Levant Time logo

Articles

News feature image
تكريم
Author portrait
By ميشال حاجي جورجيو
Published سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
Author portrait
By منى فياض - Published سبتمبر 5, 2026 - 20:01
News feature image
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
Author portrait
By يوسف معوض - Published سبتمبر 5, 2026 - 13:25
News feature image
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
More Articles
Sort By: NewestOldest
 العاصفة المثالية
By
جاك مشعلاني
Published

لا تحدث الأزمات الاقتصادية الكبرى أبدًا تقريبًا دون سابق إنذار. قبل وقت طويل من انهيار الأسواق أو انكماش الاقتصادات، تتراكم إشارات التحذير بهدوء تحت السطح: تتفاقم التجاوزات المالية، وتتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتتسارع الابتكارات التكنولوجية، وتصبح بنية الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة. على مدى عدة سنوات، كانت العديد من هذه الإشارات مرئية في جميع أنحاء العالم. وصلت أسواق الأسهم إلى مستويات تقييم تاريخية عالية. بلغ الدين العام مستويات غير مسبوقة. يحول الذكاء الاصطناعي الصناعات بسرعة مذهلة. وبدأت التوترات الجيوسياسية في تعطيل بعض من أكثر الشرايين حيوية للتجارة والطاقة العالمية. إذا أخذنا كل تطور على حدة، فسيكون قابلاً للإدارة. لكن اليوم، تحدث في وقت واحد . عبر الأسواق المالية، والجيوسياسية، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد العالمية، بدأت سلسلة من القوى الهيكلية القوية في التقارب. معًا، بدأت تشكل ما قد يشبه بشكل متزايد عاصفة مثالية للاقتصاد العالمي . أسواق مالية هشة تختلف الأسواق المالية الحديثة اختلافًا عميقًا عن تلك التي كانت في العقود السابقة. لقد أدى التوسع السريع في الإدارة السلبية، وانتشار منصات التداول عبر الإنترنت، وهيمنة التداول الخوارزمي إلى تغيير ديناميكيات السوق بشكل عميق. عندما تتدفق تريليونات الدولارات تلقائيًا نحو المؤشرات العالمية بدلاً من الشركات الفردية، يضعف اكتشاف الأسعار. لم يعد رأس المال يخصص بشكل أساسي بناءً على أساسيات الشركات، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على تكوين المؤشرات وتدفقات الزخم. لقد أدى ذلك إلى خلق حلقات ردود فعل قوية. تجذب الشركات الكبرى أكبر تدفقات رأس المال، مما يدفع بتقييماتها إلى الارتفاع. وتؤدي التقييمات الأعلى إلى زيادة وزنها في المؤشرات العالمية، مما يجذب المزيد من رأس المال. والنتيجة هي تركيز غير عادي للمخاطر ضمن مجموعة صغيرة من الشركات التكنولوجية متعددة الجنسيات التي تهيمن الآن على أداء أسواق الأسهم العالمية. يظهر التاريخ أن مثل هذه التركيزات نادرًا ما تنتهي بشكل تدريجي. عندما يتغير شعور السوق، يكون التكيف غالبًا وحشيًا. يتحول إلى إعادة تقييم عنيفة لأسعار الأصول . طفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي يرتبط التسارع الأخير في أسواق الأسهم العالمية ارتباطًا وثيقًا بالانفجار الاستثنائي في الاستثمارات في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. في جميع أنحاء العالم، أطلقت شركات التكنولوجيا والحكومات برامج إنفاق ضخمة لبناء مراكز البيانات، وقدرات تصنيع أشباه الموصلات، والبنية التحتية للطاقة، ومجموعات الحوسبة عالية الأداء. حجم دورة الاستثمار التكنولوجي هذه غير مسبوق. ومع ذلك، يشير التاريخ إلى أن موجات الابتكار التكنولوجي الكبرى غالبًا ما تحمل بذور تصحيحها الخاص. لقد اتبعت التوسعات السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، وبنى الاتصالات في فقاعة الإنترنت في أواخر التسعينيات، أو مؤخرًا الاستثمارات في الطاقة المتجددة، مسارات مماثلة: استثمارات سريعة، منافسة شديدة، وفي النهاية، طاقات فائضة . تظهر العلامات الأولى اليوم أن دورة الاستثمار الحالية في الذكاء الاصطناعي قد تقترب من نقطة تحول مماثلة. عندما تنعكس هذه الدورات، يمكن للأسواق التي تم تقييمها على افتراض النمو غير المنقطع أن تتكيف بسرعة. اقتصاد عالمي يعتمد على أسعار الأصول على مدار العقدين الماضيين، أصبح الاقتصاد العالمي يعتمد بشكل متزايد على ارتفاع أسعار الأصول المالية. في العديد من الاقتصادات المتقدمة، يتأثر استهلاك الأسر وثقة الشركات بشدة بالثروة المتصورة الناتجة عن ارتفاع أسواق الأسهم وأسعار العقارات. هذه الديناميكية، التي يشار إليها غالبًا باسم تأثير الثروة ، أصبحت محركًا رئيسيًا للنشاط الاقتصادي. ومع ذلك، تعمل هذه الآلية في اتجاهين. عندما تنخفض أسعار الأصول بشكل حاد، تتدهور الثقة وتنكمش الإنفاق. في اقتصاد عالمي شديد الترابط، يمكن أن تنتشر مثل هذه الصدمات بسرعة عبر الحدود. الذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل في الوقت نفسه، بدأ الذكاء الاصطناعي الذي غذى تفاؤل الأسواق المالية في تغيير أسواق العمل على مستوى العالم. على عكس موجات الأتمتة السابقة، أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة بشكل متزايد على أداء المهام المرتبطة تقليديًا بالمهن الماهرة في القطاع الخدمي: التحليل، والبرمجة، والبحث، والترجمة، أو إنشاء المحتوى. بينما يؤدي الابتكار التكنولوجي في النهاية إلى خلق أشكال جديدة من الوظائف، يمكن أن تكون فترة الانتقال مزعجة للغاية. يمكن أن تتعرض قطاعات كاملة من سوق العمل للاضطراب في وقت واحد. لذلك، فإن مفارقة اللحظة التكنولوجية الحالية لافتة للنظر: تتعايش الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مع المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل العمل . ارتفاع الديون والهشاشة المالية تكمن نقطة ضعف هيكلية أخرى في التراكم السريع للديون العامة في العديد من الاقتصادات الكبرى. في السنوات التي تلت الأزمة المالية العالمية ووباء كوفيد-19، استخدمت الحكومات الإنفاق العام على نطاق واسع لدعم النمو. نتيجة لذلك، وصلت مستويات الديون السيادية إلى مستويات تاريخية في العديد من الاقتصادات المتقدمة. في الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة تكلفة خدمة هذا الدين. بالنسبة للحكومات التي تواجه بالفعل عجزًا كبيرًا، يمكن أن تحد زيادة تكاليف الاقتراض بشكل كبير من هامش مناورتها المالي. تخلق هذه الديناميكية توازنًا دقيقًا بشكل متزايد بين الحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والحاجة إلى الحفاظ على المصداقية المالية. الحرب والنظام العالمي للطاقة تضيف التوترات الجيوسياسية طبقة جديدة من عدم اليقين. للصراع الجاري حاليًا في الشرق الأوسط آثار تتجاوز المنطقة بكثير. يظل الخليج أحد أهم النقاط المحورية في نظام الطاقة العالمي. يمكن أن تؤثر الاضطرابات في البنية التحتية للطاقة، أو طرق الشحن، أو قدرات التكرير بسرعة على الإمدادات العالمية. توضح الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز هذه الهشاشة. يمر حوالي خُمس شحنات النفط العالمية عبر هذا الممر البحري الضيق. أي اضطراب طويل الأمد يمكن أن يكون له عواقب فورية على أسواق الطاقة العالمية. ولأن أسعار الطاقة تؤثر على النقل والزراعة والصناعة، فإن الآثار الاقتصادية ستمتد إلى ما هو أبعد من قطاع النفط وحده. عودة التضخم بعد عدة سنوات من تباطؤ التضخم في معظم أنحاء العالم، بدأت ضغوط جديدة في الظهور. تشير اضطرابات الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، وتجزئة شبكات التجارة العالمية، والتحولات الهيكلية في سوق العمل، كلها إلى إمكانية عودة الضغوط التضخمية. يخلق هذا تحديًا معقدًا للبنوك المركزية. إذا تسارع التضخم بينما يتباطأ النمو الاقتصادي، قد تواجه السلطات النقدية مزيجًا صعبًا من التضخم والركود - وهو سيناريو يذكر بحلقات الركود التضخمي في السبعينيات. الديون الخاصة والمخاطر المالية الخفية بعيدًا عن الأسواق العامة، ظهر ضعف آخر في قطاع الائتمان الخاص المتوسع بسرعة. على مدار العقد الماضي، تحولت أنشطة الإقراض تدريجيًا من البنوك التقليدية إلى صناديق الديون الخاصة ومقرضين بديلين. أصبح هذا السوق نظامًا بيئيًا تبلغ قيمته عدة تريليونات من الدولارات يمول الشركات المثقلة بالديون غالبًا. طالما ظلت الظروف الاقتصادية مواتية، تظل هذه المخاطر غير مرئية إلى حد كبير. لكن عندما تشتد الظروف المالية، غالبًا ما تكشف العلامات الأولى للضائقة عن نقاط ضعف هيكلية أعمق. في الأسواق المالية، تقول حكمة قديمة إن الصراصير لا تظهر أبدًا وحدها . وبالتالي، يمكن أن تشير التخلفات الأولية في الائتمان الخاص إلى توترات أوسع في القطاعات المثقلة بالديون من الاقتصاد. العقارات والهشاشة المصرفية مصدر آخر للقلق هو أسواق العقارات التجارية. في العديد من البلدان، يمارس مزيج من ارتفاع أسعار الفائدة، وتغير أنماط العمل، وانخفاض تقييمات العقارات، ضغطًا متزايدًا على المطورين والمقرضين. قد تشهد البنوك المعرضة بشدة للعقارات التجارية ارتفاعًا في المخاطر على ميزانياتها العمومية إذا تدهورت ظروف إعادة التمويل. ولأن المؤسسات المالية تظل في قلب عمل الاقتصاد العالمي، يمكن أن تنتشر التوترات في قطاع العقارات بسرعة إلى النظام المالي بأكمله. وهم السيولة ربما تكون المخاطرة الأكثر استهانة في النظام المالي الحديث هي الافتراض السائد بأن السيولة ستكون متاحة دائمًا. لسنوات، اعتاد المستثمرون على أسواق حيث يبدو أن الأصول يمكن شراؤها أو بيعها على الفور. ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من هذه السيولة مشروط. تعد العديد من أدوات الاستثمار بالسيولة قصيرة الأجل بينما تحتفظ بأصول أساسية نادرًا ما يتم تداولها: قروض الشركات، أو الأصول العقارية، أو أدوات الدين المعقدة. طالما فاقت تدفقات رأس المال الخارجة، فإن النظام يعمل بسلاسة. ولكن عندما يسعى المستثمرون في وقت واحد إلى تقليل مراكزهم، يمكن أن تختفي السيولة بسرعة كبيرة. يظهر التاريخ أن الأزمات المالية غالبًا ما تحدث ليس بسبب الإفلاس وحده، ولكن بسبب اختفاء السيولة المفاجئ . عندما تندلع العاصفة نادرًا ما تظهر العواصف الاقتصادية من سبب واحد. تتشكل عندما تبدأ عدة نقاط ضعف في التفاعل وتعزيز بعضها البعض حتى يصل النظام إلى نقطة تحول. اليوم، العديد من نقاط الضعف هذه مرئية بالفعل. لا تزال الأسواق المالية تحت الضغط بعد سنوات من السياسات النقدية الميسرة بشكل استثنائي. تغير الاضطرابات التكنولوجية الصناعات وأسواق العمل في وقت واحد. وصلت مستويات الدين العام إلى مستويات تاريخية في معظم أنحاء العالم. تهدد التوترات الجيوسياسية طرق الطاقة والتجارة الحيوية. وتظهر تحت السطح نقاط ضعف في أسواق الائتمان الخاص، والعقارات، وهيكل السيولة للنظام المالي العالمي. إذا أخذت هذه العوامل بمعزل عن بعضها البعض، يمكن استيعابها. لكن عندما تتقارب، يمكن أن تحول عدم الاستقرار إلى أزمة. دخل الاقتصاد العالمي فترة انتقال عميق - فترة تتكشف فيها الثورة التكنولوجية والتنافسات الجيوسياسية والهشاشات المالية في وقت واحد. لا تتشكل العواصف بين عشية وضحاها. إنها تتراكم ببطء، عندما تلتقي أنظمة الضغط في الأفق. اليوم، تتجمع الغيوم فوق المشهد الاقتصادي العالمي. والسؤال الذي يواجهه صانعو القرار والمستثمرون والمجتمعات لم يعد يتعلق بما إذا كانت الاضطرابات قادمة. بل يتعلق بمدى عنف العاصفة عندما تندلع.

أسبوع جديد من التطورات ذات الأهمية الاستراتيجية

إن وفاة الرجل القوي في النظام الإيراني، علي لاريجاني، يوم الثلاثاء 17 مارس، ووفاة العديد من كبار المسؤولين والقادة في الحرس الثوري والباسيج، لم تقلل من تورط هذا النظام في الصراع، حيث أطلق للتو صواريخ باليستية لأول مرة خارج الشرق الأوسط، باتجاه دييغو غارسيا، على بعد 4000 كيلومتر، واستهدف ديمونا، جنوب إسرائيل مساء السبت. في لبنان، تدور المعارك على الجبهة الجنوبية. كان الأسبوع الثالث من المواجهة بين الجيشين الأمريكي والإسرائيلي القويين من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، غنيًا بالتحولات كما كانت أسابيعه السابقة، وحالة النظام الإيراني الآن هشة أكثر من أي وقت مضى، حتى لو ظلت قوته الضاربة لا يستهان بها. لقد فقد النظام بالفعل هذا الأسبوع، وتحديداً في 17 مارس، شخصيته المركزية الرئيسية، منذ اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير الماضي، ممثلة في رئيس أمنه القوي علي لاريجاني، وهو أحد أكثر الشخصيات السياسية الإيرانية خبرة، ويعتبر الرجل القوي في النظام. قُتل الأخير في غارة إسرائيلية استهدفت شقة في طهران حيث كان قد وصل لتوه، بصحبة ابنه وعدد من كوادر النظام. أعقب هذا الاغتيال المستهدف اغتيال كوادر أخرى من الحرس الثوري والباسيج، الشرطة القمعية تحت إشراف الحرس الثوري. لقد أثارت وفاة لاريجاني، الذي كان يمسك بزمام السلطة منذ اختفاء المرشد الأعلى، العديد من علامات الاستفهام حول القيادة الحالية للنظام، خاصة وأن خليفة علي خامنئي، الذي ليس سوى ابنه مجتبى خامنئي، لم يظهر علناً بعد ولا يزال مصيره مجهولاً. أُصيب المرشد الأعلى الجديد في نفس الضربة التي قتلت والده، والعديد من أفراد عائلته، وحوالي أربعين من كبار مسؤولي النظام، ويُزعم أنه لا يزال على قيد الحياة، وفقاً لتقرير للمخابرات الأمريكية نُشر في وسائل إعلام دولية هذا الأسبوع. أصدر المرشد الأعلى الجديد رسالة ثانية يوم الجمعة، رفع فيها اللهجة وأكد أن «العدو قد هُزم». عسكرياً، تواصل إيران إظهار قدرات لا يستهان بها رغم الدمار على أراضيها، مع هجمات غير مسبوقة في نهاية الأسبوع، تشكل نقطة تحول في الحرب. فقد أُطلِق صاروخان باليستيان متوسطا المدى نحو القاعدة الأمريكية البريطانية في دييغو غارسيا، على جزيرة في المحيط الهندي تبعد أكثر من 4000 كيلومتر عن الأراضي الإيرانية، ومنها تنطلق الطائرات المقاتلة في مهام إلى إيران. أكد رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن هذا الإطلاق يظهر قدرة الإيرانيين على تهديد العواصم الأوروبية. التهديد العسكري الجديد الآخر الذي ظهر هذا الأسبوع يشمل المنشآت النووية: بعد الضربات الإسرائيلية-الأمريكية على موقع نطنز في إيران، جاء دور مدينة ديمونا جنوب إسرائيل، التي تضم منشأة نووية، لتكون هدفاً للصواريخ الإيرانية. الضربة، التي أسفرت عن أكثر من 170 جريحاً (في ديمونا وعراد)، لم تسفر عن مستوى غير طبيعي من الإشعاع في هذا الموقع، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية. هل تنذر هذه الهجمات بمرحلة جديدة من الصراع؟ خلال الأسبوع الماضي، ظل مضيق هرمز وإغلاقه أمام ناقلات النفط في صدارة الاهتمامات. اختتم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأسبوع بتهديد بتدمير منشآت الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح المضيق في غضون 48 ساعة، مما أدى إلى تهديدات إيرانية جديدة ضد المنشآت الأمريكية في المنطقة. وكان تقرير لموقع أكسيوس قد أشار قبل يومين إلى خطة محتملة لاحتلال أمريكي لجزيرة خارك المهمة، والتي تُعد حاسمة للصادرات الإيرانية من المحروقات، بهدف الضغط لإعادة فتح المضيق. خلال هذا الأسبوع، تراوح الرئيس الأمريكي بين التهدئة والتصعيد بشأن التدخل في إيران، فصرح مرة يوم الجمعة بأنه يريد تقليل حدة الحرب لأن أهدافها تحققت «قبل أسابيع»، ومرة أخرى هدد بالتصعيد، دون أن يكون مستعداً للتفاوض مع الإيرانيين. وفي هذه الأثناء، من المتوقع أن ينشر الجيش الأمريكي 2000 جندي جديد في الشرق الأوسط، وفقاً لمصادر رسمية لرويترز. من جانبه، كثف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تصريحاته هذا الأسبوع، وكان المحور الرئيسي هو أن الإيرانيين غير مستعدين للتفاوض على وقف إطلاق نار بسيط، بل على إنهاء دائم للحرب. إعادة هيكلة حزب الله من قبل إيران في هذه الأثناء، لم تشهد الجبهة اللبنانية الجنوبية، التي فتحها حزب الله ضد إسرائيل، أي هدوء، وهي مسرح للعديد من الهجمات المنسقة بين مقاتلي الحزب والإيرانيين. بعد ليلة مشتعلة بين الثلاثاء والأربعاء استُهدف خلالها قلب العاصمة بيروت دون سابق إنذار، وهو ما يدل على اغتيالات إسرائيلية مستهدفة، وبعض الهجمات المتفرقة على الضاحية الجنوبية التي أصبحت خالية من سكانها، يبدو أن الجزء الأكبر من المواجهة يدور الآن على أرض الجنوب اللبناني، على الحدود، بين مقاتلي الطرفين. تكررت أسماء قريتي الخيام والطيبة في مرجعيون في وسائل الإعلام طوال الأسبوع، وكذلك الناقورة في منطقة صور، التي انضمت للتو إلى الجبهة. طوال الأسبوع، أعلن حزب الله بشكل مكثف عن «هجماته» ضد «جنود العدو»، سواء داخل الأراضي اللبنانية أو في الأراضي الإسرائيلية. يظل الحزب صامتاً بشأن خسائره البشرية، بينما يدعي الجيش الإسرائيلي أنه قتل أكثر من 500 مقاتل من حزب الله. من جهة أخرى، لا يزال مدى التقدم الإسرائيلي على الأرض اللبنانية مجهولاً. رسمياً، وافقت إسرائيل في نهاية الأسبوع على خطط معركة جديدة في لبنان. شهد هذا الأسبوع أيضاً نشر تقرير، أشارت إليه رويترز في 21 مارس، حول إعادة هيكلة حزب الله من قبل الحرس الثوري منذ توقيع وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024 ونهاية الصراع السابق، والذي يظهر عبثية جميع جهود نزع سلاح الميليشيا. في الواقع، يوضح هذا التقرير، الموثق جيداً، كيف استثمر الإيرانيون، بعد هزيمة الحزب في ذلك الصراع واغتيال زعيمه التاريخي في سبتمبر 2024، في إعادة هيكلة التشكيل الشيعي عبر إرسال مائة من الكوادر العسكرية إلى لبنان، في سرية تامة. لذلك، فإن حزب الله الذي يقاتل اليوم يختلف جذرياً عن حزب السنوات الأخيرة. حيث يُقال إن قواته موزعة في مجموعات أصغر ومستقلة على الأرض، وتعتمد بشكل أقل بكثير على التواصل فيما بينها. تفكيك شبكات في الكويت والإمارات العربية المتحدة سياسياً، يظل حزب الله معزولاً للغاية على الساحة الداخلية، تماماً مثل إيران على الساحة الإقليمية. أسفر اجتماع وزراء خارجية الدول العربية والإسلامية في العاصمة السعودية، يوم الخميس، عن بيان حازم اللهجة بشأن حق دول الخليج في الدفاع عن النفس، بعد تعرضها للقصف من قبل الإيرانيين منذ اليوم الأول. وأكد لبنان، على لسان وزير خارجيته جو راجي، أهمية المقترح اللبناني لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. هذا المقترح، الذي أطلقه الرئيس اللبناني جوزيف عون منذ افتتاح هذه الجبهة الجديدة في 2 مارس، لا يزال يعرقله الرفض الإسرائيلي من جهة، والأحزاب الشيعية اللبنانية من جهة أخرى، رغم الجهود الفرنسية هذا الأسبوع. فرنسا، التي أوفدت وزير خارجيتها جان نويل بارو إلى بيروت ثم إلى تل أبيب، لم تتمكن على ما يبدو من فتح أي ثغرة حتى الآن. أُعيد تأكيد الموقف اللبناني الرسمي من قبل رئيس الوزراء اللبناني نجيب سلام خلال مقابلة بارزة جداً مع شبكة CNN يوم الخميس، دعا فيها الرئيس الأمريكي للتدخل لتشجيع المفاوضات المباشرة وإنهاء الحرب في لبنان التي أودت بالفعل بحياة أكثر من 1000 مدني. شهد هذا الأسبوع أيضاً تفكيك شبكات تابعة لحزب الله في الكويت ثم في الإمارات العربية المتحدة، والتي كانت، حسب هذه الدول، تستعد لتنفيذ «عمليات إرهابية» على أراضيها. الموقف اللبناني ذو دلالة في هذا الصدد: على الرغم من نفي حزب الله لأي تورط في هذين البلدين، فقد أدانت السلطات اللبنانية، على لسان الرئيس جوزيف عون، هذه الأعمال، مؤكدة الدعم اللبناني الرسمي لدولتي الخليج. ومع ذلك، تبدو التصريحات اللبنانية فارغة على نحو متزايد، في حين لا تزال مبادرة الحرب في أيدي ميليشيا أعلنت الحكومة اللبنانية وجودها غير قانوني منذ 2 مارس؛ لكن الحزب الموالي لإيران لا يبدو أنه يهتم بذلك. إن العدوانية المتزايدة في تصريحات حزب الله، بما في ذلك التصريح الشديد اللهجة بشكل خاص لنائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي، الذي هدد بالانتقام من «الخونة» بعد الحرب، يظهر تشدداً في خط الحزب، فضلاً عن اتساع الانقسامات بين اللبنانيين. ويأتي هذا في الوقت الذي يتم فيه إيواء أكثر من مليون لبناني من الجنوب حالياً في مختلف المناطق اللبنانية.

لماذا لن يزحف الشرع على بيروت — ولن يستطيع

منذ اللحظة التي غادرت فيها القوات الفرنسية سوريا في أبريل 1946، باتت هذه الجمهورية الفتية إحدى أكثر الدول عرضةً للانقلابات، إن لم تكن أكثرها، في العالم العربي على مدى ربع قرن يكاد يكتمل. وبحلول عام 1970، كانت سوريا قد شهدت عشرة انقلابات ناجحة. وفي الثالث عشر من نوفمبر 1970، نفّذ حافظ الأسد انقلابه القصري وأحكم قبضته على السلطة. بالنسبة إلى الأسد، لم يكن لبنان مجرد جار؛ بل كان فناءه الخلفي وأداةً لتعزيز نفوذه الإقليمي. حين اندلعت الحرب الأهلية في بيروت، تدخلت سوريا عسكرياً عام 1976 — في البداية ضد منظمة التحرير الفلسطينية والجماعات اليسارية اللبنانية، ثم لاحقاً في دعم هذه القوى ذاتها في مواجهة التشكيلات المسيحية التي انتظمت دفاعاً عن نفسها. ومنذ ذلك التدخل، اندسّت الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية السورية في نسيج الحياة السياسية اللبنانية، تحكّم بموازين القوى من خلال دعم الفرقاء وخيانتهم واستغلالهم بحسب ما تقتضيه المصلحة. كانت حرب أكتوبر 1973 — التي خاضتها سوريا ومصر معاً ضد إسرائيل — نقطة تحوّل حوّلت الأسد من لاعب إقليمي إلى محاور لا غنى عنه لواشنطن. انتهت الحرب بتعادل عسكري، غير أن الطريقة التي أدار بها الأسد مرحلة ما بعدها هي التي كشفت عن عبقريته الاستراتيجية. يُروى أن هنري كيسنجر، الذي قضى ما يقارب شهراً يتنقل بين دمشق والقدس في مايو 1974، أبدى دهشةً بالغة حين قبل الأسد إطار فصل القوات. وقد أفضى الاتفاق الموقَّع في جنيف في الحادي والثلاثين من مايو 1974 إلى إنشاء منطقة عازلة تشرف عليها الأمم المتحدة على طول هضبة الجولان، وجمّد الحدود السورية الإسرائيلية على مدى العقود الخمسة التالية. ولم تظل أي جبهة عربية إسرائيلية أخرى بهذا الهدوء طوال هذه المدة. وقد غدا هذا الاستقرار نموذجَ الأسد الثابت: طالما بقي الجولان مجمّداً، ظلّت سوريا ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. لا سلام يمكن إبرامه بمعزل عن دمشق؛ ولا حرب يمكن إشعالها دون موافقتها. ولعل أبرز إنجازات الأسد الدبلوماسية كانت إدارته الماهرة للحرب الباردة. فقد غدا الجيش العربي السوري من أكثر الجيوش في المنطقة العربية تجهيزاً وتدريباً على يد السوفييت. عقيدته العسكرية ومنظومة أسلحته وتأهيل ضباطه — كل ذلك كان يمرّ عبر موسكو. بيد أن الأسد لم يمنح السوفييت ما أرادوه حقاً: النفوذ الحصري. إذ أبقى على قناة اتصال سرية مع واشنطن، والتقى بالمسؤولين الأمريكيين بانتظام، وامتنع عن الانضمام إلى أي إطار تحالف سوفياتي رسمي. حوّل الأسد هذا الغموض إلى أداة نفوذ عملياتية. قاتل حلفاء الولايات المتحدة في لبنان حين أملت عليه مصلحته ذلك، وعمل على تقويض الزعامة العربية لمصر عقب كامب ديفيد، واستخرج في الآن ذاته عتاداً عسكرياً سوفياتياً بأسعار تفضيلية. كانت دمشق أثمن من أن تعزلها واشنطن، وأشد استقلالية من أن تُحكم عليها موسكو قبضتها. تلك كانت المنطقة المُثلى التي احتلّها الأسد طوال عقدين. حين انهار الاتحاد السوفياتي وغزا صدام حسين الكويت في أغسطس 1990، وجد الأسد نفسه أمام خيار مصيري. انضمت سوريا — شكلياً — إلى التحالف بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت؛ وكان ذلك قراراً محورياً منحه يداً حرة في لبنان، مكافأةً من واشنطن والسعوديين. استمر الوجود السوري في لبنان خمسة عشر عاماً إضافية، في ظل مظلة سياسية جرى التفاوض عليها بين الأسد والرياض. وفي عام 1992 أصبح رفيق الحريري — المليادير الذي صنع نفسه بنفسه وتربطه صلات وثيقة بالسعوديين — رئيساً للوزراء. وبموجب هذا الترتيب، وحتى ما قبيل اغتياله عام 2005، كان الحريري يمسك بزمام الاقتصاد اللبناني وإعادة الإعمار والسياسة المالية، في حين تحكمت سوريا بالجيش وأجهزة الأمن والسياسة الخارجية. عند وفاته عام 2000، ورث ابن حافظ، بشار، محفظة داخلية وإقليمية بالغة الدقة، لم يفهمها تمام الفهم، وعجز عن صونها فضلاً عن الإضافة إليها. ضغوط دولية متصاعدة، إلى جانب غضب شعبي داخلي — تجلّى في ما عُرف بثورة الأرز — اندلع في أعقاب اغتيال الحريري في فبراير 2005، دفعا إلى انسحاب سوري متسارع من لبنان، محى ثلاثة عقود من النفوذ في غضون أسابيع. وفي أقل من عشر سنوات على رئاسته، انقلب مشهد بشار الأسد من المستبد المدلّل للمجتمع الدولي إلى المنبوذ في نظر المجتمع الدولي. وحين بلغت موجة الانتفاضات العربية سوريا في مارس 2011، جاء رد الفعل الأمني — قمع وحشي عشوائي — ليشعل فتيل حرب أهلية راح ضحيتها مئات الآلاف، وهجّرت نصف السكان، وأحالت القدرة العسكرية السورية إلى جزء ضئيل مما كانت عليه. سوريا ما بعد الأسد، بقيادة أحمد الشرع — القائد السابق لهيئة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة — ترتكز على بنية سلطة صاغها التحالف المسلح المنتصر: كيان يعمل أقرب إلى دولة فصائلية مهيمنة منه إلى ديمقراطية تعددية حقيقية. حقق الشرع شرعية دولية لافتة في وقت قصير. في غضون عام واحد، التقى ترامب في البيت الأبيض، وتحدّث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأحرز رفع بعض العقوبات الغربية. غير أن قبضته الداخلية تبقى هشّة: عنف طائفي على الساحل الغربي، وحكم ذاتي كردي فعلي في الشمال الشرقي، ومقاومة درزية في الجنوب، وتشبّث فصائل جهادية معادية لبراغماتيته بمواقعها — كل ذلك لا يزال يُضيّق هامش السلطة المركزية. في عام 2024، لم يكن الجيش العربي السوري سوى ظل للقوة التي بناها حافظ. فقد حلّ مقاتلو حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والقوات الروسية والمستشارون الإيرانيون فعلياً محل الجيش السوري بوصفهم العمود الفقري للدفاع عن النظام — مما يعني أن القوات المسلحة السورية الأصيلة لم تكن تمتلك قدرات تُذكر. وما إن سقط النظام حتى تحرّكت إسرائيل بسرعة فائقة للتأكد من أن كل ما سيأتي بعده سيبدأ من قدرة عسكرية تكاد تكون صفرية: قواعد جوية وبطاريات دفاع جوي ومنشآت إنتاج أسلحة ومخزونات صواريخ وأنظمة رادار ومراكز أبحاث في دمشق وحمص وطرطوس واللاذقية وتدمر، كلها استُهدفت. ووفق ما أعلنته قوات الدفاع الإسرائيلية ذاتها، دمّرت هذه الحملة ما يقارب 80% من الأصول الاستراتيجية العسكرية المتبقية لسوريا. ما تبقى لسوريا هو ائتلاف من الفصائل المسلحة لا جيش نظامي محترف. معظم المقاتلين من الميليشيات الإسلامية السابقة — وهم أكفاء في الإرهاب والحرب الخاطفة والأساليب القتالية في الحروب الأهلية، لكنهم قليلو التدريب على الحرب النظامية للدولة: ضبط الحدود والدفاع الإقليمي والسلاسل اللوجستية والعمليات المشتركة. التجهيز متفرق وقديم في معظمه، وشحيح في الأسلحة المتوسطة والثقيلة. ولا توجد قدرات جوية أو بحرية ذات بال. وبدون المقاتلين الأجانب — المتطوعين الجهاديين القادمين من آسيا الوسطى وشمال أفريقيا وسواها — فإن القوات المسلحة السورية عددياً لا تكفي للقيام بمهام الدوريات، ناهيك عن إسقاط نفوذها على بلد بحجم سوريا. يُضاف إلى الضعف العسكري ضعف اقتصادي لا يقل وطأةً. فعلى الرغم من قرار رفع بعض العقوبات، لا تزال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتحركان بحذر. ولم تتجسّد الاستثمارات بأي حجم يُعتدّ به. والرواتب في القطاع العام متدنية بصورة مزرية، تُذكي فساداً متجذّراً. والبنية التحتية محطّمة. ولا قاعدة اقتصادية تتيح تسليحاً جوهرياً، ناهيك عن مغامرة عسكرية في الخارج. في عام 2025، بدأت أصوات في المنطقة وخارجها تقترح أن سوريا يمكنها أو ينبغي لها نقل قوات عسكرية إلى لبنان، في إطار تقديمها باعتبارها موازناً للنفوذ الإيراني. ويكشف هذا الاقتراح عن قراءة خاطئة جوهرية لما هي عليه سوريا راهناً. غير أن ما طلبته واشنطن رسمياً كان مسألةً أمنية حدودية لا تفويضاً باحتلال. كان الطلب الأمريكي إلى الحكومة السورية محدداً: منع التحرك البري للأصول الإيرانية — أسلحة ومقاتلين وأموالاً — من العراق إلى لبنان عبر الأراضي السورية. ولهذا جرى نشر التعزيزات السورية على الحدود العراقية والحدود اللبنانية معاً، لا على الحدود اللبنانية وحدها. الهدف هو الاعتراض، لا الغزو. الاحتلال يستلزم لوجستيات متواصلة وسلاسل قيادة موثوقة وإدارة إقليمية وحماية لقواته. واحتلال الأراضي اللبنانية وإدارتها مهمة تطلّبت تاريخياً قوة من 35 إلى 40 ألف جندي منضبط مدعوم بأجهزة استخبارات ونقاط تفتيش ووكلاء سياسيين محليين وغطاء إقليمي ودولي. القيادة السورية الجديدة لا تمتلك شيئاً من هذا. موقف إسرائيل يمثّل قيداً إضافياً لا يُستهان به. لا تثق تل أبيب بحكومة دمشق الحالية، إذ ترى في الشرع «جهادياً في بدلة رسمية» ودمية تركية. وفي مستوى أعمق، تعارض إسرائيل بشدة توسع النفوذ التركي على الأراضي السورية، وترفض قطعياً امتداده إلى لبنان. في المقابل، تتمحور المصالح الأمريكية في لبنان حول تثبيت الجيش اللبناني وتقييد حزب الله، لا حول فتح جبهة جديدة من الغموض مع هيكل عسكري إسلامي غير مجرَّب. على الجانب اللبناني من الحدود، فإن الجيش اللبناني المجهّز والمدرَّب أمريكياً، إلى جانب المجتمعات الحدودية المسلحة في شمال لبنان وشرقه، سيفرضان كلفةً باهظة على أي تغلغل لقوات إسلامية سورية متشرذمة خفيفة التسليح. بالنسبة إلى الفاعلين الموالين لإيران والشبكات المرتبطة بحزب الله، فإن شبح جيش جهادي يزحف على بيروت ليس تحليلاً — بل طوق نجاة سياسي. فمنذ ديسمبر 2024، تكبّد الطرفان خسائر فادحة، من بينها انقطاع ممر سوريا. ومن خلال إذكاء الهلع من تجمّع متطرفين سنّيين على حدود لبنان، يسعيان إلى إعادة بناء التضامن الطائفي — لا سيما في أوساط الشيعة والمسيحيين — ذلك الشعور بالتهديد الوجودي المشترك الذي ظل وقوداً لقدرتهما على التعبئة طويلاً. الفخ متعمّد بدهاء: لو حدثت عملية عسكرية سورية، لمنحتهما على طبق من فضة مبرّر الوجود الذي يبحثان عنه، بتأكيدها أن سلاح حزب الله يبقى الدرع اللبنانية التي لا بديل عنها. رواية الغزو، في المحصلة، ينبغي أن تُقرأ على حقيقتها — لا بوصفها تقييماً أمنياً، بل مقياساً لمدى حاجة هؤلاء الفاعلين الماسّة إلى عدو كي يُبقوا على أنفسهم في دائرة الحضور والأهمية. قصة سوريا الممتدة على مدى قرن هي قصة الهوّة بين الطموح والقدرة. كان حافظ الأسد استثنائياً بالضبط لأنه ردم تلك الهوّة — مستثمراً الموقع الجغرافي والسياسي لسوريا ليتجاوز ثقلها بمراحل طوال ثلاثة عقود. ابنه فتح الهوّة من جديد، بصورة كارثية. وسوريا الجديدة، في عهد الشرع، لا تزال تبحث عن الدولة التي تريد أن تكون. لبنان، في الوقت الراهن، ليس جائزةً في متناول يدها.

إطلاق صواريخ على دييغو غارسيا: إيران تكشف تهديدها لأوروبا

ثلاثة تطورات كبرى، ذات بعد استراتيجي لا يمكن إنكاره، ميزت الساعات الأربع والعشرين الماضية الحرب بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وجمهورية الملالي في طهران. فقد أطلقت إيران للمرة الأولى صاروخين باليستيين متوسطي المدى باتجاه القاعدة الأمريكية البريطانية في دييغو غارسيا، الواقعة في المحيط الهندي، على بعد حوالي 4000 كيلومتر من إيران. لم يصب الصاروخان هدفهما، لكن أهمية هذا الإطلاق تكمن في دلالته الجيوسياسية. كان مدى الصواريخ الإيرانية يُقدر عمومًا بـ 2000 كيلومتر. حقيقة أن هذين القذيفين الباليستيين كان مداهما يقارب 4000 كيلومتر تشكل دليلًا ملموسًا على أن الجمهورية الإسلامية كانت تعمل بالفعل على امتلاك ترسانة صواريخ يمكن أن تصل إلى عواصم أوروبية محتملة، بما في ذلك باريس ولندن، الواقعتين على بعد 4200 و 4400 كيلومتر على التوالي من طهران. وبالتالي، فإن هذه المعلومة تدحض بشكل قاطع بعض الأوساط والمراقبين الغربيين الذين يشنون حملة ضد المعركة الدائرة ضد الجمهورية الإسلامية، زاعمين أن النظام الإيراني لا يشكل أي تهديد للدول الأوروبية والمصالح الغربية. تطور كبير آخر حدث يوم السبت 21 مارس: قصف الطيران الأمريكي، للمرة الثانية في ثلاثة أسابيع، للمفاعل النووي في نطنز ومركز تخصيب اليورانيوم التابع له. تم استخدام قنابل مضادة للتحصينات خلال هذا القصف للوصول إلى أهداف تحت الأرض مدفونة على أعماق كبيرة. لم يتم الإبلاغ عن أي تسرب إشعاعي بعد هذه العملية، حسبما ذكرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA). بعد ظهر يوم السبت، حلقت الطائرات الأمريكية فوق منطقة أصفهان، حيث يقع مفاعل نووي آخر ذو أهمية. عشرون دولة تتعهد بفتح مضيق هرمز أما الملف الآخر الذي لفت انتباه الدوائر الغربية والأوساط الاقتصادية الدولية فيتمثل في التهديدات التي تشكلها الجمهورية الإسلامية على الملاحة البحرية في مضيق هرمز. التطور الجديد الذي حدث يوم السبت في هذا الصدد هو التزام حوالي عشرين دولة، بما في ذلك فرنسا والإمارات العربية المتحدة واليابان وكندا والمملكة المتحدة، بالانضمام إلى الجهود الرامية لضمان إعادة فتح مضيق هرمز. وكان الرئيس دونالد ترامب، تجدر الإشارة في هذا الصدد، قد كثف في الأيام الأخيرة دعوته إلى مشاركة نشطة من الدول الغربية في الإجراءات المقترحة لضمان حرية الملاحة للسفن في هذا الممر المائي. وفي إطار مساهمتها في هذا الصدد، أرسلت الولايات المتحدة إلى المنطقة طائرات A-10 Warthog المزودة بمعدات عسكرية متطورة تسمح باستهداف فعال بشكل خاص للسفن التي تشكل تهديدًا للملاحة البحرية. وفي الوقت نفسه، كثفت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية يوم السبت وخلال الأربع والعشرين ساعة الماضية قصفها لمستودعات الصواريخ ومنصات الإطلاق الواقعة في منطقة مضيق هرمز. إن كل هذه التطورات تؤكد النظرية التي ترددت منذ أيام في أوساط مختلفة، والتي مفادها أن الجيش الأمريكي يستعد لإنزال على جزيرة خرج الإيرانية، والتي تكمن أهميتها الاستراتيجية الكبيرة في أن 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية تمر عبر هذه الجزيرة التي تتمتع بمياه عميقة تسمح برسو ناقلات النفط العملاقة. الجيش الإسرائيلي يواصل تقدمه في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، واصل الجيش الإسرائيلي يوم السبت تقدمه البطيء والحذر في الأراضي اللبنانية، حيث احتل مواقع استراتيجية جديدة من شأنها أن تسمح له بتعزيز خطته الرامية إلى إنشاء منطقة عازلة بين الليطاني والحدود مع لبنان. هذا الزحف على الأرض، الذي كان ملحوظًا يوم السبت بشكل خاص في منطقة الناقورة، يترافق مع قصف مكثف لعدة قرى في المنطقة الجنوبية. وفي الوقت نفسه، تم الإبلاغ عن اشتباكات يوم السبت في بلدة الخيام حيث يواجه الجيش الإسرائيلي جيبين للمقاومة يسيطر عليهما مقاتلون من حزب الله. وفي الوقت نفسه، واصل طيران الدولة العبرية ليلة الجمعة ويوم السبت قصفه المتقطع للبنى التحتية التابعة لميليشيات حزب الله في عدة أحياء من الضاحية الجنوبية، بما في ذلك حارة حريك وبرج البراجنة.

لانتفاضة شيعية ضد الحزب!
By
يوسف معوض
Published

على الشيعة اللبنانيين وحدهم أن يتبرأوا من حزب الله، وأن يضعوا حداً لهيمنته، وبالتالي لسيطرة الحرس الثوري على بلادنا * نفس السيناريو في إيران: مهما دمرت الضربات الإسرائيلية-الأمريكية المشتركة علي لاريجاني وحاشيته وقواته القمعية، فإن انتفاضة شعبية وحدها هي القادرة على إسقاط استبداد ولاية الفقيه . سيقر المراقبون المطلعون في النهاية بذلك: لا حل للمأساة الفارسية، ولا تسوية للأزمة الإيرانية دون مواجهة بين المواطنين، أي دون صراع أهلي. ;لذلك على الشعوب أن تطالب بحقها في الحياة! الخلاص! في بلدنا المنكوب، لا الجيش اللبناني، ولا مهمات المساعي الحميدة، ولا الحرب الأهلية، ولا القصف الإسرائيلي، ولا إنزال القوات العربية أو التركية أو الغربية، قادرون على إخراج «الحزب الإلهي» من اللعبة. ولأنه يحكم العقول، فإن معقله منيع، وأن نقله المادي لن يكون كافياً للقضاء عليه. فإذا انتزع من أرضه الأجدادية، ورمي على الطرقات، واحتجز في مخيمات عشوائية، فإن «بيئته الحاضنة» التي كانت بمثابة الرحم له، ستبقى مرتبطة به، موالية ومخلصة ومكتسبة. هذا واقع ميؤوس منه، إذ أن الطائفة الاثني عشرية وحدها هي المخولة بإبطال الحزب وإخراجنا من المأزق الذي نتخبط فيه. هل توجد مسؤولية اثنا عشرية؟ ولكن إذا كان لبنان غارقاً، ومؤسساته معطلة، وسكانه يتعرضون للعنف، فهل نضع اللوم على جميع الشيعة؟ فلنعترف بأن حزب الله , الآن بصفته فاعلاً إقليمياً، كان قد راودهم بمشاعر الفخر وحب التحدي والمخاطرة. ولكن بفعل ذلك، كان سيجرهم إلى أخطار الانفلات العام وهيمنة الجنون. بعض النفوس المتعطشة للانتقام لن تتردد في تحميل جميع الاثني عشريين مسؤولية سياسية أو حتى جنائية عن الكوارث المتتالية التي تلم بنا. ففي النهاية، أعاد الناخبون الشيعة، من دورة تشريعية إلى أخرى، نفس الممثلين إلى الجمعية الوطنية كما وافقوا على السياسات التي دعا إليها هؤلاء بناءً على اقتراح مرشديهم الإيرانيين. بهذا المعنى، قام مواطنونا في الجنوب والبقاع والضاحية بما لم يكن ينبغي لهم فعله. والأكثر من ذلك، ببقائهم سلبيين، لم يفعلوا ما كان عليهم فعله: ما كنا نتوقعه منهم كشعب لبناني يضع مصالح بلادنا الحصرية في المقام الأول. في مناسبتين، وهما 8 أكتوبر 2023 و 2 مارس 2026، لم يتمكنوا من كبح جماح الحزب الذي كان يسلك عناداً طريق المواجهة مع إسرائيل! ولكن هل كانوا قادرين على منع هذه القرارات المصيرية من بين جميع القرارات، على سبيل المثال لا الحصر؟ سيُزعم طويلاً أن الانحرافات غير المعقولة لـ«الحزب الإلهي» كانت من فعل مجموعة صغيرة، وليست ثمرة ثقافة معينة ولا النتيجة المنطقية لإيديولوجية دينية توحّد المجتمع. دعوة إلى التمرد والتحريض على «الانتفاضة» في هذه اللحظة بالذات، يُعتقد أنه يجب أن نتوقع توغلاً برياً. فبدلاً من ترك الإسرائيليين يفتكون بـ الحزب ويخلون جنوب لبنان من سكانه، يمكن للبيئة الشيعية أن تتخذ المبادرة التي تضمن لها خلاصها الخاص. صرخة هائلة من النازحين، الذين يبلغ عددهم مليون شخص، قد تدفع الميليشيا المدججة بالسلاح التي احتجزت لبنان رهينة، إلى التخلي عن أوهامها البطولية ومغامراتها المتهورة. وبالأساس، أن تتخلى عن أسيادها الإيرانيين. كانت بيروت الغربية قد «تبرأت» من ياسر عرفات خلال حصارها من قبل الإسرائيليين عام 1982. وقد وعدت منظمة التحرير الفلسطينية بجعل عاصمتنا ستالينغراد جديدة. تدخل صائب سلام، معبراً باسم السكان الغاضبين، أعاد ضيوفنا الفلسطينيين إلى مكانهم: تم إركابهم على متن سفن فرنسية متجهة إلى تونس. ومع ذلك، فإن التردد الذي يمارسه نبيه بري لن يضع حداً للانتحار المستمر أمام أعيننا. وحدها انتفاضة، وحدها حركة جذرية، وحدها المظاهرات والاعتصامات، يمكن أن تجبر أولئك الذين يستولون على السلطة دون وجه حق على التراجع. على الشيعة أن ينتزعوا أسلحة الحزب ! وعليهم أن يخاطروا من أجل الحرية، حريتهم وحريتنا! * وللتذكير، فقد انضم المسيحيون إلى الشرعية الحكومية في 1988-1989، رافضين عملياً سيطرة الميليشيات على المنطقة الشرقية!

أبناؤنا النُّجَبَاء الضَّالُّون

في كلّ عائلة أحدٌ غادر ليدرس في الخارج. ابنٌ أو ابنة، ابن أخٍ أو بنت أخت. دفعنا أقساط الدراسة، عضضنا على الأسنان، كنّا فخورين. نالوا شهاداتهم. ذهبوا للعمل في الخليج. كنّا نسمّي ذلك نجاحاً. اليوم، هذه الحكاية تقترب من نهايتها. قرّرت دول الخليج إيلاء الأولوية في التوظيف لمواطنيها. هذا حقّها، وهو توجّهٌ بنيوي عميق لا إجراءٌ وقتيّ عابر. المشاريع الكبرى للرؤية الاقتصادية، كرؤية المملكة العربية السعودية 2030، مُصمَّمة تحديداً للحدّ من الاعتماد على العمالة الأجنبية. اللبنانيون العاملون هناك بدأوا يتلقّون خطابات الإنهاء، وكثيرٌ ممّن بقوا يرون عقودهم تنتهي دون تجديد. والأسوأ من ذلك، الحرب، أو بالأحرى الاضطراب المزمن. المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، والتوتّرات في البحر الأحمر، وهشاشة التوازنات السياسية في أرجاء المنطقة، كلّ ذلك بثّ الريبة وزرع عدم اليقين. الشركات الأجنبية تستعيد موظّفيها احتياطاً. المستثمرون يرحلون. الاقتصاد يتباطأ. الخليج، ذلك السوق المفتوح يوماً، يُغلق أبوابه. ربما ليس للأبد، لكن للحين نعم. ولا أحد يستطيع التنبّؤ بموعد أو بأيّ صورة سيُفتح من جديد. أوروبا ليست بديلاً موثوقاً على النطاق الواسع. البطالة مرتفعة في كثير من بلدانها، وحواجز الدخول أمام من ليس مواطناً أوروبياً باتت شبه منيعة. إيجاد عمل هناك ليس مستحيلاً بشكل فردي، غير أنه مسارٌ طويل مُكلف مشوبٌ بالغموض. والأهم أن أوروبا لا تملك القدرة ولا الإرادة لاستيعاب تدفّقات كثيفة من بلد واحد. لآلاف الشباب اللبناني في آنٍ واحد، هي ببساطة ليست حلّاً. فماذا يفعلون إذاً؟ لدينا جيلٌ بأكمله، ذكيٌّ، متخرّج من أرقى الجامعات، يتكلّم ثلاث لغات أو أربعاً، عمل في شركات متعددة الجنسيات أو مكاتب استشارية، وهذا الجيل لم يعد يجد مكاناً يذهب إليه. إلّا مكاناً واحداً. لبنان. لبنان بانقطاعات الكهرباء التي تشلّ ساعات العمل، وانهياره المصرفي الذي أذاب مدّخرات عمر، وطبقته السياسية التي نحفظها عن ظهر قلب بما تحمله من صفقات وجمود. القول بأن ذلك ربما يكون خبراً ساراً يبدو ضرباً من المفارقة. لكن دعونا نتأمّل. منذ خمسين عاماً، في كلّ مرة كان فيها الوضع يتدهور في لبنان، حرباً أو أزمةً اقتصادية أو اغتيالات سياسية، كان الأفضل يرحلون. ولأنهم كانوا يرحلون، كان الضغط على المنظومة يتراجع. كانت الهجرة تؤدّي دور متنفّس الضغط. لم يتغيّر شيءٌ في العمق، لأن القوى الحيّة التي كان يمكنها أن تفرض التغيير كانت في مكان آخر. الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية أدّت دور صمّام الأمان الهائل، تمتصّ مشاكلنا عوضاً عنّا. الآن، هذا الصمّام في طور الإغلاق. ليس انغلاقاً مفاجئاً، بل انكماشٌ تدريجيٌّ لا يُردّ. للمرة الأولى منذ عقود، لا يبقى أمام شبابنا المتخرّج من خيار حقيقي سوى أن يتطلّع نحو لبنان. ليس من وطنيةٍ مستجدّة، وإن كان ذلك قد يُعين، بل لأن الأبواب الأخرى تنغلق الواحد تلو الآخر. والتاريخ يُثبت أنه حين تنعدم البدائل، ينتهي الناس إلى البناء حيث يقفون. ليس حبّاً بالوطن، بل بفعل غريزة البقاء الخالصة والسعي إلى التحقّق الذاتي. لأنه الخيار الوحيد على الطاولة. العيش في لبنان اليوم يكلّف أقلّ بكثير مما يكلّف في دبي أو الدوحة أو باريس. شابٌ يعمل لصالح شركة أجنبية وهو يتقاضى أجره بالدولار من بيروت يعيش عيشةً طيّبة، بل مريحة حقاً. هذا النموذج قائمٌ فعلاً، يتجسّد على يد رواد محدودي العدد في القطاع الرقمي وقطاع الخدمات. الآن، يستوجب التطوير والتهيكل. لقد غيّر العمل عن بُعد كلّ شيء. جاءت الجائحة لتُسرّع نزعةً راسخة في العمق: بات بمقدور المرء اليوم أن يعمل لصالح شركة في لندن أو نيويورك أو دبي من صالون شقّته في بيروت. اتصالٌ بالإنترنت مستقر، وفارقٌ زمني قابل للإدارة، وتكتمل المعادلة. العميل في مكان بعيد، والمال يأتي بعملة صعبة، والحياة في لبنان بما تنطوي عليه من جمال وقبح معاً. من يعودون من الخليج لا يعودون خالي الوفاض. معهم مدّخرات، ربما ليست ثروات، لكنّها هامشٌ من الأمان. ومعهم شبكة علاقات مهنية تمتدّ عبر العالم. ولديهم تجربة ما تعنيه إدارة تشتغل فعلاً، وخدمة عملاء فعّالة، وتخطيط بعيد المدى. بإمكانهم إنشاء مؤسسات هنا. صغيرة في البداية. مُصمَّمة لحجم السوق المحلية أو موجَّهة نحو تصدير الخدمات. لكنّها حقيقية. وجيلٌ يعود بكلّ هذا، دون أن يكون له من المنظومة السياسية القائمة ما ينتظره أو يخسره، هو جيلٌ قادر على التصويت بشكل مختلف وبمطالب أعلى. بإمكانه الانخراط في البلديات حيث يُحسم أمر الحياة اليومية فعلاً. بإمكانه تحريك المشهد السياسي بمجرّد رفض الترتيبات المعتادة والتمسّك بمعيار واضح: اختيار الناس بحسب كفاءتهم لا علاقاتهم. هذا لن يحدث تلقائياً. لا شيء تلقائي في هذا البلد. العودة وحيداً دون شبكة أمان ودون مشروع جماعي يُعرّض للابتلاع في المنظومة أو للمغادرة السريعة ومزيد من المرارة. أما العودة في مجموعة منظّمة، مستقلّة مالياً، بكفاءات متكاملة، فذاك شيءٌ آخر بالكليّة. الفارق بين الحالين هو قرار. قرارٌ واعٍ ببناء شيء هنا. لا وعدٌ يهبط من عَلٍ. في كلّ مجلس عائلي لبناني، حول موائد المغتربين، نطرح السؤال ذاته دائماً: أين سيذهب أبناؤنا؟ بات السؤال مُثقلاً بالقلق لأن الأجوبة التقليدية تتلاشى. ربما حان الوقت لطرح السؤال الحقيقي، السؤال المقلق والمحرّر في آن: ماذا يمكنهم أن يبنوا هنا، هؤلاء الذين رأوا كلّ شيء في مكان آخر، لو أُعطوا وأعطوا أنفسهم سبباً للبقاء؟ من كان يتخيّل أن يوماً ما سنتصل بأهلنا في دبي أو الدوحة أو الكويت أو جدّة لنسأل كيف كانت ليلتهم؟ هذه الصورة تختصر كلّ شيء. إنها تروي انقلاب المنظور كليّاً. عقوداً خلت، كنّا نحن في لبنان من يتلقّى مكالمات القلق من آبائنا وإخوتنا المغتربين في الخارج. كنّا نقطة الهمّ. البيت الهشّ الذي يتصلون به ليتثبّتوا أنه لا يزال واقفاً. اليوم، هم من ينبغي أن نتصل بهم. أولئك الذين ظننّاهم مستقرّين في الراحة المعقّمة لأبراج الزجاج والمراكز التجارية المكيّفة. نسألهم كيف كانت الليلة. هل ناموا. هل أعفاهم القلق من زيارته. لأن المنطقة ترتجف. لأن التوازنات التي كنّا نحسبها راسخة تتصدّع. لأن أحداً لا يجد ملجأً، ولا حتى داخل فقاعات التكييف الصحراوية. وفجأة، نستوعب السخرية القاسية للتاريخ. منذ خمسين عاماً أرسلنا أبناءنا إلى الخليج لنحميهم من لبنان. لنضعهم في مأمن من حروبنا وأزماتنا وفوضانا. كنّا نظنّ أنّنا نُرسلهم إلى المستقبل، إلى الاستقرار، إلى القدرة على التنبّؤ. وإذا بلبنان يكاد يصبح اليوم الملاذ النسبي. ليس لأنه أكثر أماناً، فالله يعلم أنه ليس كذلك، بل لأنه حين تشتعل المنطقة بأسرها، يعود المرء إلى بيته. يعود إلى حيث يفهم الرموز ويعرف اللغة، حيث يقرأ الهواء قبل أن ينقلب. من كان يقول إنّنا سنمدّ يوماً يد العون؟ من كان يقول إن المهاجر سيصبح من نواسيه؟ إن الأدوار ستنعكس إلى هذا الحدّ؟ الليل طويلٌ الآن في أرجاء المنطقة. لكن في لبنان على الأقلّ، نحن مُعتادون على الظلام. نعرف كيف نتعامل معه. نعرف كيف نشعل الشموع، ونخترع الضوء، ونبقى واقفين في العتمة. إذاً نعم، لنا الحقّ في الحلم. لنا الحقّ في النظر إلى هذا الجيل العائد والتساؤل: وإن كانوا هم؟ لنا الحقّ في تخيّل أن هذا البلد، بكلّ عيوبه الجسيمة، ربما يملك ورقةً لم يمتلكها من قبلُ قطّ. لم يكن لبنان يوماً مركزاً إقليمياً لأنه لم يكن في حاجة إلى ذلك. كان المال يأتيه من الخليج ومن المغتربين ومن الريع. لماذا يتعب لبناء شيء متين حين كان يمكنه البقاء في الفوضى؟ اليوم، الريع يجفّ. لن يأتي المال بعد الآن ليُصحّح اختلالاتنا. وهذه ربما هي الفرصة الاستثنائية التي يتيحها هذا الوقت. لننظر، على غير عادتنا، إلى مكامن القوة في الوضع. منطقة زمنية تتيح العمل مع أوروبا صباحاً ومع الولايات المتحدة بعد الظهر. ثقافة كوزموبوليتية متعددة اللغات لا نظير لها في المنطقة. تكلفة معيشة عادت تنافسية. احتياطيٌّ من الكفاءات تخرّجت في أرقى المؤسسات وعادت تحمل شهيّة للبناء لم تكن لديها في البداية. والأهم من كلّ شيء: شبابٌ لم يعد يخاف. حين تعيش الانهيار وضياع المدّخرات واختفاء أحبّائك في انفجار، لا يتبقّى الكثير مما تخسره. والذين لا يملكون ما يخسرونه هم الأشدّ خطراً على النظام القائم، والأقوى قدرةً على إرساء نظام جديد. إذاً نعم، لنحلم. لنحلم بأن تصبح بيروت مجدّداً ما كانت عليه: ملتقى المنطقة. ليس ملتقى الأموال المشبوهة وحقائب الأوراق النقدية، بل ملتقى العقول والشركات الناشئة والمؤسسات الباحثة عن كفاءات لا تجدها في مكان آخر. لنحلم بأن تنظر شركات متعددة الجنسيات إلى هذا الجيل ثلاثي اللغات الصامد المبدع وتقرّر: هنا يجب أن نكون. ليس من أجل الموارد الطبيعية، بل من أجل الموارد البشرية. العالم يتغيّر. لم يعد للعمل عنوانٌ ثابت. الشركات تبحث عن بيئات تزخر فيها الكفاءات وتغري فيها تكلفة المعيشة. فلماذا لا نحن؟ ولماذا لا الآن؟ هذا ليس تنبّؤاً. إنه اتجاه. ليس يقيناً بل نيّة. الحلقة الجهنمية التي تكلّمنا عنها، هجرة الأكفاء ونجاة المنظومة بغيابهم، يمكن أن تتوقّف. تتوقّف حين نقرّر أنها تتوقّف. حين يقول العائدون: نحن نبقى. حين يقول من لم يغادروا قطّ: نحن نبني. لنا الحقّ في أن نحلم بغدٍ مختلف. بل علينا ذلك. لأن في بلدٍ لم يعد يقدّم شيئاً، يصبح الحلم آخر ما تبقّى من موارد. واللبنانيون يحوّلون العدم إلى شيء منذ قرون. ربما هذه هي عبقريّتنا. تحويل الغياب إلى حضور. تحويل الرحيل إلى عودة. تحويل نهاية عالم إلى بداية عالم آخر. إذاً نعم، لنا الحقّ. وعلى غير عادتنا، لدينا حتى الحجج.