


منذ اللحظة التي غادرت فيها القوات الفرنسية سوريا في أبريل 1946، باتت هذه الجمهورية الفتية إحدى أكثر الدول عرضةً للانقلابات، إن لم تكن أكثرها، في العالم العربي على مدى ربع قرن يكاد يكتمل. وبحلول عام 1970، كانت سوريا قد شهدت عشرة انقلابات ناجحة. وفي الثالث عشر من نوفمبر 1970، نفّذ حافظ الأسد انقلابه القصري وأحكم قبضته على السلطة.
بالنسبة إلى الأسد، لم يكن لبنان مجرد جار؛ بل كان فناءه الخلفي وأداةً لتعزيز نفوذه الإقليمي. حين اندلعت الحرب الأهلية في بيروت، تدخلت سوريا عسكرياً عام 1976 — في البداية ضد منظمة التحرير الفلسطينية والجماعات اليسارية اللبنانية، ثم لاحقاً في دعم هذه القوى ذاتها في مواجهة التشكيلات المسيحية التي انتظمت دفاعاً عن نفسها. ومنذ ذلك التدخل، اندسّت الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية السورية في نسيج الحياة السياسية اللبنانية، تحكّم بموازين القوى من خلال دعم الفرقاء وخيانتهم واستغلالهم بحسب ما تقتضيه المصلحة.
كانت حرب أكتوبر 1973 — التي خاضتها سوريا ومصر معاً ضد إسرائيل — نقطة تحوّل حوّلت الأسد من لاعب إقليمي إلى محاور لا غنى عنه لواشنطن. انتهت الحرب بتعادل عسكري، غير أن الطريقة التي أدار بها الأسد مرحلة ما بعدها هي التي كشفت عن عبقريته الاستراتيجية.
يُروى أن هنري كيسنجر، الذي قضى ما يقارب شهراً يتنقل بين دمشق والقدس في مايو 1974، أبدى دهشةً بالغة حين قبل الأسد إطار فصل القوات. وقد أفضى الاتفاق الموقَّع في جنيف في الحادي والثلاثين من مايو 1974 إلى إنشاء منطقة عازلة تشرف عليها الأمم المتحدة على طول هضبة الجولان، وجمّد الحدود السورية الإسرائيلية على مدى العقود الخمسة التالية. ولم تظل أي جبهة عربية إسرائيلية أخرى بهذا الهدوء طوال هذه المدة. وقد غدا هذا الاستقرار نموذجَ الأسد الثابت: طالما بقي الجولان مجمّداً، ظلّت سوريا ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. لا سلام يمكن إبرامه بمعزل عن دمشق؛ ولا حرب يمكن إشعالها دون موافقتها.
ولعل أبرز إنجازات الأسد الدبلوماسية كانت إدارته الماهرة للحرب الباردة. فقد غدا الجيش العربي السوري من أكثر الجيوش في المنطقة العربية تجهيزاً وتدريباً على يد السوفييت. عقيدته العسكرية ومنظومة أسلحته وتأهيل ضباطه — كل ذلك كان يمرّ عبر موسكو. بيد أن الأسد لم يمنح السوفييت ما أرادوه حقاً: النفوذ الحصري. إذ أبقى على قناة اتصال سرية مع واشنطن، والتقى بالمسؤولين الأمريكيين بانتظام، وامتنع عن الانضمام إلى أي إطار تحالف سوفياتي رسمي.
حوّل الأسد هذا الغموض إلى أداة نفوذ عملياتية. قاتل حلفاء الولايات المتحدة في لبنان حين أملت عليه مصلحته ذلك، وعمل على تقويض الزعامة العربية لمصر عقب كامب ديفيد، واستخرج في الآن ذاته عتاداً عسكرياً سوفياتياً بأسعار تفضيلية. كانت دمشق أثمن من أن تعزلها واشنطن، وأشد استقلالية من أن تُحكم عليها موسكو قبضتها. تلك كانت المنطقة المُثلى التي احتلّها الأسد طوال عقدين.
حين انهار الاتحاد السوفياتي وغزا صدام حسين الكويت في أغسطس 1990، وجد الأسد نفسه أمام خيار مصيري. انضمت سوريا — شكلياً — إلى التحالف بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت؛ وكان ذلك قراراً محورياً منحه يداً حرة في لبنان، مكافأةً من واشنطن والسعوديين. استمر الوجود السوري في لبنان خمسة عشر عاماً إضافية، في ظل مظلة سياسية جرى التفاوض عليها بين الأسد والرياض. وفي عام 1992 أصبح رفيق الحريري — المليادير الذي صنع نفسه بنفسه وتربطه صلات وثيقة بالسعوديين — رئيساً للوزراء. وبموجب هذا الترتيب، وحتى ما قبيل اغتياله عام 2005، كان الحريري يمسك بزمام الاقتصاد اللبناني وإعادة الإعمار والسياسة المالية، في حين تحكمت سوريا بالجيش وأجهزة الأمن والسياسة الخارجية.
عند وفاته عام 2000، ورث ابن حافظ، بشار، محفظة داخلية وإقليمية بالغة الدقة، لم يفهمها تمام الفهم، وعجز عن صونها فضلاً عن الإضافة إليها. ضغوط دولية متصاعدة، إلى جانب غضب شعبي داخلي — تجلّى في ما عُرف بثورة الأرز — اندلع في أعقاب اغتيال الحريري في فبراير 2005، دفعا إلى انسحاب سوري متسارع من لبنان، محى ثلاثة عقود من النفوذ في غضون أسابيع. وفي أقل من عشر سنوات على رئاسته، انقلب مشهد بشار الأسد من المستبد المدلّل للمجتمع الدولي إلى المنبوذ في نظر المجتمع الدولي. وحين بلغت موجة الانتفاضات العربية سوريا في مارس 2011، جاء رد الفعل الأمني — قمع وحشي عشوائي — ليشعل فتيل حرب أهلية راح ضحيتها مئات الآلاف، وهجّرت نصف السكان، وأحالت القدرة العسكرية السورية إلى جزء ضئيل مما كانت عليه.
سوريا ما بعد الأسد، بقيادة أحمد الشرع — القائد السابق لهيئة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة — ترتكز على بنية سلطة صاغها التحالف المسلح المنتصر: كيان يعمل أقرب إلى دولة فصائلية مهيمنة منه إلى ديمقراطية تعددية حقيقية.
حقق الشرع شرعية دولية لافتة في وقت قصير. في غضون عام واحد، التقى ترامب في البيت الأبيض، وتحدّث أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأحرز رفع بعض العقوبات الغربية. غير أن قبضته الداخلية تبقى هشّة: عنف طائفي على الساحل الغربي، وحكم ذاتي كردي فعلي في الشمال الشرقي، ومقاومة درزية في الجنوب، وتشبّث فصائل جهادية معادية لبراغماتيته بمواقعها — كل ذلك لا يزال يُضيّق هامش السلطة المركزية.
في عام 2024، لم يكن الجيش العربي السوري سوى ظل للقوة التي بناها حافظ. فقد حلّ مقاتلو حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والقوات الروسية والمستشارون الإيرانيون فعلياً محل الجيش السوري بوصفهم العمود الفقري للدفاع عن النظام — مما يعني أن القوات المسلحة السورية الأصيلة لم تكن تمتلك قدرات تُذكر. وما إن سقط النظام حتى تحرّكت إسرائيل بسرعة فائقة للتأكد من أن كل ما سيأتي بعده سيبدأ من قدرة عسكرية تكاد تكون صفرية: قواعد جوية وبطاريات دفاع جوي ومنشآت إنتاج أسلحة ومخزونات صواريخ وأنظمة رادار ومراكز أبحاث في دمشق وحمص وطرطوس واللاذقية وتدمر، كلها استُهدفت. ووفق ما أعلنته قوات الدفاع الإسرائيلية ذاتها، دمّرت هذه الحملة ما يقارب 80% من الأصول الاستراتيجية العسكرية المتبقية لسوريا.
ما تبقى لسوريا هو ائتلاف من الفصائل المسلحة لا جيش نظامي محترف. معظم المقاتلين من الميليشيات الإسلامية السابقة — وهم أكفاء في الإرهاب والحرب الخاطفة والأساليب القتالية في الحروب الأهلية، لكنهم قليلو التدريب على الحرب النظامية للدولة: ضبط الحدود والدفاع الإقليمي والسلاسل اللوجستية والعمليات المشتركة. التجهيز متفرق وقديم في معظمه، وشحيح في الأسلحة المتوسطة والثقيلة. ولا توجد قدرات جوية أو بحرية ذات بال. وبدون المقاتلين الأجانب — المتطوعين الجهاديين القادمين من آسيا الوسطى وشمال أفريقيا وسواها — فإن القوات المسلحة السورية عددياً لا تكفي للقيام بمهام الدوريات، ناهيك عن إسقاط نفوذها على بلد بحجم سوريا.
يُضاف إلى الضعف العسكري ضعف اقتصادي لا يقل وطأةً. فعلى الرغم من قرار رفع بعض العقوبات، لا تزال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتحركان بحذر. ولم تتجسّد الاستثمارات بأي حجم يُعتدّ به. والرواتب في القطاع العام متدنية بصورة مزرية، تُذكي فساداً متجذّراً. والبنية التحتية محطّمة. ولا قاعدة اقتصادية تتيح تسليحاً جوهرياً، ناهيك عن مغامرة عسكرية في الخارج.
في عام 2025، بدأت أصوات في المنطقة وخارجها تقترح أن سوريا يمكنها أو ينبغي لها نقل قوات عسكرية إلى لبنان، في إطار تقديمها باعتبارها موازناً للنفوذ الإيراني. ويكشف هذا الاقتراح عن قراءة خاطئة جوهرية لما هي عليه سوريا راهناً. غير أن ما طلبته واشنطن رسمياً كان مسألةً أمنية حدودية لا تفويضاً باحتلال. كان الطلب الأمريكي إلى الحكومة السورية محدداً: منع التحرك البري للأصول الإيرانية — أسلحة ومقاتلين وأموالاً — من العراق إلى لبنان عبر الأراضي السورية. ولهذا جرى نشر التعزيزات السورية على الحدود العراقية والحدود اللبنانية معاً، لا على الحدود اللبنانية وحدها. الهدف هو الاعتراض، لا الغزو.
الاحتلال يستلزم لوجستيات متواصلة وسلاسل قيادة موثوقة وإدارة إقليمية وحماية لقواته. واحتلال الأراضي اللبنانية وإدارتها مهمة تطلّبت تاريخياً قوة من 35 إلى 40 ألف جندي منضبط مدعوم بأجهزة استخبارات ونقاط تفتيش ووكلاء سياسيين محليين وغطاء إقليمي ودولي. القيادة السورية الجديدة لا تمتلك شيئاً من هذا.
موقف إسرائيل يمثّل قيداً إضافياً لا يُستهان به. لا تثق تل أبيب بحكومة دمشق الحالية، إذ ترى في الشرع «جهادياً في بدلة رسمية» ودمية تركية. وفي مستوى أعمق، تعارض إسرائيل بشدة توسع النفوذ التركي على الأراضي السورية، وترفض قطعياً امتداده إلى لبنان. في المقابل، تتمحور المصالح الأمريكية في لبنان حول تثبيت الجيش اللبناني وتقييد حزب الله، لا حول فتح جبهة جديدة من الغموض مع هيكل عسكري إسلامي غير مجرَّب.
على الجانب اللبناني من الحدود، فإن الجيش اللبناني المجهّز والمدرَّب أمريكياً، إلى جانب المجتمعات الحدودية المسلحة في شمال لبنان وشرقه، سيفرضان كلفةً باهظة على أي تغلغل لقوات إسلامية سورية متشرذمة خفيفة التسليح.
بالنسبة إلى الفاعلين الموالين لإيران والشبكات المرتبطة بحزب الله، فإن شبح جيش جهادي يزحف على بيروت ليس تحليلاً — بل طوق نجاة سياسي. فمنذ ديسمبر 2024، تكبّد الطرفان خسائر فادحة، من بينها انقطاع ممر سوريا. ومن خلال إذكاء الهلع من تجمّع متطرفين سنّيين على حدود لبنان، يسعيان إلى إعادة بناء التضامن الطائفي — لا سيما في أوساط الشيعة والمسيحيين — ذلك الشعور بالتهديد الوجودي المشترك الذي ظل وقوداً لقدرتهما على التعبئة طويلاً. الفخ متعمّد بدهاء: لو حدثت عملية عسكرية سورية، لمنحتهما على طبق من فضة مبرّر الوجود الذي يبحثان عنه، بتأكيدها أن سلاح حزب الله يبقى الدرع اللبنانية التي لا بديل عنها. رواية الغزو، في المحصلة، ينبغي أن تُقرأ على حقيقتها — لا بوصفها تقييماً أمنياً، بل مقياساً لمدى حاجة هؤلاء الفاعلين الماسّة إلى عدو كي يُبقوا على أنفسهم في دائرة الحضور والأهمية.
قصة سوريا الممتدة على مدى قرن هي قصة الهوّة بين الطموح والقدرة. كان حافظ الأسد استثنائياً بالضبط لأنه ردم تلك الهوّة — مستثمراً الموقع الجغرافي والسياسي لسوريا ليتجاوز ثقلها بمراحل طوال ثلاثة عقود. ابنه فتح الهوّة من جديد، بصورة كارثية. وسوريا الجديدة، في عهد الشرع، لا تزال تبحث عن الدولة التي تريد أن تكون. لبنان، في الوقت الراهن، ليس جائزةً في متناول يدها.