
يكاد المرء يعتقد أن لبنان لم يعش إلا على إيقاع العواصم الأجنبية: كانت هناك المرحلة المصرية في عهد جمال عبد الناصر، ثم المرحلة الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، ثم المرحلة السورية في ظل السلالة الجمهورية لعائلة الأسد، وبالطبع المرحلة الإيرانية عندما أمسك حزب الله بمفاصل القرار عبر وكلاء. وما يميز الواقع اللبناني أنه كلما خفّ نفوذ نظام عربي أو أجنبي أو تلاشى، سارعت هيمنة نظام آخر إلى الحلول مكانه. وكأن الأمر بديهي، فـ«الطبيعة تأبى الفراغ»، وسياسيونا لا يريدون التخلي عن منطق التبعية. إنها لعنة وقدر! ومن مرحلة إلى أخرى، كانت طبيعة هذه الهيمنة تختلف بين قدر أكبر أو أقل من الإكراه، إذ ثمة فرق شاسع، ليس في الدرجة فحسب بل في الجوهر أيضاً، بين احتلال عسكري أو إخضاع سياسي من جهة، وبين مجرد تنسيق دبلوماسي من جهة أخرى. فالمؤشر قد يرتفع أو ينخفض تبعاً للظروف والمفاجآت والتقلبات. لكن، رغم تبدّل الأحوال، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها: لقد اضطر بلدنا الصغير، وسيضطر للأسف، إلى التكيف مع أوضاع غير مريحة والخضوع لإرادة دول أكبر منه وأكثر قوة. فهل كان لبنان، الذي فرضت عليه الجغرافيا والتاريخ نوعاً من «الفنلدة»، قادراً أصلاً على أن يطمح إلى مكانة تتجاوز موقع الدولة التابعة أو الدولة العميلة؟










