Logo Levant Time

Articles

Image d'actualité
تكريم
Portrait de l'auteur
Par ميشال حاجي جورجيو
Publié سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
Portrait de l'auteur
Par منى فياض - Publié سبتمبر 5, 2026 - 20:01
Image d'actualité
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
Portrait de l'auteur
Par يوسف معوض - Publié سبتمبر 5, 2026 - 13:25
Image d'actualité
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
Plus d'articles
Trier par: RécentsAnciens
عون يدين أعمال حزب الله في الخليج

على إيقاع تبادل إطلاق الصواريخ بين إيران وإسرائيل، احتفل العالم العربي والإسلامي، الجمعة، بعيد الفطر، الذي يصادف نهاية صيام رمضان. تحدث الرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة، بهذه المناسبة هاتفياً مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وخلال هذا الاتصال، "دان رئيس الدولة تورط بعض الأحزاب السياسية في مؤامرة تخريب أعلنت الإمارات عن إحباطها اليوم" (الجمعة)، بحسب بيان للرئاسة اللبنانية، في إشارة إلى الاتهامات الموجهة لحزب الله. من جانبه، رفضت الميليشيا الموالية لإيران يوم الجمعة الاتهامات "الباطلة" من الإمارات العربية المتحدة، التي أعلنت عن اعتقال خمسة على الأقل من أعضاء شبكة إرهابية مرتبطة بإيران وحزب الله، على خلفية الحرب في الشرق الأوسط. هذه هي المرة الثالثة هذا الأسبوع التي ينفي فيها الحزب الشيعي أي صلة له بالخلايا التي تم تفكيكها في دول الخليج. كانت شبكة حزب الله في الإمارات قد "سعت للتسلل إلى الاقتصاد الوطني وتنفيذ عمليات خارجية تهدد الاستقرار المالي للبلاد" في إطار "خطة استراتيجية محددة مسبقاً، بالتنسيق مع أطراف خارجية مرتبطة بحزب الله وإيران"، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية وام، نقلاً عن الأجهزة الأمنية الإماراتية. في السياق نفسه، نفى حزب الله مرتين هذا الأسبوع أي وجود له في الكويت، بعد اعتقال 16 شخصاً متهمين بالتخطيط لعملية "تخريب". كما أعلنت السلطات الكويتية عن تفكيك خلية مكونة من عشرة أشخاص تابعين لحزب الله كانت تعد، بحسب الإمارة، "مؤامرة إرهابية تستهدف منشآت حيوية". وخلال مكالمة هاتفية مع أمير الكويت، كان على الرئيس عون أيضاً إدانة تصرفات حزب الله في الإمارة. من جانبه، أشاد السفير الأمريكي في بيروت، ميشيل عيسى، باقتراح الرئيس جوزيف عون ببدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لإنهاء الحرب ضد حزب الله. ومع ذلك، صرح السيد عيسى بأن إسرائيل "لم تقرر وقف ضرباتها". "يجب على لبنان أن يقرر ما إذا كان سيلتقي بالإسرائيليين في هذه الظروف"، أضاف. علاوة على ذلك، دعا وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، يوم الجمعة إيران إلى "تنازلات كبرى". وأضاف: "يجب على النظام الإيراني أن يتخذ قراراً بتغيير جذري في موقفه يسمح بالتعايش السلمي لإيران مع بيئتها الإقليمية". تسعى الدبلوماسية الفرنسية بشكل خاص إلى تجنب توسع الصراع بين إسرائيل ولبنان، الذي ينجر إليه حزب الله في حرب لا تعنيه مع ذلك. وهكذا، أدان جان نويل بارو "قرار حزب الله غير المقبول وغير المسؤول" الذي انضم "إلى الاعتداءات الإيرانية ضد إسرائيل"، مؤكداً في الوقت نفسه استعداد باريس لتسهيل محادثات "مباشرة" بين تل أبيب وبيروت. لا تزال تل أبيب لا تستبعد احتمال توغل بري واسع النطاق تحاول فرنسا تجنبه، بينما يستمر حزب الله في استهداف شمال إسرائيل. أعلن المتحدث العسكري الإسرائيلي يوم الجمعة أن تل أبيب تعتزم زيادة الضغط على حزب الله وتوسيع عملياتها العسكرية البرية في جنوب لبنان خلال الأيام المقبلة. وأوضح أن الجيش الإسرائيلي استهدف أكثر من 2000 هدف لهذا الجماعة، منذ أن بدأت بمهاجمة أراضيه، وسيستمر في ذلك. منذ بداية الحرب التي شنها المحور الإسرائيلي-الأمريكي ضد إيران في 28 فبراير، تكرر السلطات الإسرائيلية أن عملياتها العسكرية لن تنتهي إلا بتحقيق الأهداف المحددة: القضاء على قدرات إيران لإنتاج الأسلحة النووية والباليستية، وإضعاف، إن لم يكن تدمير، نظام الملالي ووكلاءه في المنطقة. وقد أكد كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنهما يقتربان من تحقيق ذلك. رداً على هذه التصريحات، أعلن الحرس الثوري الإيراني يوم الجمعة أن طهران "تواصل، منذ بداية الحرب، إنتاج الصواريخ"، ولا تعاني من نقص في المخزون، و"لا يوجد أي قلق في هذا الشأن"، حسبما أفادت وكالة رويترز. كما هددوا باستهداف مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين. ويأتي هذا التهديد بشكل خاص بعد الاستهداف المستمر لكوادر القيادة الإيرانية. وهكذا أكد الحرس الثوري يوم الجمعة وفاة المتحدث باسمه، علي محمد نائيني، بينما أعلنت إسرائيل تصفية "قائد رئيسي في وزارة الاستخبارات الإيرانية، مهدي رستمي شمستان، خلال ضربة موجهة، الأربعاء". على صعيد آخر، سمحت المملكة المتحدة للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية لضرب مواقع إيرانية تستهدف مضيق هرمز في إطار "عمليات دفاعية"، وهو قرار كان يجب على لندن اتخاذه "بسرعة أكبر بكثير" وفقاً لدونالد ترامب. واتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رئيس الوزراء كير ستارمر عبر منصة X بـ"تعريض حياة البريطانيين للخطر من خلال السماح باستخدام القواعد البريطانية لشن عدوان ضد إيران".

تصعيد عربي وإسلامي ضد إيران: دعوات حازمة لـ «وقف الاعتداءات»

في وقت لا تزال فيه المعارك الميدانية في جنوب لبنان مستعرة، ومع استمرار التصعيد على الجبهة الإيرانية، تتجه الأنظار اليوم، في 19 آذار، نحو الرياض؛ حيث استضافت العاصمة السعودية اجتماعاً استثنائياً لوزراء خارجية الدول العربية والإسلامية. وتأتي هذه الخطوة في وقت باتت فيه دول الخليج العربي هدفاً للصواريخ الإيرانية منذ بدء الهجوم الإسرائيلي - الأمريكي على إيران في 28 شباط الماضي. فبذريعة استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، تعمد قوات الحرس الثوري الإيراني إلى قصف البنى التحتية المدنية والمدن، مع مواصلة تهديد المنشآت النفطية. وقد اتسمت المداخلات في ختام اجتماع الرياض بلهجة شديدة الحزم، لم تقتصر فقط على استنكار تساقط الصواريخ والطائرات المسيّرة على الخليج، بل شملت أيضاً التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، لا سيما القادمة من دول الخليج. وفي هذا السياق، أعرب وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، بوضوح عن رفض أي ابتزاز يتعلق بمضيق هرمز، مؤكداً على «حق دول الخليج في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات المتواصلة». وأدان الوزراء المجتمعون بالإجماع «الاعتداءات الإيرانية غير المبررة بالصواريخ والمسيّرات على المناطق السكنية»، معيدين التأكيد على «حق الدول في الدفاع المشروع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة». كما وجهوا «نداءً إلى إيران بوقف هجماتها فوراً واحترام القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار»، مشددين على أن «مستقبل العلاقات مع طهران مرهون باحترام سيادة الدول ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية». كذلك برزت نقطة جوهرية أخرى في البيان الختامي تمثلت في «إدانة أي دعم أو إمداد بالسلاح للميليشيات في الدول العربية»، وهو ما يعني مباشرةً حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن. إن ما يمكن استخلاصه من هذه التصريحات ليس فقط الحزم الجماعي المعتمد من قبل الدول العربية والإسلامية، بل أيضاً العزلة المتزايدة التي بدأت تحاصر الاستراتيجية الإيرانية. فمنذ بدء حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو أن رهان طهران على نشر الفوضى في المنطقة بدأ يرتدّ عليها. وفي الشأن اللبناني، أعرب الوزراء عن «دعمهم لأمن واستقرار لبنان، وحصر السلاح بيد الدولة، مع إدانة الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيه»؛ وهو موقف حازم تجاه طرفي النزاع، أي حزب الله وإسرائيل على حد سواء. وقد مثّل لبنان في هذا الاجتماع وزير الخارجية جو رجي، الذي دعا الدول العربية والإسلامية إلى دعم مبادرة الرئيس جوزيف عون الداعية إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بهدف إنهاء الحرب التي خلفت حتى الآن قرابة ألف قتيل وأكثر من مليون نازح. وحتى اللحظة، لا يبدو أن إسرائيل (ومن خلفها واشنطن) ولا حزب الله (والثنائي الشيعي) يبدون استعداداً للتجاوب مع هذا الطرح. وبالتوازي مع إدانة الهجمات الإسرائيلية، لم يتوانَ الوزير اللبناني عن لوم إيران لجرّها لبنان إلى الحرب عبر حزب الله، وهو موقف يتناقض جذرياً مع توجهات أسلافه. كما جدد إدانة لبنان للهجمات التي شنتها طهران ضد دول الخليج. وعلى هامش الاجتماع، أكد وزير الخارجية السوري، أسعد شيباني، لنظيره اللبناني أن بلاده لا تنوي الدخول إلى لبنان أو التدخل في شؤونه الداخلية. وحسب معلومات تداولتها وسائل الإعلام مؤخراً، فإن الولايات المتحدة كانت قد طلبت من سوريا التدخل في الحرب الدائرة لـ «ضبط» حزب الله (الذي يُعد خصماً للنظام السوري الجديد)، إلا أن دمشق رفضت ذلك. صواريخ بعيدة المدى للمرة الأولى وبينما يجتمع الوزراء في السعودية، تنشط الدبلوماسية الفرنسية في لبنان، حيث من المتوقع وصول وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى بيروت يوم الخميس. يذكر أن فرنسا تدعم مبادرة الرئيس عون للمفاوضات المباشرة، وقد اقترحت استضافتها في باريس. وكانت تصريحات المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان قد أثارت ضجة يوم الأربعاء، إذ اعتبر في مقابلة تلفزيونية أن حزب الله مسؤول مباشرة عن التصعيد الجديد منذ إطلاقه الرشقات الصاروخية فجر 2 آذار، وأنه يعمل لحساب إيران وليس لمصلحة اللبنانيين. ومع ذلك، انتقد لودريان الضغوط الدولية (الأمريكية خاصة) لنزع سلاح الحزب فوراً، ملاحظاً أن إسرائيل لم تنجح في ذلك عبر سنوات من الصراع، وبالتالي لا يمكن للبنان إنجاز هذه المهمة «في ثلاثة أيام وتحت القصف». ويرى مراقبون أن زيارة بارو لبيروت قد لا تحدث فرقاً جوهرياً في ظل اشتعال الميدان، إذ يبدو أن «زمن الدبلوماسية» لم يحن بعد. فرغم الهدوء النسبي في الضاحية الجنوبية والعاصمة، تشهد جبهة الجنوب معارك ضارية، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي تصفية نحو عشرين مقاتلاً من حزب الله خلال الـ 24 ساعة الماضية، في حين توقف الحزب عن نعي مقاتليه منذ تصعيد آذار 2026. أما التطور النوعي في الساعات الأخيرة، فتمثّل في استخدام الحزب لصواريخ باليستية بعيدة المدى، يُعتقد أنها أُطلقت من منطقة بعلبك في البقاع الشمالي، التي تُعدّ معقلاً آخر له، وذلك للمرة الأولى ليس في هذا الصراع فحسب، بل منذ مواجهات 2023-2024 أيضاً. ومن شأن هذه الأسلحة الجديدة أن تغيّر قواعد اللعبة بالكامل، كونها تفرض توسيع رقعة الميدان، ما سيضطر الإسرائيليين على الأرجح إلى تغيير استراتيجيتهم، بعدما بات واضحاً أن الحزب لم يعد يكتفي بالراجمات والصواريخ قصيرة المدى عند الحدود. ويأتي توقيت هذا التطور، تزامناً مع اغتيال شخصيات وازنة في إيران وتكثيف الضربات الأمريكية عليها، ليُفسَّر بضرورة إشغال الجيش الإسرائيلي إلى أقصى حد على الجبهة اللبنانية، في استخفاف تام بحجم الخسائر في الأرواح والممتلكات في الداخل اللبناني. ومن المؤشرات الأخرى على اشتعال الجبهة اللبنانية وتصاعد منسوب العدائية من قِبل مناصري الميليشيا تجاه الحكومة اللبنانية ــ التي باتت تعتبرها (الميليشيا) كياناً يعمل خارج إطار القانون ــ سلسلةٌ من الهجمات السيبرانية التي استهدفت مواقع إلكترونية لوزارات عدّة، من بينها وزارة الإعلام التي كانت قد حظرت استخدام مصطلح «المقاومة» في وسائل الإعلام الرسمية. وكان تحالف القراصنة، الذي يطلق على نفسه اسم «الفاطميون» في إشارة مستوحاة من التاريخ الشيعي، قد استهدف أيضاً مطلع الأسبوع موقع قناة «إم تي في»، وهي وسيلة إعلامية معروفة بمناهضتها الصريحة لحزب الله.

لا ينقذ الشيعة... إلّا الشيعة
Par
خيرالله خيرالله
Publié

من بين أطرف التعليقات التي سمعتها أخيرا من أحد أبواق "الممانعة" ظهر في إحدى الفضائيات اللبنانية قوله "أنّ حزب الله" يدافع عن أرضه" مواجهة إسرائيل. يصعب إيجاد تزوير للحقائق يفوق هذا التزوير الذي تولاه شخص سنّي يعمل منذ سنوات عدّة واجهة للحزب لقاء مكافآت يتلقاها بانتظام. لا صحة لأي كلمة وردت على لسان "الممانع السنّي" الذي يخلط بين الدفاع عن الأرض، التي ليست أرض "حزب الله"، من جهة والعمل على تكريس الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. كلّ ما في الأمر أن الحزب فتح جبهة جنوب لبنان مرّة أخرى بناء على تعليمات إيرانيّة مباشرة لا علاقة لها بمصلحة لبنان واللبنانيين من قريب أو بعيد. تدور في لبنان فصول مهزلة لا بدّ من وضع حدّ لها عاجلا أم آجلا. كان يمكن لهذه المهزلة أن تثير الضحك لولا تحولها إلى مأساة إنسانيّة حقيقية. لا يعبر عن حجم المأساة أكثر من تجاوز عدد النازحين، من قراهم في الجنوب والبقاع ومن الضاحية الجنوبيّة لبيروت، رقم المليون في بلد عدد مواطنيه نحو ستة ملايين. يفسّر فتح "حزب الله" جبهة جنوب لبنان، بحجة الإنتقام لإغتيال أميركا وإسرائيل "المرشد" الإيراني علي خامنئي، أمران. أولهما وقوع الحزب تحت السيطرة الكاملة لـ"الحرس الثوري الإيراني". هناك ضابط في "الحرس الثوري" أعطى الأمر باطلاق الصواريخ الستة التي كانت بداية لتجدّد الحرب. أمّا الأمر الثاني، فيتعلّق بطبيعة "حزب الله" نفسه وأيديولوجيته التي تقوم على الإستثمار في الاحتلال الإسرائيلي. لا "حزب الله" من دون إحتلال ولا إحتلال إسرائيلي لأرض لبنانيّة من دون الحزب. مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في أيار – مايو من العام 2000، أصرّ الحزب على أن الانسحاب الإسرائيلي لم يكن كاملا. فعل ذلك علما أنّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أكّد أن إسرائيل نفذت القرار الرقم 425 الصادر عن المجلس في العام 1978 بحذافيره وأنّها انسحبت إلى "الخط الأزرق" الذي هو خط وقف النار بين لبنان وإسرائيل. بل هو الحدود بينهما، مع فوارق لا تذكر. إختلق الحزب قضيّة مزارع شبعا والتلال السبع من أجل تبرير إستمرار إحتفاظه بسلاحه. تبيّن، في العام 2000، بوضوح ليس بعده وضوح أنّ وجود الاحتلال علّة وجود الحزب وأنّ هذا السلاح يشكل العمود الفقري لحزب لا همّ له سوى تحويل لبنان إلى مستعمرة إيرانيّة لا أكثر. وسط كلّ ما يدور على أرض لبنان في الوقت الحاضر، يبدو "حزب الله" مستعدا لإحراق البلد وتحويله إلى رماد من أجل أن يتمكّن من السيطرة عليه. هذا ما يفسّر خوض حرب خاسرة سلفا لن تعود سوى بالخراب على لبنان الذي يدور في حلقة مقفلة، بل يدور على ذاته. إذا كان من انجاز حققه الحزب، ومن خلفه إيران، طوال نحو 45 عاما، فإن هذا الإنجاز ذا الطابع السلبي يتمثل في تغيير طبيعة الطائفة الشيعية في لبنان، بأكثريتها طبعا. لا تزال في البلد نخبة شيعيّة تواجه المشروع التوسّعي الإيراني في كلّ منطقة لبنانية، من الضاحية، إلى الجنوب، إلى البقاع. لا تزال هناك نخبة شيعية تعرف أهمّية لبنان ومعنى الإنتماء إليه بدل أن تكون الطائفة "جنديا في جيش الوليّ الفقيه" كما كان يقول حسن نصرالله. اعترف نصرالله في لحظة الحقيقة، بالصوت والصورة، أن الحزب صنيعة "الجمهوريّة الإسلاميّة"... من يكسر الحلقة المقفلة التي يدور فيها لبنان؟ الأكيد أنّ الموقف الذي اتخذه رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام في غاية الأهمّية. لكن الحاجة أكثر من أي وقت إلى إنقلاب داخلي شيعي يكسر الحلقة المقفلة بدل الإستمرار في الدوران على الذات. لا يمكن لمصدر هذا الإنقلاب أن يكون من خارج "الثنائي الشيعي" الذي اثبت أنّّه لم يكن يوما سوى غطاء لتغطية سلاح "حزب الله"، أي لإستخدام هذا السلاح في الضغط على الدولة اللبنانية وبث الرعب في صفوف الطوائف الأخرى، في صفوف السنّة والمسيحيين والدروز. من يقوم بهذا الإنقلاب الداخلي اللبناني؟ أين دور رئيس حركة "أمل" رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي يعتمد لغة خشبية تصبّ في خدمة الموقف الإيراني من لبنان؟ في النهاية، نفّذ "الحرس الثوري" إنقلابا في لبنان على غرار الإنقلاب الذي نفّذه في إيران نفسها. وضع "الحرس" يده كلّيا على "حزب الله" من أجل ربط مصير لبنان بمصير "الجمهوريّة الإسلاميّة وثقافة الموت التي تنادي بها. لا مفرّ من عودة لبنان إلى لغة العقل والمنطق بدل رفع شعار "الحسم في الميدان". إن لإعتماد هذا الشعار نتائج معروفة. سيعود هذا الشعار بنكبة على لبنان وعلى الطائفة الشيعية بالذات. من واجب الشيعة إنقاذ الشيعة بدل البقاء في أسر "الحرس الثوري" الإيراني... أو سماع ما يصدر عن هذا "الممانع" أو ذاك، أكان شيعيّا أو سنّيا. هؤلاء منافقون، على طريقة "الحرس الثوري" الذي يبدو مصمّما على الإنتحار. لا موجب لإنتحار شيعة لبنان في سياق تلك الرغبة التي يظهرها "الحرس الثوري"، خصوصا أنّ لدى شيعة لبنان مرجعية هي الدولة اللبنانية، أو هكذا يفترض...

مذكّرة سياسية وعسكرية
Par
خليل حلو
Publié

منذ فترة، تتهم شريحة واسعة من الرأي العام الجيش – و/أو قائده – بالتقاعس عن أداء واجبه، إن لم يكن التمرد على الحكومة التي طلبت منه تفكيك الترسانة العسكرية التابعة لحزب الله. بذلك، أصبحت المؤسسة العسكرية الهدف المفضل لبعض الصحافيين والمدونين وناشطي التواصل الاجتماعي، في حين أنها تلقى الإعجاب، بل وتكاد تُقدّس، من قبل نظرائهم في المعسكر المقابل. والمثير للسخرية وغير المقبول في آن، هو أن «محبّي» اليوم كانوا بالأمس يتهمون الجيش بكل الموبقات. فقد كانوا يعايرونه بـ«العمالة» لـ«الإمبريالية» الأميركية (وهي تسمية جاهزة يلصقها الغوغاء بكل ما لا يروق لهم)، وذلك في إشارة إلى التعاون العسكري بين لبنان والولايات المتحدة؛ علماً أنه لولا المساعدات الأميركية، لكان جيشنا خارج الخدمة، نظراً لهزالة ميزانية الدفاع. ينضم هؤلاء «المعجبون الجدد» بالمؤسسة العسكرية إلى صفوف المحبين الدائمين الذين يكادون يخنقون الجيش من فرط عناقهم له. أما أولئك الذين يشككون في الجيش في كل الظروف – وهم كثر – فيدّعون أنه لم يحمهم يوماً، متناسين سجلاً حافلاً من التضحيات يمتد لقرن من الزمن، لا سيما منذ ستينيات القرن الماضي. ويتذرع هؤلاء، بحق أحياناً، بحجج مثل السلوك العام لبعض العسكريين، أو المداخلات التلفزيونية لبعض المتقاعدين، وغيرها؛ إنهم يركزون على التفاصيل ويتجاهلون الجوهر عن سابق تصور وتصميم. لقد حول هؤلاء جميعاً الجيش اللبناني إلى «مادة إعلامية»، وهو أمر ضار على المستويات كافة. وبطبيعة الحال، فإن الإصلاح في مجالي الأمن والدفاع أمر ملح، إلا أن هذا يقع ضمن اختصاص السلطة التشريعية، صاحبة الصلاحية في هذا الشأن. لا ينبغي لجيشنا أن ينخرط في السياسة؛ ومع ذلك، فإن المآزق الوطنية وإفلاس السلطة وضعاه في بؤرة الاهتمام. وهكذا، فمنذ عام 1958 – وعقب «حرب أهلية مصغرة» في ذلك الحين – زُجّ بالعسكريين في المعترك السياسي، وهو ما لم يُعدّوا له على الإطلاق، وقليلون منهم فقط من يتأقلمون معه. وبالعودة إلى الجانب العملياتي للجيش، فإنه يتلقى، بالإضافة إلى المساعدات العسكرية الأميركية، دعماً من دول أوروبية وعربية. أما إيران، العزيزة جداً على قلب حزب الله وحلفائه الدائمين، وأولئك «الموسميين» (لحسابات انتخابية)، فلم يسبق لها أن قدمت عرضاً جاداً لمساعدة مؤسستنا العسكرية، رغم أن عقيدتها تقوم على الدفاع عن البلاد ضد أي عدوان، بما في ذلك العدوان الإسرائيلي. لم تقترح طهران سوى مساعدات عسكرية «سطحية» للجيش، بينما احتفظت بالمساعدات الجدية لحزب الله، لا سيما الصواريخ المضادة للدروع من الجيل الأحدث، والمسيرات، وصواريخ أخرى من أنواع شتى، فضلاً عن المساعدات المالية. غابت المؤسسة العسكرية عن الوجود الفعلي في جنوب لبنان منذ عام 1975، وهو ما أدى إلى الوضع الراهن. وقد فُسّر هذا الغياب بشكل خاص بإرادة الاحتلال السوري، لا سيما اعتباراً من عام 1990. فمنذ ذلك العام، كان الرؤساء المنصّبون في بعبدا خاضعين لدمشق التي منعتهم من فرض السيادة الوطنية في جنوب لبنان. وقد حرص الرئيس إميل لحود – الذي كانت تربطه علاقة صداقة وطيدة بنظيره السوري حافظ الأسد – مع حكوماته المتعاقبة، على منع القوات النظامية من الانتشار جنوباً بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان في 25 أيار 2000، وذلك بذريعة أن مزارع شبعا لا تزال محتلة، وبأن جيشنا لا ينبغي أن يلعب دور «حرس حدود» لإسرائيل. لكنه بهذا التصرف، سهّل انتشار حزب الله في تلك المنطقة، «بزعم» تحرير هذه المزارع، مما كبّدنا حرب 2006 المدمرة، والمقولة الشهيرة للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله «لو كنت أعلم». وبعد عام واحد، احتلت منظمة فتح الإسلام (وهي تنظيم منبثق عن القاعدة) مخيم نهر البارد الفلسطيني شمال طرابلس، وكانت تخطط لإقامة إمارة إسلامية في شمال لبنان، تدين بالولاء لأسامة بن لادن. عندما خاض الجيش مواجهته ضد «فتح الإسلام» – التي فجرت حافلة في عين علق بالمتن الشمالي موقعةً ضحايا مدنيين، ونفذت عمليات سطو على المصارف، وقتلت في غضون ساعة واحدة 29 من جنودنا – قال حسن نصر الله حرفياً: «المخيمات الفلسطينية خط أحمر». آنذاك، تجاوز الجيش هذا الإنذار وسحق التنظيم الإرهابي، مقدماً 170 شهيداً. وفي تلك الأثناء، كان حزب الله يحاصر السرايا ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة عبر اعتصام استمر لأشهر، في محاولة لـ«انقلاب أبيض». لاحقاً، في عام 2008، دفع المأزق السياسي بالعماد ميشال سليمان إلى سدة الرئاسة. وقد أنهى الأخير ولايته وهو مُتّهم بكل الموبقات من قبل حزب الله. فقد رفض ميشال سليمان الخضوع، على عكس سلفه، والأهم من ذلك أنه صاغ استراتيجية دفاعية تهدف إلى استعادة سيادة الدولة؛ وهو ما اعتُبر «خطيئة مميتة» لا تُغتفر في نظر الميليشيا، لأنها قد تؤدي إلى نهايتها. في عام 2016، نصب حزب الله وحلفاؤه، بعد تفاهم مع السياديين، ميشال عون في بعبدا. وقد حرص الأخير، منذ مطلع ولايته، على منع صياغة أي استراتيجية دفاعية كان سلفه، ميشال سليمان، قد طرحها على الطاولة؛ متذرعاً بأن الاستراتيجيات تتبدل، ولا جدوى من وضع واحدة. صرح لاحقاً في مناسبات عدة بأن الجيش عاجز عن الدفاع عن البلاد. وعندما اشتبكت القوات المسلحة مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في معركة «فجر الجرود» صيف عام 2017، وخرجت منها منتصرة وكانت تستعد لشن الهجوم النهائي ضد التنظيم، أُجهض النصر الكامل بأمر من الرئيس عون؛ حيث جرى إجلاء مقاتلي داعش في حافلات نحو سوريا، إثر تسوية بين حزب الله والتنظيم. وبعد شهر واحد، في تشرين الأول 2017، صرح ميشال عون – الحليف الوثيق لحزب الله، وبطلب منه بالتأكيد – أمام الصحافة قائلاً: «إن وضع لبنان الاقتصادي لا يسمح بتجهيز الجيش، وهناك أسباب تمنع حصر السلاح في يده حصراً»، معتبراً أن «أي حل في الشرق الأوسط سيفضي إلى تسوية لمشكلة سلاح حزب الله». في الوقت الراهن، اتخذت السلطة مواقف «محمودة» فيما يخص استعادة السيادة؛ ومع ذلك، فإن القوات المسلحة لا تقوم بتنفيذها، نظراً لأن هذه المهمة تتطلب إشرافاً مستمراً من جانب السلطة التنفيذية، وهو أمر لا يزال غائباً. فالسلطة التنفيذية تواصل المماطلة أو تقترح مبادرات بائدة. وختاماً، يريد كل طرف أن تتطابق مهمة الجيش مع رغباته، ويستغلها كـ«مادة إعلامية»، سلباً أو إيجاباً، لتحقيق شهرة سياسية. إن المسؤول الحقيقي الذي يجب محاسبته يبقى السلطة التنفيذية – التي تضم مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية – فضلاً عن البرلمان، بانتظار أن يسمح رئيسه نبيه بري بذلك، وأن يحترم مبدأ فصل السلطات. أما مونتسكيو، فمن المؤكد أنه يتقلب الآن في قبره.

إنقاذ لبنان
Par
ميشال حاجي جورجيو
Publié

الصراع الدائر حالياً في لبنان — وعلى نطاق أوسع في الشرق الأوسط — مميتٌ من وجهين. فثمة أولاً الضحايا، والخسائر المادية، وتداعياتها الاقتصادية على العالم أجمع. غير أن وراء ذلك كله ثمة منطقاً ثنائياً يسود العقول على الجانبين، ويبدو أشد فتكاً على المدى البعيد. في الخطاب المعتاد، تُقدَّم الحروب باعتبارها الطريق الأقصر لمعالجة إشكالية عصيّة على الحل. بيد أن نتائج القرن المنصرم تثبت العكس. فالحروب ولّدت جملةً من المشكلات، مهما كانت مسوّغاتها. والحلّ العسكري لم يعد كافياً للبتّ في الأمور، فيما كانت إدارة مرحلة ما بعد الحرب سياسياً — لا سيما الأمريكية منها — كارثيةً على أقل تقدير منذ سايغون. الحرب الدائرة بين إيران وحزب الله من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتخطى بكثير السياق اللبناني. معالجتها من الزاوية اللبنانية الضيقة حصراً — أي مسألة سلاح الحزب — ضربٌ من الخطأ، على الرغم من الاستياء المبرر تماماً حيال الواقع الشمولي الذي أوجده الحزب الموالي لإيران في لبنان على مدى أربعة عقود. غير أن عدوَّ عدوّي (الحزب) — إسرائيل — ليس صديقي. فانزلاق بعض المواقف الراهنة يفترض أنه ثمة من وجب عليه الاختيار، في هذه الحرب، بين أحد المعسكرين، بهدف تصفية حسابات داخلية. في أعقاب ذلك، يأخذ الخطاب أحياناً منحىً طائفياً — ويعود إلى استحضار شياطين الثارات بين الطوائف القديمة، لا سيما في ظل الأزمة غير المسبوقة التي يعيشها البلد، مع موجة النزوح التي أفضى إليها الغرور الإسرائيلي المتضخم في إفلات تام من العقاب. في ذلك نسيانٌ لحقيقة أن جميع الطوائف اللبنانية ارتكبت الخطأ ذاته، أي أنها انتهت إلى الاندراج في مشروع غرور ولّد لدى كل منها، بالتناوب، شعوراً لا يُحتمل بالهزيمة والإحباط. المسألة الشيعية لم تنشأ بالأمس. فقد دفعها إلى الواجهة السعيُ للحصول على اعتراف اجتماعي بعد عقود من التهميش في بناء الدولة. ولما لم يجد هذا السعي صدىً، تخلى الشيعة عن مشروعهم التحديثي وانحازوا نحو أشكال هوياتية من التنظيم ذات طابع اجتماعي وازن. وقد هشّم هذا التنظيم البنى التقليدية دون أن تكون الدولة قوية بما يكفي لتحل محلها. وإن كان حزب الله لا يمثل الطائفة الشيعية بأسرها، فإنه يمثل قسماً منها على أي حال، عن قناعة أو ضرورة هيكلية. وليس بمقدور القسم الآخر من الطائفة أن يبقى محايداً أو لا مبالياً — رغم افتقاره إلى الحماس تجاه الحزب — إزاء عدوان دموي ممنهج يطال ذويه وممتلكاته. لا سيما حين لا يوجد بديل سياسي يتيح لهم الخروج من الكارثة التي جُرّوا إليها طوعاً أو كرهاً. الرابطة بين الشيعة وحزب الله تتخطى الإطار الأبيض والأسود البسيط، نظراً لأواصر الدم من جهة، ولخصوصيات التنافس المحاكاتي بين الطوائف اللبنانية داخل الفضاء العام من جهة أخرى. فالحزب، ومن قبله حركة أمل، طالما عزفا على وتر صدمة الإقصاء الشيعي الموروثة من ظلم الماضي. فضلاً عن ذلك، عمل الحزب على تهميش وإقصاء وسحق كل المعارضين الشيعة اللبنانيين السياديين المناهضين للعقيدة الخمينية في ولاية الفقيه، بكل أطرافها — من الإمام محمد مهدي شمس الدين إلى المثقف الليبرالي لقمان سليم، مروراً باليسار اللبناني السيادي. وهكذا، أرسى حزب الله عن سابق قصد وتصميم، ومنذ عقود، لبساً متعمداً بين مستويَي الانتماء — الوطني والطائفي — وهو ما كان في الواقع نموذج جميع الأحزاب إبان الحرب، المسكونة بشيء واحد: الاستيلاء على السلطة. والفارق أن الحزب فعل ذلك حصراً بوصفه مرزبانيةً لفارس الجديدة التي جنت منه أرباحها السياسية والمادية. غير أنه بين حزب الله وإيران من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، ثمة معسكر ثالث: لبنان، الشرعية اللبنانية. ومهما بلغت هشاشتها، فهي وحدها الجديرة بأن تُتَّبع. إن كانت الدولة اللبنانية هزيلة منذ عام 1973 بفعل الحروب والأوصياء، وتحاول النهوض كما تستطيع في هذه المرحلة، فهي مع ذلك تبقى الضمانة الوحيدة للبلاد لجميع اللبنانيين، مهما كانت انتماءاتهم الطائفية. تكمن كل تعقيدات الدولة اللبنانية في أنها مدعوة إلى إدارة ليس الأفراد فحسب، بل الطوائف أيضاً، والتجمعات البشرية، والمناطق، والثقافات. الدولة البسيطة لا يمكن أن تكون إلا اختزالية، والدولة الاختزالية هي، بتعريفها، دولة شمولية لا تستطيع أن تنسجم مع مجتمع مركّب، فتسعى إلى إعادة تشكيله وفق هواها وتبسيطه. وهذا هو الفخ الذي وقعت فيه كل فصيل طائفي أراد أن يصوغ لبنان على صورته، مُقصياً ومُهمِّشاً سائر مكونات البلاد. الدولة اللبنانية تبقى الضمانة الوحيدة، نعم. شريطة أن تُبادر طوائفها — وزعماؤها الذين يواصلون التصرف كزعماء عشائر من عصور الإقطاع، يتسربلون بمهمة تاريخية إلهية لاستعادة عظمة قبيلتهم وأمنها — إلى ولاء نهائي وحاسم للدولة ولفكرة لبنان الكبير ضمن حدوده المعترف بها دولياً — بلا شروط ولا مساومات لأي كان. وشريطة أن تُثبت الدولة بدورها أنها تضطلع دون تردد بمسؤوليتها في صون لبنان، في إطار احترام الدستور. لبنان لا يمكنه الخروج منتصراً من حرب لا يمسك بأيٍّ من عناصرها، وجهاد حزب الله عبثٌ — شأن ذلك شأن الاعتقاد بأن إسرائيل ستتمكن من القضاء كلياً على ميليشيا أخروية تتغذى من الموت والشهداء. فبلد الأرز ليس، في نهاية المطاف، سوى بؤرة-خراج لأزمة تمتد منذ عام 1969، بل منذ عام 1948، وتطال وحدته وسيادته وسلامه — فضلاً عن الشرط الجوهري لتحصين هذه الأخيرة: الحياد الإيجابي تجاه نزاعات المنطقة، في إطار احترام الصالح العام للجوار العربي، والقانون الدولي، والحقوق الأساسية للإنسان. في لحظة ما، لا بد للمدافع أن تصمت، وللواقع أن يُستعاد. وحتى لو بدا من العسير تصديق أن الحزب سيتنازل عن تبجّحه الانتحاري الملحمي، بل الجبابري، فلا بد أن يكفّ أولئك المسؤولون اللبنانيون الذين لا يزالون يملكون بعض القدرة على التأثير في الأحداث عن التفرج على الكارثة، وأن يقترحوا، في إطار ملتقى رفيع المستوى عابر للطوائف، مبادرة سياسية من شأنها أن تتيح للطائفة الشيعية الخروج من الفخ الثنائي الغادر الذي تحاصرها إيران فيه منذ عقود — إسرائيل أو أنا، السنة أو أنا، إلخ. استمر طغيان الحزب طويلاً أكثر مما يجب، غير أن التجارب الماضية تؤكد أنه ليس بمشروع تسلطي آخر — لا سيما إن جاء من الخارج — أن يُجهز عليه، بل بمشروع سلام شامل مرتكز على المقومات التأسيسية للدولة والقيم الجوهرية للجمهورية. وإلا، فليُحذر من عودة المكبوت! لا سيما أن المكوناتِ اللبنانية والمجتمعَ الدولي تركا الأمورَ تمضي، فعلاً أو إهمالاً، مصلحةً أو إباءً عن أخذ الثور من قرنيه... “تجنباً للحرب الأهلية”. هذا المشروع، الذي وُجد بين عامَي 2000 و2005 لاستعادة محور الوحدة-السيادة في مواجهة الأسد، غائب في الوقت الراهن. ولم يُبذل أي جهد لإيجاده، إذ كانت جميع المكونات السياسية مسكونة بمكاسبها الضيقة على المدى القصير. وخارطة الطريق الوحيدة المعقولة للخروج من الجنون الدموي ينبغي أن تكون على النحو الآتي: وقف الأعمال العدائية، ونزع سلاح حزب الله، واستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها عبر انتشار مكثف للجيش على الحدود، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، ثم مفاوضات سلام تحت رعاية الأمم المتحدة، ومنح لبنان وضع الحياد الإيجابي. البديل هو اختفاء لبنان، مع “سلام الآخرين” مرة أخرى، فوق جثته — وجثثنا. فليس لنا سواه. فلا نُسهم في تدميره، بل في خلاصه. كان رينيه ماهيو قد لاحظ عام 1975 أن لبنان أفلح في إنتاج “أسلوب حضاري” قائم على الحوار والعيش المشترك؛ مجتمع ظل، على الرغم من تفاوتاته، “الأقل لاإنسانية في العالم”، وفق ما قاله جورج نقاش. إن عالماً آيلاً إلى الانحلال، مثخناً اليوم بالقلق الهوياتي ذاته الذي أسفر عن دمار هذا اللبنان، لفي أمسّ الحاجة إليه.

إسرائيل تسعى لعزل جنوب الليطاني

مع مرور الأيام، تتزايد وتيرة العمليات العسكرية تصاعديًا، مما يزيد من خطورة الحرب الشاملة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ 28 فبراير على نظام الملالي الإيراني. وهذا التصعيد واضح على أكثر من مستوى. فبعد تصفية رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني (الرجل القوي الحقيقي للنظام بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي)، وغلام رضا سليمان، قائد الباسيج (آلة القمع الرهيبة للسكان)، في 17 مارس، جاء دور وزير الاستخبارات، إسماعيل خطيب، ليتم تصفيته خلال غارة إسرائيلية. وقد أكدت السلطات الرسمية وفاته يوم الأربعاء الموافق 18 مارس. على صعيد العمليات العسكرية بالمعنى الدقيق للكلمة، بدأت الطائرات الأمريكية خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية بقصف مكثف، باستخدام قنابل اختراق التحصينات، للمواقع الإيرانية والمستودعات الجوفية للصواريخ والطائرات المسيرة على طول الساحل المطل على الخليج الفارسي. يُعتقد أن أكثر من 200 صاروخ باليستي قد دمرت خلال إحدى هذه الضربات. ويهدف هذا القصف بوضوح إلى تمهيد الطريق لإعادة فتح مضيق هرمز، أو على الأقل تقليل قدرة الحرس الثوري بشكل كبير على تعطيل حرية حركة ناقلات النفط عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي. وفي هذا الصدد، من المتوقع وصول وحدة كبيرة من مشاة البحرية، مزودة بقوة ضاربة متطورة، قريبًا إلى المنطقة لتعزيز القدرات العملياتية للجيش الأمريكي، لا سيما في منطقة مضيق هرمز. في غضون ذلك، قصفت الطائرات الإسرائيلية أكبر حقل غاز (إيراني) في العالم. ورداً على ذلك، أعلن الحرس الثوري نيته قصف المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر. ولم يكن هذا كافياً إلا لإثارة ارتفاع جديد في سعر برميل النفط الذي وصل مساء الأربعاء إلى 109 دولارات. في هذا السياق، كان من المقرر أن يعقد وزراء خارجية دول الخليج والدول الإسلامية مساء الأربعاء مؤتمراً استثنائياً لبحث التداعيات الخطيرة للاعتداءات الإيرانية ضد عدة دول خليجية. جنوب الليطاني معزول عن بقية البلاد على مستوى «الجبهة اللبنانية»، أعلن الجيش الإسرائيلي ظهر الأربعاء نيته قصف وتدمير الجسور وطرق العبور على طول نهر الليطاني. وتهدف هذه العملية إلى عزل جنوب الليطاني عن بقية البلاد، وهو ما يعني، من الناحية العسكرية، إقامة منطقة عازلة بين الحدود الإسرائيلية اللبنانية والمنطقة الجنوبية من البلاد الواقعة شمال النهر. وفقًا لبعض المعلومات، قد يمتد هذا الانتشار الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية حتى الزهراني، شمالًا. وهذا من شأنه أن يسمح للدولة العبرية بفرض شروطها في أي مفاوضات تتعلق بانسحاب قواتها. في العاصمة، كانت ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء ساخنة بشكل خاص. فقد قصفت الطائرات الإسرائيلية عدة مرات مناطق مختلفة، لا سيما حيي زقاق البلاط والباشورة، حيث انهار مبنى مكون من سبعة طوابق بالكامل تحت تأثير الهجوم الجوي. في زقاق البلاط، أدى القصف الإسرائيلي إلى مقتل محمد شري، مدير البرامج السياسية في قناة المنار التابعة لحزب الله. وفي نهاية يوم الأربعاء، ساد جو ثقيل في العاصمة على خلفية تخوفات من مدى انتشار الجيش الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية من البلاد.