شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
خديعة «المهادنة» في مواجهة نظامٍ دمويّ

منذ 108 أعوام، وقبل أشهرٍ قليلة من نهاية الحرب العالمية الأولى – وتحديداً في 18 آذار 1918 – صرّح جورج كليمنصو، رئيس الوزراء ووزير الحرب الفرنسي، أمام الجمعية الوطنية قائلاً: «يقولون: نحن لا نريد الحرب، بل نريد السلام في أسرع وقت ممكن. آه! أنا أيضاً أتوقُ إلى السلام في أقرب وقت، والجميع يرغبون في ذلك. وسيكون مجرماً كبيراً مَن يحمل فكراً مغايراً، ولكن يجب أن نعرف ماذا نريد. فليس بالثغاء طلباً للسلام نُسكت العسكرة البروسية. سياستي هي: أنا أصنع الحرب». إنّ هذا الإعلان الصادر عن «أب النصر» عام 1918، يستحقّ وقفة تأمّل مليّة وربطاً بالواقع في ظلّ الحرب الإقليمية الدائرة اليوم. مِمّا لا ريب فيه أنّ مَن لا يعتنقون السلام هم مجرمون كبار! ولكن، حريٌّ بنا أن نقول ذلك لنظام طهران. ففي سجلّ هذا النظام – فيما يخصّ السلام والعدالة والحريات – أرقامٌ ناطقة بحدّ ذاتها. فخلال الأعوام التي تلت ثورة الخميني، أمرَ آية الله صادق خلخالي، سيئ الذكر، وحده بإعدام 10.000 معارض. وقد بلغت شهرته حدّاً لُقِّب معه بـ «القاضي الشنّاق». وبين عامي 2023 و2025، أعدم نظام الملالي 4.000 شخص من أصل 6.000 حالة إعدام جرى إحصاؤها في العالم خلال الفترة نفسها. إنّ القمع الدموي في إيران يتحدث عن نفسه: فبين عامي 1980 و2022، قُتل أكثر من 10.000 معارض خلال المظاهرات في الشوارع. أما خلال الاحتجاجات الأخيرة عام 2026، فقد سقط أكثر من 30.000 متظاهر برصاص ميليشيا «البسيج». وللتذكير، فقد قدّم الحرس الثوري والملالي دعماً غير مشروط لنظام الأسد الدموي – الأب والابن على السواء – في سوريا، ولحزب الله في لبنان. مستقوياً بهذا الدعم، يروّج الأخير للحرب، بقرع الطبول، منذ أكثر من أربعة عقود ولا يزال. فهو لم يضع السلام يوماً في حسبانه، بل جلّ ما عرفه هو «هدنات» بين حربين، تُستغلّ لإعادة التسلّح والتنظيم. أكثر من ذلك، نجح الحزب في استقطاب مؤيدين متحمسين ووصوليين لتبنّي مواقفه وخياراته. وهؤلاء جرى «تنشيطهم» فجأة في الأيام الأخيرة، حيث يطرحون أنفسهم كرموز لـ«مقاومة صالونات»، في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. لقد بات حزب الله اليوم خاضعاً للتبعية التراتبية المباشرة لقيادة الحرس الثوري الإيراني. وفي رصيده منذ عام 2005، سلسلة اغتيالات بدأت برئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وتلاها سقوط شخصيات من قوى 14 آذار في دوامة العنف نفسها، والتي انتهت – حتى الساعة – باغتيال الناشر والناشط السياسي والاجتماعي لقمان سليم. وقد ساعدت هذه الاغتيالات حزب الله في ترهيب السياديين، وفي اختراق كافة مؤسسات الدولة اللبنانية وإداراتها – عبر زرع حشدٍ من الفاسدين والمستسلمين – وذلك على حساب اللبنانيين الطامحين إلى دولة قانون حقيقية منذ الاستقلال؛ وهو ما قاد الجمهورية، في نهاية المطاف، نحو الغرق. وكان حزب الله قد وجد في مواجهته، منذ عام 1999، مفكرين وصحافيين ورجال دين وحركات طالبية، واجهوا على مرّ السنين قمعاً مستمراً مارسته أجهزة أمنية خضعت في بادئ الأمر للاحتلال السوري، ثم لحزب الله وحلفائه. وفي مرحلة لاحقة، برزت الأحزاب المناهضة للحزب، غير أنّ نتائج تحركاتها ظلّت هزيلة. ففي أعلى هرميات الدولة، تراوحت السلوكيات بين التواطؤ المباشر أو غير المباشر مع إيران، وبين «المهادنة». أما أبطال هذه «المهادنة» – الذين برّروا مواقفهم بأولوية السلم الأهلي – فقد أدمنوا إلقاء خطابات باهتة ومملّة، تصلح لكل زمان ومكان. لقد انتظر هؤلاء «المستكينون» عبثاً أياماً أفضل، وتعاملوا مع حزب الله تماماً كما تعامل الحمل مع الذئب في أسطورة «لا فونتين» . علاوةً على ذلك، ينتقد مُطلِقو «ثغاء» السلام – في لبنان والغرب على حدّ سواء – الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد النظام الدموي والعنصري في إيران؛ ذلك النظام الذي يتوسّل الدبلوماسية كمجرّد «تكتيك» لكسب الوقت، وإرضاخ خصومه، وتحريك بيادقه في مجالات التسلح والبرنامج النووي والتخريب الإقليمي . ولا يملك أبطال السلام هؤلاء ما يقترحونه سوى المهادنة في مواجهة طهران، متذرّعين بأنّ سياسة العقوبات التي انتهجتها واشنطن والغرب لم تُجدِ نفعاً طوال ثلاثة عقود. قد يكون هذا الكلام صحيحاً جزئياً، ولكن لولا هذه العقوبات، هل كنا سننعم بعلاقات حسن جوار مع إيران؟ ألم يتباهَ الملالي، في لحظة ما، بفرض سيطرتهم على بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء؟ لولا العقوبات – ألم يكن هذا الواقع ليمسي أكثر قتامة وسوءاً؟ ينتقد مُطلِقو «ثغاء» السلام أنفسهم الرئيس ترمب – محقّين كانوا أم مخطئين – سواء لجهة منظومته القيمية أو لشنّه الحرب على إيران. وهؤلاء قد سارعوا إلى إطلاق الأحكام والنتائج منذ الساعات الأولى للحرب؛ فما كان لنظام الملالي أن يجد أنصاراً ومؤيدين أفضل منهم. قد يسقط هذا النظام غداً، أو قد يصمد لشهور أو سنوات، لكنه سيجد نفسه حتماً في عجزٍ تام عن الاستمرار في «تصدير ثورته» إلى المنطقة بفعالية، كما ينصّ الدستور الإيراني. إنّ الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران ستترك آثاراً حتمية وطويلة الأمد على الاقتصاد العالمي، وعلى القدرة الشرائية لدافعي الضرائب حول العالم. هذا هو الثمن الذي لا بدّ من دفعه للحدّ من أذى نظامٍ أمعن في زعزعة استقرار العالم العربي، بل العالم بأسره. إنّ أولئك الذين لم يختبروا روح النضال لن يفهموا هذا الأمر أبداً! أما «تجار الهيكل» – الذين يسكنهم هوس الأعمال والصفقات دائماً – فلا يجدون ضيراً في رؤية الهيمنة وهي تتمدّد، أو في مشاهدة تآكل القيم واندثارها.

الحرب في إيران: تموضع القوى الفاعلة
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

في الثامن والعشرين من شباط، دوّى صدى الرعد في أصقاع العالم أجمع. هو الرعد – ذلك التحرّك المفاجئ والعنيف. عنيفٌ بكل تأكيد. أما كونه مفاجئاً؟ فليس تماماً. كان هذا الحدث منتظراً، غير أن أحداً لم يكن يعلم توقيته، ولا حجمه، ولا الأهداف المتوخاة منه. اليوم، بات التاريخ معلوماً، فيما يظل الحجم لغزاً يكتنفه الغموض. أما الأهداف، فما هي بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة؟ بالنظر إلى السياسة المعلنة لـ«إيران الملالي» تجاه إسرائيل، وأسس القوة التي ترعاها طهران بتكاليف باهظة من أجل إبادة هذه الدولة (وشلّ حركة لبنان)، فإن إسرائيل ترهن وجودها في هذه المعركة. وكذلك يفعل السيد نتنياهو. وبناءً على ذلك، يبدو الهدف الجوهري واضحاً: الإبادة. أما الولايات المتحدة، فتملك أجندة مغايرة تماماً. كانت المفاوضات مع إيران تراوح مكانها – وهي استراتيجية إيرانية معهودة. وبحكم اعتياد الرئيس ترامب على المفاوضات السريعة، وأمام مماطلة محاوريه، لم تكن لديه سوى رغبة واحدة: تقويض سلطة «رجال الدين» التي استحال معها إبرام أي اتفاق فعلي يخدم مصلحة الطرفين، بدءاً بالولايات المتحدة... وفي غضون ذلك، أراد ترامب الانتقام لواقعة احتجاز الرهائن عام 1979، ذلك الجرح الذي لا يزال نازفاً. أما الهدف النهائي المتوخى، فهو التحرر بأسرع وقت ممكن من ملف الشرق الأوسط، ليتفرغ تماماً لمنطقة «الإندوباسيفيك». ومن هنا، قد يبدو الافتراض بأن السيد نتنياهو قد «فرض إرادته» على الرئيس ترامب فرضيةً واردة. فبالنسبة إلى سيد البيت الأبيض، يتمثل الهدف في تحقيق نصر سريع دون زجّ قوات برية في الميدان؛ أما الإسرائيليون، فيراهنون على عامل الزمن. وهنا مكمن الخلاف – أو حجر العثرة – بين الطرفين. أما روسيا: فصامتة. هدفها في مكان آخر. فمواقعها في إفريقيا، بما في ذلك ليبيا، باتت مؤمّنة، وموطئ قدمها في سوريا (طرطوس وحميميم) وفي السودان (بورتسودان) قد ثبُتت دعائمه. النصر في أوكرانيا هو الوحيد الذي يقع في «مرمى نيرانها»، وهو نصر لن يتحقق بصفة نهائية إلا حين تضمن لها المفاوضات مع الولايات المتحدة الاعتراف بإدارتها وحيازتها – كأراضٍ روسية – لكل من القرم وأقاليم دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريجيا، وهي مناطق لم تكتمل السيطرة عليها بعد. تضاف إلى هذه المطالب اشتراطات أخرى تتعلق بمستقبل أوكرانيا. ومن شأن موقف الرئيس بوتين هذا ألا يؤدي إلا إلى استدراج السيد ترامب للانخراط في مفاوضات من هذا القبيل. أما الصين: فصامتة. لا يزال هاجسها الأكبر يتمثل في تأمين إمداداتها من المحروقات، الضرورية للحفاظ على قوتها الصناعية. إن النجاحات العسكرية التي حققتها القوات الأمريكية في فنزويلا، والجيشان الأمريكي والإسرائيلي في إيران – علماً أن كلاً من فنزويلا وإيران تمتلكان أنظمة رصد ومعدات دفاع جوي صينية – لا تحفّز الصين على استعراض القوة أو إطلاق التهديدات الجوفاء؛ بل تدفعها – شأنها شأن الروس – إلى الاكتفاء بالمطالبة بالعودة إلى قرارات المؤسسات الدولية، وهي قرارات ضربت بها عرض الحائط كل من إيران وفنزويلا على حد سواء. أما الدول التي طلبت الحماية من الروس أو الصينيين بعدما أقصت دولاً أخرى – قد لا تكون مثالية، ولكنها كانت وفية – فستجد نفسها في حال من التخبط والارتباك إذا ما غدت مستقبلاً عرضة للتهديدات؛ وذلك بالنظر إلى غياب أي رد فعل – روسي أو صيني – على الهجوم الذي استهدف إيران. الإمارات في مسار التحديث، وأوروبا غائبة ما هو مستقبل مجموعة «بريكس بلس»؟ وحدَه الزمن كفيلٌ بالإجابة. ولكن حين يدّعي طرفٌ ما أنه «حامٍ»، فلا يليق به أن يكتفي بدور «المفترس». فبعد تحررها من الوصاية السعودية التي طال أمدُ وطأتها، وغرقت في ركودٍ تقليدي واقتصادي، انطلقت الإمارات العربية المتحدة في مسار التحديث، ممهدةً الطريق أمام عولمةٍ واعدة ومزدهرة. لقد اكتسبت الإمارات، وبكل ثقة، استقلاليةً استراتيجية تتجلى تبايناتها مع الجيوسياسية السعودية على المستويات كافة تقريباً: فبينما تُعدّ السعودية شريكاً استراتيجياً لباكستان وتدعم الحكومة الفيدرالية في الصومال، تميل الإمارات نحو الهند وتربطها علاقة متميزة بـ «أرض الصومال» (صوماليلاند) غير المعترف بها؛ وفي السودان، تدعم السعودية الجيش النظامي، بينما تساند الإمارات «قوات الدعم السريع»؛ أما في اليمن، فتدعم السعودية الحكومة المعترف بها، في حين تدعم الإمارات الانفصاليين في الجنوب؛ وعلى الصعيد البحري، في البحر الأحمر والمحيط الهندي، تطور السعودية استراتيجية أمن قومي، بينما طورت الإمارات في المحيط الهندي سلسلةً من الموانئ والخدمات اللوجستية. أخيراً، وفيما يخص إسرائيل، لا تزال السعودية تمتنع عن الاعتراف رسمياً بـ «الدولة العبرية»، بخلاف الإمارات التي وقّعت على «اتفاقات أبراهام» عام 2020. فالمملكة التي تطرح نفسها كقوة برية وسياسية، تسعى إلى إرساء منظومة أمن جماعي؛ أما الإمارات، فتبحث عن شركاء بحريين وتجاريين. نحن أمام رؤيتين مختلفتين للسياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية، وموقفين عالميين متباينين من حيث النفوذ وآليات التحرك. أما أوروبا؟ فغائبة، أو على الأقل غير مسموعة. وكان بوسعها أن تحجز لنفسها مكاناً، وأن تغتنم كل الفرص المتاحة للعب دورٍ فاعل، لامتلاكها كل الإمكانات اللازمة لذلك. ولكن كيف لها أن تفعل ذلك وجزءٌ منها غارقٌ في التركيز على الشرق، «مسحورٌ كأرنبٍ شلّت حركتَه أضواءُ سيارةٍ داهمته»، بينما يتطلع جزءٌ آخر – وهو الأقل عدداً – نحو البحر والمتوسط والشرق (الأدنى والأوسط)؟ أما الجزء الثالث من أوروبا، فمشلول عن الفعل، كونه مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالولايات المتحدة، ومهما كان الثمن. وأين إيران من كل هذا؟ من الذي يمسك بزمام القيادة؟ ومن الذي يدير الأمور؟ ومن يملك الاستراتيجية؟ ففي الوقت الراهن، تهاجم إيران الجميع. وفي الختام، تسعى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيق أهداف متباينة وبإيقاعات مختلفة؛ فقد حدث نوعٌ من تقاطع المصالح الآنية، غير أن هذه المصالح تبدو متباعدة جداً على المديين المتوسط والبعيد. فإسرائيل لا تملك أي نية للتفاوض. فماذا سيكون مصير إيران إذن؟ هل ستكون مجزأة، أم مفتتة، أم «متغربة»؟ وفي جميع هذه السيناريوهات، لن تكون النتيجة في مصلحة روسيا ولا الصين. أما الولايات المتحدة، المهووسة برغبتها في زوال هذه السلطة الدينية «المبغوضة»، فقد عجزت عن التفاوض وفقاً لمعاييرها الخاصة. واليوم، مع من ستتفاوض؟

لبنان بين دوّامة العنف وإعادة تشكيل المجتمع

ما يجري في لبنان اليوم لم يعد يُفهم ضمن إطار حرب أو صراع تقليدي، بل ضمن ما وصفه رينيه جيرار بـ"دوّامة العنف"، حيث لا يعود العنف وسيلة، بل يصبح نظاماً قائماً بذاته، يُعيد إنتاج نفسه عبر الخطاب قبل الميدان. في هذا السياق، لا يمكن قراءة خطاب حزب الله، ولا تصريحات شخصيات مثل محمود القماطي، كتعابير ظرفية أو انفعالية. نحن أمام بنية خطابية متكاملة، تتجاوز السياسة إلى إعادة تشكيل المجتمع بالقوة الرمزية والمادية معاً، حيث يصبح الخطاب ذاته أداة لإعادة تشكيل الواقع، لا مجرد انعكاس له. من هنا، تبرز خطورة الخطاب السياسي الذي يعتمد على التخوين والتهديد، ليس بوصفه انحرافاً ظرفياً، بل كجزء من بنية أعمق تسعى إلى إعادة تعريف مفاهيم الدولة، والمجتمع، والشرعية. يقدّم رينيه جيرار إطاراً تحليلياً بالغ الأهمية لفهم ما يحدث، من خلال مفهومه عن "العنف المؤسس" و"آلية كبش الفداء". فالعنف، بحسب جيرار، لا يستمر إلا إذا أُعيدت شرعنته عبر خطاب أخلاقي يُضفي عليه طابع الضرورة أو القداسة. في الحالة اللبنانية، نلاحظ بوضوح: تحويل الحرب إلى واجب أخلاقي، وإعادة تعريف الخسارة كـ"تضحية"، واختزال المعارضة في مفهوم "الخيانة". بهذا المعنى، لا يُستخدم التخوين كأداة توصيف، بل كآلية إقصاء، تمهّد لعزل المختلف وتجريده من شرعيته. في نظريته عن كبش الفداء، يوضح جيرار أن المجتمعات في لحظات الأزمات تميل إلى تحويل التوتر الداخلي نحو ضحية بديلة تُحمَّل مسؤولية الفوضى. وما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي من: عدو خارجي واضح، إلى عدو داخلي متعدد الأوجه يشمل: الإعلام والمعارضين وحتى المواطنين القلقين. هذا التحول ليس تفصيلاً، بل مؤشر على أزمة عميقة في بنية الشرعية، حيث يصبح الحفاظ على التماسك الداخلي مشروطاً بإنتاج "عدو داخلي". دوّامة العنف كآلية ذاتية من ناحيتها تقدم لويس في كتابها: "L’engrenage de la violence" إطاراً مكمّلاً، يوضح كيف يتحول العنف إلى منظومة مغلقة تعيد إنتاج نفسها: فالعنف يولّد الخوف، والخوف يولّد الصمت، والصمت يسمح بمزيد من العنف. في الحالة اللبنانية، تتجلى هذه الحلقة بوضوح: حرب مستمرة تستنزف المجتمع، خطاب يبررها ويمنع مساءلتها، ضغط اجتماعي وإعلامي لإسكات الأصوات المختلفة. النتيجة ليست فقط استمرار العنف، بل ترسيخه كقاعدة. التكيف على العنف يقرأ البعض تكيّف المجتمع مع هذا العنف بإيجابية، وهذا ما تعارضه كتابات بوريس سيرولنيك، من خلال تحليله لظاهرة "التكيّف مع الصدمة". فالمجتمعات التي تتعرض لصدمات متكررة قد تطوّر آليات دفاع تجعلها تتقبل ما كان يُعتبر سابقاً غير مقبول. في لبنان، يظهر هذا التكيّف في: تطبيع التهجير الجماعي لمئات الآلاف، تقبّل الدمار كأمر واقع، الصمت أمام خطاب التهديد الداخلي. هذا التكيّف لا يعني التعافي، بل على العكس، يشير إلى خلل عميق في إدراك الواقع، حيث يتم استيعاب الصدمة بدل معالجتها. يبقى التحول الأبرز في خطاب حزب الله الحالي، هو انتقاله من التعبير إلى الفرض. لم يعد الخطاب يسعى إلى الإقناع، بل إلى: فرض تعريف محدد للوطنية، واحتكار تحديد العدو، وترهيب المخالفين. ما يعني عملياً نشوء سلطة غير شرعية موازية: تملك القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية (كالحرب)، لا تخضع للمساءلة المؤسساتية. لكن المفارقة الفجوة الهائلة بين السردية والواقع: ففي مقابل خطاب القوة والانتصار، يواجه لبنان واقعاً مغايراً تماماً: تهجير مئات آلاف المواطنين، تدمير واسع للبنية التحتية، تعميق الانهيار الاقتصادي، تآكل مؤسسات الدولة. هذه الفجوة بين السردية والواقع ليست مجرد تناقض، بل عنصر أساسي في استمرار الأزمة، إذ تمنع أي مراجعة جدية أو مساءلة حقيقية. يأخذنا هذا الى تفكك العقد الاجتماعي نفسه: في أي دولة، يشكل قرار الحرب أحد أهم مظاهر السيادة، ويخضع لمبدأ المساءلة. لكن في الحالة اللبنانية: يُتخذ القرار خارج الأطر الرسمية، تُفرض نتائجه على المجتمع، يُمنع النقاش حوله. هذا الواقع يؤدي إلى تفكك العقد الاجتماعي، حيث يفقد المواطن دوره كشريك في القرار، ويتحول إلى متلقٍ للنتائج. لبنان اليوم يقف أمام مفترق حاسم. المسألة لم تعد فقط في مواجهة خارجية، بل في طبيعة النظام الداخلي الذي يتشكل تحت ضغط الحرب والخطاب المصاحب لها. إذا استمرت دوّامة العنف، كما وصفها جيرار، دون كسر، فإنها لن تؤدي إلى استقرار، بل إلى مزيد من التصعيد والانفجار. وإذا استمر التكيّف مع الصدمة، كما يحذر سيرولنيك، فإن المجتمع سيفقد تدريجياً قدرته على التمييز بين الطبيعي وغير الطبيعي. إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحرب، بل في تحوّلها إلى حالة دائمة، تُعيد تشكيل المجتمع على أساس الخوف، لا المواطنة. كسر هذه الحلقة يبدأ بإعادة طرح الأسئلة الأساسية: من يملك قرار الحرب؟ من يتحمل المسؤولية؟ وأين موقع المواطن في كل ذلك؟ من دون ذلك، لن يكون لبنان دولة، بل ساحة مفتوحة لصراعات تتجاوز قدرته على الاحتمال.

التفاؤل المفاجئ لترامب وخطوط الصدع الإيرانية

عاشت الأوساط السياسية في العالم، وخاصة الأسواق الدولية، يوم الاثنين 23 مارس في قلق من التطورات العسكرية التي قد تحدث عند انتهاء، مساء، الإنذار الذي أطلقه الرئيس دونالد ترامب للنظام الإيراني، يأمره فيه بضمان حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وإلا فإنه سيصدر أمرًا بقصف محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران. ورداً على ذلك، هددت طهران بمهاجمة المنشآت الحيوية والطاقة، بما في ذلك محطات تحلية مياه البحر، في عدة دول خليجية. وهكذا بدأ يوم الاثنين في أجواء متوترة بشكل خاص حتى اللحظة التي كشف فيها رئيس البيت الأبيض فجأة في بداية بعد الظهر (بتوقيت بيروت) عن إجراء محادثات خلال عطلة نهاية الأسبوع مع «الدولة الإيرانية»، كما أوضح دون أي إشارة إلى الجمهورية الإسلامية، بهدف التوصل إلى «اتفاق» لم يحدد معالمه. واكتفى بالتأكيد في هذا السياق أنه أرجأ قصف المنشآت الكهربائية والطاقة لمدة «خمسة أيام»، ريثما تتضح نتائج المحادثات الجارية مع النظام الإيراني. وفي نقاش مفتوح مع الصحفيين، كشف الرئيس الأمريكي أن الاتصالات قد أجريت مع «مسؤول إيراني رفيع المستوى ومحترم للغاية»، مشيرًا في هذا الصدد إلى أنه لم يكن المرشد الأعلى الجديد، الذي لا يزال مصيره وحالته الصحية ومكانه غامضًا. وفي وقت متأخر من بعد الظهر، كشفت مصادر إسرائيلية أن «المسؤول الرفيع» المعني هو رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الجنرال السابق في الحرس الثوري الإسلامي والقائد السابق للشرطة. وذهبت وسائل الإعلام الإسرائيلية ومصادر أمريكية إلى حد التأكيد على أن محادثات رسمية كانت مقررة في إسلام أباد، باكستان، بين السيد قاليباف، من جهة، ونائب الرئيس الأمريكي، السيد فانس، والمفاوضين الذين عينهم السيد ترامب. ولكن مفاجأة جديدة: بعد وقت قصير من إعلان الرئيس الأمريكي، قدمت وسائل الإعلام المقربة من الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى وزارة الخارجية الإيرانية و«مصادر مخولة» في طهران، نفيًا قاطعًا لأي اتصال، مباشر أو غير مباشر، مع الإدارة الأمريكية. وفي أعقاب النفي الذي نشره الحرس الثوري، أصدر الشخص المعني الرئيسي، رئيس البرلمان، هو الآخر، في بداية المساء، بيانًا يؤكد فيه عدم إجراء أي مفاوضات مع واشنطن، لا مباشرة ولا عبر وسيط. أثار هذا التذبذب الذي ظهر على المستوى الإيراني العديد من التساؤلات. هل أجرى الرئيس ترامب محادثات مع جناح «معتدل» من النظام الإيراني، ممثلاً في هذه الحالة برئيس البرلمان، دون أن يكون الحرس الثوري مرتبطًا بذلك من قريب أو بعيد؟ هل كشف النفي الذي سارع الحرس الثوري إلى نشره عن خط صدع واضح داخل النظام بين تيار براغماتي يدعو إلى اتفاق واقعي مع الولايات المتحدة، والفصيل الراديكالي المتشدد الذي يرفض أي تسوية ويصر على مواصلة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟ لقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن مثل هذا الانقسام بين تيارين «إصلاحي» و«راديكالي» في إيران، ولكن بالنظر إلى المسار الذي اتخذته الحرب الشاملة التي تشنها الجيوش الأمريكية والإسرائيلية ضد نظام الملالي، فإن الشق بين هذين الجناحين للسلطة، الذي كان يسيطر عليه قبل الحرب آية الله علي خامنئي، قد اتسع بلا شك وقد يكون أدى، على الأرجح، إلى صدع عميق داخل النظام بين «البراغماتيين» و«الراديكاليين»، خاصة في غياب مرشد أعلى قادر على أن يلعب دور الحكم والملجأ الأخير. هذا التصدع وغياب سلطة ولي الفقيه يفسران السرعة التي سارع بها الحرس الثوري إلى نفي أي مشروع اتفاق أو أي مفاوضات بدأت مع الجانب الأمريكي. وبهذه النية الواضحة لتقويض وإفراغ إعلان الرئيس ترامب من مضمونه، ذهب الحرس الثوري ووزارة الخارجية الإيرانية إلى حد التأكيد على أن تصريحات رئيس البيت الأبيض لا تشكل سوى «مناورة تهدف إلى خفض سعر النفط في السوق الدولية». وسواء كان هذا الاتهام صحيحًا أم لا، فقد أدت تصريحات الرئيس الأمريكي بالفعل إلى انخفاض سريع في سعر برميل خام غرب تكساس الوسيط، للتسليم في مايو، والذي فقد في غضون ساعات قليلة حوالي 7.4% من قيمته، حيث انخفض إلى 90.95 دولارًا. وفي هذا الإطار، يشير بعض المراقبين إلى أن الموعد النهائي الجديد لخمسة أيام، أي حتى يوم الجمعة، الذي حدده الرئيس ترامب يعكس رغبة في تهدئة الأسواق طوال هذا الأسبوع واحتواء مناخ الذعر الذي كان محسوسًا خلال عطلة نهاية الأسبوع وصباح الاثنين. تغيير النظام؟ على أي حال، حافظ الرئيس ترامب طوال يوم وليلة الاثنين على مناخ واضح من التفاؤل، وعززه بتقديم الخطوط العريضة للمحادثات التي يُزعم أنها جرت مع «المسؤول الإيراني الرفيع». وذكر أولاً أن الاتصالات بدأت «مساء السبت»، مؤكداً أيضاً أن «تغيير نظام» جارٍ في إيران. وأشار قائلاً: «هناك تغيير في النظام»، ملاحظاً في هذا الصدد أن جميع كبار المسؤولين في السلطة الذين كانوا في السلطة قبل الحرب قد قتلوا. أكد الرئيس الأمريكي أن «إيران تريد التوصل إلى اتفاق» وأن محاوريه الجدد في طهران، الذين وصفهم بأنهم «معقولون جداً»، وافقوا على تسليم مخزونهم من اليورانيوم المخصب، وتقليل مدى صواريخهم الباليستية بشكل كبير، وإنهاء تخصيب اليورانيوم وبالتالي التخلي عن امتلاك أسلحة نووية، والامتناع عن زعزعة استقرار دول الشرق الأوسط. وهذه التنازلات، إذا تأكدت على أرض الواقع وتجسدت في اتفاق قوي، ستعادل استسلاماً كاملاً. ستتيح الأيام القادمة تبديد الشكوك بشأن هذه الخطة. وفي غضون ذلك، تستمر العمليات العسكرية والقصف والغارات الجوية بكثافة في عدة مناطق إيرانية وكذلك في جنوب لبنان حيث أعلن الجيش الإسرائيلي عن اعتقال عدد من أفراد وحدة النخبة في حزب الله، الرضوان.

الحالة الفلسطينيّة ... الضفة
بقلم
هشام دبسي
نُشر

كان اسمها فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، و بموجب قرارات مؤتمر سان ريمو في نيسان عام 1920 تم الاعلان عن كيان جيو سياسي جديد في الشرق الأوسط اسمه دولة فلسطين، التي تشكّلت من سنجق القدس وسنجق نابلس وسنجق عكا، وفق التقسيم الاداري للامبراطورية العثمانية المهزومة فضلاً عن ضم بادية شرق الأردن. و تم التوقيع على دستور دولة فلسطين في 10-8-1922، و أُنْجِزَ أيضاً التعداد السكاني يوم 23 \ اكتوبر من العام نفسه. و لما كانت "عصبة الأمم"، القيّمة على الحضارة البشرية و ضمان رفاهها، قد أصدرت وثيقة تحدد شروطها على بريطانيا العظمى، الدولة المكلّفة بالانتداب على دولة فلسطين بحيث يبدأ سريان مفعوله في 29 أيلول \ سبتمبر 1923 على أن ينتهي في 15 ايار \ مايو من عام 1948. ومن أجل حل اشكالية سنجق عكا الذي يمتدّ شمالاً الى جنوب ولاية بيروت، فقد جرى ترسيم للحدود بين السلطات الانتدابية الفرنسية والبريطانية و توصل الطرفان الى اتفاقية بولية - نيوكومب في 23/12/1920 الى ما نعرفه الآن بالحدود اللبنانية – الفلسطينية؛ التي صارت حدود لبنانية - اسرائيلية، مع خروج جيش الانجليز من فلسطين في موعد نهاية الانتداب في 15/5/1948 و اعلان استقلال دولة اسرائيل. اما فلسطين الانتدابية، و قد تشكّلت حكومتها المعترف بها لكن برئاسة المندوب السامي البريطاني فقد رأت وزارة المستعمرات ضرورة فصل بادية شرق الأردن البالغ مساحتها 90 الف كم 2 . و انشاء امارة، و ادارة مستقلة لها بعد سنتين من ضمّها لدولة فلسطين، و منحها للأمير عبد الله بن الحسين، احد ابناء قائد الثورة العربية الكبرى. بدورها تحوّلت هذه الامارة لاحقاً في ظل الانتداب البريطاني إلى المملكة الاردنية الهاشمية. وكانت خطوة فصل امارة شرق الأردن من وجهة نظر بعض المؤرّخين، ضرورة بريطانية لرعاية الهجرة الصهيونية إلى فلسطين بين النهر والبحر و رعاية نشأة "الوطن القومي للشعب اليهودي"، كما جاء في تصريح وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور في 2 نوفمبر عام 1917. في دولة فلسطين الانتدابية، تطوّر سوق العمل وشهدت البلاد نمواً اقتصادياً متسارعاً، وصارت القدس بمكانتها. العاصمة الثانية بعد القاهرة، بينما تصدّر ميناء حيفا موانئ شرق المتوسط. وازدهرت مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. و تشكّلت الاحزاب والجمعيات وغرف التجارة ودخلت بعض الزراعة في انماط انتاجية حداثية. و اتّسع سوق العمل لتلبية احتياجات الجيوش البريطانية التي اتّخذت من فلسطين مركزاً عملياتياً لادارة مستعمراتها. و في هذا السياق، تمّ افتتاح ثلاث قنصليات في القدس و حيفا و يافا، للجالية اللبنانية من أجل تلبية احتياجاتها و حضورها المميّز، التي بلغ تعدادها نحو مئة الف مقيم عاد معظمهم الى وطنهم إبان النكبة. فضلاً عن عدد مثيل من الجاليات السعودية و العراقية و السورية الى حين لحظة نهاية الانتداب البريطاني لدولة فلسطين، اللحظة التي أرّخت لولادة دولة اسرائيل، بعد هزيمة جيوش مصر و الأردن و السعودية و العراق و سوريا و لبنان. جيوش حشدت ما يقارب 25 الف جندي فضلاً عن جيش الانقاذ، وقوامه ثلاثة آلاف متطوع بقيادة الضابط اللبناني فوزي القاوقجي. بينما استطاعت الحركات الصهيونية المسلّحة انشاء جيش اكثر حداثة بدأ القتال بعديد 30 الف جندي، سرعان ما وصلت حركة التجنيد الميداني الى نحو 115 الف جندي خلال سنة. هكذا حُسِمت المعركة على قاعدة التفوق الاسرائيلي الكمّي و النوعي. بينما استقرّ تموضع الجيوش العربية خلف و بعيداً عن خطوط التقسيم التي أقرّتها الأمم المتّحدة. ماذا جرى في أريحا ؟؟ أريحا الأرض التي شهدت ولادة أول تجمّع بشري يسعى الى الاستقرار والبناء والانتاج قبل 13 الف سنة من وقتنا الحالي اي في العصر الحجري الحديث. هناك بدأ يتشكّل مفهوم المجتمع و مفهوم المدينة بالشكل الجنيني للبشرية، قبل أن يظهر مكتملاً في الحضارة السومرية. لقد بناها الشعب الكنعاني و سكنها البابليون و مرّ فيها الرومان و استقرت أخيراً للعرب الفلسطينيين. أريحا مدينة الدفء في عز البرد، وهي بجوار البحر المالح الغائر لأربعمائة متر تحت سطح المتوسط هناك يستريح ماء العمادة النازل من جبل حرمون، انها سمفونية التاريخ والجغرافيا و الانسان، بكل أبعاد فرادتها الاستثنائية. هناك في اريحا انتهت حرب فلسطين وبقي جزء من المدن والاراضي تحت سيطرة الجيش الاردني بقيادة الجنرال الانجليزي غلوب باشا- هناك عُقِد مؤتمر على عدة مراحل لجمع وجهاء فلسطين من أجل مبايعة الملك عبد الله بن الحسين ملكاً على كامل الاراضي الفلسطينية و اعلان وحدة كل فلسطين مع امارة شرق الاردن. انها اول وحدة عربية!! في العصر الحديث. هكذا تحوّلت إمارة شرق الأردن إلى المملكة الأردنية الهاشمية و عاصمتها عَمّان و ليس القدس الشرقية. و في مطلع عام 1949 صدر قانون اَرْدَنَة الفلسطيني ليمنع أي حامل جواز فلسطيني، من حقوق المواطنية الاردنية!! بهذا الاجراء، تحوّلت أراضي فلسطين غرب النهر إلى مسمّى "الضفة الغربية"، هكذا نُسِبَت البلاد إلى النهر و ليس إلى شعبها !! عندما اُبْرِمَت أول اتفاقيات الهدنة مع اسرائيل في 12/12/1949 حضرت المفاوضات مصر و الأردن و سوريا و لبنان و مُنِعَ رئيس دولة فلسطين المنفي في القاهرة الحاج أمين الحسيني ورئيس وزراءه أحمد حلمي عبد الباقي من تمثيل شعب فلسطين على الرغم من اعتراف جامعة الدول العربية بحكومة عموم فلسطين التي انبثقت من المجلس الوطني المنعقد في غزة في 30 ايلول \ سبتمبر من عام 1948 هكذا فاز الجنرال غلوب باشا!! بينما فشل الرئيس الفلسطيني و صارت فلسطين إما اسرائيل او الاردن. صار اسمها فلسطين مضى العقد الاول على النكبة في اعادة بناء مجتمعات اللجوء في الضفة الغربية و قطاع غزة و الشتات وما يسمى بلغة ذاك العصر بدول الطوق ( مصر، الاردن، سوريا، لبنان). كما تبدّل حال الفلسطينيّين في الضفة الغربية، بأن تحوّلت تسمية مؤسساتهم من غرف التجارة الفلسطينية إلى غرف التجارة الأردنية و هذا أيضاً تعمّم على الجمعيات و النوادي و الصحف و كل لافتة كُتِب عليها اسم فلسطين تحوّلت إلى الأردن و بات لنا ملك و تاج و دولة و جيش لكن من دون مصطلح فلسطين. و لما كان الملك الاردني مَحْمي بالتاج البريطاني و بالرضا الامريكي توجهت عقول جيل النكبة الفلسطينية الى قائد (الثورة - الانقلاب) المصري جمال عبد الناصر، حتى رأوا صورته بالقمر. بينما عقول أخرى حمله راية البعث العربي الاشتراكي و لا فرق إذ كانت التبعية لدمشق أو بغداد. و في سياق الصراع بين "اليمين - الرجعي العربي" و "القوى القومية التقدمية" إنحازت غالبية فلسطينية إلى التيارات القومية و اليسارية المعاصرة لذاك الزمان. في رحم هذا المناخ و مع بداية العقد الثاني للنكبة، التقت مصالح الزعامة الناصرية في صراعها مع الرجعية العربية (السعودية+ الأردن) مع الهوى الفلسطيني و الشغف باستعادة فلسطين. وهذا ما كان في مؤتمر القمة العربية عام 1964 حيث تم اعلان كيان سياسي باسم منظمة التحرير الفلسطينية يتبعها جيش منظّم هو جيش التحرير الفلسطيني. لكن بادارة الأركان المصرية للواء عين جالوت. و الاركان السورية للواء اليرموك. و الاركان العراقية للواء القادسية. وكذلك الاركان الاردنية للواء قوات بدر. من هنا، بدأت مسيرة الكيانية الفلسطينية المعاصرة التي احتضنت عدة تيارات قومية ويسارية. لكنها اعتمدت في جوهرها على حركة فتح بصفتها التيار المركزي الذي رسم مساراً مستقلاً عن العواصم العربية، و اتّسم بالمحافظة والاعتدال والتحالف والصدام عند الضرورة. بين حربين بين هزيمة الجيوش العربية المُذِلّة في حرب الخامس من حزيران عام 1967 و بين حرب تشرين عام 1973 حرب عبور قناة السويس نشأت حاجة مُلِحّة للقيادات العربية بالسماح للتنظيمات الفلسطينية أن تشعل حرائق في محيط اسرائيل حسب تعبير الزعيم المصري جمال عبد الناصر. و كانت قيادة البعث اليسارية في دمشق نُزايد على الزعيم المصري بأن طالبت بحرب "التحرير الشعبية الطويلة الأمد" ، بينما قادة البعث في العراق ينظرون باستعلاء شديد و فوقية لم يستطع الجنرال حافظ الأسد تحمّلها. هكذا تم استدعاء الكفاح المسلح الفلسطيني من الشعب التوّاق للقتال من أجل وطنه و هويته و مستقبله السياسي، و على هذا الايقاع، تم بناء رحلة استعادة فلسطين إلى الخريطة السياسية مهما كلّف الأمر. حقاً لقد كلف الأمر كثيراً من الدم و الدمار و المعارك ليس في مواجهة اسرائيل فقط كما يريد الفلسطيني البسيط، و إنما في كل مرة تصطدم مصالح اي دولة عربية مع المشروع المسلح الفلسطيني تأتي النتائج وبالاً على الجميع كما جرى في الأردن و لبنان، فإذا استطاع النظام الأردني خلال ثلاث سنوات من الصراع انهاء الوجود المسلح الفلسطيني هناك، فإن النظام اللبناني شَهِد مساراً مختلفاً عند لحظة توقيع "اتفاق القاهرة" عام 1969. الذي تم بموجبه تنازل الدولة اللبنانية عن سيادتها على جزء من أراضيها سواءً كانت في الجنوب أو في مخيمات اللجوء. لذا ما إن انتهت حرب تشرين حتى علق لبنان و من فيه و الفلسطينيون معه بالنتائج الكارثية التي اسفرت عنها المفاوضات العربية - الاسرائيلية تحت عنوان "السلام" ؟!! و هذا موضوع آخر. اما رحلة استعادة الهوية الوطنية الفلسطينية لم تكتمل الا باعلان المملكة الأردنية الهاشمية قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية و الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً. هكذا حصلت المنظمة على الاعتراف الرسمي الاردني لكنها لم تحصل على الضفة العربية حتى اتفاق اوسلو عام 1992، بعد ثورة "انتفاضة الحجارة". يهودا و السامرة عندما شنّ الاسلام السياسي السُّنّي "حماس" حربه على "اتفاقية اوسلو"، لم يطرح اي شعار له علاقة بالهوية الوطنية، او بمستقبل الانسان الفلسطيني. لقد استخدمت حماس المسجد الاقصى بوصلة تتجه نحوه العمليات العسكرية و السياسية و نقطة الاستقطاب الشعبي. و المهمة المركزية الفضفاضة ( تحرير المسجد الاقصى) ، وهذه ليست مسألة عفوية بل توّجتها بعملية 7 اكتوبر، التي اراد من خلالها قادة القسام الوصول الى هذا الهدف او الموت دونه وفق تصريحاتهم. إنّ "عملية طوفان الاقصى" هي نموذج للفكر الديني المتشدّد، والاكثر تطرُّفاً في تعديل مسار النضال الوطني التحرّري الى مسار الصراع الدين الاسلامي- اليهودي. إنه المسار نفسه الذي انتهجه التطرف الاسرائيلي المعاصر على خلفية الصهيونية – الدينية. هنا، اعتقد ان الشعبين الاسرائيلي والفلسطيني ضحية تقاطع ارهاب التطرف الديني الذي يتبادل الخدمات، و يغذي بعضه البعض على الجانبين - ارهاب فكري / سياسي/ ثقافي يستخدم العنف والمزيد من العنف، من أجل صراع لا نهاية له سوى تدمير المجتمعات من داخلها. وهي نتيجة ظهرت سريعاً في الحالة الفلسطينية، وتظهر في الحالة الاسرائيلية ، بمعدلات بطيئة لكنها شديدة الوضوح. و مثالنا على هذا، بأن أول ما بدأت به حكومة اسرائيل هو تغيير اسم الاراضي الفلسطينية المعتمدة في القانون الدولي عند ترسيم اتفاق اوسلو في الامم المتحدة إلى الاسم التوراتي "يهودا و السامرة". وكما الغت "حماس" التعريف الوطني العلماني للصراع ممّا أدّى إلى الغاء فلسطين مجدداً، و العودة الى مصطلح "يهودا و السامرة". حتى الآن منذ عملية طوفان الاقصى جرى ضم وتهويد 44% من مساحة الاراضي الفلسطينية في الضفة وتم الاستيلاء على ٩٠ الف دونم تحت مسمى املاك دولة بينما استولى جيش الاحتلال على 27% من الاراضي باعتبارها مناطق عسكرية وتضاعف عدد المستوطنين ثلاثة اضعاف و جرى اقتلاع معظم مضارب البدو و قُراهم في المشاعات والاغوار هذا فضلاً عن حصار المدن وتدمير ثلاثة مخيمات عبر 1900 اعتداء مسلح و تدمير 1022 منشأة سكنية و زراعية و صناعية، و اخطار 1167 مبنى بالهدم و اخيراً اعتقال 11 الف مواطن وقتل 835 انسان و اصابة 6450 بين رجل و امرأة و طفل. هذه حصيلة تقاطع تطرّفين حتى الآن في الأراضي الفلسطينية، التي فقدت اسمها و استعادته و تتعرض للفقد مجدداً كان اسمها فلسطين، صار اسمها فلسطين لكنهم يريدونها الآن يهودا و السامرة.

عندما يتحرك كل شيء، إلا الدولة
بقلم
نانيت زيادة-ريتر
نُشر

ما يقرب من ثلاثة أسابيع من الحرب وما يقرب من مليون نازح. القرار قد صدر. نازحون اختاروا العاصمة بشكل أساسي، وهي بالفعل تختنق في لبنان مستنزف اقتصادياً وفاقد للإرادة السياسية لتغيير وضع قائم أصبح بالياً تماماً. وضع لا يوقف التقدم فحسب، بل هو، فلنقلها بصراحة، مسؤول عن كل عللنا. لا يمكن لأي بلد في العالم أن يوجد بدون دولة قوية أو على الأقل محترمة. اليوم، النازحون هم بالأساس من الشيعة. أولئك أنفسهم الذين يدعي حزب الله حمايتهم. والمخيف أكثر هو أن الكثير منهم، رغم حرمانهم تحت الخيام وتحت المطر، يواصلون التعبير عن ولائهم لهذا الحزب الذي لا إله له سواه. يمكن للمرء أن يتساءل عن فعالية التجنيد الذي تمارسه هذه الميليشيا، ولكن ذلك يكشف بشكل أساسي حقيقة سياسية: الكيان العسكري والكيان السياسي يغذيان بعضهما البعض ويستعيدان قوتهما في سياق حيث الدولة، غير القادرة على فرض سيادتها، تجد نفسها عاجزة عن تنظيم أو دمج مجتمع بأكمله. في لبنان، النزوح ليس مشكلة لوجستية بسيطة على الإطلاق. لا يتعلق الأمر فقط بالإيواء وتوفير الغذاء والرعاية الصحية. إنه يتعلق بالاحتواء. احتواء توترات قديمة، ومخاوف كامنة، وشروخ اعتاد الناس على تجاوزها بدلاً من معالجتها. وكما يحدث غالباً، ما يتم تأجيله يعود في النهاية، ولكن أسوأ. لم يقم أحد بإبادة أحد قط. لذا، لا يتعلق الأمر باستبعاد الشيعة من المعادلة، بل بمعرفة كيفية دمج هذا المجتمع وفكره ضمن جغرافيا متقلبة حالياً. لأنهBeyond الاستقبال الإنساني، هناك شك ملموس - لم يأت من فراغ - وخوف من إفساح المجال لشخص لا نعرف نشاطه، والذي، بكونه هدفاً، قد يتسبب فيما نسميه، بطريقة مبتذلة، أضراراً جانبية. هذا المناخ من عدم الثقة لا يمكن إلا أن يثير الفتنة ويغلق الأبواب. ومع ذلك، فإن روح التضامن لدى اللبنانيين لم تفشل أبداً. لقد رأينا ذلك في عام 2006، ثم بعد 7 أكتوبر. لكن اليوم، تواجه عقبة غير مسبوقة: الخوف من التعرض للخطر. بالإضافة إلى ذلك، ورغم أن لبنان يظهر تعايشاً هشاً، إلا أنه لم يتخلص أبداً من الحواجز التي أوجدتها الحرب الأهلية. صحيح، من الناحية الفنية، لم يعد هناك شرق ولا غرب، ولكن في العقول، نعم. وتترسخ هذه الحواجز في نظام من ثمانية عشر طائفة تحاول التعايش، تحمل كل منها ثقافاتها ورواياتها وأيديولوجياتها المتعارضة أحياناً بشكل جذري. لم تُدمج هذه الانقسامات أبداً بشكل حقيقي في نسيج الدولة. لقد تم إدارتها، وتعديلها، وتسويتها، لكنها تظل إرثاً تفتحه كل أزمة. هناك أيضاً حاجة فورية للبقاء، لإنقاذ ما تبقى من أثاث حياة اختُصرت كثيراً بسبب آمال بطيئة الظهور. غالباً ما يُشار، بحق، إلى غياب المواطنة في لبنان، والذي تعقده هذه النظام الطائفي. لكن ما يكشفه هذا المليون نازح هو أن غياب المواطنة له عواقب ملموسة: عدم القدرة على دمج شرائح من السكان، دولة مشلولة بسبب جمودها، بل وغبائها. مليون نازح يجب إيواؤهم في بنى تحتية قديمة ومتهالكة: كارثة إنسانية وصحية بدأت بالفعل. والشعارات، والولاءات، والشائعات، ونظريات المؤامرة، كل هذا يفاقم المشكلة، ولكنه يخدم أيضاً لتبرئة الدولة مما لا تريد القيام به. لا يتعلق الأمر بالاستيقاظ وبضربة عصا سحرية، تنفيذ قرار. إنه يتعلق بالبدء في إظهار عمل حسن نية، حتى لو انتهى بالفشل. كل حرب تنتهي حول طاولة المفاوضات. هل ستشهد حرب 2026 ولادة مؤلمة لمشروع دولة؟ لأنه بالإدارة المستعجلة، وتأجيل القرارات، والتعايش مع ما هو غير مقبول، لا يقتصر الأمر على سوء الإدارة. بل نعتاد على فكرة عدم وجود بديل. وهذا، ربما، هو الأخطر. لأنه بهذا المعدل، لن يبقى قريباً الكثير لننقله. ولا لننقذه. أي وزير، مهما كانت نيته حسنة، لا يستطيع تنفيذ استراتيجيته بنجاح إذا عرقله التسلسل الهرمي لوزارته. لم يبدأ التطهير المنهجي للمؤسسات بشكل حقيقي أبداً، ومع ذلك فهو مفتاح الحل: دولة قوية، تعاقب عند الضرورة، وتنظم حسن سير البلاد. لأنه شئنا أم أبينا، يجب أن نتقبل بعضنا البعض للحفاظ على هذا البلد... ما لم نكن قد قررنا بالفعل أن نخسره.