شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
"لا انصياع بعد اليوم"، شعارُ الإسلام السني!

وجد السنّة أنفسهم وحيدين إلى حدّ بعيد عندما غادر ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، بأسلحتهم وعتادهم، على متن سفن فرنسية متجهة إلى تونس. كان ذلك في 30 آب/أغسطس 1982؛ وكان بشير الجميّل قد انتُخب رئيساً للجمهورية، فيما كان الجيش الإسرائيلي يستعد لدخول بيروت الغربية. ومع رحيل أبو عمار وقواته التي كانت قد أسهمت في تأجيج الحرب الأهلية والطائفية اللبنانية، طُويت صفحة من تاريخ البلاد. وأمام هذا الواقع، عبّر الرئيس تقي الدين الصلح، رجل الدولة المحنّك والمراقب الدقيق، بمرارة قائلاً: «تفانى المسلمون حتى فنوا» (1). وكان يقصد بذلك السنّة اللبنانيين، وتحديداً أبناء التجمعات المدينية، الذين احتضنوا القضايا العربية إلى حدّ أنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف مهزومين، بل وأدركوا أيضاً إلى أي مدى باتت السلطة تفلت من أيديهم! وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة، نشرت صحيفة السفير تحقيقاً توثيقياً على حلقات حمل عنوان: « الضاحية، ربع الوطن » (2). وكان ذلك بمثابة جرس إنذار ينبئ بقرب دخول الطائفة الشيعية، التي كانت مهمّشة في السابق، بقوة إلى الساحة اللبنانية. ولم يكن هذا التطور ليخلو من إثارة مخاوف مشروعة لدى البيروتيين الأصليين. فالطائفة الشيعية الاثنا عشرية كانت في طريقها بالفعل إلى الحلول محل الطائفة السنّية بوصفها اللاعب المسلم الأول على الساحة السياسية. ومع اندلاع انتفاضة شباط/فبراير 1984 بقيادة حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، لم يتردد الصحافي المخضرم سركيس نعوم في إطلاق كلام بدا يومها استشرافياً. فقد كان يردد أمام من يشاء الاستماع إليه في أروقة صحيفة النهار أن لبنان دخل «العصر الشيعي»، بعدما خرجت بيروت الغربية عن سلطة أمين الجميّل! ومنذ ذلك الحين، أخذ نفوذ السنّية السياسية يتقلص على امتداد سنوات الثمانينيات. وفقد هذا التيار زمام المبادرة لمصلحة فرع آخر من الإسلام، فرع كان يُعدّ أقل حضوراً، لكنه راح يطالب بحقوقه في المحافل السياسية كما في ساحات القتال. وحتى وصول رفيق الحريري إلى السلطة اعتباراً من عام 1992، وما شكّله من انفراج، لم يكن كافياً لإعادة البريق إلى جماعة يعود نفوذها السياسي إلى عهدي المماليك والعثمانيين. الأنقاض و«إعادة الضبط» بقية القصة معروفة: فبعد أن حشدتها إيران وشحنتها عقائدياً، ونظّمتها حركة أمل وحزب الله، ودعمها النظام العلوي القائم في دمشق، فرضت الطائفة الشيعية نفسها، ولا بد من الإقرار بذلك، في مواجهة سائر مكونات الفسيفساء اللبنانية. لكنها، وقد استبدّ بها الغرور الذي لا يستثني أحداً، اعتقدت أنها قادرة على اللعب في ملعب الكبار. ومن بين الأخطاء التي ارتكبتها، أنها عادت الولايات المتحدة كما إسرائيل، وتدخلت عسكرياً في الحرب الأهلية السورية: خطآن قاتلان كانا سيقودانها مباشرة إلى خسائر فادحة ويغرقانها في صراعات لا أفق لها. ذلك أن حزب الله، ذراعها المسلحة الموجّهة من طهران، اعتقد أنه قادر، من خلال دعمه بشار الأسد، على الحفاظ على هيمنته على كتل سنّية مستنزفة أو عاجزة عن التوافق! وحده زعيم كاريزماتي من طراز جمال عبد الناصر كان قادراً على توحيد هذه الكتل وشحذ هممها وإخراجها من سباتها. غير أن هذا البطل القادر على إحداث «إعادة ضبط» سياسية تأخر في الظهور. ولوقت طويل، ظلت «السفيانية» (3)، أو السنّية السياسية، تنحني أمام العاصفة في انتظار أيام أفضل. «السفيانية» والصعود إلى القوة لكن القدر يحمل لنا أحياناً مفاجآت جميلة، وقد يقلب أكثر الأنظمة رسوخاً. وهكذا تخلّص الشعب السوري من المغتصب بشار الأسد، لكنه، للأسف، احتفظ بضغينة عميقة تجاه الذين اعتدوا عليه آتين من لبنان أو إيران. فهؤلاء، المنتمون إلى الفلك الشيعي، وفي طليعتهم حزب الله، كانوا قد انخرطوا عسكرياً في مختلف جبهات الحرب الأهلية. وكانت النتيجة أن دمشق الأموية بدت، في المخيال السوري، وكأنها قد دُنّست، وأن الدماء التي أُريقت باتت تستدعي الثأر. وهذه الرغبة في الانتقام، أو منطق العين بالعين، ستسمّم لوقت طويل العلاقات بين الشيعية اللبنانية والسنّية في العمق السوري. لكن، في هذه الأثناء، فإن البيت السنّي، الذي استعاد فجأة شيئاً من قوته بعد سقوط بشار، بات يرفض أن يتحمل في لبنان الإهانات التي كان يتعرض لها يومياً ما دامت سلالة الأسد العلوية متربعة على عرش دمشق. ولن يُسمح بعد اليوم بأي تعدٍّ على حصته المحفوظة في الإدارة العامة أو في أجهزة الدولة. وهكذا بدأت «السفيانية» تعيد بناء نفسها ببطء، بل وبصعوبة، فيما كانت إيران ووكلاؤها منشغلين في جبهات أخرى، يخوضون الحروب ضد الأميركيين والإسرائيليين. لكن هذه الصحوة السنّية لم تكن تعني أن رئيس مجلس الوزراء لدينا سيتمكن، من دون عراقيل، من استعادة زمام المبادرة الحكومية! إذ كانت معركة صامتة تُخاض عند كل استحقاق سياسي لفرض وجهة نظر على أخرى. وماذا عن الفرضية المصرية؟ وإذا باتفاق دفاعي يُبرم في مكة في 7 آب/أغسطس الماضي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. وقد رأى البعض فيه «ناتو سنّياً» لمواجهة إسرائيل كما إيران. ولا شك في أن ذلك كان مطمئناً بالنسبة إلى «السفيانية»، إلا أن لاعباً رئيسياً ظل غائباً عن المشهد، وهو مصر! فلو انضم بلد النيل إلى تحالف مكة، لكانت مساهمته لا تُنكر: فهو يمتلك أكبر جيش عربي، وسيضيف إلى التحالف ثقله الدبلوماسي وعمقه الاستراتيجي وشرعيته العربية. كما سيشكّل عامل توازن، حتى إن البعض يقول منذ الآن إن انضمامه إلى هذا التحالف «سيحول دون أن يصبح الأخير معادياً لإيران بصورة علنية». ومن يدري! في كل الأحوال، ستشكّل مصر ثقلاً موازناً لتركيا التي جعلت سوريا تدور في فلكها. وأخيراً وليس آخراً، فإن وضعها الجديد سيثير بالتأكيد تساؤلات في تل أبيب، في وقت تتدهور فيه علاقاتها مع أنقرة. أما بالنسبة إلى لبنان، فإن انخراطاً مصرياً أكبر في عملية إعادة التوازن الإقليمي لن يؤدي إلا إلى تعزيز موقع رئيس مجلس الوزراء لدينا والسلطة التنفيذية عموماً. غير أن دور القاهرة الأبرز سيكون في كبح النزعات الانتقامية لدى السوريين تجاه طائفة لبنانية تورطت ميليشياتها في حرب أهلية لم تكن تعنيها. وبالنسبة إلينا، هنا تحديداً يمكن للقاهرة أن تصبح عنصراً لا غنى عنه للحفاظ على سلمنا الأهلي! 1) «تفانى المسلمون حتى فنوا». 2) أي بمعنى واضح: «الضاحية الجنوبية الشيعية تمثل ربع الوطن». وكانت الرسالة في غاية الوضوح: بات من الضروري أخذها في الحسبان! 3) تشير «السفيانية» السياسية إلى معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية في دمشق.

تركيا-إسرائيل: بعد الغارات، حرب الكلمات

تتدهور العلاقات بين تركيا وإسرائيل على نحو متسارع: فبعد ثلاثة أيام على الغارة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة مهجورة في شمال غرب سوريا، تشتبه إسرائيل في أن أنقرة تعتزم استخدامها، جاءت هجمتان جديدتان، كلاميتان هذه المرة، لتسرّعا تدهور العلاقات بين القوتين في شرق المتوسط. فقد وصف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنه «ديكتاتور معادٍ للسامية»، مؤكداً أن إسرائيل ستتحرك ضد «محاولات تركيا زعزعة استقرار المنطقة». وكان نتنياهو قد صرّح الأربعاء: «لن نتسامح مع ترسخ عسكري تركي يتقدم نحو الجنوب، لأن ذلك يشكل تهديداً لنا»، فيما تنفي تركيا أي وجود لها في الموقع السوري الذي تعرض للقصف. وقال مكتب نتنياهو في بيان: «لم تعد إسرائيل، منذ وقت طويل، تتأثر بنفاق تركيا. أردوغان ديكتاتور معادٍ للسامية، ارتكب مجازر بحق الأكراد، ودعم المجزرة التي ارتكبتها منظمة حماس الإرهابية، وقمع شعبه». وفي بيان آخر صدر الجمعة، اتهم مكتب نتنياهو الرئيس التركي بالسعي إلى «توسيع عدوانه ضد إسرائيل ليشمل سوريا». وكانت أنقرة قد حذرت الخميس من أنها ستواصل «بحزم» حماية وحدة سوريا وسيادتها. في المقابل، حرصت الرئاسة التركية على التأكيد أنها لا تعتزم الرد عسكرياً، وأن أنقرة لن تقع «في الفخ» الذي ينصبه رئيس الوزراء الإسرائيلي. لكن تركيا صعّدت موقفها الجمعة بإصدار «مذكرة توقيف» دولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، في إطار تحقيق بشأن اعتراض «أسطول غزة» بطريقة عنيفة ومهينة واحتجاز الناشطين الذين كانوا على متنه. نشرات حمراء أعلن وزير العدل التركي أنه يريد «إصدار نشرات حمراء بهدف توقيف نتنياهو دولياً» بتهم «ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، والحرمان المشدد من الحرية، والضرب والإيذاء المتعمد، والتعذيب، وتدمير الممتلكات، والنهب المشدد، والاستيلاء على وسائل النقل»، بحسب ما أوضحت الوزارة. وكان نحو 430 شخصاً من أفراد طواقم السفن الخمسين تقريباً التي اعترضها الجيش الإسرائيلي في البحر المتوسط، غرب قبرص، قد اقتيدوا بالقوة إلى إسرائيل، حيث احتُجزوا قبل ترحيلهم في مايو/أيار. ونشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير صوراً تظهر عشرات المشاركين في الأسطول جاثين على ركبهم وأيديهم مقيدة. وأُجبروا على السير على أربع وطُلب منهم ترديد عبارة «تحيا إسرائيل» أمام الكاميرات، فيما كانت مكبرات الصوت تبث النشيد الوطني الإسرائيلي. وأثار نشر الفيديو موجة استنكار دبلوماسية دولية، وأدى إلى إدانات من حكومات أجنبية عدة، فضلاً عن انتقادات من داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها. بعدما كانت تركيا حليفاً موثوقاً للدولة العبرية، تحولت إلى أحد أبرز خصوم إسرائيل منذ وصول حزب رجب طيب أردوغان الإسلامي المحافظ إلى السلطة. وإلى جانب العداء الشخصي بين الزعيمين، يقدم أردوغان نفسه في آن واحد حامياً للإدارة السورية السنية الجديدة وحامل لواء الإسلام في مواجهة العدو الصهيوني. وكان الرئيس التركي قد أعلن مؤخراً مشاركة بلاده في «تحالف مكة»، وهو ميثاق للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان. بزشكيان يريد «خروجاً بكرامة» على الجبهة الإيرانية، أكد الرئيس مسعود بزشكيان الجمعة أن الوقت حان لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، معتبراً أن طهران باتت «في موقع قوة وكرامة» في مواجهة واشنطن التي تسعى، بحسب قوله، إلى فرض «حرب اقتصادية» جديدة. وقال: «العالم بأسره يعترف بانتصارنا ويؤكد أن الولايات المتحدة هاجمت مدارسنا ومستشفياتنا وبنانا التحتية في انتهاك لكل القواعد». وأضاف: «إنهم مكروهون في جميع أنحاء العالم». ودافع الرئيس الإيراني أيضاً عن إبرام مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة في يونيو/حزيران بهدف إيجاد مخرج من النزاع، منتقداً الذين يرون فيها دليلاً على ضعف إيران. وقال: «لن يجدوا في هذا الاتفاق أي بند يشير إلى استسلام؛ فجميع الالتزامات تقع على عاتق الطرف الآخر». وتأتي تصريحات بزشكيان، الذي يشغل نظرياً أعلى منصب في الهيكل الرسمي للدولة، بعد مؤشرات عدة أخرى إلى صراع على السلطة بينه وبين الجناح «المتشدد» في النظام، الذي يمثله المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، والذي يقود الجيش العقائدي المتمثل في الحرس الثوري. وكان خامنئي قد ألمح إلى تحفظات بشأن الاتفاق، قائلاً: «كان لي رأي مختلف، لكنني أعطيت موافقتي».

النبي والفيلسوف (8/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وكانت الأولى، بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، بعنوان “The Prophet and the Philosopher: The Hierarchy of Knowledge between Avicenna’s Falsafa and al-Kirmānī’s Ismaili Neoplatonism”. ويُقدَّم نصها هنا في صيغة منقحة وموسعة، ضمن سلسلة من عشر مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة بين ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من أن المفكرين يتشاركان أفقاً أفلاطونياً محدثاً واسعاً، صاغته ميتافيزيقا الفيض، وتراتبية الوجود، والتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوران مشروعين فلسفيين متمايزين: ابن سينا ضمن التقليد المشائي لـ”الفلسفة”، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف سياقيهما الفكريين، يبقى نظاماهما في حوار مستمر حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، يضيئان طرائق مختلفة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة والشريعة وتنظيم الجماعة. وتشكل هذه المقالة الجزء الثامن من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. VIII - التوفيق بين أزلية العالم والوحي في التقليد الإسلامي يحتل الكرماني موقعاً محورياً في تاريخ التصوف الفلسفي الشيعي الإسماعيلي. وهو مفكر نادر الطراز، أمضى الجزء الأكبر من مسيرته في “العراقين”، الفارسي والعربي، وهما منطقتان بعيدتان جغرافياً عن قلب الدولة الفاطمية، لكنهما كانتا محوريتين في مهمته الرامية إلى الدفاع عن الشرعية الفكرية للخلافة. ومن هذا الموقع، سعى الكرماني إلى حماية “العرفان”، أي المعرفة الصوفية الباطنية، من نزعاته الراديكالية الخاصة. واتبع لتحقيق ذلك مقاربة مزدوجة. أولاً، عمل على “عقلنة” النفس الكلية بحيث تعكس العقل الكلي، وأدمج تراتبية العقول العشرة الفارابية في الكوسمولوجيا الإسماعيلية. وثانياً، اتخذ موقفاً حازماً ضد تأليه الخليفة الإمام الفاطمي الحاكم بأمر الله. وبينما رفض ألوهية الحاكم، جعل من الإمام الاكتمال الأرضي الضروري للتراتبية السماوية، والمرتكز الحيوي للتوازن الكوني في العالم المادي. كان هذا التوازن، بالنسبة إلى الكرماني، روح الدولة ذاتها. فقد تصور انسجاماً كاملاً بين الحقيقة والشريعة، والباطن والظاهر. وفي رؤيته للعالم، كان بقاء الإمبراطورية نفسها يعتمد على الحفاظ على هذا التوتر؛ ومن دونه، يفقد المشروع الإمبراطوري مبرر وجوده. ومن المفارقات أن دعوة الكرماني إلى الاستقرار كُتبت في عصر شهد اضطرابات عميقة. جاءت وفاته بعد فترة وجيزة من الاختفاء الغامض للخليفة الحاكم بأمر الله، وهو حدث أدى إلى الانفصال النهائي للدروز عن أصولهم الإسماعيلية. وشكّل ذلك بداية طريق طويل نحو التشرذم، لكنه كان يمثل بالفعل ابتعاداً صارخاً عن ذروة الإمبراطورية الفاطمية نحو عام 1000 ميلادي. ففي ذلك الوقت، كانت الخلافة قوة متوسطية كبرى، تمتد سلطتها من شمال أفريقيا ومصر عبر بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، مع ترسيخ موطئ قدم لها في جنوب إيطاليا. بدأ هذا الحضور بالحكم الفاطمي المباشر لصقلية بعد فتح الجزيرة، ثم امتد لاحقاً إلى البر الإيطالي، حيث جرى الحفاظ على حضور استراتيجي في مناطق مثل كالابريا. وبعد ذلك، وفي عهد الأسرة الكلبية، ازدهرت المنطقة بوصفها مركزاً تابعاً مهماً للثقافة والتجارة الفاطميتين حتى منتصف القرن الحادي عشر. نجح الكرماني في تحقيق توليف بين الفلسفة والتشيع ضمن إطاره الإسماعيلي. وبعد قرون، حققت شخصيات مثل مير داماد وملا صدرا وسبزواري توليفاً مماثلاً، وإن كان ضمن سياق شيعي اثني عشري. أما ابن سينا، الذي نشأ في بيئة شيعية إسماعيلية، فلم يبرز فعلياً بوصفه الفيلسوف الذي نعرفه إلا من خلال تأكيد استقلاله عن تقليد تلقي المعرفة عبر الإمام. وقد “علمنت” فلسفته، إلى حد بعيد، مقدمات هذا الفكر الصوفي-العرفاني، بدلاً من تبنيها كما هي. وهذا تحديداً هو التمييز الذي رفض الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري قبوله. فقد رأى الجابري، على العكس، أن العرفان الصوفي بلغ مع ابن سينا ذروته الأكثر استبداداً، وحمّله مسؤولية الانسداد الحضاري الذي أعقب ذلك. الإحياء السني والهجوم المزدوج للغزالي مع رحيل الكرماني، نحو عام 1021، ثم ابن سينا عام 1037، غاب هذان المفكران في اللحظة التي بدأ فيها المد يتغير في العالم الإسلامي. وبعد بضعة عقود، طُويت صفحة ما أطلق عليه بعض المؤرخين “القرن الشيعي”، وبدأ عصر الإحياء السني. وعلى الرغم من أن إسماعيلية ألموت شكلت تياراً مضاداً لهذا الإحياء، شن الغزالي، في أواخر القرن الحادي عشر، هجوماً مزدوجاً على “الفلاسفة” من جهة، و”الباطنية”، أي الإسماعيليين، من جهة أخرى. وكان هدفه هدم “المدينة الأفلاطونية” الإسلامية، أي حلم المدينة الفلسفية، من أساساتها وبمختلف أشكالها. رأى الغزالي أن الفلاسفة والإسماعيليين وجهان لعملة “هرطوقية” واحدة. وتراوحت اتهاماته للإسماعيليين بين الإلحاد ومذهب الثنوية. فقد رأى أنهم ينزهون المبدع تنزيهاً مطلقاً إلى حد أنهم يسلبونه الوجود واللاوجود معاً. ثم يجعلون العقل الأول الحاكم الفعلي للكون وموضع العبادة في الممارسة. وبالنسبة إلى الغزالي، فإن ذلك يجعل العقل الأول إلهاً ثانياً إلى جانب الخالق، وينقلهم من التوحيد الإسلامي الخالص إلى الثنائية. وشدد الغزالي على أن الغاية القصوى للباطنية هي إيصال السالك إلى مرتبة تسقط عندها التكاليف الدينية، كالصلاة والصوم، بمجرد معرفة “المعنى الباطن”. يمكن فهم مشروع الغزالي الفكري بوصفه مناورة متطورة على جبهتين، يوظف فيها ببراعة الدفاع عن العقل أو الدفاع عن الوحي بحسب الخصم الذي يواجهه. ففي مواجهته للعقيدة الإسماعيلية في “التعليم”، يتخذ موقع المدافع العقلاني بهدف تقويض ضرورة الإمام المعصوم. ومن خلال تحدي الفرضية الإسماعيلية القائلة إن العقل البشري عاجز بطبيعته عن إدراك الحقائق الإلهية من دون مرشد خارجي ذي سلطة، يسعى الغزالي إلى إثبات أن هذا الاعتماد على السلطة الكاريزمية يؤدي حتماً إلى ضمور العقل والتخلي عن التفكير النقدي. غير أن هذا الدفاع عن العقل كان أداتياً بالكامل، كما يتضح من هجومه المتزامن على الفلاسفة. ففي هذه الجبهة الثانية من الصراع، ينتقل الغزالي إلى موقع حارس الوحي، مهاجماً ما يراه تضخماً للمنطق الهلنستي على حساب العقيدة. وتركز نقده على ثلاث نقاط خلافية أساسية اعتبر أنها تمس جوهر الإيمان. أولاً، استهدف الأطروحة السينوية حول أزلية العالم. ففي حين استعان الفلاسفة بالفيض الأفلاطوني المحدث لردم الهوة بين إله أزلي وكون زماني، رأى الغزالي في هذا التوليف اختزالاً خطيراً للطبيعة الإلهية. فالإله الذي يفيض بالضرورة يصبح، في نظره، علة ميكانيكية مجردة من حرية الإرادة الملازمة لـ”الخالق” القرآني. كذلك رفض الغزالي بشدة القول الفلسفي إن الله لا يعلم إلا الكليات دون الجزئيات. فمن منظوره، يؤدي هذا التقييد للعلم الإلهي فعلياً إلى إلغاء إمكان العناية الإلهية، ويقطع الصلة الحميمة والشخصية بين الخالق والمخلوق الفرد. وأخيراً، واجه الغزالي تصور الفلاسفة للحياة الآخرة. فحتى عندما ابتعدوا عن الآراء الأرسطية الأكثر راديكالية بشأن الفناء الكامل للنفس، رأى في إصرارهم على بقاء روحي محض انحرافاً لا يمكن قبوله. وبإنكارهم البعث الجسدي، وقف الفلاسفة في تناقض مباشر مع الثقل الحرفي والرمزي للنصوص القرآنية التي تؤكد البعث النهائي للجسد. قلب منطق الفلاسفة عليهم كانت النقطة الأشد حدة في هجوم الغزالي اتهامه ابن سينا والفلاسفة بعدم الالتزام بقواعد البرهان ذاتها التي وضعوها في منطقهم، ومنها القواعد المستمدة من “الأورغانون” لأرسطو، حين يخوضون في الميتافيزيقا. كانت مناورة الغزالي الأساسية نقداً من الداخل: فهو يقبل ظاهرياً المعايير المنطقية الخاصة بالفلاسفة، ثم يشكك في صرامة تطبيقهم لها في مجال الميتافيزيقا. وهذه المقاربة هي جوهر كتابه “تهافت الفلاسفة”، حيث يسعى إلى إثبات أن التوليف الأفلاطوني المحدث الذي بناه الفارابي وابن سينا لم يكن ذلك العلم البرهاني المتماسك الذي ادعى أنه يمثله. بل يكشفه بوصفه بناءً هشاً من التناقضات، فيقلب المنطق الأرسطي على النظام نفسه الذي سعى إلى تكريسه. وبنقل ساحة المواجهة إلى مدى اتساق مناهجهم الخاصة، لم يكتف الغزالي برفض الفلاسفة على أسس عقائدية، بل حاول تفكيك سلطتهم من الداخل، مجادلاً بأن استنتاجاتهم الميتافيزيقية لا تستوفي المعايير الصارمة للبرهان التي يطالبون بها في العلوم الصورية. تاريخياً، شعر الفارابي وابن سينا بالحاجة إلى تقديم الفلسفة اليونانية باعتبارها نظاماً متناغماً. وحاولا ردم الفجوات بين المدارس المختلفة على أساس الفيض الأفلاطوني المحدث. فإما أن خلافات الفلسفة القديمة لم تصل إليهما، وإما أنها أُهملت لمصلحة تقديم الفلسفة بوصفها علماً موحداً ومتسقاً، “العلم اليوناني”، يمكنه أن يشكل بديلاً مستقراً للفرق الكلامية والفقهية المتشظية في عصرهما. وفي نهاية المطاف، كان أعمق ما أدركه الغزالي أن “الواحد” و”واجب الوجود” لدى الفلاسفة المسلمين المتأغرقين أفضيا إلى “دين فلسفي” يختلف جوهرياً عن الدين الذي كان الغزالي نفسه يصوغه، وهو توليف واسع بين التصوف والمنطق تجسد في مشروعه “إحياء علوم الدين”. حقيقة واحدة، لا “حقيقتان” على الرغم من ضراوة هجومه، لم يتهم الغزالي الفلاسفة باعتناق نظرية “الحقيقتين”، لسبب بسيط وعميق في آن واحد: لم يزعم ابن سينا والفارابي قط وجود حقيقتين متناقضتين. فالحقيقة عندهما واحدة لا تتجزأ. ولم يكن الاختلاف في جوهر الحقيقة، بل في طريقة التعبير عنها. يدرك الفيلسوف الحقيقة عن طريق البرهان. ويدرك النبي الحقيقة نفسها عن طريق المخيلة القدسية، من خلال الرموز والقصص والأمثال. ومن ثم، كانت الفلسفة والشريعة، في نظرهما، متطابقتين في العمق؛ ولم تكن الشريعة سوى “فلسفة للجمهور”. وجاء هجوم الغزالي لأن الفلاسفة حاولوا “احتلال” فضاء الدين وتفسير النبوة باعتبارها ظاهرة نفسية أو عقلية. وعلى النقيض من ذلك، جاء الهجوم في أوروبا الوسيطة على “الرشدية اللاتينية”، المرتبطة بشخصيات مثل سيجر البرابانتي وبوثيوس الداتشي، لأن المتأثرين بالفلسفة العربية اعتُبروا بصدد إنشاء مجال مستقل للعقل، أو للحقيقة الفلسفية، يعمل بصورة منفصلة عن اللاهوت. وفي حين اتهمت الكنيسة “الرشديين اللاتينيين” على نحو شهير بالترويج لنظرية “الحقيقتين”، أي القول بإمكان أن يكون أمر ما صحيحاً في الفلسفة بينما يكون نقيضه صحيحاً في الإيمان، اتخذ نقد الغزالي منحى نفسياً مختلفاً. فبدلاً من “الحقيقتين”، اتهم الغزالي الفلاسفة المشرقيين بـ”التلبيس”. ولم يرهم باعتبارهم يقيمون مجالين منفصلين ومتساويين، بل باعتبارهم يتظاهرون بالالتزام بالشريعة، أي الحقيقة الدينية، فيما يعملون استراتيجياً على تفكيك أسسها من الداخل من خلال القول بأزلية العالم وإنكار البعث الجسدي. وفي نظر الغزالي، جعلهم ذلك متواطئين فكرياً مع الباطنية، على الرغم من رفضهم اعتماد الإسماعيليين على “تعليم” الإمام المعصوم. ابن رشد واستعادة أرسطو إذا كان “تهافت الفلاسفة” للغزالي قد وجه ضربة قاصمة إلى التوليف الإسلامي-الأفلاطوني المحدث الخاص بابن سينا، فإن رد ابن رشد كان أقل دفاعاً عن ابن سينا منه مشروعاً لاستعادة أرسطو. لقد “ضحّى ابن رشد بابن سينا”، في جوهر الأمر، لإنقاذ نقاء أرسطو. ورأى أن التمييز السينوي الشهير بين الماهية والوجود، حيث يُعامل الوجود بوصفه “عرضاً” يطرأ على الماهية، كان خطأ لغوياً وفلسفياً. كما رفض نظرية الفيض، بمنطقها القائل إن “الواحد لا يصدر عنه إلا واحد”، وعدّها أسطورة أفلاطونية محدثة أفسدت تركيز أرسطو الأكثر صرامة على المحرك الأول. وكان قدر كبير من الالتباس الذي سعى ابن رشد إلى تصحيحه ناجماً عن “أثولوجيا أرسطو”، المنسوبة خطأ إلى أرسطو. وكان الفيلسوف القرطبي شديد الارتياب في هذا الإرث الملتبس. وشكلت “شروحه الكبرى” محاولة متعمدة لإزالة “الترسبات الغنوصية والهرمسية” التي التصقت بالسفينة الأرسطية خلال رحلتها الطويلة عبر التقاليد الهلنستية والسريانية. فالفلسفة، بالنسبة إلى ابن رشد، منهج برهاني؛ وإذا أخفقت عقيدة ما، فذلك ببساطة لأن الفيلسوف لم يكن “أرسطياً” بما يكفي. ومن ثم، كان لا بد من إعادة رسم خطوط المعركة حول أزلية العالم. فقد تعارضت هذه الفرضية الأرسطية بصورة مباشرة مع “الخلق من العدم” المركزي في الديانات الإبراهيمية، ما أطلق صداماً ميتافيزيقياً أساسياً. من الكندي إلى ابن سينا: مشكلة الأزلية سعى الكندي، الأول في سلسلة “الفلاسفة” و”فيلسوف العرب” بامتياز، والمنحدر من قبيلة كندة، إلى تجاوز هذا الصراع. فالتزم القول بحدوث العالم زمانياً، مؤكداً أن الله هو “العلة الأولى” التي أخرجت الوجود من “العدم”، وأن العالم نتاج الإرادة الإلهية، وليس حقيقة أزلية مع الله. أما الفارابي، فانشغل بالتوفيق بين “طيماوس” لأفلاطون والميتافيزيقا الأرسطية. ففي “طيماوس”، يُفهم العالم بوصفه “مكوَّناً”، لكن الديميورغوس لا يخلق المادة من العدم؛ بل هو “مهندس إلهي” يفرض النظام، أي “الكوسموس”، على وعاء بدئي فوضوي، أي “الخورا”، عبر تأمل المُثُل الأزلية. ولردم الهوة بين أفلاطون وأرسطو، رأى الفارابي أن أرسطو لم يقصد أن العالم مستقل عن العلة، بل إنه أزلي في الزمان مع بقائه معتمداً في وجوده على العلة الأولى. ولتحقيق ذلك، استعان بنظرية الفيض: يفيض العالم عن الله كما يفيض النور عن الشمس؛ وهو “ممكن” من حيث اعتماده على الغير، لكنه “أزلي” بحكم أزلية الفعل الإلهي. وأتاح تصور أفلاطون للزمان، بوصفه قد خُلق مع العالم كـ”صورة متحركة للأبدية”، لابن سينا لاحقاً أن يصوغ نظرية “الأزلية الزمانية والإمكان الذاتي”. فالله، عند ابن سينا، هو “العلة الكافية”، والمنطق يقتضي ألا تنفصل العلة الكافية زمانياً عن معلولها. ولتفادي مساواة العالم بالله، أدخل ابن سينا تمييزاً دقيقاً: العالم أزلي في الزمان، بمعنى أنه لا يوجد “قبل” يسبقه، لكنه “ممكن بالذات”. فالعالم في طبيعته الخاصة “ممكن”، ولو تُرك لذاته لكان عدماً؛ ووجوده مستمد من “واجب الوجود”. وأثار هذا الإطار الميتافيزيقي تكفير الغزالي للفلاسفة. فقد رأى أنهم جردوا الله من “الاختيار”، واختزلوه إلى ضرورة طبيعية، كالشمس التي لا بد أن تشرق أو النار التي لا بد أن تحرق. وسخر من مبدأ “الواحد لا يصدر عنه إلا واحد”، معتبراً أن الفلاسفة يقيدون القدرة الإلهية المطلقة بقواعد هندسية من صنعهم. ابن رشد: الأزلية بوصفها خلقاً مستمراً في المقابل، سعى ابن رشد إلى الدفاع عن أزلية العالم من دون الاعتماد على نظرية الفيض. وطرح مفهوم “الخلق المستمر”. فالعالم عنده في حالة دائمة من “الصيرورة”، معتمداً لحظة بلحظة على العلة الأولى. وفي مواجهة المتكلمين، رأى أن القول إن الله “قرر” الخلق في لحظة معينة يفترض حدوث تغير في الذات الإلهية، ويثير السؤال: لماذا الآن وليس قبل ذلك؟ وفي “فصل المقال”، رأى أن ظاهر النص المقدس لا يؤيد بصورة قاطعة الخلق من العدم المطلق، مستشهداً بآيات من قبيل “وكان عرشه على الماء” للإشارة إلى أن مادة أولية سبقت الصورة الحالية للعالم. بالنسبة إلى ابن رشد، لا تناقض الحقيقةُ الحقيقةَ. ولم تكن “الصلة” بين النص المقدس والحكمة هدنة دبلوماسية بين حقيقتين منفصلتين، بل شهادة موحدة على الحقيقة نفسها. غير أن الرشدية اللاتينية، المرتبطة مثلاً بسيجر البرابانتي، حين ظهرت واجهت صعوبة في الحفاظ على هذه “الصلة” بين البرهان والإيمان، ما دفع خصومها إلى اتهامها بنظرية “الحقيقتين”، أي فكرة إمكان تعايش حقيقتين متناقضتين. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

حرب اقتصادية شاملة تشنّها واشنطن ضد إيران وحزب الله

في الوقت الذي يواصل فيه نظام الملالي الإيراني، بلا هوادة، إعدام المراهقين والشباب الإيراني شنقاً على الرافعات بشكل شبه يومي، ومعظمهم من طلاب المدارس والجامعات، أعلنت إدارة ترامب حرباً اقتصادية شاملة على الجمهورية الإسلامية، كما صرّح بذلك الرئيس دونالد ترامب بوضوح لا لبس فيه فجر يوم الخميس. فقد أعلن رئيس البيت الأبيض خلال مؤتمر صحفي أن الولايات المتحدة ستفرض قريباً عقوبات اقتصادية «غير مسبوقة»، من شأنها عزل إيران عزلاً تاماً على الصعيد الاقتصادي. وفي وقت لاحق من يوم الخميس، كان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت (الذي بات «الشبح المرعب» لنظام الملالي) أكثر صراحةً، إذ أكد أن «إيران ستواجه أشد العقوبات قسوةً يُفرض على أي دولة في التاريخ»، مشيراً إلى أن السلطات الأمريكية ستتخذ إجراءات بحق كل دولة تواصل إقامة علاقات تجارية مع إيران. غير أن النقطة الأكثر جوهرية والأعمق أثراً استراتيجياً التي أثارها سكوت بيسنت تكمن في تصريحاته حول مصير الجمهورية الإسلامية في ظل هذه الحرب الاقتصادية، إذ قال: «النظام الإيراني سينهار، وسنُسقط النظام الإيراني». صادرات النفط تتوقف ولعل هذه المرة الأولى التي يُصرّح فيها مسؤول أمريكي رفيع بهذا الوضوح عن نية الإدارة الأمريكية في إسقاط نظام الملالي إسقاطاً كاملاً وصريحاً. إذ اعتاد كبار المسؤولين في واشنطن حتى الآن على التأكيد بأن هدفهم هو «تغيير سلوك النظام، لا تغيير النظام نفسه». ومن المنتظر أن يعقد بيسنت مؤتمراً صحفياً يوم الاثنين المقبل للإعلان بشكل صريح ومفصّل عن العقوبات التي ستُفرض على الجمهورية الإسلامية. بيد أنه حتى قبل الإعلان عن هذه الإجراءات المرتقبة، فإن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمالية التي تتخبط فيها إيران باتت على شفا الانهيار الشامل. وقد اعترف محافظ البنك المركزي الإيراني ناصر حمتي، يوم الخميس، وربما للمرة الأولى، بأن الصادرات الإيرانية من النفط توقفت توقفاً تاماً، قائلاً: «لم نعد نُصدّر النفط على الإطلاق، والمشكلة الأخرى التي نواجهها هي عجزنا عن الوصول إلى مواردنا المالية». في هذا السياق المتفجر، يُشير أوساط المعارضة الشيعية اللبنانية، استناداً إلى معلومات واردة من طهران، إلى بدء ظهور حركات احتجاجية في بعض الأوساط الشعبية، فيما تتجلى تداعيات العقوبات والحصار البحري الأمريكي بشكل متصاعد في شلل متزايد يضرب الجهاز الإداري للدولة. ويزيد هذه الأوضاع تأزماً، وفق الأوساط ذاتها، خلافات عميقة وصراعات نفوذ داخل منظومة السلطة القائمة. حزب الله «منظمة إرهابية تحت قيادة الحرس الثوري» في سياق هذا التصعيد الأمريكي ضد النظام - الذي ندّد مساء الخميس بـ«إرهاب اقتصادي» تمارسه واشنطن - شنّت الإدارة الأمريكية في الوقت ذاته تصعيداً جدياً في حملتها ضد حزب الله. وأعلنت وزارة الخزانة أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) أعاد إدراج الحزب على قائمة المنظمات الإرهابية العاملة تحت القيادة المباشرة لـ«لواء القدس» التابع للحرس الثوري الإسلامي، وهو ما يعني ضمنياً اعتبار الحزب منظمة إيرانية وليس لبنانية. في هذا السياق، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك) عقوبات على نحو عشرة أشخاص مرتبطين بحزب الله والحرس الثوري الإيراني، يُتهمون بتهريب مئات الملايين من الدولارات إلى حزب الله عبر تركيا على متن رحلات جوية تجارية. جوزاف عون يُستقبل من قِبل البابا على صعيد العمليات العسكرية الميدانية في لبنان، تتمحور الأنظار حول التحصينات العسكرية الضخمة تحت الأرض في علي الطاهر (منطقة النبطية)، إذ يتحصّن فيها، وفق مصدر في حزب الله نقلت عنه قناة الحدث مساء الخميس، نحو مئة عنصر من المسلحين الشيعة وكبار ضباط الحرس الثوري الإيراني، في ظل حصار إسرائيلي يزداد إحكاماً يوماً بعد يوم، يهدف إلى تنفيذ عمليات "قضم" تدريجي للأرض بغية إسقاط الأنفاق والبنية التحتية التي شيّدها الإيرانيون على مدار سنوات. وأكد المصدر ذاته أن تحصينات علي الطاهر لا تمثّل للحزب مكسباً عسكرياً استراتيجياً فحسب، بل تكتسب قبل كل شيء "أهمية معنوية بالغة". ومن هذا المنطلق، أشار المصدر إلى أن حزب الله يُفضّل أن تقوم إسرائيل بتدمير هذه البنية التحتية كلياً، بدلاً من تسليمها إلى الجيش اللبناني كما اقترحت بعض الأوساط المحلية. وفي ختام هذا السياق العام، استقبل البابا ليون الرابع عشر، صباح الخميس، الرئيس جوزاف عون، الذي حثّ الحبر الأعظم بهذه المناسبة على مواصلة جهوده لدى الهيئات الدولية من أجل "الضغط على إسرائيل لالتزامها بأحكام الاتفاق الإطاري" الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في يونيو الماضي برعاية أمريكية. وكان الفاتيكان قد أبدى دعمه لهذا الاتفاق الإطاري الذي يرسم المسار الذي وافق عليه بيروت وتل أبيب للتوصل إلى وضع ينهي نهائياً حالة الحرب القائمة بين لبنان وإسرائيل.

هل هو عيش مشترك حقا أم هو طقس يبجل الخوف؟

في احدى زياراتي الى كندا، عرجت على مكتبة Volume كعادتي، وهي تحتوي على كتب فكرية قيمة لم تعد متواجدة في سوق النشر، عثرت على كتاب صغير لمؤلف كندي Michel Poulin: .Vivre et laisser vivre أخذته مباشرة بما أنه يتعلق بكيفية العيش معا، الأمر الذي نسميه في لبنان: "العيش المشترك". فكرة الكتاب المركزية بسيطة ظاهرياً: تنتهي حريتي حيث تبدأ حرية الآخر. لكن المسألة هي من يحدد هذه الحدود؟ يرفض الكتاب فكرتين متطرفتين: الحرية المطلقة، التي تؤدي الى الفوضى؛ والضبط التام، الذي يؤدي الى القمع. وبدلاً عن هاتين الفكرتين يقترح نوعاً آخر من الحرية: "الحرية المسؤولة". وأفكاره هذه تقترب من فكر جون ستيوارت ميل في "مبدأ الضرر"، في أنه يحق لسلطة الدولة أو المجتمع ممارسة القوة ضد أي فرد رغماً عنه لهدف واحد فقط، وهو منع إلحاق الأذى بالآخرين. ويتماس أيضاً مع جان جاك روسو في إشكالية العقد الاجتماعي، أي التوفيق بين الحرية الفردية المطلقة للإنسان في حالة الطبيعة، وبين الخضوع لسلطة سياسية وقانونية في المجتمع المدني، دون أن يفقد الإنسان حريته أو يصبح تابعاً لغيره. لكن ما يشدّ في هذا الكتاب أنه لا يقدم خطاباً نظرياً، بل ينطلق من أمثلة معاشة في الحياة: من العائلة الى العمل ومن ثم الفضاء العام. يلجأ الى الأمثلة الحيّة لإظهار كيف يتحول مبدأ الحرية الى صراع يومي على النفوذ وعلى السلطة، وبالتالي الى الاختلاف حول تعريف مبدأ "الحق" نفسه. كيف نعاين ذلك في وضعنا في لبنان؟ ننطلق من سؤال: هل لدينا تعرف واحد للحرية؟ أم أن كل جماعة تعرّف الحرية على مقاس مصلحتها؟ هناك جماعة تعتقد ان سلاحها فقط هو الذي يحمي حريتها، وأخرى تعتبر ان هذا السلاح بالذات يهدد ليس حريتها فقط، بل وجودها ووجود لبنان نفسه، وثالثة تعتبر ان نفوذها هو الذي يحمي حريتها. ينتج عن هذه المفاهيم المتعارضة تصادم بين الحريات؛ وبدل ان تتكامل لتتعايش بسلام، تتحول نحو تعايش أو توازن قسري. الطوائف المتصارعة في لبنان لا تتصارع لأن دينها او ثقافتها مختلفة، بل لأنها تمتلك نفس "الرغبة المحاكاتية" (تبعاً لرينيه جيرار) في الهيمنة والاستئثار بالسلطة والاستقواء بالخارج. جميع الطوائف مرت تاريخياً بمرحلة هيمنت فيها (المارونية السياسية، والسنية السياسية والآن الشيعية السياسية). في كل مرحلة كانت الطوائف الاخرى تشعر بالرغبة بمحاكاة هيمنة تلك الطائفة؛ وتنظر اليها "كنموذج وغريم" في نفس الوقت. فعندما تمتلك طائفة سلاحاً او نفوذاً اقليمياً، لا تطالب الطوائف الاخرى بنزع السلاح من منطلق مدني بحت، بل لأن ما يحركها في وعيها "حسد محاكاتي"، ورغبة في امتلاك فائض قوة لحماية نفسها وللاستقواء في نفس الوقت باللجوء الى خارج ما. الطوائف اللبنانية هي كناية عن "توائم متصارعة" تلغي المصالح الوطنية لصالح الغرائز المتشابهة، ألا وهي الهيمنة والاستئثار بالسلطة. لكن هذا التنافس المحاكاتي بلغ ذروته حالياً، فالنظام الاجتماعي يعاني أزمة في ظل انهيار مؤسسات الدولة، وهي القاسم المشترك الوحيد بين جميع الأخصام، وهذا ما يدفع نحو مطلب "الأمن الذاتي" والكانتونات. المفارقة هنا ان مطالبة البعض بالأمن الذاتي والكانتونات لا تأتي من ضمن رؤية سياسية متكاملة، لأنها أوضح تجسيد ل "التنافس المحاكاتي"، ورد الفعل المرآتي على واقع غير متكافئ؛ فحزب الله نجح منذ عقود في بناء "كانتونه الخاص" وجهازه العسكري ومؤسساته المالية وخدماته الاجتماعية ومنظومته الأمنية المستقلة. عندما ترى المكونات الاخرى ان هذا الفريق المستقل تماماً في "دولته" يهيمن على القرار المركزي، لا تجد ان في ذلك شراكة متساوية. من هنا رد فعلها السوسيولوجي الطبيعي - المدفوع بالخوف على الوجود- يصبح: عندما تعجز الدولة المركزية عن حمايتنا، فعلينا بناء كانتوناتنا الخاصة للبقاء. وهذا بالضبط ما يحذر منه جيرار عندما يشير الى "التوائم المتصارعة". ففي محاولتها مقاومة نموذج الحزب او حماية نفسها منه، تنتهي بتقليد سلوكه والمطالبة بمناطق معزولة. وهي بذلك تتبنى هدف الحزب في ان قيام دولة قانون ودولة (سيدة) مدنية ومركزية أمر مستحيل. "الأزمة المحاكاتية" والانهيار: حرب الجميع ضد الجميع وعندما يصل التنافس المحاكاتي إلى ذروته، يسقط النظام المجتمعي وتختلط الحدود والفروق، وهو ما يسميه جيرارد "الأزمة المحاكاتية". ويبدو أننا في قلب هذه الأزمة، لأن مؤسسات الدولة (التي هي القاسم المشترك الوحيد) تنهار. وعندما تسقط الدولة يشعر كل مكون أنه ضحية مطلقة وأن الآخر هو الشيطان الذي يجب إلغاؤه. وهذا ما كانت عليه الحال في الحرب الأهلية التي عشناها، ونعيش هاجس عودتها اليوم مع تفاقم الشرخ الطائفي والصدمات التي يتعرض لها كل لبناني. تاريخياً استطاع النظام اللبناني التعددي، بعد كل أزمة مررنا بها، إعادة انتاج نفسه. لقد اخترعت الطوائف ( أو امرائها بالأحرى) في كل مرة "كبش فداء" تلجأ اليه وتحمّله المسؤولية الكاملة، لتنفيس العنف الجماعي وإعادة إنعاش العيش المشترك: بدءاً من مقولة "حروب الآخرين" على أرضنا لتبرير الحرب الأهلية؛ ثم "اللجوء الفلسطيني" ومن ثم "السوري" (الغريب) لتحميله الانهيار الاقتصادي؛ وجاء دور القاضي البيطار فتحوّل كبش فداء المنظومة، عند حصول جريمة المرفأ؛ وحتى الطبقة السياسية نفسها عام 2019، عندما رفع الشارع شعار (كلن يعني كلن). وعندما نجحت هذه المنظومة في تدوير الزوايا كي تنجو، ضحّت ببعض الوجوه (حاكم مصرف لبنان) فصار رياض سلامة هو كبش الفداء الذي يحمل خطايا النظام المصرفي (الذي 40% من مالكيه من الطبقة السياسية نفسها) والسياسي بأكمله. فينجو البقية. فهل يعد هذا "عيشاً مشتركاً"؟ ام هو طقس يبجل الخوف؟ هذا العيش المشترك الذي يعاد تدويره وانتاجه عبر طقوس سياسية برعت المنظومة في تسويقها (طاولات الحوار، المحاصصة، الفيتوات المتبادلة)، ليس غرضها بناء دولة بالفعل، بل منع "التنافس المحاكاتي" من الانفجار. إنه تعايش يقوم على الخوف من العودة الى الاحتراب؛ أي ان المقدس في لبنان هو "السلم الأهلي الهش"، الذي يُعبد كصنم، ويضحون في سبيله بالعدالة وبالقانون وبالمحاسبة وبحقوق ضحايا المرفأ والمودعين، وصولاً الى التضحية بالدولة والأرض والوطن نفسه. لكننا نعيش الآن أخطر مرحلة مرّ بها لبنان، وأخطر أزماته لأن "آلية كبش الفداء" بدأت تفقد مفعولها. لم يعد بإمكان المنظومة اختراع ضحية تقنع جميع اللبنانيين. الشرخ تعمّق ولم يعد هناك "دم ضحية مشتركة" تكفي لتوحيد الأخصام. على أمل أن الأجيال الجديدة، الذين يشكلون مسؤولي المستقبل، أن يرفضوا التعايش "الزائف" القائم على دفن الحقائق. الجيل الجديد المطالب بالانتقال من مجتمع يقايض الضحايا، الى مجتمع يحاسب والى دولة قانون وعدالة سواء للمرفأ أو للوطن.

العراق الجائزة الكبرى... لإيران
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

لا حاجة إلى الذهاب بعيدا لإكتشاف أنّ حروبا عدة تدور، بمباركة إيرانيّة، في المنطقة العربيّة ومحيطها. يحاول الحوثيون في اليمن إغلاق مضيق باب المندب عن طريق السعي إلى العودة إلى ميناء المخا اليمني الذي خرجوا منه في العام 2014 بفضل قوات يمنية محلّية كانت مدعومة من دولة الإمارات. هل ستتمكن إيران من التحكّم بمضيق هرمز في الخليج ومضيق باب المندب، المدخل إلى البحر الأحمر وقناة السويس، عن طريق الحوثيين في اليمن؟ لم تخف إيران أنّها قررت اللجوء إلى سياسة هجومية في غير مكان. لكنّ يظلّ الأهمّ بالنسبة إلى "الحرس الثوري"، في الوقت الحاضر، استمرار السيطرة الإيرانيّة على العراق. تدور داخل العراق حرب حقيقية إتخذت طابع تجاذبات محورها سلاح الميليشيات المذهبية التابعة لـ"الحرس الثوري". تجمعت هذه الميليشيات تحت لافتة سمّيت "الحشد الشعبي" الذي لديه موازنة من الدولة العراقيّة والذي يحاول لعب الدور المهيمن على السلطة الذي يلعبه "الحرس الثوري" في إيران. يفسّر تمسّك "الحرس الثوري" بـ"الحشد الشعبي" وسلاحه كل هذا التركيز الإيراني على العراق البلد الذي بات يصلح لإستخدامات إيرانية مختلفة تصبّ في مصلحة النظام في طهران. بين ما يصلح له العراق تمويل جزء من الموازنة الإيرانيّة. قبل أيام قليلة جاء حاكم البنك المركزي الإيراني إلى بغداد للمطالبة بمبلغ 12 مليار دولار ثمن غاز إيراني استخدم في العراق لإنتاج الكهرباء. نسي الإيرانيون أنّ إغلاق مضيق هرمز يحرم العراق من تصدير جزء كبير من نفطه، أي أن إغلاق المضيق يكلّف العراق خسارة مليارات الدولارات. تطالب إيران العراق بمليارات الدولارات فيما تريد منعه من تصدير الجزء الأكبر من نفطه لأسباب خاصة بها. تعود هذه الأسباب إلى أن مضيق هرمز صار السلاح الأقوى لإيران في المواجهة التي تخوضها مع الولايات والتي بات العراق من بين ضحاياها. بعيدا عن مدى استفادة "الجمهوريّة الإسلاميّة" من موارد العراق، خصوصا من نفطه، لا يزال العراق يمثل الجائزة الكبرى التي حصلت عليها إيران كهديّة من الولايات المتحدة. كان ذلك أيّام إدارة جورج بوش الإبن التي أصرّت في العام 2003 على اسقاط نظام صدّام حسين وتسليم العراق على صحن من فضّة إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة". تريد الإدارة الأميركيّة في هذه المرحلة بالذات استعادة العراق من إيران. ثمة تجاهل أميركي تام لواقع يتمثّل في أن من يحكم العراق منذ 2003 هو الميليشيات المذهبيّة التابعة لـ"الحرس الثوري" التي قاتلت الجيش العراقي في حرب السنوات الثماني (1980 – 1988). هذه ميليشيات عراقيّة عادت إلى بغداد من طهران على ظهر دبابة أميركيّة. تحكّمت الميليشيات بمفاصل النظام العراقي وحالت دون أي اصلاح حقيقي يجعل من العراق دولة طبيعية توازن في علاقاتها بين إيران ومحيطها العربي. هناك واقع عراقي تتجاهله إدارة دونالد ترامب بسبب جهلها لعمق التغلغل الإيراني في العراق... تخلّصت إدارة بوش الإبن من نظام صدّام حسين البعثي – العائلي. كان ضروريا التخلّص من ذلك النظام الدموي والغبي في الوقت ذاته، لكنّ شرط معرفة من الذي سيخلفه. تسعى إدارة ترامب في الوقت الحاضر إلى معالجة آثار كارثة حلّت بالعراق الذي صار مطلوبا منه أن يكون خنجرا في خاصرة الأمن العربي. من العراق تنطلق اعتداءات على السعودية والكويت. منه تستهدف أماكن معيّنة في إقليم كردستان العراقي. ليس صدفة أنّ محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) حرص على بدء زيارته الأخيرة للعراق بالتوقف عند النصب الذي أقيم لقاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الذي اغتاله الأميركيون مع أبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" العراقي بعيد مغادرتهما مطار بغداد مطلع العام 2020. جاء قاليباف، الذي يعتبر من أبرز وجوه النظام الإيراني، إلى بغداد ليؤكد معارضة طهران لنزع سلاح الميليشيات العراقيّة خلافا لما تسعى إليه حكومة علي الزيدي التي وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه. لم يقل قاليباف ذلك صراحة. لكن زيارته لنصب قاسم سليماني، حيث القى كلمة مجّد فيها "المقاومة"، تعني الكثير. لعلّ أول ما تعنيه أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة" ما زالت تعتبر العراق "ساحة" تابعة لها، بل ورقة أساسيّة في الحرب الصامتة أحيانا، والصاخبة في أحيان أخرى، الدائرة مع إدارة دونالد ترامب، وهي حرب تتخللها مفاوضات علنيّة أو سرّية بين حين وآخر! صار في الأمكان اعتبار العراق جزءا لا يتجزأ من الحروب الدائرة في المنطقة وهي حروب تمتد من اليمن، إلى مضيق هرمز، إلى دول الخليج العربي التي تتعرّض لإعتداءات إيرانية... إلى جنوب لبنان. من ستكون له الكلمة الأخيرة في العراق؟ إلى أي حدّ تستطيع إيران ممارسة ضغوطها؟ أي قدرة لحكومة على الزيدي على الصمود في مواجهة الميليشيات المسلّحة؟ هل ستساعد زيارة فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، للمملكة العربيّة السعودية في توفير دعم عربي لحكومة علي الزيدي؟ ما لا بدّ من ملاحظته أنّ فائق زيدان تحوّل في الفترة الأخيرة إلى لاعب أساسي على صعيد السياسات الداخليّة في العراق، بما في ذلك في مجال صنع رئيس الحكومة. تلك هي أسئلة المرحلة المقبلة التي محورها العراق نفسه حيث تدافع إيران عن نظامها وحيث تريد تأكيد أن لا عودة إلى خلف، أي إلى ما قبل العام 2003. في تلك السنة قررت إدارة جورج بوش الأبن تحويل "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى وصيّة على هذا البلد تحت شعار "الأكثرية الشيعيّة في العراق". هل في استطاعة إدارة دونالد ترامب إصلاح خطأ تاريخي غير كلّ التوازنات في الشرقين الأوسط والأدنى وفي منطقة الخليج؟