شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
هل تستطيع إيران الصمود أمام "إنزال واشنطن الاقتصادي"؟

حدثان بارزان يُظللان بداية هذا الأسبوع: الهجوم الاقتصادي والمالي الهائل الذي شنته الولايات المتحدة على إيران – والذي أُطلق عليه اسم "الإنزال الاقتصادي" (D-Day) – وفي لبنان، عودة قضية السفير الإيراني المُعيّن في بيروت دون اعتماد رسمي، محمد رضا شيباني، إلى الواجهة. تكمن أهمية حزمة العقوبات التي أعلنتها واشنطن يوم الاثنين في تداعياتها المباشرة متعددة الأبعاد، على المديين القريب والمتوسط، على الاقتصاد الإيراني، وبقاء نظام الملالي، التوازنات الإقليمية، وحتى العلاقات الدولية، ولا سيما مع الصين. أمّا قضية محمد شيباني، وعلى الرغم من أنها لا تُقاس بالطبع بـ "الإنزال الاقتصادي"، فإنها تضع قدرة السلطات اللبنانية على المحكّ في مدى ملاءمة أفعالها لأقوالها. وهي تكتسب أهميتها كونها تُشكّل اختباراً جديداً لدولة ما زالت تجد صعوبة في فرض سلطتها. وفي هذا الاثنين 24 آب، فشل لبنان الرسمي مجدداً في هذا الاختبار. يأتي الإعلان عن هذه التدابير غير مسبوقٍ إطلاقاً، شكلاً ومضموناً، لكونه يهزّ الاقتصاد العالمي بأكمله في الوقت الذي يفرض فيه حصاراً خانقاً على النظام الإيراني. وتطال العقوبات القطاعات كافة: الذهب، التكنولوجيا، الأصول الرقمية، النفط، النظام المصرفي، الطيران، والنقل البحري. وكان الإنذار الذي وجهه وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، واضحاً لا لبس فيه: على الدول التي تتعامل مع إيران التقيّد بهذه الإجراءات أو المخاطرة بتعرّضها هي الأخرى للعزل. والأسوأ من ذلك: أنها تقع تحت خطر الاستبعاد من نظام الدولار، بحسب توضيحاته. وحذّر بيسنت قائلاً: "يجب ألا يختبر أحد إرادتنا"، مؤكداً أن "المساحات الرمادية لم تعد موجودة". وأضاف: "على قادة العالم الاختيار بين إيران والولايات المتحدة، بين السلام والإرهاب". لا استثناءات، ولا سيما للصين، الشريك الاستراتيجي لطهران، والتي، على الرغم من فتح دونالد ترامب صفحة جديدة معها، تقع اليوم مجدداً في مرمى الهدف الأميركي. وكانت بكين قد أعربت مؤخراً عن انزعاجها من الاستراتيجية الأميركية الجديدة ضد إيران. وجاء ردّ سكوت بيسنت على سؤال بهذا الخصوص حازماً ومباشراً: "إذا سهّلت بكين المعاملات الإيرانية، فستكون مستهدفة". وبحسب المسؤول الأميركي، فإن هذه المعاملات، أياً كانت طبيعتها، تندرج ضمن " تبييض الأموال لصالح إيران". وقال وزير الخزانة إنه "يتوقع فرض عقوبات على مؤسسة كبرى هذا الأسبوع"، دون تقديم المزيد من التفاصيل، لكنه أشار، أثناء حديثه، إلى أن "نحو ستين كياناً على صلة بطهران قد فرضت عليها العقوبات للتو". كما تبلغ بنك "ملّي" الإيراني، إلى جانب مؤسسات أخرى، بوجوب "إغلاق جميع فروعه في العالم". وبحسب بيسنت، فإن إيران "تواجه خياراً واضحاً جداً، بين مسارين لا ثالث لهما: العزل التام واقتصاد الكفاف، أو العودة إلى وضعها الطبيعي مع فرصة الانضمام إلى الاقتصاد العالمي"، وذلك بحسب ما صرح به. ودعا بيسنت الجنود الإيرانيين إلى إلقاء سلاحهم، إذ قال موجهاً كلامه إليهم: "تذكروا أن جدار برلين سقط عندما قرر صغار الجنود عدم إطلاق النار على أبناء وطنهم". وفي أول رد فعل سريع، حاولت وكالة "تسنيم"، المقربة من الحرس الثوري الإسلامي، التقليل من أهمية هذه الحزمة الجديدة وغير المسبوقة من العقوبات "في وقت يتواجد فيه الوسيط الباكستاني في طهران". ونقلت عن مصدر إيراني رسمي إرجاعه الأمر إلى "العمليات الإعلامية والنفسية المتكررة لدونالد ترامب". وبحسب المصدر نفسه، "لن يتغير شيء على الأرض". وهو خطاب موجّه بالدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي، إذ إن الوضع على الأرض تحديداً لن يعود كما كان. ذعر في طهران كان الإعلان الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأربعاء عن "الإنزال الاقتصادي" (في إشارة إلى إنزال الحلفاء في نورماندي في حزيران 1944، الذي عجّل بسقوط النظام النازي في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية) كفيلاً بتوجيه الضربة القاضية لإيران إذا ما طُبّق حرفياً واستمر، في ظل غياب أي اختراق ديبلوماسي. فاختيار اسم هذه التدابير الصارمة التي تعتزم واشنطن فرضها على الجمهورية الإسلامية وعلى شركائها الرافضين للانصياع لم يكن عفوياً. فهذه العقوبات، التي يصفها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بـ "أكبر هجوم مالي في التاريخ"، ستشكل الفصل الأخير من حرب مستمرة بأشكال مختلفة منذ 28 شباط الماضي. وهذا ما يدركه الإيرانيون تماماً، كما يتضح من الهبوط الحاد في قيمة الريال، الذي جرى تداوله يوم الاثنين بأكثر من مليوني ريال مقابل الدولار الواحد، وقبل كل شيء، من الذعر الواضح في صفوف السلطة. فمنذ يوم الأحد، تتوالى التصريحات والتعليقات الرسمية بوتيرة سريعة في إيران، حيث يستمر إرسال إشارات متناقضة تراوح بين التهديدات المباشرة للولايات المتحدة والدول التي قد تنضم إلى نظام العقوبات الجديد، وبين إشارات الرغبة في التوصل إلى حل سياسي للنزاع، مروراً بالخطابات الحماسية عن الصمود أو القدرات العسكرية الإيرانية. وتفاقم الأمر إلى حدٍّ وجد معه الرئيس مسعود بزشكيان نفسه مضطراً للدعوة إلى "وحدة الموقف في مواجهة التهديدات الأميركية". أما الغائب الأكبر عن هذه المعزوفة من التصريحات، فكان المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي. فهل يستطيع الإيرانيون الصمود أمام هذه الضربة الأميركية القاضية؟ أمرٌ مستحيل في ضوء شدّة العقوبات الأميركية وحجم الأزمة المالية والتضخم اللذَين يعصفان ببلادهم منذ عدة أشهر، وزاد من تفاقمها الحصار البحري الأميركي. ويكفي تتبع مسار الصادرات النفطية الإيرانية لقياس مدى عمق الأزمة المالية التي يغرق فيها نظام الملالي. فبعدما كانت تقارب مليوني برميل يومياً قبل حرب شباط ، تراجعت إلى نحو 400 ألف برميل في منتصف آب. وفي مطلق الأحوال، وأمام هذا "الإنزال الاقتصادي"، أكدت السلطات الإيرانية مساء الاثنين أنها وضعت خطة "تمتد على مدى عامين" (أي حتى نهاية ولاية الرئيس دونالد ترامب...) لمواجهة هذه الحرب الاقتصادية. أيّ دور للدبلوماسية؟ على الرغم من الضغوط التي يواجهها، لا يزال النظام في طهران يرفض التراجع عما يسمّيه حقه في السيطرة على مضيق هرمز. هذا على الأقل في العلن، إذ إن باكستان تحركت مجدداً أملًا في تحقيق اختراق يعيد إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات ويخفف حدة التوتر على الأرض. في هذه الأثناء، واصلت ميليشيا الحوثيين اليمنية يوم الاثنين استهداف مواقع سعودية، ولا سيما في البحر الأحمر. ويزور قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، طهران حالياً لإجراء محادثات مع المسؤولين الإيرانيين. وبحسب وكالة "رويترز"، كان قد أجرى اتصالاً هاتفيًا مع دونالد ترامب الأسبوع الماضي. ومن المقرر أن يصل بعده وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، يوم الثلاثاء إلى العاصمة الإيرانية لإجراء محادثات تتناول وضع مضيق هرمز. قضية شيباني على أي حال، إذا استمر "الإنزال الاقتصادي" دون تحقيق أي اختراق دبلوماسي، فسيترك حكماً تأثيرات مباشرة على دول المنطقة التي تحتفظ فيها طهران بنفوذ عبر أذرعها المسلحة، كـ "حزب الله" في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، والحوثيين في اليمن. وفي هذا السياق، يبرز حدثان لافتان: فقد أرجأت بغداد الجدول الزمني المحدد لنزع سلاح الجماعات المسلحة الموالية لإيران، من دون تقديم أي تفسير لهذا التعديل ومن دون تحديد موعد جديد. وكان من المفترض أن تنتهي هذه العملية، التي بدأت في حزيران الماضي، في 30 أيلول، وهو التاريخ الذي تنتهي فيه مهلة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق. غير أن بعض الجماعات رفضت إلقاء السلاح بضغط إيراني، معتبرة أن خطوة كهذه تصبّ في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل. وحرصاً منها على تجنّب المواجهات المسلحة وتغليباً للخيار الحواري، أدخلت السلطات العراقية تعديلات على جدولها الزمني دون تغيير الموعد النهائي المحدد أساساً. ولا يمكن تفسير القرار العراقي بالتخلي عن هذا الموعد إلا بزيادة الضغوط الإيرانية التي دفعت حكومة علي الزيدي إلى كبح المسار الذي أطلقته. كذلك هو الحال في لبنان، حيث يتمسك السفير الإيراني المُعيّن وغير المعتمد، محمد رضا شيباني، بموقعه، رغم إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه وقد طالبته وزارة الخارجية بمغادرة البلاد في آذار الماضي. وعملياً، يُعدّ شيباني في وضع غير قانوني في لبنان منذ 24 آذار، إذ لم تعد تأشيرته صالحة منذ اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه. ومع ذلك، لم تتخذ السلطات أي خطوة لتنفيذ القرار الذي أصدرته بنفسها، لتخفق بذلك في أول اختبار لسلطتها. ويوم الاثنين، أهدرت السلطات فرصة ثانية لإثبات مصداقيتها، بعدما تمكّن الممثل الإيراني من الحصول على إقامة لمدة ستة أشهر من الأمن العام، بصفته سفيراً سابقاً خدم في لبنان بين عامي 2006 و2009. غير أن هذا الالتفاف لا يُخفي الفجوة الكبيرة بين تصريحات المسؤولين حول رغبتهم في إبعاد لبنان عن النفوذ الخارجي، وبين أفعالهم التي تتناقض تماماً مع نياتهم المعلنة. وحده وزير الخارجية، جو رجي، بقي متمسكاً بموقفه، حين أكد قبل أيام في حديث لصحيفة "النهار" أنه لا مجال للتراجع عن قرارات آذار الماضي. ويشكل تجديد إقامة شيباني إحراجاً للسلطات، التي أثبتت بذلك أنها لا تملك الشجاعة لتحمّل مسؤولية قراراتها، أياً كانت الذرائع المرفوعة، ولا سيما أن "حزب الله"، التابع مباشرة لإيران، يواصل تحديها. وقد جاء الدليل مرة أخرى على لسان أحد نواب الحزب، حسن فضل الله، الذي تحدث خلال لقاء في طهران مع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، وكأنه يمثل لبنان، بل ذهب إلى حد المطالبة بـ "عمل منسق" مع الجمهورية الإسلامية لمواجهة العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في لبنان. شطب سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب في ظل هذا المناخ المتفجر، يبرز تطور على جانب كبير من الأهمية، لا يخفى على أحد مغزاه الرمزي وتوقيته. فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مساء الاثنين الشطب الرسمي لسوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب الدولي. وفي المناسبة نفسها، رُفع اسم تنظيم "هيئة تحرير الشام" (الذي كان يترأسه الرئيس أحمد الشرع تحت اسمه الحركي "أبو محمد الجولاني") من قائمة المنظمة الإرهابية الدولية. ومن شأن هذا القرار المزدوج، من الناحية الاستراتيجية، أن يفسح المجال أمام الاستثمارات الخاصة في سوريا، بما يحيي الاقتصاد السوري ويتيح لسوريا ما بعد الأسد إعادة الاندماج في حركة الاقتصاد العالمي.

ماري كوري: ما وراء الأحكام المسبقة... أبحاث اليورانيوم وجائزتا نوبل (4)

البعض يمضون حياتهم في الاستسلام لقدرهم، في حين يختار آخرون الإمساك بزمام مصيرهم. غير أن هذه المهمة تغدو أكثر صعوبة حين تتعلق بامرأة تخوض غمار عالم يحكمه الرجال. ومع ذلك... آثرت بعض النساء المواجهة، ونجحن في كسر محظورات عصرهن. وسواء أكانت أدواتهن الفرشاة أم القلم، أم العلم أم الصوت، فقد بصمن قرنهن بجرأة باهرة بلغت أحيانا حد إثارة الفضائح. فمن أرتيميسيا جينتيليسكي (Artemisia Gentileschi) التي تحدت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج ساند التي استبدلت المشد بحرية الكتابة، مروراً بكاميل كلوديل ذات الروح المعذبة، والدقة والعبقرية اللتين تميزت بهما ماري كوري، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العابر للحدود... استطاعت هؤلاء النساء تجاوز الأحكام الاجتماعية المسبقة. وفي سلسلة مقالات، نأخذكم في رحلة عبر الزمن للتعرف إلى هؤلاء المتمردات. تجسّد ماري كوري الروح الحقيقية للتمرد الفكري. لم تكتفِ بتحدي القوانين السياسية لبلادها والأحكام المسبقة التي كبّلت عصرها، بل وسّعت آفاق المعرفة البشرية إلى أبعاد غير مسبوقة. ولدت ماريا سالوميا سكلودوفسكا (Maria Salomea Skłodowska) عام 1867 في وارسو، التي كانت خاضعة آنذاك للوصاية الروسية. ومنذ صغرها، أبدت نبوغاً استثنائياً. ورغم أن والديها حرصا على تعليمها هي وشقيقاتها أسوة بأخيهن، فإن القوانين القيصرية حظرت على النساء دخول الجامعة. لم تستسلم ماريا، فانضمت إلى "الجامعة العائمة"، وهي مؤسسة سرية كانت تمنح التعليم العالي للشابات البولنديات رغماً عن السلطات القيصرية. وشكّل هذا التحدي التمهيد الحقيقي لمصيرها. وإدراكاً منها أن وطنها لن يروي ظمأها العلمي، قررت الرحيل إلى باريس مع شقيقتها برونيا التي كانت تطمح لدراسة الطب. وبعد سنوات من العمل الشاق كمربية لتأمين نفقات دراستهما، وصلت ماري إلى باريس عام 1891. كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، بلا مال تقريباً، لكن بشغف لا يرتوي للتعلم. السوربون التحقت ماري بجامعة السوربون وانكفأت على الدراسة بصرامة وشغف، مضاعفة جهودها لتعويض ما فاتها. عاشت في غرفة عليّة باردة، وكادت لا تأكل شيئاً، غير أن ذهنها انفتح على آفاق واسعة أخيراً، فحلّت الأولى في إجازة الفيزياء، والثانية في الرياضيات. وفي خضم هذا الزخم الفكري، التقت ببيير كوري، العالم الذي يماثلها حرية وشغفاً. ولم تكن رابطتهما مجرد قصة حب، بل اندماجاً بين عبقريتين استثنائيتين. ومعاً، خاضا غمار البحث في سر الأشعة الخفية التي يبعثها اليورانيوم. في مستودع سيئ العزل، قارساً في الشتاء وخانقاً في الصيف، واظبت ماري بلا تعب على تحريك قدور من "البتشبلند"، وهو خام اليورانيوم. ورغم أن الأوساط العلمية الذكورية لم تأخذها على محمل الجد، فإن ماري لم تتراجع. كان الجهد جباراً، لكن النتيجة غيَّرت وجه الفيزياء الحديثة: اكتشف ماري وبيير عنصرين كيميائيين جديدين، هما البولونيوم – الذي أُطلق عليه هذا الاسم تكريماً لوطنها الأم – والراديوم. فكان ذلك إيذاناً ببدء عصر النشاط الإشعاعي. ماري وبيير كوري خلال عملهما في المختبر. انتصارات ومآسٍ: فرض المكانة في عام 1903، جاءت جائزة نوبل في الفيزياء لتتوج أبحاثهما. في البداية، كانت الأكاديمية السويدية المانحة للجائزة تتجه لتكريم بيير كوري وهنري بيكريل فقط، متجاهلة عن عمد مساهمة ماري. غير أن بيير هدد برفض الجائزة ما لم تُشرك فيها. وبذلك، أصبحت ماري أول امرأة تنال جائزة نوبل. لكن القدر، بقسوته المعهودة، وجه إليها ضربة موجعة؛ ففي عام 1906، قضى بيير دهساً تحت عجلات عربة تجرها الأحصنة. ورغم فاجعتها، رفضت ماري الاستسلام للنسيان الذي كان يُفرض حينذاك على الأرامل، وحوّلت حزنها إلى قوة للعمل؛ فواصلت أبحاثها وشغلت كرسي زوجها في جامعة السوربون، لتصبح أول امرأة تدرّس في هذه الجامعة العريقة. في مواجهة الحملة المغرضة: إصرار حتى النهاية في عام 1911وإثر كشف علاقتها بالفيزيائي بول لانجفان – وكان متزوجاً ولديه أطفال –شنت الصحافة الفرنسية عليها حملة تشويه عنيفة، حملت طابعاً عنصرياً ومناهضاً للمرأة. ورغم تلك الهجمة الإعلامية التي كادت تطيح بمستقبلها المهني، لم تتراجع ماري، وسافرت في العام نفسه إلى ستوكهولم لتسلّم جائزتها الثانية في نوبل، ولكن في مجال الكيمياء هذه المرة. ولا تزال ماري كوري، حتى يومنا هذا، الشخص الوحيد الذي نال جائزتي نوبل في مجالين علميين مختلفين. وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى، جندت ماري نفسها وفاءً لمبادئها. فعملت على نشر سيارات "كوري الصغيرة" على جبهات القتال، وهي وحدات جراحية متنقلة مزودة بأجهزة تصوير شعاعي كانت تقودها بنفسها خلال الحرب، وساهمت بذلك في إنقاذ حياة الكثيرين. إرث خالد واصلت ماري أبحاثها حتى وفاتها. ورغم الإنهاك الذي سبّبه لها المرض، جابت العالم، وألّفت الكتب، وزارت الولايات المتحدة حيث حظيت باستقبال حافل، وشاركت في مؤتمرات علمية عدة، مثل مؤتمر "سولفاي"، إلى جانب كبار علماء من بينهم ألبير أينشتاين. وفي نهاية المطاف، تم الاعتراف بمساهمتها في تقدّم العلوم والطب، ولا سيما في مكافحة مرض السرطان. وكانت ابنتها الكبرى إيرين تساعدها في عملها، وسيراً على خطى والديها، تزوجت هي الأخرى من باحث، وحصلت بدورها على جائزة نوبل. "إلى عظماء الوطن، اعترافاً بفضلهم" رحلت ماري كوري عام 1934، بعدما أنهكها التعرض للإشعاعات لعقود طويلة. ولا تزال دفاتر مختبرها، تماماً كجسدها، تحمل أثر العلوم التي كشفت عنها. وماري، التي نُعتت في مرحلة ما بـ"الأجنبية ومخرّبة البيوت"، ترقد اليوم في صرح "البانتيون" داخل تابوت من رصاص، بين كبار الخالدين. لقد كانت متمردة بصمت، فانتصر عملها ومواقفها على أعتى الأحكام المسبقة. لم تكتفِ بقبول العالم كما هو، بل شرّحته، وفهمته، ونجحت في تغييره.

عن راهنية فكر هابرماس
بقلم
نانيت زيادة-ريتر
نُشر

في زمن يبدو فيه النقاش العام وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، يتجلى فكر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) كبوصلة فريدة لا تزال، حتى يومنا هذا، تمسّ أبعاد واقعنا الراهن بصورة صارخة. فهو يخوض في عمق الحداثة العلمانية، ودور الدين، والدولة-الأمة، والقومية في السياق الأوروبي، فضلاً عن مقاربته للفكر النقدي عموماً من بوابة "أخلاقيات المناقشة" و"الحوار الخالي من أي هيمنة". في هذا الإطار، يتعارض فكره مع الطرح القائل بأن الخير والشر يمكن أن تحددهما سلطة مطلقة، أو تقليد جامد، أو حقيقة ميتافيزيقية لا تقبل التشكيك. وعلى الضفة المقابلة، يدافع هابرماس عن وجوب نقاشهما عقلانياً بين أفراد أحرار ومتساوين، داخل فضاء حواري مفتوح. ولد هابرماس عام 1929 في ألمانيا التي كانت تعصف بها آنذاك الأزمات، ونشأ في بيئة بورجوازية محصّنة نسبياً، لكنها لم تكن بمعزل عن الانقسامات الأيديولوجية التي طبعت عصره. انضم والده إلى الحزب النازي، وهي حقيقة عائلية ثقيلة تندرج في سياق بات فيه الانخراط في النظام، بالنسبة للعديد من الناس، بمثابة تحصيل حاصل اجتماعي بقدر ما كان إكراهاً سياسياً. وعانى هابرماس في طفولته أيضاً من الشفة المشقوقة، وهو تشوه ظاهري في مجتمع لم يكن يتقبل الاختلافات الجسدية. خضع في طفولته لعمليات جراحية عدة، مما عمّق لديه الشعور المبكر بالهشاشة وبثقل نظرة المجتمع. وفي مرحلة المراهقة، جرى تسجيله لفترة وجيزة في "شبيبة هتلر"، شأنه في ذلك شأن الغالبية الساحقة من أبناء جيله. غير أن نهاية الحرب العالمية الثانية والاكتشاف التدريجي لجرائم النازية شكّلا لديه صدمة تأسيسية. هذه التجربة القاسية المتمثلة في الانقطاع التاريخي – بما حملته من تعايش بين التلقين العقائدي، ومرحلة إعادة الإعمار، وضرورة التفكير بمنظور مغاير – لعبت دوراً حاسماً في صياغة رؤيته المستقبلية حول الذاكرة والعقل. في مرحلة ما بعد الحرب، واصل دراسته في ألمانيا التي كانت لا تزال تحت تأثير قامات فكرية تورطت مع النظام النازي. وفي سن مبكرة، خاض نقداً لاذعاً للفيلسوف مارتن هايدغر، لا سيما بشأن صمته وانخراطه خلال الحقبة النازية. أثار هذا المقال اهتمام تيودور أدورنو، القامة البارزة في "مدرسة فرانكفورت"، فضمّه إليه كمساعد. على إثر ذلك، اندمج هابرماس في مسار هذه المدرسة النقدية، لكنه سرعان ما بدأ يبتعد عنها تدريجياً. ففي الوقت الذي طوّر فيه روّاد فرانكفورت الأوائل رؤية تشاؤمية حيال الحداثة والعقلانية، حافظ هابرماس على ثقة راسخة بقدرة اللغة والحوار على نسج الروابط الاجتماعية وإنتاج العقلانية. وفي هذا السياق تحديداً، صاغ ما أسماه "أخلاقيات المناقشة"؛ ومفادها أن المعيار لا يكتسب مشروعيته إلا إذا حظي بقبول جميع المعنيين في ظل حوار حر خالٍ من أي هيمنة. وعليه، فإن الأخلاق لا تستند إلى حقيقة خارجية، بل إلى جودة العملية التداولية ذاتها. وبخلاف سقراط، الذي كان يسعى إلى استخراج حقيقة يُفترض أنها موجودة مسبقاً، يشدد هابرماس على الإجراء نفسه: فالمناقشة هي التي تؤسس للشرعية والصلاحية. أفضت هذه التأملات إلى بلورة نظريته حول "الفعل التواصلي". فاللغة، في منظوره، ليست مجرد أداة للتبادل، بل هي فضاء محكوم بمتطلبات ضمنية: الحقيقة، والصدق، والعدالة. أن تتكلم يعني أن تدخل حكماً في علاقة اعتراف متبادل. ومن هنا تنبع رؤيته للفضاء العام، باعتباره ساحة للتداول الديمقراطي يتكافأ فيها المواطنون في طرح حججهم ومقارعتها. تتمدد هذه الرؤية لتطال تأملاته السياسية حول "الوطنية الدستورية"؛ إذ لم يعد الانتماء السياسي، في مفهومه، يستند إلى الهوية الوطنية أو الثقافية، بل إلى الالتزام بالمبادئ الديمقراطية التي يكفلها الدستور. وتتجذر هذه الفكرة في رفضه للقومية، التي جعلت منها أهوال التاريخ الألماني في القرن العشرين موضوعاً شائكاً بامتياز. وفي هذا السياق، يسعى التزامه بالخيار الأوروبي إلى تجاوز منطق القوة الذي تتبعه الدول-الأمم، ليس بهدف إضعاف ألمانيا، بل لمنع أي هيمنة وطنية على مستوى القارة. وهكذا أضحت أوروبا فضاءً تتقدم فيه لغة التعاون والحوار على منطق موازين القوى. وفي مرحلة لاحقة، أعاد هابرماس النظر في المسألة الدينية. فبعد طول تحفّظ حيال الدين، اتخذ موقفاً أكثر انفتاحاً؛ إذ لا يتعلق الأمر بدمج الإيمان في الفلسفة، ولا بنبذه بوصفه فكراُ غير عقلاني، بل بالاعتراف بأنه لا يزال يكتنز موارد أخلاقية نافعة للنقاش العام. فالأديان، برأيه، لم تعد تنتج رؤية شمولية للعالم، لكنها تصون رؤى أخلاقية جوهرية وتنقلها: كإيلاء العناية للهشاشة الإنسانية، وتعميق الشعور بالمسؤولية، والاعتراف بالمعاناة، والتأكيد على واجب التضامن. كما يشدد على أن الحداثة العلمانية لم تولد من قطيعة تامة مع الدين، بل إنها تحتفظ ببعض من موروثاته. وبالنتيجة، يظل هابرماس فيلسوفاً يحاكي واقعنا الراهن بصورة صارخة، ويجدر بنا اكتشافه أو إعادة قراءته.

غارات في سوريا وتوترات مع تركيا: إسرائيل توسّع نطاق هجماتها

تبدو إسرائيل مصمّمة على التصدي للطموحات التركية في سوريا، في خطوة أثارت رد فعل أميركياً متحفظاً. وفي إيران، باتت الولايات المتحدة تفضّل استراتيجية الخنق الاقتصادي. أما في لبنان، فيواجه حزب الله ضغوطاً أميركية متزايدة. في الشرق الأوسط، كان التطور الأبرز خلال الأسبوع الممتد من 17 إلى 23 آب هو شدّ الحبال بين إسرائيل وتركيا في سوريا. وبدأت القضية الثلاثاء مع غارة على مطار أبو الظهور في محافظة إدلب، جنوب غربي سوريا، وهو مطار خارج الخدمة منذ بداية الحرب السورية، لكنه يشهد وجوداً لعناصر من الجيش السوري الجديد التابع لسلطة أحمد الشرع. وقد أثارت الغارات الثماني على الفور إدانة من السلطات السورية التي اتهمت إسرائيل بتنفيذها. وأعطى بيان للمرصد السوري لحقوق الإنسان أول مؤشر إلى سبب هذه الغارات، إذ أفاد بأن قوات تركية كانت قد انتشرت في الموقع قبيل الضربات بهدف إعادة تأهيل المنشأة المدمرة. ولم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن الهجوم إلا بعد يومين، على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي أكد أنه وجّه رسالة «واضحة» إلى كل من سوريا وتركيا. واتهم أنقرة بالسعي إلى ترسيخ وجودها على الأراضي السورية من خلال إنشاء قاعدة في أبو الظهور. أما رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير فصعّد اللهجة بزيارته القوات الإسرائيلية المتمركزة في جنوب سوريا، مؤكداً أن بلاده لن تتسامح مع أي وجود معادٍ على حدودها. وشهدت الأراضي السورية السبت هجوماً إسرائيلياً جديداً قرب هضبة الجولان المحتلة. وفي اليوم نفسه، استهدفت طائرة إسرائيلية مسيّرة مركبة في جنوب غربي سوريا. ونددت دمشق بهذه الانتهاكات لسيادتها، مطالبة بإدانة من الأمم المتحدة. وتصاعد التوتر الإسرائيلي-التركي على امتداد الأسبوع. وفيما نفت تركيا أي وجود عسكري لها على الأراضي السورية، أعلنت أنها «لن تقع في فخ» رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عبر الانجرار إلى نزاع مسلح، ما يبدو أنه يرسم سقفاً لهذا التصعيد. لكن حدة الحرب الكلامية واصلت ارتفاعها، كاشفةً إلى العلن حجم العداء بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونتنياهو. فبعدما وصف الإسرائيليون إردوغان بأنه «ديكتاتور معادٍ للسامية»، انتهى الرئيس التركي إلى إصدار «مذكرة توقيف دولية» بحق نتنياهو بتهمة ارتكاب «جرائم» حرب خلال قمع «أسطول غزة»، الذي اعترضه الجيش الإسرائيلي في أيار لمنعه من الوصول إلى القطاع. اجتماع إسرائيلي-سوري في عمّان بهذا الهجوم الإسرائيلي المباشر على الأراضي السورية، تزيد إسرائيل المشهد تعقيداً في ظل وضع إقليمي بالغ التشابك. فخصمها التركي وقّع لتوه بروتوكول دفاع مشترك مع قوتين سنّيتين أخريين، هما السعودية وباكستان. كما أن أنقرة تحتفظ بعلاقات ودية مع الولايات المتحدة، إذ كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أشاد بإردوغان خلال قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا قبل بضعة أسابيع. وهذا ما قد يفسر رد الفعل الأميركي الفاتر نسبياً، إذ وصف ممثل ترامب في سوريا، توم باراك، الغارة الإسرائيلية بأنها «تصعيد غير ضروري». كما اعتبر باراك أن هذا التصعيد الإسرائيلي قد يكون «مناورة انتخابية» من نتنياهو، قبل أسابيع من انتخابات حاسمة في إسرائيل يخوض فيها زعيم الليكود معركة من أجل بقائه السياسي. وردّ وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس السبت مؤكداً أنه جرى تزويد «الولايات المتحدة بمعلومات استخباراتية» قبل تنفيذ الغارة، متهماً باراك بإطلاق تصريحات «مليئة بالمغالطات والمواقف التي تتعارض مع نهج» الرئيس ترامب. وبالفعل، فإن مواجهة بين قوتين كبيرتين ستكون لها تداعيات يصعب التنبؤ بها، فلماذا تخاطر إسرائيل بذلك؟ قد تشكّل الحسابات الانتخابية لنتنياهو جزءاً من الإجابة، لكنها لا تكفي وحدها. فقد استخدم مسؤولون إسرائيليون تعابير من قبيل «محاولات تركيا زعزعة استقرار المنطقة» أو ضرورة «منع ترسّخ الوجود التركي»، ما يوحي بأنهم يخشون أن تملأ تركيا الفراغ الذي قد ينجم عن تراجع النفوذ الإيراني في دول المشرق. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هذا الملف المتفجر كان محور اجتماع عُقد الأحد في عمّان، وضم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والمدير الجديد للموساد رومان غوفمان. وكان الهدف من اللقاء خفض التوتر بين سوريا وإسرائيل في أعقاب الغارة على مطار أبو الظهور. وجاء هذا الاجتماع الإسرائيلي-السوري بعد تصريح حديث للوزير الشيباني أشار فيه إلى استئناف قريب للمفاوضات بين دمشق وتل أبيب بهدف استكمال اتفاق أمني بين البلدين. وكانت الخطوط العريضة لهذا الاتفاق قد أُقرّت مطلع العام الحالي. حرب ترامب الاقتصادية على الجبهة الإيرانية، يبدو أن القرار الأميركي باستبدال التصعيد العسكري بالضغوط الاقتصادية، بل بحرب اقتصادية، لا يزال قائماً. ويجري بحث فرض عقوبات أميركية جديدة على إيران، فيما يُفترض أن يعقد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت مؤتمراً صحافياً بهذا الشأن الاثنين. وكانت الضغوط الاقتصادية على إيران في صلب التصريحات الصادرة عن الجانبين هذا الأسبوع. فقد أعلن الرئيس ترامب صراحة «حرباً اقتصادية شاملة» على إيران، محذراً «أي دولة، أو مطار، أو شركة، أو مؤسسة مالية، أو جهة حكومية» قد تقدم «طوق نجاة» للنظام الإيراني. وجاء الرد الإيراني بوصف الضغوط الاقتصادية والتهديدات بالعقوبات بأنها «إرهاب اقتصادي». كما لجأت إيران بدورها إلى التهديد ضد أي دولة تشارك في القيود الاقتصادية المفروضة عليها، وذلك على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي. وما زاد من عزلة إيران الاقتصادية هذا الأسبوع قرار الإمارات العربية المتحدة قطع جميع الجسور مع طهران، في أعقاب ضربة صاروخية لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها. وتعد الإمارات شريكاً أساسياً لإيران، إلا أن هذه الدولة الخليجية عززت بشكل واضح تقاربها مع إسرائيل والولايات المتحدة خلال هذه الحرب. وشهد هذا الأسبوع أيضاً انتهاء مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في اتفاق إسلام آباد، الذي وقعته واشنطن وطهران في حزيران بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي. وأعلن الرئيس ترامب بنفسه أنه لم تعد هناك أي محادثات جارية، داعياً إيران إلى «الاستسلام»، ومكرراً، بابتسامة ساخرة غامضة، أن مضيق هرمز «أرض أميركية». كما اعتبر الرئيس الأميركي أنه لم يعد هناك من يمكن التفاوض معه في إيران. وعلى الجانب الإيراني، ورغم حدة الهجمات الكلامية، تتزايد التقارير التي تتحدث عن اختناق اقتصادي واجتماعي حقيقي، كما تتزايد المعلومات عن القمع الذي يمارسه النظام من خلال الإعدامات بحق المعارضين، ولا سيما المراهقين والشباب الجامعيين. فهل كان ذلك ما دفع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى القول في نهاية الأسبوع إن الوقت قد حان لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة؟ وقد حرص هذا الصوت الإيراني المعتدل بطبيعة الحال على مراعاة التيار الأكثر تشدداً، مضيفاً أن على طهران أن تنظر في هذه الإمكانية «ما دامت في موقع قوة». أما رئيس مجلس الشورى محمد قاليباف، فتحدى الولايات المتحدة بإعلانه السبت عن «ترتيبات جديدة للتعاون الأمني والاقتصادي» مع دول مجاورة، من دون أن يسمّيها. وكان هذا القائد السابق في الحرس الثوري قد زار العراق خلال الأسبوع، في وقت تعلن فيه بغداد بوضوح عزمها على نزع سلاح جميع الفصائل غير الشرعية، ولا سيما الموالية لإيران، بحلول 30 أيلول. فهل هو مثال إضافي على تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة؟ عقوبات على حزب الله وسبقت المعلومات عن عقوبات أميركية مرتقبة على إيران هذا الأسبوع عقوبات استهدفت أفراداً يُشتبه في تمويلهم حزب الله في لبنان. وشددت الولايات المتحدة على أن هذه الإجراءات مرتبطة بعلاقات الحزب الشيعي بالحرس الثوري الإيراني. وجاءت العقوبات بعد تصريحات لإدوارد غابرييل، رئيس «فريق العمل الأميركي من أجل لبنان» (ATFL)، خلال جولة له في بيروت. إذ قال، رداً على سؤال صحافي، إن الرئيس ترامب سيكون مستعداً للحوار مع حزب الله، لكن الأخير لا يبدو «مستعداً» لذلك.

النبي والفيلسوف (9/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. حملت الأولى، التي جاءت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، عنوان “النبي والفيلسوف: تراتبية المعرفة بين الفلسفة عند ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”. ويُقدَّم نصها هنا في صيغة منقحة وموسعة، ضمن سلسلة من عشرة مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لابن سينا والكرماني. وعلى الرغم من أن المفكرين يشتركان في أفق أفلاطوني محدث واسع، صاغته ميتافيزيقا الفيض، وتراتبية الوجود، والتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوران مشروعين فلسفيين متمايزين: ابن سينا ضمن التقليد المشائي للفلسفة، والكرماني في إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى اختلاف السياقين الفكريين اللذين ينتمي إليهما، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، يضيئان طريقتين مختلفتين في التفكير في موقع الفلسفة إزاء السلطة والشريعة وتنظيم الجماعة. ويشكّل هذا المقال الجزء التاسع من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. IX - التلقي المتشعب للسينوية والرشدية في العالم المسيحي الوسيط: بناء تهمة “الحقيقة المزدوجة” أصبح إثبات أن العقل لا يقوّض الوحي تمامًا ضربًا من الانشغال الفكري المشترك في العالم الإسلامي، والعالم المسيحي اللاتيني، والجماعات اليهودية التي تنقلت بينهما. ولم يكن هذا المسعى مشروعًا موحدًا بقدر ما كان قلقًا متكررًا ارتدى مفردات مختلفة: ففي علم الكلام اتخذ شكل الدفاع الجدلي، وفي الفلسفة شكل المصالحة الفلسفية، وفي التيارات المناهضة للفلسفة شكل الارتياب الصريح، وفي التصوف شكل تجاوز للمشكلة عن طريق التجربة، وفي أوروبا الوسيطة شكل البناء الدقيق للاهوت المدرسي. وبعبارة أخرى، كانت المشكلة نفسها تُطرح بلكنات مختلفة، وأحيانًا مع الثقة بأن حلها، هذه المرة وأخيرًا، قد أصبح ممكنًا. في أوروبا الوسيطة، تبلور الجدل حول العلاقة بين العقل والوحي حول قطبين: المبدأ الأوغسطيني credo ut intelligam ، أي “آمِن لكي تفهم”، والتوليف التوماوي الأكثر انتظامًا. وفي هذا الإطار، ذهب توما الأكويني إلى أن العقل البشري، حين يعمل وفق مقتضياته الخاصة، قادر على بلوغ بعض الحقائق الأساسية، وفي مقدمتها وجود الله، لكنه يظل محدودًا بطبيعته عندما يواجه أسرار العقيدة المسيحية التي تتجاوز العقل، كالتجسد والثالوث. ويضع توما الأكويني شرطًا واضحًا لهذا التوليف بين اللاهوت والفلسفة: أن تؤدي الفلسفة وظيفة ancilla theologiae ، أي “خادمة اللاهوت”. وهو يعيد، بطريقته الخاصة، صياغة مبدأ غالبًا ما يُربط بابن رشد، ومفاده أن الحقيقة لا يمكن أن تناقض الحقيقة. وما دام الله يُعد مصدرًا لكل من “نور العقل” والوحي، فإن قيام تناقض حقيقي بينهما مستحيل من حيث المبدأ. ومن ثم فإن أي تعارض ظاهري يعود إما إلى خطأ في الاستدلال العقلي، وإما إلى سوء تفسير للنص المقدس. وعلى هذا الأساس، يصوغ توما الأكويني مقولته الشهيرة: النعمة لا تدمر الطبيعة، بل تكملها. وبحلول القرن الثالث عشر، بلغ هذا التصور أكثر أشكاله انتظامًا داخل الفكر المدرسي مع توما الأكويني، حيث احتل اللاهوت موقع magister scientiarum ، أي “سيد العلوم”، وأسهم في تشكيل البنية الفكرية للجامعات الناشئة. وفي هذه التراتبية، يوفر اللاهوت الأفق الشامل، فيما تندمج الفنون الحرة، المنظمة ضمن trivium ، أي النحو والمنطق والبلاغة، و quadrivium ، أي الحساب والهندسة والفلك والموسيقى، بوصفها علومًا تمهيدية. ومن ثم لا تكون قيمتها مستقلة، بل أداتية: فهي لا تكتسب معناها الكامل إلا بقدر ما تتجه في نهاية المطاف نحو الفهم اللاهوتي، وتصب، إذا جاز التعبير، في إطاره الجامع. علم الكلام والفقه وسيادة النقل في المقابل، لم يبلغ علم الكلام في المجال الإسلامي مثل هذه الهيمنة الشاملة. فلم ينجح في إخضاع الفلسفة لغاياته، كما لم يتمكن من الحفاظ على مركزيته أمام الفقه. بل اندمج في منظومة فقهية أوسع بوصفه حقلًا تابعًا، أي علمًا للعقيدة، لم يعد، بعد القرون العباسية الأولى، قادرًا على منافسة الزخم الهائل للفقه وأصول الفقه، ولا اتساعهما وعمقهما النظري. وهكذا تطورت الحضارة الإسلامية بوصفها “حضارة الشريعة”. وفي ثنائية العقل والنقل، مالت الكفة إلى جانب النقل، وإن ظل ذلك مصحوبًا بمحاولات متواصلة لدفع ما بدا من تعارض بينهما. ومن أبرز الأمثلة على ذلك كتاب ابن تيمية درء تعارض العقل والنقل. فابن تيمية، بوصفه شخصية نموذجية في السلفية، لم يسع إلى إلغاء العقل، بل إلى إثبات أن “صريح العقل” يقود بالضرورة إلى “صحيح النقل”. غير أن النقل يظل في هذه المعادلة هو المعيار، بينما يؤدي العقل دور الشاهد الذي يؤكده. ومن اللافت أن تعريف “العقل” نفسه انتقل من النموذج الأشعري-الغزالي إلى النموذج الحنبلي-السلفي عند ابن تيمية. فبالنسبة إلى الغزالي، كان العقل “ميزانًا” منطقيًا، أرسطيًا إلى حد بعيد، وأداة ضرورية لإثبات صدق النبوة، لكنه يقف مع ذلك عند عتبة الغيب. وكان أي تعارض ظاهري يستدعي، في نظره، التأويل، فيما يعمل العقل نفسه بوصفه “نورًا” يقذفه الله في القلب. أما عند ابن تيمية، فالعقل مرتبط بالفطرة، أي الطبيعة الأصلية أو الاستعداد الفطري. وقد رفض حصر العقل في قواعد المنطق اليوناني، معتبرًا أن “صريح العقل” هو ببساطة ما ينسجم مع الفطرة السليمة. ولم يكن العقل لديه أداة خارجية، بل ملكة فطرية منسجمة بطبيعتها مع الوحي. وإذا كان المعتزلة والفلاسفة قد سعوا إلى ترجيح كفة العقل، فإن الغلبة الفكرية آلت في نهاية المطاف إلى من وضعوا العقل تحت سيادة النقل، وأعادوا تعريفه من خلال مفهوم الفطرة. وفي المحصلة، أصبحت أصول الفقه الميدان الحقيقي للإبداع المنطقي الإسلامي. فبدلًا من بناء منظومات لاهوتية كبرى على غرار منظومة توما الأكويني، اتجهت الثقافة الفكرية الإسلامية نحو “منهجية استنباط الأحكام”. وجرى “احتواء” العقل وتوظيفه في مشروع ضخم من الهندسة اللغوية والمنطقية في خدمة النص. وهنا لا يكون العقل مشرّعًا سياديًا، بل “مهندسًا” يفسر ويقيس. أوكام وسيجر البرابانتي وأزمة التوليف المدرسي ومن المفارقات أن نجاح الفلسفة المدرسية اللاتينية نفسه في ترسيخ أولويتها هيأ الظروف لتراجعها لاحقًا. فمن خلال استيعاب الأرسطية والمنطق البرهاني بهدف جعل الإيمان “حصنًا منيعًا عقلانيًا”، أوجدت المدرسية من دون قصد الأدوات التي ستتيح لاحقًا تقويض سلطتها نفسها. في القرن الرابع عشر، ذهب وليام الأوكامي إلى أن المفاهيم الكلية لا تتمتع بوجود مستقل، بل ليست سوى “أسماء”، وهو الموقف الذي ارتبط لاحقًا بالاسمية. وكان لهذا التحول الفلسفي أثران رئيسيان. أولهما أنه وسّع المسافة بين الإيمان والعقل، من خلال القول إن “الإرادة المطلقة” لله لا يمكن إخضاعها للمنطق البشري. وثانيهما أنه، بتحويل الاهتمام من الكليات اللاهوتية إلى الجزئيات، أسهم في تمهيد الأرضية المفهومية لنشوء العلم التجريبي. لكن قبل أوكام، كان هناك سيجر البرابانتي وتأثير الرشدية اللاتينية. فقد جسّد سيجر المفكر الذي حاول، قبل أوانه، تحرير الفلسفة من غلافها اللاهوتي. وكان رجل دين غير رهباني، لا عضوًا في الرهبانيات المتسولة كما كان توما الأكويني وبونافنتورا، وأصبح سيجر (نحو 1240-1284) أبرز ممثلي الرشدية اللاتينية. وقد درّس الفلسفة بوصفها حقلًا مستقلًا من دون السعي إلى إخضاعها للاهوت. اتُّهم سيجر بالهرطقة ولاحقته السلطات الكنسية في فرنسا، ففر إلى إيطاليا ليستأنف قضيته أمام الكوريا البابوية في أورفييتو، حيث طعنه سكرتيره لاحقًا حتى الموت. ومن اللافت أن دانتي أليغييري وضع سيجر في الفردوس في الكوميديا الإلهية (النشيد العاشر)، إلى جانب خصمه الفكري توما الأكويني، وقدّمه بوصفه روحًا “استنبطت بالقياس حقائق أثارت الحسد”. وفي المناخ الفكري لجامعة باريس في أواخر القرن الثالث عشر، احتل سيجر البرابانتي موقعًا بالغ التوتر. فلم يكن مجرد خصم للإيمان ولا لاهوتيًا تقليديًا، بل مفكرًا حاول دفع العقلانية الأرسطية إلى حدودها الداخلية، إلى حد بعيد من خلال عدسة ابن رشد. ولم يكن مشروعه يقوم على معارضة الوحي في ذاته، بل على استخلاص النتائج بصرامة إذا التزم المرء استقلال البرهان الفلسفي التزامًا كاملًا. ومن هذا المنطلق، أثارت مجموعة من الأطروحات جدلًا خاصًا. كانت الأولى تتعلق بأزلية العالم. ففي مواجهة عقيدة creatio ex nihilo ، أي الخلق من العدم، دافع سيجر عن الإمكان الفلسفي لكون أزلي لا بداية زمنية له، بل عن ضرورته من منظور الفيزياء الأرسطية. وفي هذا التصور، لا توجد “لحظة أولى”، ولا واقعة بشرية تأسيسية بالمعنى الكتابي، وإنما استمرارية غير منقطعة للحركة والعلية. أما الثانية فكانت العقيدة المرتبطة عادة بالرشدية، أي نظرية وحدة العقل. وتتمثل الفكرة المركزية هنا في أن العقل الفعال واحد وكلي، لا يتعدد بتعدد الأفراد. والنتيجة جذرية: فمع أن أفعال التفكير تحدث لدى الأفراد، فإن مبدأ التعقل واحد بعينه لدى البشرية كلها. ويقود ذلك إلى نتيجة ثالثة أشد زعزعة. فإذا لم يكن العقل متمايزًا فرديًا بالمعنى الأنطولوجي الصارم، يصبح من الصعب الحفاظ، ضمن إطار فلسفي محض، على المفاهيم التقليدية للخلود الشخصي والمسؤولية الأخلاقية الفردية. وبذلك يصبح الإطار التقليدي للثواب والعقاب مهددًا بفقدان أساسه الميتافيزيقي. ومن هذه التوترات نشأت مشكلة “الحقيقة المزدوجة”، التي كثيرًا ما نُسبت إلى سيجر في صيغة مبسطة. ففي صورتها الفجة، تعني أن أمرًا ما قد يكون صحيحًا في الفلسفة وخاطئًا في اللاهوت. غير أن موقف سيجر أكثر دقة. فقد يصل الاستدلال الفلسفي، حين يعمل وفق الضرورة البرهانية، إلى نتائج تختلف عن العقيدة الموحى بها، من دون أن يؤدي هذا الاختلاف إلى إبطال سلطة الوحي، التي تظل مطلقة ضمن مجالها الخاص. وبالتالي، لا تتعلق المسألة بمجرد تناقض، بل بتعايش نظامين معرفيين متمايزين يعملان وفق معيارين مختلفين للحقيقة. ومع ذلك، ثبت أن إصراره على استقلال البحث الفلسفي كان متفجرًا على المستوى المؤسسي. ففي جامعة باريس، أسهم هذا الاتجاه الفكري في أزمة أوسع حول موقع الأرسطية في الحياة الفكرية المسيحية، بلغت ذروتها مع إدانة عام 1277، حين جرى رسميًا حظر عدد من القضايا المرتبطة بالقراءات الراديكالية لأرسطو. ومن ثم، لا تكمن الأهمية التاريخية لسيجر في عقيدة منهجية بعينها بقدر ما تكمن في الضغط الذي مارسه موقفه على التوليف الوسيط نفسه. فقد كشف هشاشة الحد الفاصل بين لاهوت قادر على استيعاب الفلسفة وفلسفة تهدد، بفعل صرامتها نفسها، بالإفلات من هذا الاستيعاب. إرنست بلوخ و”اليسار الأرسطي” في مقابل “اليمين الأرسطي” لدى المدرسيين، الذين نظروا إلى المادة بوصفها وعاءً سلبيًا للصورة الإلهية، سعى الفيلسوف الماركسي-اللاهوتي إرنست بلوخ، في كتابه ابن سينا واليسار الأرسطي، إلى بناء جينيالوجيا لـ”يسار أرسطي”. وتتبع سلسلة فكرية متمردة تبدأ مع الإسكندر الأفروديسي وتبلغ ذروتها في مفهوم “خصوبة المادة” عند ابن سينا. وتستمر هذه السلسلة عبر ابن رشد قبل أن تعبر إلى العالم المسيحي مع سيجر البرابانتي. وهي تمثل عند بلوخ “التيار الدافئ” للمادية، أي تيارًا يمنح الأولوية لقدرة العالم الطبيعي الذاتية على الحركة والإبداع في مواجهة الفرض اللاهوتي. لكن هذه الجينيالوجيا التي تبدو متصلة تتجاوز إشكالية واضحة: فقد أمضى ابن رشد جزءًا كبيرًا من مسيرته محاولًا تفكيك فلسفة ابن سينا، ناهيك عن التلقي المختلف جذريًا، والمتناقض في كثير من الأحيان، لـ”مرجعيتيهما” في الغرب اللاتيني. ومع ذلك، يظل حدس بلوخ لامعًا. فعبقريته لا تكمن بقدر كبير في الدقة التاريخية الباردة، بقدر ما تكمن في طريقته المتجاوزة للحدود في مد الجسور بين التقاليد الفكرية الإسلامية والوسيطة، بغية بناء مخيال فلسفي قادر على إحياء الماضي. وقد أصاب بلوخ في تحديد ابن سينا بوصفه المفكر الذي أعاد بث الروح في المادة: فمن خلال النظر إليها باعتبارها “حاملة للصورة” في ذاتها، لا وعاءً فارغًا، أسهم في وضع الأسس المفهومية لفيزياء مستقلة. ولعل الأهم أن اختيار بلوخ إدراج ابن سينا وابن رشد معًا في معسكر “يساري” واحد يقدم بديلًا لافتًا عن المشروع البنيوي المؤثر لمحمد عابد الجابري. ففي مشروعه النقدي، سعى الجابري إلى الحفاظ على نقاء “العقل البرهاني”، فرأى في ابن رشد ذروة نهضة عقلانية يمكن أن تقود إلى الحداثة، في حين اعتبر توليف ابن سينا انعطافًا نحو العرفان، عقّد المسار الفكري للمشرق. أما بلوخ، فمن خلال منظوره الخاص، فينجح في المصالحة بين هذين العملاقين. وإذ يضعهما في سلسلة ثورية واحدة، تدعونا هذه الجينيالوجيا إلى التعرف إلى تيار أكثر شمولًا من الفكر المادي، يمنح “المادة الخصبة” لدى ابن سينا قيمة لا تقل عن قيمة المنطق الصارم لدى ابن رشد، متجاوزًا بذلك الثنائيات الحادة التي حكمت طويلًا دراسة تراث الفلسفة. التلقي المتشعب لابن سينا وابن رشد في الغرب اللاتيني يرجع التلقي المتباين للسينوية والرشدية، التي مثّل سيجر البرابانتي أحد أبرز المدافعين عنها، في القرن الثالث عشر إلى بنية فكر ابن سينا نفسها. فعلى خلاف أرسطية ابن رشد الصارمة، قدم ابن سينا جسورًا ميتافيزيقية وجدها الغرب اللاتيني ضرورية. وبينما نُظر إلى سيجر البرابانتي بوصفه تهديدًا وجوديًا بسبب تمسكه بأرسطو “نقي” وراديكالي، كان ابن سينا قد سبق إلى توليف الأرسطية والأفلاطونية المحدثة، ما جعل منظومته أكثر “توافقًا” مع العقيدة التوحيدية. وقد ميّز ابن سينا بين ماهية الشيء، أي ما هو، ووجوده، أي كونه موجودًا. والله وحده هو واجب الوجود، الذي تتطابق ماهيته مع وجوده. أما سائر الموجودات فليست سوى “ممكنات” أو موجودات ممكنة: فهي لا تملك الوجود بذاتها، بل تتلقاه من الله. وقد أتاحت هذه البنية للاهوتيين في العصور الوسطى صياغة تبعية العالم الأنطولوجية الكاملة للخالق صياغة فلسفية، في حين كان أرسطو “الرشدي” لدى سيجر يوحي بكون أزلي قائم بذاته. وفضلًا عن ذلك، وعلى خلاف ابن رشد وسيجر البرابانتي، اللذين ارتبطا، بطرق مختلفة وبدرجات متفاوتة من الدقة، بنظرية وحدة العقل، أي القول بعقل واحد تشترك فيه البشرية جمعاء، دافع ابن سينا عن فردية النفس البشرية وبقائها بعد الموت. ومن خلال مناورة جدلية متطورة، وظّف توما الأكويني التوترات الداخلية بين التأويلات “العربية”، مستخدمًا السينوية للحد من الرشدية، والرشدية للحد من السينوية، بغية إرساء أسس بنائه المدرسي الخاص. وقد “عمّد” توما الأكويني أرسطو، إن جاز التعبير، عبر تصفية دقيقة لهذه التأويلات الشرقية. فاحتفظ بهيكل أنطولوجيا الوجود عند ابن سينا، مع استبعاد حتميتها القائمة على الفيض؛ وفي المقابل، احتفظ بالصرامة التحليلية لابن رشد، مع تفكيك نظرية وحدة العقل لديه. ومن خلال تعريف النفس بأنها صورة الجسد، ربط توما الأكويني العقل بالفرد البيولوجي. وفي هذا الإطار، لا يكون الإنسان روحًا حبيسة جسد، كما عند أفلاطون أو ابن سينا، ولا جسدًا يسكنه عقل جمعي واحد، كما عند ابن رشد، بل وحدة جوهرية. وبجرأة لافتة، أقر توما الأكويني بأن العقل وحده عاجز عن إثبات أزلية العالم أو بدايته الزمنية. ومع أنه كان يؤمن، من حيث العقيدة، بأن العالم بدأ في الزمن لأن الوحي يقول بذلك، فإنه رأى أن عالمًا أزليًا خلقه الله يظل، من الناحية الفلسفية، احتمالًا منطقيًا. لكن الجانب الأشد أثرًا في التدخل التوماوي تمثل في صياغته للمشهد الفكري بوصفه خيارًا ثنائيًا. فإما أن تعلن الفلسفة استقلالها وتنزلق نحو “عبثية” الحقيقة المزدوجة، وإما أن تخضع للاهوت وتسهم في الصياغة العقلانية للإيمان، فتقبل بذلك دور “الخادمة” ( ancilla ). ومع ذلك، لم يدافع أي فيلسوف كبير، مسلمًا كان أو يهوديًا أو مسيحيًا، فعليًا عن “نظرية الحقيقتين”. غير أن إصرار هؤلاء على تراتبية المعرفة، التي تميز بين الحقائق البرهانية المتاحة للنخبة الفكرية والحقائق الخطابية الموجهة إلى عامة الناس، وفّر الأساس نفسه للاتهامات بالازدواجية التي وُجهت إليهم. كان الكرماني وابن سينا وابن رشد جميعًا ملتزمين بحقيقة واحدة موحدة؛ ولم يفترض أي منهم وجود حقيقتين. وحتى سيجر البرابانتي لم يتصور الحقيقة على نحو مختلف. غير أن سيجر كان يفتقر إلى “الألعاب البهلوانية الأفلاطونية المحدثة” اللازمة للتوفيق بين اعتقاده بأزلية العالم والعقيدة الدينية، من دون أن يستطيع في الوقت نفسه رفض الحقيقة “غير الفلسفية” علنًا. أما خصومه فكانوا يعتقدون أنهم يعرفون تمامًا ما يفعله: لم تكن هناك، بالنسبة إلى سيجر، في نهاية المطاف سوى حقيقة واحدة، هي الحقيقة الأرسطية الفلسفية القائلة إن العالم موجود منذ الأزل. من “الحقيقة المزدوجة” إلى فصل سبينوزا أنتج هذا التوتر استراتيجيتين مختلفتين لفهم تاريخ الفلسفة وتقاطعها مع الفكر الديني: ارتبطت الأولى بسبينوزا في القرن السابع عشر، والثانية بليو شتراوس في القرن العشرين. كان موقف سبينوزا أن السبيل الوحيد لإنهاء الاتهام المتكرر بالازدواجية الموجه إلى الفلاسفة هو فرض فصل صارم بين اللاهوت والفلسفة. وقبله، لجأ فلاسفة مثل موسى بن ميمون، وكذلك الرشديون اللاتينيون، في كثير من الأحيان إلى استراتيجيات تأويلية لحماية حريتهم الفكرية. فقد ذهبوا إلى أن الكتاب المقدس “يتكلم بلغة البشر”، ومن ثم يجب تأويله تأويلًا مجازيًا للكشف عن الحقائق الفلسفية. غير أن هذه الطريقة جعلت الفيلسوف عرضة لاتهامه بالتلاعب بالكتاب المقدس لكي يلائم مشروعًا فلسفيًا محددًا سلفًا. وبفصله المجالين، كان سبينوزا يقول، في جوهر الأمر: “دعوا الكتاب المقدس وشأنه”. فبالنسبة إليه، لا يحتوي الكتاب المقدس على حقائق فلسفية خفية؛ وليست وظيفته تعليم الفلسفة، بل غرس الطاعة والسلوك الأخلاقي. وقد حرر هذا الفصل الفلسفة من دورها بوصفها “خادمة” ( ancilla ) للاهوت. فإذا كان اللاهوت لا يدعي امتلاك حقيقة فلسفية، وكانت غايته التقوى والطاعة، فلن يعود قادرًا على الدخول في تعارض حقيقي مع الفلسفة. وبالمثل، لن يعود في الإمكان اتهام الفيلسوف بـ”تحريف” كلام الله، بعدما أعلن أصلًا أن البحث الفلسفي يعمل في مستوى مختلف تمامًا. ليو شتراوس وعودة التستر ظل ليو شتراوس متشككًا. فقد رأى أن “الفصل” الذي أقامه سبينوزا كان هو نفسه درعًا بلاغيًا. فمن خلال القول إن الإيمان والعقل متوافقان تحديدًا لأنهما ينتميان إلى مجالين منفصلين، استطاع سبينوزا إدخال أفكار مادية أو إلحادية جذرية مع الحفاظ ظاهريًا على احترام “التقوى الحقيقية”. وبالنسبة إلى شتراوس، يمكن فهم حتى هذا الفصل بوصفه شكلًا من أشكال التستر، لأن مشروع سبينوزا النهائي كان يقوم على إحلال سلطة العقل السيادية محل سلطة الوحي. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

العالم بين السوبرمان والسبايدرمان
بقلم
يقظان التقي
نُشر

معروف عن السوبرمان أنه الرجل الفولاذي، الذي يرتدي ملابس ضيقة وعباءة حمراء وزرقاء، يأخذ الأمور على محمل الجدّ، ويحمل على عاتقه كشرطي مسؤوليته إنقاذ العالم. هذا هو رجل المخرج ديفيد كورينسويت بنسخته الحديثة في هوليوود، يوقف الأشرار، يتدخل لإنقاذ أرواح الناس من الحروب والحرائق والغرق. ويتفرّع عن هذا الفيلم الأميركي مشهد سوبرمان آخر، يتدخل في شؤون العالم من دون أن يتوقف، أو أن يفكر في عواقب التدخل في نزاعات الدول الأخرى. قد تبدو هذه المقاربة الجيوسياسية غير مناسبة مع قيم الأبطال الخارقين. لكن هذا ما يوحي به الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حركاته الباهرة لإعادة تشكيل العالم بموحى مجازي لشخصية الشرير أستر، التي يعرفها مخرج الفيلم في “MAGA”، من دون أن يسميها في شخصية رجل الأعمال أو آخرين (ليكس لاثر)، أي نسخة أميركا الجديدة في عالم شرير ورأسمال جشع، صورة عن رجال الأعمال المتغطرسين، مثل غوردون جيكو في فيلم “وول ستريت”. تم ابتكار شخصية سوبرمان قبل 87 عاماً ليقاتل أرباب العمل المستقلين والنازيين في الحرب العالمية الثانية، وليقف في الخمسينيات إلى جانب الأميركيين في الحرب الباردة، وكل نسخة منه كانت تعكس التهديدات والهموم التي تسيطر على الأميركيين. فيما يقفز سوبرمان الممثل الآن لمساعدة كل ما يكرهه ترامب، مهاجرًا من طبيعة فقيرة، ويعتبر أن من يعترض على هذه الصورة هو عنصري في الحديث عن المهاجرين و”رغبتهم في تدمير أميركا”. كل سوبرمان كان رمزاً للتغيير، حيث يحتاج العالم لمن ينقذه في صوره المحتدمة التي تعكس عصر رأسمالية الدولة في بيئتها الضخمة، نسخة أكثر أميركية تذكر العالم، بما يمكن أن يكون عليه في أسوأ حالاته مع أكثر أبطال أميركا حيوية، وما يعكس إغراءات وتناقضات الزمن المفرط في البحث الأميركي عن معنى الدولة العظمى. في الواقع، يقدم ترامب نفسه نسخة تناص مع النص الأصلي، لكنه يثير أشكالاً من العمل السياسي بعيداً عن القالب الكلاسيكي، حيث يعيد إلى المسرح الدولي مثالاً عن حقبة رأسمالية الدولة، واستغلال الموارد العالمية، وسياسة القوة في النزاعات الجيوسياسية في انعكاسات معاصرة للمشهد السياسي الذي يمثله بذلك الحلف الذي عقده فوست مع الشيطان. في الوقت الذي لا يتنازل فيه عن الترف والجانب الترفيهي في استخدام فنون العرض البصرية الرمزية لإضافة التغيير لعمله السياسي، كشخصية مزيج من التطلعات للسيطرة والهيمنة مع كل الانحرافات السياسية والاجتماعية حين يفجر قضية الهجرة في العالم، ويحيي النزاعات الاجتماعية والقومية العنصرية. وهو يتلاعب بكل شيء بالقواعد الدولية والأعراف الدبلوماسية، ولا يعرف حدوداً لصفقاته ونفوذه في فرض التعريفات الجمركية والتلاعب بها. ولا يتوقف في جرأته من عدم الاعتراف بأزمة الطاقة العالمية في حرب “مضيق هرمز” ومخاطر التغيير المناخي، رغم الحرائق الضخمة والأعاصير والفيضانات التي تجتاح العالم. وتماماً، كما يتخيل كاتب الرعب، كان النظام في طهران أضعف من أي وقت مضى في تاريخه البالغ 47 عاماً قبل شن الحرب الأميركية - الإسرائيلية في 28 شباط / فبراير 2026، يكاد أن يسقط دون حرب من خلال الرهان على ديناميات تفكك التوازنات الداخلية، وتظهير نزاعات بين فئات وقوى محلية. فيحالف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحظ، في فنزويلا، وهو الذي كان يسخر من رؤى المحافظين الجدد لتغيير الأنظمة وبناء المجتمعات الديموقراطية، لاسيما حين يقول “كل ما أريده هو الحرية للشعب الإيراني”. فيعلن الحرب للقضاء على التهديد النووي والانتصار على الفوضى الإقليمية، التي يتسبب بها المتشددون، ويعد بتحرر الإيرانيين أخيراً من النظام الثيوقراطي. لكن تجربة سوبرمان عالمي، ليست كلاسيكية في الطموح الجامح الحديث للمعجبين من جماهير الإنترنت، التي لديها الرغبة في التأثير دون المخاوف من السقوط في الفوضى السياسية والمالية، حول العالم، وهو يحاول إعادة توزيع الثروات بشكل يفتقر إلى منظور العدالة والمساواة في مناخ نظام اقتصادي دولي تحتكره شركات الغافا الكبرى، ولا يرى إلى الأبعاد الجيوسياسية الأخرى من فقر وبطالة وجوع يصيب الملايين من أطفال العالم جراء حروبه بالشكل الكافي. هو يعرف كيف يفرض رسوماً، يجبر القادة والرؤساء في العالم على دعم أجندته والرقص معه، يفرض عقوبات ويعرف متى يتراجع بعد أن يتحرك في مواقع الصراع. فيعلن نفسه الرجل المستحق لجائزة نوبل للسلام، يمنح نفسه القدرة على إطفاء الحرائق والحروب، من دون التحقق من بوادر وقفها حين يقدم نفسه محيطاً بشؤون الحرب وفرض السلام بالقوة. والنتيجة، أزمة تعيد تشكيل الشرق الأوسط بطرق من المرجح أن تكون لها تداعيات طويلة الأمد على واشنطن، بينما يتكيف القادة الإقليميون في المنطقة مع واقع جديد بدل الخضوع المحض، على اعتبار أن ما هو موجود الآن أفضل من اللاشيء وسط شكوك حول موثوقية الولايات المتحدة، والشك بأن إسرائيل قوة مزعزعة للاستقرار، في وقت سوبرمان الوهمي يطلب من الأميركيين والعالم مكافآته في السعي لخوض الانتخابات الرئاسية لفترة مقبلة. بالمقابل، يثير هذا الكم من القلق والانقسام ديناميات متقلبة في العالم تعمق الأزمات، ولا يمكن أن تعطى الثقة لشخص واحد يقود العالم حين يتحرك بصفقة شاملة لا تمثل حقيقيًا ثلثي المعمورة، وهو لا يتوقف عن الكلام والتسلية، ولا يتوقف عن مخاصمة الآخرين. يهاجم الجهود الدولية المبذولة في الأمم المتحدة ويحكم سلباً على رجالات مؤسساتها القانونية. ويقوم بعمل جيد بصياغة شروط المحادثات وخطاباته ولقاءاته وسفرياته لاحتواء الآخرين، باستثناء المخلصين الرقميين من ممارسي “ما بعد السخرية” من المجتمعات الأخرى. فيمنح السوبرمان الأميركي لنفسه كل هذه الثقة قبل أن يستحقها. ذلك أن أوضاع العالم ما زالت متصلة بصعوبات الأنظمة السياسية وبظاهرة غير ديمقراطية استباقية تطبق مفاهيمها على الرأسمالية والتكنولوجيا، التي تضعف مؤسسات الدولة وتعطلها. كل ما يفعله المدافعون عن الواقعية السياسية هو الخضوع الذي يلحق الضرر بالعالم الحقيقي، خصوصاً فيما يتعلق بالسياسة الدولية نفسها والمعاهدات الدولية القائمة. يقع العالم في فخ الفكرة القائلة، بأن النتائج تتحقق عبر صفقات شخصية وارتجالية، بدلاً من النظام المتعدد الأطراف القائم على قواعد بينيّة ثابتة ومستقرة. وهنا وجه الخطورة، أن تفقد الإنسانية رأسها السياسي، وتحاصر الدول في سياساتها الداخلية لصالح نظام إقطاعي جديد يحكم العالم في فلسفة رجعية معادية للديمقراطية بتأثير الآراء السياسية لمستثمري التكنولوجيا بما في ذلك بيتر ثيل وإيلون ماسك، ما يساعد في تشكيل الثقافة الحالية في وادي السيلكون والبيت الأبيض، بدل الدفاع عن التعددية والديمقراطية. وإذا اعتقد الناس أن الحكومات يجب أن تدار من قبل الشركات التكنو-رأسمالية أو الذكاء الاصطناعي، أو أن المجتمع الإنساني يعمل بالتفرد. فإن هذه المفاهيم تصبح حقيقية مع انعكاسات الفشل في الاستراتيجيات المعلنة، وهي ليست بحاجة لتحركات خصوم أميركا ضدها. هذا في حال نجح سوبرمان (غير الذي كنا نعرفه بشكل أقل)، مع ميول ترامب نحو الجانب الأكثر ظلمة في الحروب، وكل ما يتبع ذلك من إغراق العالم واقتصادياته في المجهول. مع ذلك، لا يزال هناك وقت للترفيه السينمائي لتجنب الأسوأ، قبل أن يتبع الناس مفضليهم ويروجون لهم في محاولة لإعادتهم إلى دائرة الاهتمام العام، مثل وصول فيلم سبايدرمان على هيئة سربه المكون من 1500 طائرة مسيّرة (درون)، يعبر فوق جسر “غوانغان”، ويواصل اكتساح شباك التذاكر في السوق الأميركية والكندية، متجاوزًا فيلم سوبرمان بأضوائه الكاشفة. باختصار فتح ترامب بنفسه صندوق باندورا. إنها كارثة جديدة في حرب السلام العالمي بالقوة، تفتقر إلى استراتيجية، حيث يؤدي كل فيلم إلى فيلم أميركي آخر. وللمشاهدة الواسعة.