كافية لضبط كل شيء. لكنه يتجاهل حقيقة بسيطة: سياسة حافة الهاوية لا تلغي السقوط، بل تجعله احتمالًا دائمًا.

ربما هذا هو نذير المرحلة المقبلة: نظام دولي أقل نفاقًا، لكنه أشد تقلبًا؛ أكثر صراحة في عنفه، لكنه بلا ضوابط. عالم يمارس فيه كل طرف الشرطة داخل حدوده، إلى أن تتداخل هذه الحدود من جديد، وتسقط.

«رأيتُ المستقبل يا أخي، وهو قتل»، قال ليونارد كوهين بعد سقوط جدار برلين. لم يكن نبوءة شعرية، بل تشخيصًا مبكرًا. بين أحلام الحرية والديمقراطية، وكوابيس العنف المنفلت، المسافة غالبًا أقصر مما نحب أن نعتقد.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل