شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
ميشال الخوري، النبل في التواري
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

كيف نتحدّث عن رجل كان يكره إحداث الضجيج؟ رجلٍ كان ينفر من اللفتات الصاخبة ومن كل أشكال الاستعراض، فيما كان ذكاؤه ونبل طبعه، على رغم تواضعه الشديد، يفرضان حضورهما بقوة تكاد تزعجه هو نفسه؟ المهمّة شديدة الصعوبة. ولا سيما أن الرجل نفسه، الذي لم يكن مولعًا بالإعلام ولا بالمقابلات ولا بالأوسمة ولا بالأضواء، كان سيعترض بلا شك على هذا التمرين المحفوف بشيء من المجازفة، الذي يخوضه كاتب هذه السطور. ومع ذلك، فإن السبب نفسه الذي يدفع إلى الكتابة عنه اليوم هو أن الشيخ ميشال الخوري، الذي رحل في 4 تموز 2026، قبل أن يتمّ عامه المئة بقليل، اختار طوال حياته طريق الصمت والتحفّظ، وفيًّا لمقولته الأثيرة: “علينا أن نخدم، لا أن نجعل الخدمة في خدمة مصالحنا”، واضعًا الدولة وأولويتها فوق كل اعتبار آخر. لذلك يبدو الحديث عنه اليوم ضرورة حقيقية، في زمن يمرّ فيه لبنان بمرحلة عميقة من التفسّخ. ولا سيما أن رؤيته للبنان ولدوره ما زالت أكثر راهنية من أي وقت مضى. فليتّسع صدره لهذه المحاولة، التي هي أقرب إلى شهادة صديق وفيّ وممتنّ منها إلى عمل صحافي، لتقول بتواضع من كان، وما سيبقى منه في الذاكرة، ولو في ذاكرة أولئك الذين حظوا بامتياز معرفته ومرافقته. الأبوان… والمرجعان ذكاء. نبل. تفانٍ صامت في خدمة الشأن العام، والدولة، والوطن. إذا كان لا بد من اختيار ثلاثية تقارب شخصية الشيخ ميشال الغنية والمعقدة إلى حد بعيد، فهذه هي. كان بشارة الخوري، أول رئيس للجمهورية اللبنانية المستقلة، محقًّا عندما أطلق يومًا هذه العبارة الموجزة والرائعة: “ابني ميشال أمير. ماذا أقول، أمير؟ أرشيدوق!” وكان ميشال الخوري بالفعل من كبار رجال السياسة اللبنانية، بالمعنى الأكثر نبلاً ورقيًّا للكلمة. أميرًا في خدمة الجمهورية والديموقراطية، في زمن عتاولة السياسة اللبنانية وضواريها، الساعين بإدمان إلى الألقاب… وإلى الأوصياء. ولكن هل كان يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، حين كان اسم والده بشارة الخوري يكاد يختلط باستقلال لبنان الكبير، واسم والده الروحي، خاله ميشال شيحا، يكاد يختلط بالدستور اللبناني؟ كان الإفلات من اسم الأب مستحيلاً. حتى إنه، بعدما تجاوز التسعين، وعلى رغم مسيرة عامة استثنائية وثقافة واسعة، كان يلاحظ بشيء من الضيق أن وسائل الإعلام لا تزال تلصق باسمه اسم والده، كأن اسمه وحده لا يكفي بعد… كان القدر ساخرًا. لم يتوقف عن مناكفة الشيخ ميشال، من دون أي اعتبار لسنّه ولا لمسيرته ولا لخبرته. مسيرة متمرّد ومع ذلك، كان الرجل قد حارب منذ شبابه المبكر فكرة الإرث السياسي والمحسوبيات، وهو ما وضعه بطبيعة الحال في مواجهة مع عائلته نفسها. كان يكنّ لوالده الإعجاب والاحترام والتعلّق. وقد رآه في سن المراهقة يتحدّى، معرّضًا حياته للخطر، بنادق الجنود السنغاليين التابعين للانتداب الفرنسي، عندما حضروا في تشرين الثاني 1943، بفظاظة وإهانات وتهديدات وعنف، إلى القصر الرئاسي في القنطاري لاقتياده إلى قلعة راشيا. ظلّ ذلك المشهد محفورًا في ذاكرة ميشال الشاب حتى النهاية، ولا سيما أن والدته لور شيحا أصيبت يومها بأزمة قلبية توفيت من مضاعفاتها بعد سنوات قليلة. وكانت سلطات الانتداب قد رفضت إسعاف السيدة الأولى بصورة طارئة: كان ينبغي أولاً التأكد من أن الرئيس بات رهن الاعتقال… ويمكن القول إن الشيخ ميشال فقد بذلك والدته كضحية جانبية لمعركة استقلال أرضه الأم، لبنان الكبير… تلك الأم نفسها التي طلبت إليه أن يعدها بألا يدخل معترك السياسة، فلم يعدها بشيء… لكن عندما قرر رئيس الجمهورية، بعدما كان الفساد قد بدأ يصيب محيطه القريب وتنخره الزبائنية، تجديد ولايته، تمرّد الابن وغادر المنزل العائلي ولجأ إلى أستاذه ومرشده ميشال شيحا، الذي كان بدوره معارضًا لمبادرة الشيخ بشارة المناقضة للروح الجمهورية. ولم تبقَ الخلافات في إطار عائلي صرف. ففي أيلول 1950، وقف الشيخ ميشال علنًا في الندوة اللبنانية التي أسسها ميشال أسمر لينتقد نهج والده. حمل الاسم، نعم. لكن ليس بأي ثمن. وهذا مقطع من محاضرته: “حققنا الاستقلال. ثم ماذا؟ ماذا فعلت دولة الاستقلال؟ ماذا أنجزت في بناء الدولة، وفي بناء الوطن، وفي بناء المواطن؟ لا شيء. عدنا إلى الوراء… إلى العادات العثمانية وممارسات الاستعمار. عدنا إلى الفساد والإهمال والانحدار… إن الذين ولدوا مع استقلال 1943 يكبرون ويشيخون من دون أن نكون قد بذلنا الجهد أو أدّينا الواجب لجعلهم لبنانيين حقًا… يجب إزالة بقايا الماضي وهذا الجمود القاتل لأساليب بالية ورثناها من الانتداب ومن المراحل السابقة، كما يجب إزالة عائق أخلاقي هو ذهنية “فرّق تسد”.” وهكذا اختار ابن الاستقلال… الاستقلال. وظل هذا خيارًا ثابتًا، منسجمًا وواعيًا، طوال مسيرته، على رغم قربه الطويل من المدرسة الشهابية. وهذا ما فعله أيضًا حين قرر الاستقالة خلال ولايته الثانية حاكمًا لمصرف لبنان، بعد الحرب، بسبب معارضته الشديدة لسياسة الاستدانة التي اتبعها رئيس الحكومة رفيق الحريري. أصرّ الحريري على بقائه في منصبه، على رغم الخلافات، وباسم صداقتهما. فجاءه جواب الشيخ ميشال، حادًّا كعادته: “لكي نبقى صديقين، عليّ أن أرحل…” وإذا كان قد ترأس لبعض الوقت الحزب الدستوري قبيل الحرب الأهلية، فإنه رفض تحويله إلى حزب تقليدي، وحاول، من دون جدوى، تحديثه. بل تجرّأ، في ما يشبه تدنيسًا للمحرّمات السياسية، على أن يقترح على ريمون إده، ابن الخصم اللدود لوالده، إميل إده، دمج الكتلة الوطنية بالحزب الدستوري لمواجهة صعود الميليشيات وإغواء العنف… فجاءه الرد البارد من “العميد”: “لن يضع ابن إميل إده يده أبدًا في يد ابن بشارة الخوري!” كان ريمون إده رجل دولة، نعم، لكنه لم يكن شارل ديغول… أما الجنرال، فقد أظهر قدرًا أكبر بكثير من الفروسية والعقلانية عندما كلّف فؤاد شهاب، وكان يومها رئيسًا للجمهورية، الشيخ ميشال بمهمة لدى الإليزيه لوقف بيع أراضٍ فرنسية في لبنان إلى المصرفي الفلسطيني يوسف بيدس. ديغول، الذي لم يكن ينهض لأحد، استقبل ابن خصمه القديم واقفًا، ورمقه من علٍ، وقال له بنبرة لا تحتمل الرد: “أعرف ابن من أنت… سيأتي يوم تندمون فيه لأنكم أخرجتم الفرنسيين من لبنان!” ومع ذلك، سهّل الرئيس الفرنسي بعد ذلك مهمة الموفد الشاب، ونجحت المهمة. وفي أعقابها، كلّف جان كابلان من مجموعة السويس، عام 1967، ميشال الخوري تولي إدارة البنك اللبناني الفرنسي، لتبدأ بذلك مسيرة طويلة في القطاع المصرفي. رجل الكواليس تحوّل ميشال الخوري تدريجيًا إلى رجل المهمات السياسية والدبلوماسية الدقيقة التي تنجز في الظل، أولاً لدى فؤاد شهاب، ثم لدى شارل حلو، الذي عهد إليه برئاسة المجلس الوطني للسياحة، وهو مؤسسة استراتيجية مكّنت الشهابية من ممارسة دبلوماسية موازية فعلية بعيدًا من الأضواء. كان هذا الدور ملائمًا له تمامًا، منسجمًا مع شخصيته كخادم للدولة ورجل كواليس، بعيدًا من الأضواء… حتى وإن تولّى حقائب وزارية أيضًا، بينها وزارة الدفاع قبل حرب الأيام الستة. وبهذه الصفة، استطاع خلال اجتماعات مع نظرائه ومسؤولين عسكريين عرب أن يلمس، بالأرقام والتقديرات، أن جيوش المنطقة كانت متجهة إلى هزيمة ساحقة أمام الجيش الإسرائيلي في حال اندلاع مواجهة. وكان التباعد بين حقيقة موازين القوى والخطاب الشعبوي لعبد الناصر مقلقًا. وقد تركت الهزيمة، ثم موجة الحماسة الشعبية الاستثنائية التي أحاطت بالرئيس المصري، أثرًا عميقًا فيه. فقد رأى فيها أحد أكثر أمراض المنطقة استعصاءً: قدرة الزعيم على الاحتفاظ بسطوته على الوجدان الجماعي حتى بعد كارثة بهذا الحجم… وهذا المزيج من التحفّظ والأناقة جعله أيضًا موضع استشارة مستمرة وإصغاء دقيق من جانب الدوائر الدبلوماسية. وكان يتحرك انطلاقًا من هيكل أخلاقي وسياسي لا محرّك له سوى خدمة الوطن واستقلاله وسيادته واستمراره. وكان ميشال الخوري من قلّة السياسيين الذين لا يطلبون شيئًا لأنفسهم… ولهذا كان جديرًا بالثقة. لأنه كان عصيًّا على الفساد. وكانت مهمة رسمية إلى إرنست بيفن، في بريطانيا كليمنت أتلي، قد لقّنته درسًا لا ينسى في هذا المجال. ففي أعقاب الحرب، أراد، من باب المجاملة البحتة، أن يقدم الشوكولا لمحاوريه البريطانيين في وقت كانت البلاد لا تزال تعاني الحرمان. لكن الهدية أُعيدت إليه: ففي بلد ما زال يخضع للقيود والتقنين، لم يكن المسؤولون العامون يقبلون امتيازات لا يستطيع المواطن العادي الحصول عليها. ظلّ هذا الموقف محفورًا في ذهن ميشال الخوري. فما أعجبه لم يكن التقشّف في ذاته، بل الفكرة شبه المقدسة القائلة إن المسؤول العام يجب أن يخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها سائر الناس. وبالنسبة إلى رجل سيمضي حياته في إدانة الزبائنية والفساد، كانت الحكاية درسًا في معنى المواطنة وأخلاق الخدمة العامة. قيم من أجل لبنان ولكن كيف يمكن، إذن، أن نروي سيرة رجل شبه غير مرئي، رجل أحرق، على غرار صديقه الكبير ورفيق دربه وشريكه في الكثير من المحطات فؤاد بطرس، جميع أرشيفه قبل موته كي لا يترك وراءه أثرًا؟ رجل رفض بإصرار كتابة مذكراته، على رغم الطلبات المتكررة من جهات مختلفة، وبينها كاتب هذه السطور؟ ورجل لم يترك خلفه سوى كتاب واحد، تأملي، حميم، استبطاني، قلق وبديع، هو Ruptures vespérales ، شديد القرب من أجواء أحد أساتذته، إميل سيوران… وقد وقّعه باسم مستعار هو ميشال دوليسكور؟ الجواب: من خلال القيم التي وجّهت عمله السياسي ورافقت مسيرته كلها. فعندما كان يتحدث عن بشارة الخوري وميشال شيحا، كان ميشال الخوري يعبّر عن رفض غريزي لفكرة “التسامح”، التي كان يراها مهينة في جوهرها، ويصرّ بدلًا منها على معنى “المشاركة”، وهي القيمة التي كانت تجمع الرجلين والتي ورثها عنهما. وهذه الفكرة المؤسسة، أي “المشاركة”، تفسر من دون شك تعلق “الأبوين والمرجعين” في حياة ميشال الخوري بفكرة لبنان الكبير، والميثاق الوطني، والعيش معًا. فبالنسبة إلى شيحا، كما كان يشرح الشيخ ميشال، كان النظام الطائفي يفترض في نهاية المطاف أن يقود إلى مواطنة جامعة، لا أن يغرق في عصبية قبلية طائفية. أما بشارة الخوري، فبحسب الشيخ ميشال، كان قد كتب في مخطوط الجزء الرابع من مذكراته، الذي احترق خلال الحرب مع مكتبة القنطاري، أن من ينبغي أن يخلفه في رئاسة الجمهورية هو رئيس الحكومة السني رياض الصلح… بما يشير إلى أن النظام لم يكن يفترض أن يتكلّس، بل أن يتطور، وأن ما كان يهم هو شعور لبناني جامع، لا الانتماءات الموروثة… وظل ميشال الخوري يدافع عن هذه الرؤية حتى النهاية. وهي تفسر أيضًا رفضه، بروح شيحا، لدولة إسرائيل، التي كان يعتبرها نقيض نموذج لبنان الكبير التعددي، والتي رأى أنها لعبت، منذ قيامها عام 1948، دورًا محوريًا في إجهاض مسار الدولة اللبنانية الفتية ونموّها. وخلال زيارة إلى الولايات المتحدة في الستينيات، دخل في سجال علني حاد مع أستاذ جامعي كان يدافع خلال مؤتمر عن أطماع إسرائيل في الدول المجاورة… هذا الرجل سيصبح لاحقًا وزير الخارجية الأميركي بالغ النفوذ في عهد نيكسون. اسمه؟ هنري كيسنجر… وهذه الرؤية نفسها تفسر احتقاره للشعبوية وللانحرافات الطائفية ذات النزعات الفاشية داخل مختلف الجماعات. فعلى رغم تشدده في مسألة الاستقلال وفي رؤيته الخاصة للبنان، وقدرته عند الحاجة على إسكات خصمه بجملة واحدة مصيبة، كان ميشال الخوري قبل كل شيء رجل وساطة واعتدال وحوار، وفيًّا لتعاليم شيحا. وهكذا، عندما حاول الرئيس إلياس سركيس، عبر الشيخ ميشال الذي كان يومها في ولايته الأولى حاكمًا لمصرف لبنان، التوسط مع الفلسطينيين من أجل الحفاظ على استمرارية المؤسسات وعملها، هدده بشير الجميل، الرجل الأقوى يومها في الشارع المسيحي في بيروت الشرقية، بإذلاله علنًا بحجة أنه يخون روح التضامن المسيحي. وبالروح الجمهورية نفسها، عارض ميشال الخوري بحزم كل المغامرات الموازية للدولة والمناقضة لها، من الاحتلال السوري إلى الميليشيات، وقد جعل من جسده يومًا درعًا لحماية مبنى مصرف لبنان وموظفيه عندما حاول مسلحون اقتحامه، وصولًا إلى النفوذ الإيراني الذي يمارس عبر حزب الله. في 6 شباط 1984، بينما كانت انتفاضة أمل تشق الجيش وتعيد العاصمة إلى دوامة العنف، شاهد البلاد تتفكك وقال: “طار الميثاق.” وفي 14 آذار 2005، أعاد العنف بعض الأمل، بعد اغتيال رفيق الحريري. انتهى الاحتلال السوري، ليحل محله، في نظره، نير طهران. وكان الشيخ ميشال، الذي شارك في لقاء قرنة شهوان تحت رعاية صديقه البطريرك نصرالله صفير، وهو بدوره من المؤمنين بفكر شيحا، قد انضم إلى قوى 14 آذار… لكنه وجد هناك الداء نفسه الذي حاربه طوال حياته: صراعات السلطة، والانكفاء الطائفي والهوياتي، ورداءة أصحاب القرار… وهي عوامل قادت في النهاية إلى كابوس انتخاب ميشال عون “التوافقي” رئيسًا للجمهورية، الذي كان يمثّل في نظره خلاصة الشعبوية ورمزًا لنقيض الروح الجمهورية. وكانت روح الاستقلال عند بشارة الخوري، والجمهورية عند ميشال شيحا، والمؤسسات عند فؤاد شهاب، تُداس لمصلحة شخصنة السلطة والديماغوجية والشعبوية، وتقديم الابتزاز وموازين القوى على الديموقراطية والروح المؤسسية. “من دون الحرية يصبح لبنان وهمًا” في الجوهر، كانت رؤيته للبنان تقوم كلها على تركيب صعب بين الحرية والتعددية والاستقلال. هل كان ناقمًا على النظام اللبناني؟ هل كان حنينه إلى صلاباته الطائفية؟ أبدًا. لم يكن هذا أسلوب الشيخ ميشال. فبالنسبة إليه، وعلى رغم عيوب النظام، كان قد حافظ على خير لا يعوّض: الحرية. الحرية السياسية، والفكرية، والدينية، والاقتصادية، التي من دونها يفقد لبنان، في نظره، حتى مبرر وجوده. وعلى رغم عيوب لبنان الكبير ونواقصه، كانت تعدديته هي الضامن لهذه الحرية. وكان كل مشروع يرمي إلى تفكيكها أو تذويبها، فوالده لم يُعدم أنطون سعادة عبثًا، أو تجزئتها تحت أي ذريعة أو اسم، يشكّل تهديدًا حقيقيًا لذلك التوازن الهش الذي يقف حارسًا للحرية. وكان يقول: “من دون الحرية يصبح لبنان وهمًا.” لكن هذه الحرية لم تكن قابلة للاستمرار من دون تطور. فمنذ الستينيات، كان الشيخ ميشال يدعو إلى الخروج التدريجي من الطائفية السياسية، وإعطاء الكفاءة الأولوية في الإدارة العامة، وإقرار الزواج المدني، وصولًا إلى علمنة الدولة. ولكن ليس عبر الثورة. كان يقول، في ما معناه: “يمكن تغيير النظام من داخل النظام نفسه.” وكل إصلاح دائم كان يفترض، قبل أي شيء، تغيير الذهنيات عبر التربية والمواطنة. وكان يرى أن لبنان يمتلك شيئًا بالغ القيمة: هذه القدرة تحديدًا على جعل جماعات مختلفة تعيش معًا، وهو ما كان رينيه ماهو يسميه “أسلوبًا حضاريًا”. لكن البلاد خانت هذه الرسالة حين تركت الطائفية تتحول إلى زبائنية وانغلاق هوياتي وأداة للتدخل الخارجي. الميثاق نعم، لكن الإنسان أولًا كان الشيخ ميشال شديد التعلّق بالميثاق، لكنه كان يلوم واضعيه لأنهم تركوه غامضًا، بما أتاح للبنانيين أن يتنازعوا على تفسيره، في حين كانوا يتفقون عمليًا على ألا يعرّفوه تعريفًا واضحًا. لذلك، وقبل اتفاق الطائف، كان يدعو إلى ميثاق جديد يقوم على أهداف جديدة مشتركة بين جميع اللبنانيين، وعلى مواجهة نوع من الاستسلام الجماعي، وخلق فرص تقدم حقيقية للجميع. وكان يقول: “كان الميثاق قاعدة ضرورية عندما وُضع، لكنه يصبح قاعدة سلبية إذا أريد له أن يشكّل أساس بناء أمة. فالقاعدة الإيجابية الضرورية لبناء الدول الحديثة ليست موجودة في الميثاق.” وكان واضحًا لديه أن المشكلة لا تكمن في النصوص وحدها، بل في البشر. وكتب عام 1970: “يجب تسريع تنشئة المواطن على المواطنة، لكي يصبح مواطنًا صالحًا، وعندها لن يعود مستحيلًا بناء وطن صالح.” وأضاف: “الحاجة الأساسية هي إنشاء حزب قائم على عقيدة، يجمع مختلف المكونات التي يتكوّن منها لبنان. لو كان مثل هذا الحزب موجودًا اليوم لكنت أول من ينضم إليه. لكنت تحمّلت نصيبي من المسؤولية وأديت واجبي في هذا المجال.” وقال أيضًا: “النظام يحتاج إلى أعمال كبرى: أولًا الإرادة، ثم التربية، ثم الأخلاق (…) وقد تبيّن لي أن التغيير والإصلاح يجب أن يبدآ من المدرسة، ومن البيئة العائلية، ومن التربية.” وفوق كل ذلك، كان يرى أن المواطنة تتطلب أن تتوافر لكل لبناني شروط حياة كريمة تعزز ارتباطه بلبنان وتجعله يشعر بأن له مكانًا حقيقيًا في وطنه. وكان يلاحظ: “لا يستطيع ميثاق 1943 أن يصمد طويلًا إذا كانت إحدى الفئات التي قبلت به محكومة بحياة صعبة. (…) الإنسان لا يتعلق بوطنه إلا إذا وجد فيه الشروط التي تسمح له بأن يعيش بكرامة.” وكان يشدد: “لا يكفي أن يكون لبنان نموذجًا حيًا للتعايش الإسلامي المسيحي، بل يجب أيضًا أن تكون لدى المسيحيين والمسلمين إرادة دائمة وأكيدة في أن يبقوا لبنانيين.” أما حكمه على الطبقة السياسية، فكان منذ السبعينيات بلا رحمة: “نطلب أحيانًا المستحيل ونحن نعرف أنه مستحيل، ثم نواصل المطالبة به. لماذا؟ لأن بعض الناس لا يريدون في الحقيقة أن يفعلوا شيئًا.” حياد لا ينفصل عن العيش معًا وقبل كل شيء، كان الشيخ ميشال يدافع عن تصور خاص للحياد اللبناني. ليس العزلة، بل العكس تمامًا: قدرة لبنان على أن يكون حاضرًا في عوالم عدة في آن واحد، عربيًا من دون أن يُبتلع، منفتحًا على الغرب من دون أن يخضع له، متحدثًا مع الجميع من دون أن يصبح تابعًا لأحد. حياد انفتاح وسيادة. وكان يقول: “لكن من أجل ذلك، يجب على لبنان أن ينتج وأن يعرف ما هو”، والأهم أن يبقى نفسه. وأضاف بعد سنوات: “لبنان خطّ حدود يمرّ في داخل كل لبناني، لكنه في الوقت نفسه خطّ التحام.” وبعبارة أخرى، كانت التعددية والعيش معًا يغنيان الشخصية اللبنانية ويمنحانها تركيبًا معقدًا، يسمح للإنسان بأن يشعر ويفكر مع أبناء الجماعات الأخرى من خلال نموذج من التعاطف، بما قد ينزع فتيل ما سيطلق عليه أمين معلوف لاحقًا اسم “الهويات القاتلة”. وهذا هو، في نظره، جوهر الكينونة اللبنانية. وبعد أكثر من نصف قرن، ما تزال هذه الصيغة المستلهمة من فكر شيحا حول وظيفة لبنان، في عالم يزداد انغلاقًا داخل الهويات، راهنة بصورة لافتة. فالحياد الإيجابي الذي صاغه ميشال الخوري في محاضرة في الندوة اللبنانية في أيار 1961 يشبه إلى حد بعيد ما يبقى هذا المبدأ عليه في 2026: حماية للبنان من حروب الآخرين، بعيدًا من أي نزعة انعزالية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور لبناني ناشط في محيطه. دين الوفاء لكن قصة واحدة ربما تكشف أكثر من غيرها أهمية التعاطف والآخر في تصوره للسياسة، بما ينسجم مع النزعة الإنسانية الشاملة التي دافع عنها شيحا. إنها تجربته الصادمة في العراق خلال عهد كميل شمعون، التي لقنته، بطريقة أشد قسوة بكثير، درسًا أساسيًا في أخلاق الحياة. كان قد تناول الغداء لتوه في بغداد مع الملك الشاب فيصل الثاني، وكان ميشال يشرف آنذاك على مشروع إنشائي لحسابه، عندما أطاحت الثورة، في 14 تموز 1958، الملكية الهاشمية في حمام دم. ورأى ميشال الخوري عمال الورشة ينصبون المشانق للعائلة المالكة. وأخبره أحدهم بأن واحدة منها مخصصة له، لأنه “صديق الملك”… أنقذ كبير مهندسي الورشة حياته، واقتاده مسرعًا مباشرة إلى المطار. وعندما عاد إلى بيروت، اكتشف في تلك الليلة أن شعره قد شاب. لم يكن قد شعر بالخوف في اللحظة نفسها، لكن الجسد، من جهته، كان يمسك حسابه الخاص. وبعد سنوات، حين وجد منقذه نفسه في خطر، مسجونًا ومحكومًا بالإعدام في العراق، حرّك الشيخ ميشال علاقاته، ولا سيما عبر فؤاد شهاب، للحصول على العفو عنه وتمكينه من مغادرة البلاد. ونجح في ذلك، ولو إلى حين: فقد اغتيل الرجل لاحقًا بعد عودته إلى العراق. بالنسبة إلى الشيخ ميشال الخوري، دين الوفاء لا يسقط. وكان هذا مبدأ اعتمده في حياته الشخصية وفي سلوكه السياسي على السواء. وبعد ما يقارب نصف قرن، ظل يتحدث عن ذلك الرجل بمزيج مقلق من الامتنان والقلق، متسائلًا إن كان قد وفّاه حقّه، وكان جديرًا بمن أنقذ حياته. نبل الروح إما أن يكون، أو لا يكون. لا يمكن اختراعه. ولعل هذا هو، في النهاية، ما لمح إليه بشارة الخوري عندما وصف ابنه بأنه “أرشيدوق”… رجل النهضة كان ميشال الخوري أيضًا صاحب ثقافة تكاد تثير الدهشة باتساعها وتنوعها. وكانت الأسماء تطفو عفويًا في الحديث من دون أن يخطر له أن يستمد منها مكانة: تشابلن، الذي التقاه في لندن، سيوران، شتوكهاوزن، هيلين كارير دانكوس، إلى جانب عدد كبير من الكتّاب والفنانين والمفكرين والشخصيات المرموقة في العالم السياسي والديني والاجتماعي والثقافي. كان ينتقل بسهولة من نقاش في الدستور اللبناني إلى الموسيقى المعاصرة، ومن شيحا إلى بول فاليري. وخلال رحلة قمت بها إلى سيت عام 2018، طلب مني أن أزور قبر فاليري باسمه وأن أقف عنده لحظة صمت. فقد كان هو الآخر واحدًا من أساتذته. الشيخ ميشال، الجنتلمان الذي كان دائمًا كامل الأناقة والرقي، لم يكن بحاجة إلى الاستعراض. لم يكن بحاجة إلى أن يبرهن على نفسه. لا جشع، ولا نهم إلى الألقاب أو الاعتراف. أما Ruptures vespérales ، الأثر الحميم الوحيد الذي تركه، فيكشف رجلًا مسكونًا بالوحدة والهوية والزمن، وفوق كل شيء بالغياب. ويعترف فيه: “إنها الخشية، في النهاية، ما يدفعني إلى الكتابة، رهاب الغياب.” وهكذا تصبح كل كلمة يخطها، بمعنى ما، سلاحًا في وجه المحو. وفي هذه المفارقة شيء غريب ومؤثر معًا: ميشال الخوري، الذي كان يخشى الغياب ويقاوم العدم، رفض مع ذلك أن يصنع بنفسه صورته للآتين بعده. أو ربما كان مجرد العيش، وما يتركه الإنسان من أفعال في ذاكرة المقربين منه، هو وحده الأثر الذي كان يكفيه، وهو في نظره أسمى بكثير من زخارف مجد وهمي مسجّل على ورق قابل للفناء… وبالنسبة إلى رجل النهضة هذا، شبه الكوني في فضوله، تحولت الكتابة بذلك إلى شكل من أشكال المقاومة الوجودية. موت لبنان في روحه هل يمكن للإنسان أن يطيل العيش، في الحلو والمرّ، إلى أن يفقد الرغبة فيه؟ عندما بلغ الخامسة والتسعين، كان ميشال الخوري يقول لزواره القلائل: “أصدقائي لم يعودوا في هذا العالم. لقد تجاوزت زمني على الأرض منذ زمن طويل. لكن الموت لا يريدني…” كان إحباطه السياسي عميقًا. فمنذ شبابه، ظل يدين بلا كلل، لا عيوب المؤسسات بقدر ما يدين رداءة الذين يفرغونها من معناها. “كثيرون يتخذون من الخدمة وسيلة لخدمة أنفسهم، وقليلون يخدمون حقًا.” لعل كل خيبته السياسية كانت تختصر في هذه العبارة. وكان زميله القديم في الصف حسن الرفاعي، الذي تقاسم معه المقعد نفسه في الحكمة، سيصل بطريقته إلى التشخيص نفسه قبيل وفاته في أيلول 2025. وكذلك فؤاد بطرس. أما سمير فرنجية، من جيل أصغر، والذي كان يصارع السرطان منذ فترة، فقد اختار، بعد استسلام قوى 14 آذار أمام حزب الله والتسوية التي أوصلت ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية عام 2016، أن ينسحب من كل شيء ويعود إلى منزله ليموت فيه، وقد أثقلته الخيبة والمرارة السياسيتان. كان هؤلاء، ومعهم قلة آخرون، لا ينتمون إلى جيل نجا بأعجوبة من الشعبوية، فقد عرف زمنهم منها الكثير، بل إلى تقليد سياسي آخر: تقليد التحفظ والكفاءة والتفاني في خدمة الدولة، والاقتناع بأن الحوار يبقى أحد العناصر المؤسسة للسياسة. لكن إحباط ميشال الخوري انتهى إلى ملامسة شيء أعمق بكثير من السياسة. في أيلول 2020، في مئوية لبنان الكبير، وبعد شهر من انفجار مرفأ بيروت، قال لي عبر الهاتف: “لم أعد أشعر بأي فخر بالانتماء إلى لبنان. لم أعد أتعرف إليه إطلاقًا. لا أريد أن أُدفن في أرض لبنانية. أريد أن أُوارى الثرى في فرنسا.” وعندما تصدر هذه الكلمات عن رجل كتب أن “لبنان فعل إيمان قبل أن يكون صيغة سياسية”، فإنها تحمل عنف قطيعة حميمة. كانت مأساة فقدان الأرض الأم تضرب من جديد. غادر ميشال الخوري هذا العالم على رؤوس أصابعه. اعتكف خلف أبواب منزله حين لم يعد الجسد قادرًا على الاحتمال، ثم اختفى كما خدم: في صمت كامل. وفي آخر اتصال هاتفي بيننا، كتم نشيجه قبل أن يقول لي: “ميشال، أينما ذهبت، ستكون دائمًا معي، وأنا أعرف أنني سأكون دائمًا معك.” أمضى الشيخ ميشال حياته يمحو آثاره. لكن، فليسامحني، لم ينجح في محو هذا الأثر. ولن ينجح.

في سوريا، تعيد الدولة بناء نفسها؛ وفي لبنان، تغرق في أزماتها.

في دمشق، يشكّل حلّ «قوات سوريا الديمقراطية» الذي أعلنه مساء الثلاثاء قائد هذه المجموعة ذات الغالبية الكردية، ودمج مقاتليها في صفوف الجيش السوري، حدثًا بارزًا لما يحمله من دلالة رمزية كبيرة. ويعكس ذلك تصميم الرئيس أحمد الشرع على إعادة بناء دولة قادرة على احتضان جميع المكوّنات والطوائف والإثنيات السورية، بما فيها بعض الجماعات التي كانت، مثل الأكراد، قد طوّرت مع مرور الوقت مؤسسات خاصة بها. وهذا ما أشارت إليه الرئاسة التركية الأربعاء، مؤكدة أن «حلّ قوات سوريا الديمقراطية يمثّل، في هذه المرحلة، خطوة مهمة نحو استقرار سوريا». أما الجار اللبناني، فلا يزال يتخبّط في تناقضاته. فمن جهة، يعكس الخطاب الرسمي، مع مراعاة الفوارق، ما يقوم به أحمد الشرع في بلاده. ومن جهة أخرى، تواصل الوقائع على الأرض فرض نفسها بقوة، وتشكل عائقًا أمام أي تطور للبنان نحو قيام دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة. ومن خلال الإصرار على مراعاة هذا الواقع، الذي يمكن اختصاره بنفوذ ثنائي أمل–حزب الله، الرافض لأي تغيير في وضع قائم مدمّر مستمر منذ عقود، والرهان على عامل الوقت، يضيّع لبنان الرسمي فرصة تلو الأخرى. وتبقى مسألة نزع سلاح حزب الله أحد أبرز العوائق أمام إعادة بناء الدولة. ويواصل الرئيس جوزاف عون الدفاع عن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل باعتبارها، كما قال الأربعاء، الوسيلة الوحيدة لتجنّب حرب جديدة مع إسرائيل، وتمكين الجيش من استعادة السيطرة على الأراضي، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، وإعادة إعمار جنوب لبنان. وقد أقرّ الأربعاء بأن هذه المحادثات تواجه عقبات، من دون أن يتوسع في تفاصيلها. أما السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، فكان أكثر صراحة. ففي ختام لقاء مع مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، أكد الدبلوماسي من دون مواربة أنه لا يمكن التوصل إلى أي اتفاق من شأنه وضع حد للمواجهات ما دام حزب الله لا يسلّم سلاحه. وتساءل ميشال عيسى في هذا السياق: «لماذا يجب مطالبة إسرائيل بفعل كل شيء، فيما حزب الله لا يفعل شيئًا؟»، معربًا عن استغرابه من أن الدولة اللبنانية تكثر من مطالبها تجاه إسرائيل، لكنها تمتنع عن مطالبة حزب الله بتسليم سلاحه. وهذا هو العائق الأساسي أمام استئناف المفاوضات الثنائية، التي يُفترض أن تُعقد جولتها الثامنة مطلع سبتمبر. غير أن موعدها كان يحتاج إلى تأكيد، وهو ما لم يحصل حتى الآن. وبقي السفير الأميركي غامضًا في هذا الشأن، مكتفيًا بالإشارة إلى أن المناقشات التقنية تُجرى كلما ظهرت مشكلة. كما أشار إلى تأخر في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال الجولات السابقة من المفاوضات الدبلوماسية-العسكرية. وفيما يواصل الجيش اللبناني ضبط أسلحة عند الحدود اللبنانية-السورية، يُرجح أنها كانت موجهة إلى حزب الله، يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات التدمير في جنوب لبنان. وأعلن الأربعاء عبر حسابه على منصة «إكس» أنه دمّر خلال الأسابيع الماضية أكثر من 400 بنية تحتية «إرهابية»، وصادر عددًا كبيرًا من الأسلحة والمعدات العسكرية. تهديدات عسكرية وضغوط اقتصادية على الجبهة الأميركية-الإيرانية، تتواصل المواجهة عبر تبادل التهديدات والضغوط الاقتصادية. وقد بدأت هذه الضغوط تؤتي ثمارها، كما يظهر من الانهيار المتواصل للريال الإيراني والطوابير الطويلة التي تتشكل في مختلف المدن الإيرانية أمام محطات الوقود. في المقابل، تواصل السلطات الإيرانية التأكيد أنها مستعدة تمامًا لمواجهة هذه الظروف، رغم الصعوبات الاقتصادية التي أقرّ بها الرئيس مسعود بزشكيان. وتؤكد طهران أنها أعادت بناء قدراتها العسكرية بعد النزاع، «بفضل وصول أنظمة جديدة من الصناعات الدفاعية والجيش، كما تم استيراد بعض الأنظمة من الخارج»، بحسب المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمينيا. كما قيل إن أربع محطات لتوليد الكهرباء قد أعيد بناؤها أيضًا. وعلى الصعيد الاقتصادي، يواصل الرئيس بزشكيان الدعوة إلى «الحوار والتفاوض»، مؤكدًا في الوقت نفسه أن واشنطن «لن تحصل على شيء» من خلال ضغوطها الاقتصادية الجديدة وغير المسبوقة. أما الولايات المتحدة، فيبدو أنها تريد مواصلة هذا «اليوم الحاسم» الاقتصادي غير المسبوق إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، أي حتى مطلع نوفمبر، بحسب مسؤولين أميركيين كبار نقلت عنهم وكالة «فرانس برس»، استنادًا إلى القناة 12 الإسرائيلية. وبحسب القناة نفسها، عرض وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هدفين تنوي الولايات المتحدة التركيز عليهما خلال الأشهر المقبلة: زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، وتطبيع الوضع في مضيق هرمز من أجل استعادة حركة نقل النفط عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي. وفي هذا السياق، أعاد الرئيس دونالد ترامب التأكيد الأربعاء أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي لم يمت، بل أُصيب «بجروح خطيرة»، وقال إن «جميع الألغام أزيلت و/أو دُمّرت في المياه الدولية لمضيق هرمز». كما كتب على منصته «تروث سوشال» أن المضيق «بات تحت السيطرة الأميركية» ـ وهو ما نفته طهران ـ وهدد عُمان بالقصف إذا وقفت السلطنة «في طريق» الولايات المتحدة في ملف هرمز، الذي يمثل في الوقت الراهن ورقة الضغط الوحيدة المتبقية لطهران. وكان الحرس الثوري الإيراني قد أعلن الأربعاء التوصل إلى «بعض الاتفاقات» مع عُمان بشأن إدارة المضيق، «في ما يتعلق بحصة كل دولة من مياه المضيق، وحصة إيران وعُمان من عائداته»، بحسب المتحدث باسمه حسين محبي. مدير وكالة الاستخبارات المركزية في موسكو ومن أبرز أحداث الأربعاء أيضًا، الزيارة النادرة التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «CIA» إلى موسكو الثلاثاء. إلا أن دونالد ترامب قلل من أهميتها، واصفًا إياها بأنها «شبه روتينية». وأكد في مقابلة أن هذه الزيارة لا ترتبط لا بإيران ولا بالتهديدات الروسية ضد حلف شمال الأطلسي. ووفق المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، فإنها تأتي في إطار «تبادلات بين أجهزة الاستخبارات». ومع ذلك، من المقرر أن يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع المقبل نظيره الإيراني، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، عاصمة قرغيزستان.

ترامب يندد بإعدام المعارضين الإيرانيين "على نطاق غير مسبوق"

أشار الرئيس دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، في الحين المناسب، إلى جانبٍ من الحرب الإيرانية غاب للأسف الشديد عن حسابات بعض السياسيين والإعلام الغربي: وهو البعد الإنساني للأزمة الإيرانية عموماً، وبشكل أخصّ السلوك الدموي والمشين لبعض أقطاب السلطة في طهران بخاصة؛ إذ يتخذ هؤلاء من الإعدام والتعليق على الرافعات –بصورة شبه يومية طالت تلامذة المدارس والفتيان دون الثامنة عشرة والشباب الجامعي – استراتيجيةً للقمع والإرغام، بغية ترهيب السكان وقطع الطريق على أي نُزعَة لانتفاضة شعبية. وقال الرئيس ترامب بوضوح: "الجمهورية الإسلامية المتداعية عاجزة عن دفع رواتب قسم كبير من عناصر أجهزتها العسكرية، بينما تقتل المتظاهرين، حتى عندما لا يكونون في حالة تظاهر، على نطاق لم يشهد له مثيل من قبل. إنها أزمة إنسانية ذات أبعاد استثنائية". هذه الإعدامات المتزايدة بحق الشباب والفتية هي تحديداً ما يتجاهل رؤيته والإقرار به بعض السياسيين والإعلام الغربي من "أصحاب النوايا الحسنة"، متبعين بذلك نهج التهوين من شأن هذه الممارسة المخزية المتمثلة في الإعدام على الرافعات واختطاف القاصرين – إذ سُجلت حالات اختفاء وخطف عدة لأطفال في الأيام الأخيرة – وذلك لخلق مناخ قسري من الرعب قبل أن تتفلت الأوضاع في الشارع تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي المتفاقم. ملاحظة في محلها تماماً. مصطلح D-Day في الأدبيات السياسية والإعلامية يعود مرجعه التاريخي إلى "يوم الإنزال" (إنزال النورماندي). استخدام عبارة "الإنزال الاقتصادي" يمنح النص قوة بلاغية، ويحفظ الرمزية التاريخية والمجازية التي أرادها الكاتب أصلاً، وتتناسب تماماً مع لغة صحيفة "النهار" . إليك النص معدّلاً باستخدام هذا المصطلح الأنسب: غياب الردود حتى الساعة على "الإنزال الاقتصادي" على الصعيد العملي، تترقب الأوساط السياسية والاقتصادية الدولية الأثر الملموس للحرب الاقتصادية الشاملة التي أعلنها وزير الخزانة سكوت بيسنت، يوم الاثنين بشكل رسمي ومدوٍّ، تحت شعار "الإنزال الاقتصادي" (D-Day). ولم تُسجَّل حتى الساعة أي ردود فعل من الدول الأوروبية والعربية في هذا الشأن، لا سيما ما يتصل بآليات تطبيق التدابير المُعلنة. وبانتظار أن تتضح تداعيات هذا "الإنزال الاقتصادي" وتنجلي صورته، يعود ملف مضيق هرمز ليتصدر الواجهة مجدداً، مكرساً عمق الخلاف القائم بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق، كشف الرئيس ترامب، يوم الثلاثاء، أن البحرية الأمريكية أبلغته بتدمير أو إزالة جميع الألغام التي كانت تهدد حركة الملاحة في مضيق هرمز. ونقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم أن مسيّرات تحت الماء مسحت المضيق خلال الأشهر الأخيرة، ورصدت نحو مئة لغم تم تدميرها أو سحبها لاحقاً بوساطة شركات خاصة. وأشار المسؤولون إلى أن تفكيك هذه الألغام من شأنه تسهيل عبور السفن عبر المضيق، "مما يتيح زيادة صادرات النفط إلى الأسواق العالمية". إلى ذلك، كشف ترامب عن تحذير وُجّه إلى الجمهورية الإسلامية يستهدف أي زورق يحاول زرع ألغام جديدة بالدمار الفوري. واغتنم الرئيس ترامب المناسبة للإشارة إلى خضوع المضيق كاملاً لمراقبة دقيقة عبر الأقمار الاصطناعية، بالإضافة الى المواقع النووية الثلاثة التي دمرها الطيران الأمريكي في حزيران 2025، وفي مقدمها منشأة "جبل الفأس" (Pickaxe Mountain) المُقامة في عمق جبل صخري من الجرانيت الصلب قرب مجمع نطنز. ويصعب على السلاح الجوي الأمريكي بلوغ هذا الموقع، حيث يفيد عدد من المصادر الغربية بأن الإيرانيين يجرون فيه، بعيداً عن الأنظار، أعمالاً لتخصيب اليورانيوم وتجميع صواريخ باليستية بعيدة المدى. النظام الإيراني يستأنف مناورات التسويف إزاء التصعيد الأمريكي، عاد نظام الملالي يوم الثلاثاء إلى تكتيكات التسويف لكسب الوقت؛ وهو سلوك يواظب عليه منذ أكثر من عشرين عاماً، وتحديداً منذ أن فضح برنامج طهران السري لتخصيب اليورانيوم مطلع الألفية. وبدفعٍ من سلطة الملالي على الأرجح، عقد وزيرا خارجية إيران وعُمان اجتماعا في طهران وصفه النظام الإيراني بـ"البنّاء". وصدر بيان مشترك في ختام المباحثات شدد على ضرورة استئناف الملاحة في مضيق هرمز "مع الحفاظ على سيادة البلدين وحقوقهما". وأعاد البيان طرح المشروع الإيراني، الذي سبق لطهران أن قدمته مراراً، والقاضي بإنشاء "ممر مشترك موقت عبر المضيق، بالتوازي مع عملية مشتركة لنزع الألغام"؛ وهي محاولة من نظام الملالي للإيحاء بإمساكه بزمام المضيق وانفراده بإدارته. في سوريا: القوات والهيئات الكردية تنضم إلى الدولة على صعيد آخر، شهد يوم الثلاثاء 25 آب تطوراً بارزاً ينطوي على أبعاد تاريخية ورمزية كبيرة؛ إذ أعلن قائد القوات الكردية مظلوم عبدي، في نهاية اليوم، حلّ ميليشيا "قسد" الكردية التي حظيت برعاية ودعم من الولايات المتحدة لمواجهة تنظيم "داعش". وأشار عبدي في الوقت نفسه الى تفكيك إدارتها الذاتية وجميع الهيئات الكردية التابعة لها، على أن تُدمج رسمياً في مؤسسات الدولة السورية. وقد كرّس هذا الاندماج للقوات والكيانات الكردية في هيكلية الدولة خلال لقاءٌ رسمي جمع الرئيس أحمد الشرع بمظلوم عبدي. وبذلك تُطوى، على ما يبدو، صفحة الصراع الدفين بين نظام الأسد السابق والأقلية الكردية التي عانت التهميش في عهدي الأسد الأب والابن... ويبقى الرهان محصوراً في ترجمة هذه الخطوة النوعية ميدانياً وتثبيت دعائمها.

النبي والفيلسوف (10/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وحملت المحاضرة الأولى، التي ألقاها بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، عنوان “النبي والفيلسوف: تراتبية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”. ويُنشر نصها هنا في صيغة منقّحة وموسّعة، ضمن سلسلة من عشرة مقالات. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من أن المفكرين يشتركان في أفق أفلاطوني محدث واسع، صاغته ميتافيزيقا الفيض، وتراتبية الوجود، والتوليف بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإنهما يطوّران مشروعين فلسفيين مختلفين: ابن سينا ضمن التقليد المشّائي للفلسفة، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف السياقين الفكريين، يظل نظاماهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، وارتقاء النفس. كما يجسّد مشروعاهما تصورين متباينين للسياسي، يضيئان طريقتين مختلفتين في التفكير في موقع الفلسفة إزاء السلطة والقانون وتنظيم الجماعة. ويشكّل هذا المقال الجزء العاشر والأخير من هذه السلسلة. X - ليو شتراوس: الكتابة الباطنية واستعادة الحكمة العملية في الفلسفة الإسلامية واليهودية في العصر الوسيط في سياق “رسالة في اللاهوت والسياسة”، يقوم نهج سبينوزا على عملية بارعة من التحييد السياسي. فمن خلال إحالة اللاهوت إلى مجال المخيلة، وإسناد الفلسفة إلى مجال العقل، سعى سبينوزا إلى “احتواء” اللاهوت عبر خفض منزلته الميتافيزيقية. ويبقى اللاهوت “خلاصًا ضروريًا للجهلاء”، إذ يوفّر منظومة أخلاقية مبسّطة تتمحور حول العدل والإحسان، وتحافظ على النظام الاجتماعي. أما بالنسبة إلى الفيلسوف، فيتحرر العقل لمتابعة “معرفة الكل” من دون وصاية كنسية. لكن النقطة الأكثر دقة هي أن الفلسفة، عند سبينوزا، وإن كان يتعذّر تعميمها بصفتها فلسفة على عامة الناس، لا بد لها مع ذلك من أن تؤثر فيهم عبر الوساطة السياسية. ومن دون هذه الوساطة، يكون البديل معكوسًا: إما سيادة الأهواء من دون ضابط، وإما عودة الاستبداد اللاهوتي-السياسي. وهذا يقودنا إلى فهم الطبيعة الصراعية الكامنة في هذه الوساطة السياسية. يرى فيليبو ديل لوكيزي، وهو من أبرز الباحثين المعاصرين الذين يشددون على مركزية الصراع والسلطة و”الكثرة” في فكر سبينوزا، أن السياسة هي ساحة المعركة التي يحاول فيها العقل تنظيم الكثرة. وهذا التنظيم ضروري لمنع تحويلها إلى أداة في أيدي الطغاة. وفي أعماله، ولا سيما الصراع والسلطة والكثرة عند مكيافيلي وسبينوزا، يرفض ديل لوكيزي القراءات “الليبرالية” التقليدية التي ترى في الدولة نتاج عقد اجتماعي غايته إقامة سلام ثابت ونهائي. ويرى، على العكس، أن الصراع، عند سبينوزا كما عند مكيافيلي، ليس فشلًا للدولة، بل قوة حتمية ومنتجة في الحياة السياسية. ضمن الإطار التأويلي لليو شتراوس، لا يظهر باروخ سبينوزا مجرد ناقد للدين، بل مفكرًا شديد الاستراتيجية، يتبلور مشروعه الفلسفي في ظل شروط الحذر والكتمان. ويصف شتراوس سبينوزا بأنه “سيّد الخداع”، معتبرًا أن اعتداله الظاهر يخفي مقصدًا أكثر جذرية. وفي هذه القراءة، يُختزل الدين إلى “سمّ ضروري” للكثرة، أي إلى أداة للتماسك الاجتماعي بدلًا من أن يكون حاملًا للحقيقة. ويشكّل تعريف سبينوزا للإيمان بوصفه مجرد طاعة تقليصًا حاسمًا لمجاله المعرفي: فمن خلال فصل الإيمان عن المعرفة، يسلب سبينوزا اللاهوت فعليًا أي ادعاء بحقيقة يمكنها أن تنافس حقيقة الفلسفة أو العلم. والنتيجة ليست دحضًا صريحًا للدين، بل تهميشًا صامتًا له. ومن منظور شتراوسي، لا يبدو “الفصل” الشهير بين اللاهوت والفلسفة تسوية مبدئية بقدر ما يبدو هدنة تكتيكية. فهو يسمح للفلسفة بالبقاء في عالم لا يزال اللاهوت يحكمه، فيما يقوّض تدريجيًا السلطة الفكرية للوحي. ومن ثم يمكن قراءة تعامل سبينوزا الذي يبدو محترمًا مع الكتاب المقدس، و”لطفه” تجاهه، بوصفه فعل تدجين استراتيجي: فالدين لا يُدمَّر، بل يُقصى عن مجال الحقيقة. بهذا المعنى، تنتزع الفلسفة استقلالها لا عبر مواجهة مفتوحة، بل عبر إعادة تشكيل دقيقة لشروط الخطاب. غير أن باحثين معاصرين، من أمثال جوناثان إسرائيل وستيفن نادلر، اعترضوا على هذا التأويل، معتبرين قراءة شتراوس مفرطة في نزعتها التآمرية. وفي مقابل فرضية التلاعب الباطني، يشدد هؤلاء على صدق مشروع سبينوزا. فاختزال الدين إلى نواة أخلاقية دنيا، هي العدل والإحسان، لا يُفهم هنا بوصفه استراتيجية مستترة لتفكيك الوحي، بل محاولة حقيقية لإرساء السلم الأهلي في سياق طبعته أعمال العنف الطائفية. ووفق هذه القراءة، لا يسعى سبينوزا إلى خداع الكثرة، بل إلى جعل العيش المشترك ممكنًا من خلال صياغة شكل من الدين منزوع الخصومات العقائدية. ويظهر بُعد آخر من تأويل شتراوس حين يقرن سبينوزا بمكيافيلي. فبالنسبة إليه، يشكّل الاثنان “ثنائيًا” عابرًا للعصور من الثوريين المستترين، المسؤولين معًا عن تدشين المشروع الحديث. فمكيافيلي، الذي يصفه شتراوس بأنه “معلّم الشر” بمعنى اصطلاحي لا أخلاقي، يبدأ القطيعة مع الفلسفة السياسية الكلاسيكية عبر خفض سقف طموحاتها. وينتقل السؤال المركزي من “كيف ينبغي للناس أن يعيشوا؟” إلى السؤال الأكثر براغماتية “كيف يعيش الناس؟”، فيحلّ مقتضى الأمن والسلطة محل السعي إلى الخير الأسمى. غير أن ابتكار مكيافيلي يظل، في نظر شتراوس، غير مكتمل، لأن واقعيته السياسية لا تقدّم جوابًا منهجيًا عن استمرار سلطة الدين. وهنا يتدخل سبينوزا. فمن خلال توفير أساس ميتافيزيقي وإبستيمولوجي لرؤى مكيافيلي السياسية، يستكمل المنعطف الحديث. فإذا كان مكيافيلي يوفّر التقنية السياسية، فإن سبينوزا يحيّد العقبة الرئيسية أمامها: ادعاء اللاهوت امتلاك سلطة أعلى. ومن خلال النقد الكتابي والتحديد الصارم لنطاق الإيمان، يضمن سبينوزا ألا يعود في مقدور “الكاهن” تحدّي “الأمير”. وما ظل لدى مكيافيلي صراعًا مستمرًا بين السلطتين السياسية والدينية يتحول عند سبينوزا إلى نظام مستقر، قابل في نهاية المطاف للتوافق مع أشكال ديموقراطية من الحكم. ويصبح العقل الأداة التي تُنظَّم من خلالها الكثرة، فلا تعود قوة متقلبة، بل مكوّنًا منظمًا في الدولة. لكن هذا الإنجاز الظاهر يخفي، بالنسبة إلى شتراوس، خسارة أعمق. فالتقاء مكيافيلي وسبينوزا لا ينتج الدولة الحديثة فحسب، بل ينتج أيضًا “الأزمة الحديثة”. فمن خلال خفض أفق الطموحات الإنسانية إلى الأمن والمنفعة والعيش المشترك السلمي، تضحي الحداثة بمفهومي العظمة والحقيقة نفسيهما، وهما اللذان حرّكا الفلسفة الكلاسيكية. وما يتبقى هو حضارة موجّهة نحو الراحة وحفظ الذات، لكنها محرومة من أي تصور جوهري للحياة الفاضلة. وفي نظر شتراوس، كانت “خطيئة” سبينوزا محاولته تقويض التوتر الحيوي بين أثينا وأورشليم، أي ذلك الاحتكاك الجوهري بين العقل والوحي، أو بين الفلسفة والإيمان. أما الفلاسفة السابقون للحداثة، فسعوا على العكس إلى إبقاء هذا التوتر ضمن توازن “باطني” دقيق. ولم يهدفوا إلى تحييد أحد الطرفين لمصلحة الآخر، بل عاشوا داخل هذا التناقض، محافظين على سيادة الناموس للكثرة، وعلى حرية العقل للقلة. وقد أدرك هؤلاء الفلاسفة أن أبحاثهم العقلية كثيرًا ما تهدد الأساطير الاجتماعية والدينية الضرورية لاستقرار الجماعة. ولذلك كتبوا لجمهورين: العامة، الذين تلقوا رسالة في التقوى والناموس، والنخبة الفلسفية القادرة على تبيّن المعاني العقلانية “المخفية”، وغالبًا غير المألوفة دينيًا، بين السطور. شتراوس، “الفرونيسيس” وفن الكتابة رأى شتراوس أن العلم السياسي الحديث أخفق تحديدًا لأنه يحاول إما تجاهل المشكلة اللاهوتية-السياسية وإما حلها. وكان مكيافيلي وسبينوزا، في نظره، المسؤولين الرئيسيين عن ذلك. ودعا إلى العودة إلى “القدماء”، أي أفلاطون وأرسطو، وإلى مفكري العصر الوسيط، وفي مقدمهم موسى بن ميمون والفارابي، معجبًا على نحو خاص بالطريقة التي تعامل بها المفكرون المسلمون واليهود مع هذا التوتر. وخلافًا للتقليد المسيحي، الذي استعان بـ”القانون الطبيعي” للتوفيق بين العقل والإيمان، نظرت التقاليد اليهودية والإسلامية إلى الدين أساسًا بوصفه شريعة: التوراة أو الشريعة الإسلامية. وقد أجبرت هذه الحقيقة البنيوية المفكر على أن يصبح “فيلسوفًا سياسيًا”، يحترم الشريعة علنًا فيما يلاحق الحقيقة في الخفاء. وبالنسبة إلى شتراوس، فإن “الكتابة بين السطور” شكل من أشكال “الفرونيسيس”، أي الحكمة العملية. وهي حكمة معرفة ما ينبغي قوله علنًا لإرضاء “المدينة”، مع إبقاء الحقائق الخطرة حكرًا على “القلة”. فإذا افتقر الفيلسوف إلى هذه الحكمة العملية، أصبح إما هدفًا للاستبداد، وإما، وهو الأسوأ، مهّد من دون قصد الطريق لنوع جديد من الاستبداد، بسبب إفراطه في “الصراحة” بشأن هشاشة الأساطير الاجتماعية. والفارابي وموسى بن ميمون هما، بهذا المعنى، أستاذان كبيران في “فن الكتابة”، لأنهما عاشا في عالمين كان الدين فيهما يُعرَّف بوصفه شريعة. وقد ولّد ذلك ضغطًا بنيويًا فريدًا: لم يكن في وسع الفيلسوف أن يختلف ببساطة مع “العقيدة”، بل كان عليه أن يتحرك داخل منظومة تشريعية شاملة. وكان اكتشاف شتراوس لكتاب الفارابي فلسفة أفلاطون منعطفًا في مسيرته الفكرية. فقد رأى أن الفارابي استخدم أفلاطون “قناعًا” لمناقشة أفكاره الجذرية الخاصة بشأن الإسلام. ولاحظ شتراوس أن الفارابي، في عرضه لأفلاطون، غالبًا ما يحذف خلود النفس أو يقلل من شأنه على نحو لافت. وكان هذا “الصمت”، بالنسبة إليه، إشارة مدوّية: فقد كان الفارابي يلمّح إلى النخبة بأن الآخرة ربما تكون “أسطورة ورعة” ضرورية للنظام الاجتماعي، لا حقيقة فلسفية. وهكذا أعاد الفارابي تصور النبي بوصفه “الفيلسوف-الملك” أو “المشرّع الأعلى”. ومن خلال تقديم النبي بمفاهيم أفلاطونية، كان يلمّح إلى أن جوهر النبوّة هو في الواقع علم السياسة. وقدّم الشريعة بوصفها مجموعة من الرموز الهادفة إلى قيادة العامة نحو الفضيلة، بينما يدرك الفيلسوف “البرهان” العقلي الكامن وراء تلك الرموز. إذا كان الفارابي يستخدم الأقنعة، فإن موسى بن ميمون كان ينصب الفخاخ. ففي مقدمة دلالة الحائرين، يحذّر القارئ صراحة من أنه سيستخدم أقوالًا متناقضة لإخفاء الحقيقة. ويعدد سبعة أسباب يمكن أن تفسر وجود التناقضات في كتاب ما. والسبب السابع هو الأشهر: قد يُستخدم التناقض عمدًا لإخفاء حقيقة لا يستطيع القارئ العادي تحمّلها أو إدراكها. ويصف موسى بن ميمون الحقيقة الميتافيزيقية بأنها ومضة برق في ليلة مظلمة. وتحاكي استراتيجيته في الكتابة هذه الصورة: يكشف حقيقة في فصل، ثم “يغطيها” في الفصل التالي بعبارة أكثر تقليدية أو ظاهرية. كما يتعامل موسى بن ميمون مع أكثر أقسام التوراة قداسة، معاسيه بريشيت ومعاسيه مركافاه، بوصفها تقابل الفيزياء والميتافيزيقا. ويرى شتراوس أن “سر” موسى بن ميمون كان يكمن في فهم أرسطي جذري للطبيعة والألوهية، لم يكن في وسعه الإفصاح عنه إلا بصورة غير مباشرة تفاديًا لاتهامات الهرطقة. وقد أعجب شتراوس بالفارابي وموسى بن ميمون تحديدًا لأنهما لم يحاولا “التوفيق” بين العقل والوحي بالطريقة التوماوية، بل أبقيا التوتر من دون حل. فبالنسبة إليهما، كان الناموس هو النوموس الخاص بالمدينة، والحقيقة هي الفيزيس الخاصة بالعالم. وقد عاشا في “الفجوة” بين الاثنين، مستخدمين الكتابة نفسها لبناء جسر لا يستطيع عبوره إلا من كان أهلًا لذلك. وبينما عاش الفارابي وموسى بن ميمون داخل هذه “الفجوة” بين النوموس والفيزيس، سعى باروخ سبينوزا إلى إغلاقها نهائيًا. فحيث استخدم الفارابي “قناعًا أفلاطونيًا”، واستخدم موسى بن ميمون “تناقضات مقصودة” لإبقاء الفلسفة في المجال الخاص وحمايتها، استخدم سبينوزا النقد لجعل الروح الفلسفية علنية وسياسية. واستبدل بـ”الكتمان النبيل” لدى القدماء “الحقيقة العارية” لعصر الأنوار. وفي نظر شتراوس، كان مفكرو العصر الوسيط أكثر واقعية لأنهم قبلوا بأن تظل “المدينة” و”الفلسفة” في توتر دائم. أفلاطون، الباطنية و”المدينة المستحيلة” وفق المنظور الشتراوسي، تشكّل “القراءة بين السطور” سمة دائمة في تاريخ الفلسفة. ويقوم تأويل شتراوس لأفلاطون على قناعته بأن أفلاطون كتب كتابة باطنية، حاجبًا أفكاره الأكثر جذرية تحت تعليم ظاهري. وقد نشأت هذه الضرورة من دافعين: حماية الفلسفة من الاضطهاد السياسي، ومنع زعزعة المعتقدات المشتركة الضرورية لمجتمع سليم. وكان شتراوس يرى أن المحاورات الأفلاطونية لا تمثل أبدًا تعبيرًا مباشرًا عن آراء أفلاطون، لأن المؤلف لا يتحدث بصوته الخاص، بل من خلال شخصيات مثل سقراط. وفي هذا السياق، تصبح السخرية السقراطية نوعًا من “الكتمان النبيل”، أي وسيلة يحجب بها العقل المتفوق حكمته، إما لتجنب إثارة العداء وإما لقيادة التلامذة الجديرين نحو حقائق أعمق. وفي حين يقرأ مفكر مثل كارل بوبر الجمهورية لأفلاطون بوصفها مخططًا حرفيًا لكابوس شمولي، يرى شتراوس فيها، على العكس، نقدًا عميقًا للمثالية السياسية. وقد وصف كاليبوليس بأنها “المدينة المستحيلة”. ويرى شتراوس أن هذه “المدينة في القول” تُعرض عمدًا بوصفها غير قابلة للتحقق، لأنها تتطلب تجريدًا جذريًا من الجسد الإنساني، بما في ذلك إلغاء الملكية الخاصة وتفكيك الأسرة، وهما أمران تقاومهما الطبيعة البشرية بشدة. ومن خلال إظهار التدابير القصوى، والغريبة أحيانًا، اللازمة لتحقيق عدالة “كاملة”، لم يكن أفلاطون يضع دليلًا لمدينة فاضلة، بل كان يحذر من التعصب الذي ينشأ حين يحاول المرء فرض نظام سياسي كامل على عالم غير كامل. وبالنسبة إلى شتراوس، الفلسفة هدامة بطبيعتها. فهي تستجوب “الآراء” التي تشكل الدعائم المؤسسة لأي مجتمع مستقر. وكل “مدينة” تحتاج إلى “أساطير ورعة” أو “أكاذيب نبيلة” كي تحافظ على تماسكها ووحدتها الداخليين. لكن بما أن الحياة الفلسفية تكشف أن قوانين المدينة متجذرة في العرف ( nomos ) لا في الطبيعة ( physis )، فإن النظام السياسي، والطاغية بوجه خاص، سينظر دائمًا إلى الفيلسوف بريبة جوهرية، وربما مبررة. وهذه هي العبرة الدائمة من محاكمة سقراط وموته. ولكي ينجو المفكرون من تهديد الاستبداد الدائم، ويحولوا دون أن يؤدي البحث الفلسفي الجذري من غير قصد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، يرى شتراوس أن عليهم إتقان “فن الكتابة”. وتتيح هذه الاستراتيجية الباطنية للفيلسوف أن يظهر، على السطح، مواطنًا ممتثلًا للناموس، بل ومتمسكًا بالتقاليد. أما أفكاره الأكثر زعزعة للاستقرار فتبقى “مخفية بين السطور”، ومحفوظة للقلة القادرة على مواجهة “حقيقة الكل” من دون السقوط في العدمية أو التعصب الثوري. الفلسفة والاستبداد وإغراء “بلاتونوبوليس” في نهاية المطاف، تشكّل العلاقة بين الفلسفة والاستبداد المشكلة “اللاهوتية-السياسية” العليا. ويستكشف شتراوس هذا التوتر بصورة أساسية في حواره الشهير مع ألكسندر كوجيف في في الاستبداد، وهو تعليقه على هيرون لزينوفون. ويرى أن الفلسفة والاستبداد ليسا مجرد قطبين متعارضين، بل يرتبطان ارتباطًا لا ينفصم بحاجتهما المتبادلة، وإن كانت علاقة مشحونة بالتوتر: فالفيلسوف يحتاج إلى حماية المدينة، فيما تحتاج المدينة إلى النظام الذي لا تستطيع توفيره إلا السلطة. وعلى امتداد التاريخ، أغرت الفلاسفةَ فكرةُ تقديم المشورة للطاغية، أو للمستبد المستنير، من أجل إقامة نظام اجتماعي عقلاني. وإغراء الفيلسوف هو تحويل العالم إلى “بلاتونوبوليس”، أي مكان تصبح فيه مطاردة الحقيقة مؤسسة قائمة بذاتها. لكن شتراوس يطلق تحذيرًا صارمًا: حين يسعى الفيلسوف إلى الحكم مباشرة، أو إلى توجيه يد السلطة المطلقة، تنقلب الفلسفة إلى أيديولوجيا. وحين تصبح أداة للحكم، تفقد طابعها الجوهري القائم على البحث والشك، وتضحي بحريتها لمقتضيات الكلية السياسية. الفلسفة بوصفها شكلًا من “تنوير حذر” في قراءة شتراوس للتاريخ الفكري، يقدّم تقليد الفلسفة، بوصفه جماعة لغوية عابرة للأديان من المفكرين الذين كتبوا بالعربية، تضم مسلمين ويهودًا ومسيحيين مثل يحيى بن عدي، إطارًا فريدًا يقف على مسافة واضحة من كل من المدرسية اللاتينية والنموذج الحديث. ففي حين سعى الغرب اللاتيني إلى التوفيق بين الإيمان والعقل في كلية شفافة ومنهجية، تجسدت على نحو نموذجي في الخلاصة اللاهوتية، حافظ الفلاسفة على “توتر دينامي” بين القطبين. ولم يسعوا إلى مصالحة نهائية وعلنية، بل عاشوا داخل التناقض، مستخدمين الباطنية بوصفها ضرورة استراتيجية لحماية نقاء البحث الفلسفي، مع احترام المتطلبات الاجتماعية والمعيارية للشريعة. ويمثل هذا النموذج الوسيط، بالنسبة إلى شتراوس، شكلًا من “التنوير الحذر” المتجذر في الفرونيسيس، ويقدّم نقدًا جوهريًا لعصر الأنوار الغربي في القرن الثامن عشر. فقد قام الأخير على الاعتقاد بأن “ممارسة العقل” ينبغي ألا تبقى حكرًا على نخبة محدودة، بل يجب نشرها بين الجماهير. ويرى شتراوس أن مشروع الكشف الشامل هذا أهمل تقليدًا طويلًا كان يرى الحقيقة قوة قابلة لزعزعة الاستقرار، وقد تصبح ضارة بالنسيج الاجتماعي وبالفكر نفسه إذا كُشفت بلا ضوابط. ومن خلال السعي إلى قيادة “العامة” نحو التفكير العقلاني من دون وساطة، مهّد التنوير الحديث من غير قصد الطريق أمام العدمية، إذ جرّد المجتمع من “الأكاذيب النبيلة” والأحكام المسبقة المشتركة الضرورية لاستقراره. وفي هذا السياق، يرى شتراوس خفضًا جوهريًا لسقف التطلعات في بدايات الحداثة. فقد استبدل مفكرون مثل مكيافيلي وهوبز ولوك بالسعي الكلاسيكي إلى التفوق الإنساني والفضيلة التركيز على “السلام والأمن”. وحوّل هذا الانتقال السياسة من فن معني بتهذيب الشخصية وبرؤية الفيلسوف-الملك إلى علم تقني منشغل بـ”الحقوق” والإدارة البيروقراطية. وكان الخطأ الأساسي لمكيافيلي، في نظر شتراوس، تدمير الأكذوبة النبيلة. فمن خلال الإيحاء بأن الكذب مرتبط بنيويًا بالسياسة من دون التمييز بين أشكاله الوضيعة والنبيلة، ألغى المسافة الواقية بين البحث الفلسفي والضرورة السياسية. وهكذا كانت عقيدة “الحقيقتين” المنسوبة إلى الفلسفة، أي التمييز بين حقيقة باطنية برهانية مخصصة للنخبة وحقيقة ظاهرية رمزية موجهة إلى العامة، بمثابة آلية حماية. وقد أتاحت لمفكرين مثل الفارابي وموسى بن ميمون وابن سينا التحرك بين تقلب الجماهير وصلابة المؤسسات. ومن ثم لم يكن “تحفظ” شتراوس رفضًا رجعيًا للعقل، بل “مهمة إنقاذ” ترمي إلى إعادة الاعتبار للتقاليد العقلانية في العصور القديمة والوسطى. وكان يرى أن المبدأ الحديث القائل بـ”الحقيقة للجميع”، حين يُجرَّد من هذا الحذر، يلتقي مع ديناميات “ما بعد الحقيقة”، حيث يؤدي الكشف بلا وساطة إلى تآكل المعنى الحقيقي. ما بعد شتراوس: عودة “الدين الفلسفي” لكن، في نهاية المطاف، فإن الفروق الدقيقة بين هؤلاء الفلاسفة هي تحديدًا ما يضيع في تأويل ليو شتراوس. فعلاقاتهم المختلفة بتبلور الفلسفة بوصفها “دينًا فلسفيًا” تتباين إلى حد بعيد. ومن وجهة نظري، لم يبلغ النزوع إلى تأسيس الفلسفة بوصفها دينًا فلسفيًا أقصى تعبيراته إلا في أعمال الكرماني وابن سينا، وإن سلك كل منهما طريقًا مختلفًا جذريًا. فقد عمل الكرماني بوصفه “الفيلسوف العضوي” للمشروع الفاطمي، مضحيًا، على الأرجح، باستقلال العقل الفلسفي في خدمة غايات أيديولوجية. أما ابن سينا، فحقق ذلك عبر انفصال واعٍ عن خلفيته الإسماعيلية؛ لكنه، من منظور أرسطي صارم، مارس شكلًا من “الهرطقة” من خلال تطوير مفهوم “العقل القدسي” ( al- ʿ aql al-qudsī ). ويتطلب البحث في مفهوم “الدين الفلسفي” تحقيقًا صارمًا ويقظة مفهومية عالية، ولا سيما عند تتبع أوجه الاستمرار البنيوية بين الميتافيزيقا الوسيطة والعقلانية الحديثة. في القرن الحادي عشر، لم تظهر السينوية مجرد مدرسة في المنطق، بل مشروعًا لدين فلسفي. فمن خلال تحويل “المحرّك الأول” الأرسطي إلى مصدر للفيض الوجودي، أقام ابن سينا إطارًا تصبح فيه الغاية العليا للنفس البشرية الاتصال بالعقل الفعّال. ويشير هذا النظام إلى أن الفيلسوف والنبي يستمدان من منبع واحد. غير أن النبي يتلقى الحقيقة بواسطة الحدس التخيلي، بينما يبلغها الفيلسوف بواسطة العقل الاستدلالي. وهكذا ترتقي الفلسفة إلى مرتبة طريق للتحقق الروحي، يعادل وظيفيًا الالتزام بالشريعة التقليدية، بل يتفوق عليها فكريًا في كثير من الأحيان. وبالتوازي مع ذلك، شكّل المشروع الإسماعيلي، كما تبلور في فكر حميد الدين الكرماني، مشروعًا فلسفيًا-دينيًا شاملًا. فقد عمل الكرماني بوصفه “الفيلسوف العضوي” للدولة الفاطمية، جامعًا بين الفيض الأفلاطوني المحدث واللاهوت السياسي من أجل إرساء أساس ميتافيزيقي للنظام. من الكرماني إلى التقليد الدرزي يمثل التقليد الدرزي الحالة التاريخية الأوضح لجماعة تأسست صراحة على مثل هذا الدين الفلسفي. فعلى خلاف المعتقدات التقليدية المتمحورة حول إله شخصي ذي إرادة، يقوم المذهب الدرزي على كوسمولوجيا أفلاطونية محدثة بالغة التركيب. ويتألف متنه الديني الأساسي، رسائل الحكمة، من رسائل فلسفية ولاهوتية أكثر مما يتألف من سرد ديني تقليدي. وتقدّم “الحدود الخمسة”، التي تضم العقل الكلي والنفس الكلية والكلمة، وغيرها، خريطة فلسفية للكون. وفي هذا الإطار، تتجسد هذه المبادئ الميتافيزيقية أيضًا في شخصيات تحتل مواقع محددة داخل التراتبية المقدسة. وفي حين توجّه ابن سينا والكرماني أساسًا إلى نخب علمية ونخب من أهل الباطن، فإن المشروع الدرزي “أضفى طابعًا اجتماعيًا” على هذه اللبنات الفلسفية، موظفًا إياها في صياغة هوية جماعية وروحية متماسكة وقادرة على الاستمرار. السبينوزية بوصفها “دينًا فلسفيًا” حديثًا إذا أخذنا بهذه السوابق الوسيطة، يبرز سؤال نقدي حول موقع السبينوزية في العصر الحديث. فإذا كانت السبينوزية تتجاوز مجرد تفسير أعمال باروخ سبينوزا، فإنها تشكّل، في جوهرها، دينًا فلسفيًا قائمًا بذاته. ففي حين تفرض رسالة في اللاهوت والسياسة رسميًا فصلًا حادًا بين اللاهوت، المحال إلى مجال الطاعة الاجتماعية، والفلسفة، التي تُفهم بوصفها المجال الوحيد للحقيقة، فإن الأخلاق تجعل هذا التمييز يتلاشى عمليًا. وفي هذا العمل، يُعاد دمج المجالين في “دين للعقل” واحد ومحايث، تُستوعب فيه المطالبة التقليدية بالتقوى ضمن الاندفاع العقلي نحو الضرورة الميتافيزيقية. ومن هذا المنظور، يعمل كتاب الأخلاق بوصفه “كتابًا مقدسًا” نهائيًا. فهو مكتوب بصرامة هندسية تكاد تكون طقسية، ويشكّل دليلًا إلى “الغبطة” ( beatitudo ) والتحرر من “عبودية” الأهواء. وبذلك يؤدي الوظيفة الدينية التقليدية المتمثلة في توفير طريق إلى الخلاص، ولكن من دون كنيسة أو إكليروس أو وحي، إذ يؤسس المقدس برمته في ممارسة العقل. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

من يحقّ له أن يكتب مانيفستو؟
بقلم
ريتا باروتا
نُشر

هذه المقالة هي الأولى في سلسلة من ثلاث مقالات تتتبع المانيفستو بوصفه شكلًا من أشكال الكتابة والتدخل في العالم. تبدأ من تاريخ الإعلان والسلطة التي يمنحها لمن يكتبه، ثم تنتقل في المقالة الثانية إلى النزاع على ضمير “نحن”، قبل أن تصل في الثالثة إلى سؤال مختلف قليلًا، يتعلق بما يفعله المانيفستو حين لا يكون معنيًا بهدم العالم، وإنما بحماية شيء فيه أو بتذكيرنا بما يستحق العناية. بدأ الأمر من كتاب صغير، مانيفستو القراءة لإيريني باييخو، ومن ملاحظة كتبها قارئٌ شَعرَ أن العنوان وعده بما لم يجده. كان ينتظر نصًا ينظّر للقراءة والكتاب والمكتبة، ربما على الطريقة التي نعرفها عند ألبرتو مانغويل، فإذا به أمام صفحات حميمة ومشهدية، تعود إلى ذكريات القراءة والمدارس والمكتبات والكتب الأولى، وتقول أحيانًا ما يشعر به كثيرون. كان اعتراضه في جوهره واضحًا: أين النظرية؟ أين البحث؟ أين الرأي الجديد الذي يبرر وضع كلمة كبيرة مثل “مانيفستو” على الغلاف؟ يمكن بالطبع أن نختلف حول كتاب باييخو، وأن نراه جميلًا أو عابرًا، وأن نسأل عمّا يضيفه فعلًا إلى مكتبة واسعة من الكتب التي تناولت القراءة وعلاقتنا بالكتب. غير أن الاعتراض نفسه أخذني إلى مكان بدا أكثر إثارة من الكتاب الذي أثاره. فما الذي وعدتنا به كلمة “مانيفستو” أصلًا؟ ومتى أصبح لدينا هذا اليقين بشأن ما ينبغي أن يحتويه النص كي يستحقها؟ ومن أين أتت تحديدًا صورة المانيفستو التي تجعلنا نتوقع منه النظرية أو البرنامج أو القطيعة أو الجديد؟ للكلمة حضور ثقافي قوي إلى درجة يصعب معها سماعها من دون أن يصاحبها شيء من الصخب. ارتبط المانيفستو في المخيلة الحديثة بجماعة قررت أن تعلن عن نفسها، أو ببرنامج يريد أن يغيّر العالم، أو بعدوّ حان وقت تسميته، أو بلغة لا تتردد كثيرًا قبل أن تخبرنا بما يجب أن يسقط وما ينبغي أن يولد مكانه. وقد يمر في الذاكرة البيان الشيوعي ، أو صخب الطليعات الفنية في مطلع القرن العشرين، أو تلك الـ”نحن” الواثقة بنفسها وهي تدخل الجملة كما يدخل شخص غرفة يعرف مسبقًا أنه يريد إعادة ترتيبها كلها. يكاد يبدو أحيانًا أن المانيفستو لا يطمئننا إلى اسمه ما لم نسمع في مكان ما من صفحاته قبضة تضرب الطاولة. لكن الاقتراب قليلًا من تاريخه يكشف صيغة كتابية أكثر عصيانًا على هذه الصورة مما نتصور. لم تولد الكلمة بين أيدي الثوار وحدهم، ولم تبقَ طويلًا في حوزة السياسة، كما أنها لم تحافظ على شكل واحد عندما استولت عليها الحركات الفنية والطليعية، ثم الحركات النسوية والمناهضة للفاشية وغيرها. كلما وصلت إلى جماعة جديدة، بدا كأن الجماعة تمدّها قليلًا في اتجاه حاجتها وتضيف إلى معنى المانيفستو وظيفة لم تكن بالضرورة واضحة في استعمالاته السابقة. ولهذا ربما يجدر بنا قبل أن نعود في نهاية هذه السلسلة إلى باييخو، أن نعود قليلًا إلى الوراء، إلى زمن لم تكن فيه كلمة مانيفستو مرادفة للثورة بعد. فالسؤال الذي يسكن تاريخها قد لا يبدأ من «ما هو المانيفستو؟» بقدر ما يبدأ من مسألة أخرى أشد اتصالًا بالسلطة حول من يملك حقّ الإعلان. في البدء كان الإعلان تأتي كلمة manifesto من الإيطالية ومن فعل manifestare ، وتحمل في أصلها معنى الإظهار، اي أن تجعل أمرًا ما أو موقفًا، مرئيًا ومعلومًا. في الاستعمال الأوروبي الحديث المبكر، كانت تشير إلى تصريح علني يوضّح دوافع فعل وقع أو يعلن أسباب فعل سيقع، وحين دخلت الإنجليزية في القرن السابع عشر احتفظت إلى حد كبير بالمعنى نفسه، وهو أن يُخرج صاحب الموقف نيته إلى العلن وأن يجعلها معروفة أمام الآخرين. من الناحية اللغوية، تبدو الحركة بسيطة. هناك شيء موجود في الداخل، في قرار أو نية أو موقف، ثم يُدفع به إلى الخارج، إلى المساحة المشتركة، فيصبح ظاهرًا. لكن السياسة تظهر فور أن نسأل عن شروط هذا الظهور، لنسأل من كان يستطيع أصلًا أن يجعل قراره شأنًا عامًا؟ ومن كان يملك الورق والمطبعة والمنبر والشرعية التي تجعل الناس يتلقون إعلانًا ما بوصفه كلامًا جديرًا بأن يُسمع؟ في المراحل المبكرة من هذا التاريخ، نجد الحكام والدول والمؤسسات الدينية والقانونية. هناك مانيفستوات ملكية تشرح أسباب حرب أو نزاع، أو تعلن موقف دولة من أخرى، أو تمنح القرار السياسي صيغة عامة يمكن تداوله من خلالها. ويحفظ فهرس مكتبة فولجر، على سبيل المثال، مانيفستو صدر باسم الملك تشارلز الثاني سنة 1672 ضد الولايات العامة للمقاطعات المتحدة. لا تشبه هذه الوثيقة كثيرًا الصورة الرومانسية التي ستنشأ لاحقًا عن المتمرّد الذي يطبع بيانه ليلًا ثم يوزعه على الناس، لكونها تنتمي إلى عالم السيادة والدبلوماسية، إلى لحظة يكون فيها الإعلان واحدًا من الأساليب التي تجعل السلطة قرارها حاضرًا أمام الآخرين. ولا يعني ذلك أن المانيفستو كان ملكيًا ثم غيّر ولاءه والتحق فجأة بالثورة. كانت الإعلانات والمنشورات تتحرك منذ وقت مبكر في قلب السجالات الدينية والقانونية والسياسية، فيما كان المجال العام الأوروبي نفسه يتسع مع انتشار الطباعة وتزايد القراء وتكاثر الجهات التي تريد أن تُسمع. الأهم أن العلاقة بين الإعلان والسلطة بدأت مع الحداثة السياسية تتغير. فالشكل الذي خدم في إظهار إرادة صاحب السلطة أصبح متاحًا أيضًا لمن يريد أن ينازعه على حق الكلام والتسمية والتمثيل. وهذا التحوّل مهم لأن ترتيب العلاقة بين الكلام والقوة يتبدل معه. فالحاكم في الصورة الأكثر مباشرة، يعلن لأنه يملك سلطة تسبق كلامه وتمنحه ثقله. أما المانيفستو السياسي الحديث فسوف يجرّب مسارًا آخر، حين يتقدم إلى الكلام أولًا ويحاول من خلال هذا الكلام نفسه، انتزاع موقع لم يكن مضمونًا له قبل أن يعلنه. يمكن اعتبار هذه اللحظة بداية الحياة الحديثة للمانيفستو، حين لا يعود الإعلان مجرد أثر لسلطة موجودة، ويصبح في الوقت نفسه إحدى الوسائل التي تُصنع بها سلطة الكلام. 1848، حين تبحث جماعة عن صوتها يصعب عبور تاريخ المانيفستو من دون الوقوف ولو مرة، عند البيان الشيوعي. لا تأتي أهميته هنا من كونه أشهر مانيفستو سياسي في العصر الحديث فقط، وإنما من كونه رسّخ صورة ستظل ملازمة للمانيفستو طويلًا، حيث يلتقي تفسير العالم بتحديد القوى المتصارعة داخله، وتظهر جماعة ترى لنفسها مصلحة تاريخية ويحاول النص أن يمنح هذه المصلحة وضوحًا واتجاهًا سياسيًا. صدرت النسخة الأولى سنة 1848، لكن الحكاية بدأت قبل ذلك. ففي مؤتمر “رابطة الشيوعيين” الذي انعقد في لندن في أواخر 1847، كُلّف كارل ماركس وفريدريك إنغلز بصياغة برنامج نظري وعملي للحزب، ثم أُعد النص بالألمانية وأُرسل إلى الطباعة في لندن مطلع العام التالي. يبدو أصل الشرعية في هذه الحالة واضحًا: هناك تنظيم قائم يعرف أنه يريد نصًا يعلن رؤيته، فيختار شخصين ليقوما بصياغتها. للوهلة الأولى تبدو العلاقة مستقرة، اي انه هنالك من جماعة، ومشروع سياسي، وقراءة للصراع، ثم يأتي نص يضع هذه العناصر في صيغة قادرة على مواجهة العالم. وقد يكون هذا أحد أسباب قوة الأثر الذي تركه البيان الشيوعي في خيالنا عن المانيفستو، لانه يربط تفسير الواقع بإرادة تغييره، ويكتب كما لو أن الفكرة لا تصل إلى تمامها إلا حين تصبح قادرة على تحريك شيء خارج الصفحة. غير أن العلاقة بين الكاتب والجماعة التي يتكلم باسمها أكثر تعقيدًا. فماركس وإنغلز ليسا “عمّال العالم”، ولا يفترض النص أن ملايين العمال جلسوا حول الطاولة نفسها وأملوا عليهما عباراته. إنهما يكتبان من داخل مشروع سياسي يرى نفسه جزءًا من الحركة العمالية، وفي الوقت نفسه يمنح نفسه قدرة على قراءة اتجاه الصراع وفهم المصلحة التاريخية للطبقة التي يريد تنظيمها. ومن هذه المسافة الصغيرة بين من يكتب ومن يتحدث باسمهم ينشأ توتر سيعود مرارًا في تاريخ المانيفستو. فحين تتحدث باسم جماعة، لا تكتفي بإعطائها صوتًا لانك تسمح لنفسك أيضًا بأن تحدد ما الذي يجمعها، وما الذي يؤذيها، وكيف ينبغي فهم وضعها، وربما ما الذي يفترض بها أن تفعله للخروج منه. لهذا لا تكون الـ”نحن” في المانيفستو ضميرًا لغويًا محايدًا. إنها موقع يُبنى داخل النص، وغالبًا ما تحمل معها ادعاءً ما بالتمثيل. لكن البيان الشيوعي يضيف إلى ذلك حركة أكثر إثارة. فالجماعة التي يناديها موجودة اجتماعيًا، من دون أن تكون قد اكتملت سياسيًا بالصورة التي يطمح إليها النص. العمال موزعون في أمكنة مختلفة، وتختلف شروط حياتهم، بينما يتكرر الاستغلال الذي يربط تجاربهم على نحو قد لا يكون ظاهرًا لهم دائمًا. المانيفستو يريد لهذه الكثرة أن تدرك نفسها بوصفها قوة ذات مصلحة مشتركة؛ وحين يصل إلى دعوته الأشهر لاتحاد عمال العالم، يكون قد انتقل من وصف ما هو موجود إلى مخاطبة احتمال سياسي لم يكتمل بعد. كأن النص يقول لجماعة متفرقة إن بينها من الروابط أكثر مما تسمح لها حياتها اليومية بأن ترى، وإن بوسعها، إذا رأت نفسها بطريقة أخرى، أن تصبح شيئًا آخر أيضًا. هنا تظهر واحدة من أكثر خصائص المانيفستو إثارة، إذ قد تكون هناك “نحن” موجودة أصلًا تكتب بيانها، وقد يكون البيان نفسه المساحة التي تبدأ فيها هذه الـ”نحن” باكتشاف صورتها أو حتى بصناعتها. وفي هذه الحالة، يصبح المانيفستو جزءًا من العملية التي تعيد الجماعة عبرها تخيّل نفسها، وتسمية ما يجمع أفرادها، وصياغة ما يمكن أن تصبحه سياسيًا. ومن هنا يمكن القول إن ثمة «نحن» تكتب المانيفستو، وثمة مانيفستوات تكتب الـ«نحن». غير أن هذه القدرة تمنح فعل الإعلان وجهًا أكثر التباسًا، لأن من يتقدم ليجعل جماعة مرئية في اللغة يشارك أيضًا في تحديد صورتها، وفي ترتيب تجربتها، وتسمية مصالحها، واقتراح الطريقة التي قد ترى نفسها من خلالها. وقد يساعد ذلك الجماعة على إدراك قوتها، لكنه يمنح من يصوغ خطابها موقعًا يتجاوز مجرد نقل صوتها. وهكذا يحمل المانيفستو في داخله توترًا سيعود معنا لاحقًا، بين قدرته على منح الجماعة لغة تستطيع أن تتعرف إلى نفسها من خلالها، والسلطة التي يمارسها من يتولى صياغة هذه اللغة باسمها. وستزداد هذه المسألة تعقيدًا كلما تقدمنا في تاريخ هذا الشكل. حين اكتشف الفنانون متعة الإعلان مع مطلع القرن العشرين حدث ما يشبه الانفجار. السياسة لم تعد وحدها مفتونة بالمانيفستو، إذ اكتشفت الحركات الفنية الناشئة أن إعلان الثورة على الحكومة لا يفوق، بالضرورة، متعة إعلان الثورة على الفن نفسه. دخلت كلمة “مانيفستو” بقوة إلى معجم الطليعات الأوروبية، وظهرت في قلب المستقبلية والدادائية والسوريالية والفورتيسية وغيرها من الحركات التي كانت تولد وتنقسم وتعيد تعريف نفسها بوتيرة متسارعة. وقد رافق هذا الحضور رغبة واضحة لدى هذه الحركات في أن تمنح ممارساتها الفنية لغة تعلن بها موقعها، وتشرح علاقتها بما سبقها، وتحدد ما تريد تغييره في صلة الفن بالجمهور والحياة اليومية والتاريخ. لهذا وجد المانيفستو في الطليعة بيتًا يكاد يلائمه بصورة حميمة. فالحركة التي ترى نفسها قطيعة مع ما سبق تحتاج إلى لحظة تعلن فيها ظهورها، ولحظة الإعلان ليست هامشًا دعائيًا على العمل الفني؛ يمكن أن تكون جزءًا من العمل نفسه، امتدادًا لأدائه في المجال العام. ولعل أشهر تلك اللحظات وقعت في 20 شباط/فبراير 1909، حين ظهر “البيان المستقبلي” لفيليبو توماسو مارينيتي على الصفحة الأولى من صحيفة Le Figaro أعلن النص القطيعة مع الماضي، واحتفى بالسرعة والآلة والصناعة والحركة، وربط جمال العالم الجديد بطاقة التكنولوجيا والعنف والحرب. أراد لقارئه أن يشعر بأن زمنًا كاملًا قد شاخ فجأة، وأن عصرًا آخر وصل وهو يصدر صوت المحرك والحديد. ومع أن برنامج المستقبلية وما يحمله من عنف يظل مهمًا، فإن ما يعنينا في هذه الرحلة هو أداء الإعلان ذاته. يدخل مارينيتي إلى المجال العام بصوت “نحن” يكاد لا يعرف التردد: “نحن” يقظة فيما الآخرون نائمون، تعرف أن العالم القديم انتهى قبل أن يدرك الآخرون موته، وترى المستقبل وتستعجله. وبمجرد أن تنشر الصحيفة هذا الصوت، تصبح الحركة التي يعلنها النص أكثر وجودًا بفضل فعل الكلام نفسه. المستقبلية ليست مضطرة إلى أن تكون قد اكتملت في الواقع كي تعلن عن نفسها؛ الإعلان يشارك في إنشائها. وهنا يتغير ترتيب العلاقة بين الشرعية والكلام مرة أخرى. فمع السلطة القديمة كانت الشرعية تسبق الإعلان، ومع البيان الشيوعي كان التنظيم موجودًا قبل النص الذي سيمنحه صيغة عامة. أما مع الطليعة، فيبدأ الحد الفاصل بين الإعلان والوجود نفسه بالتلاشي، إذ تستطيع الحركة أن تكتسب شيئًا من حقيقتها في اللحظة التي تجرؤ فيها على إعلان نفسها. صار النص نفسه جزءًا من الحدث الذي يصفه. وربما لهذا أحبت الحركات الطليعية المانيفستو إلى هذا الحد، لانها تعيش على مبالغة تأسيسية ترى أن ما قبلها انتهى وأن ما سيأتي بعدها لن يشبهه، ويمنحها المانيفستو المساحة التي تستطيع فيها أن تصوغ هذه المبالغة وكأنها حقيقة قد بدأت لتوّها. لكن صناعة “نحن” بواسطة اللغة تحمل معها سؤالًا أقل إثارة للاحتفال. فكل جماعة ترسم نفسها ترسم، في الحركة نفسها، حدودًا لما ليس هي. عند مارينيتي كان الماضي عدوًا، والمؤسسات الفنية القديمة عبئًا، والتقاليد شيئًا ينبغي سحقه، فيما حمل البيان نفسه تمجيدًا للحرب واحتقارًا للنساء، قبل أن تتشابك أجزاء من المستقبلية لاحقًا مع القومية والفاشية الإيطالية. المشكلة هنا تتصل بالجدارة بقدر اتصالها بالشرعية. فالقدرة على خلق جماعة لا تقول شيئًا، وحدها، عن عدالة الجماعة التي يتم خلقها أو عن العالم الذي تطمح إليه. يستطيع المانيفستو أن يفتح مساحة لمن حُرموا من الكلام، ويستطيع أيضًا أن يصنع جماعة تجد قوتها في تحديد من ينبغي أن يبقى خارجها. مانيفستو يسخر من المانيفستوات بعد أقل من عقد على بيان مارينيتي، كتب تريستان تزارا مانيفستو دادا 1918. وإذا كانت المستقبلية قد دفعت يقين المانيفستو إلى أقصى حدوده، فقد اختارت دادا أن تعبث بهذا اليقين من الداخل، كأنها دخلت البيت الذي شيّدته المانيفستوات ثم بدأت في نزع أبوابه. يكتب تزارا مانيفستو ويعلن، في اللحظة نفسها، أنه ضد المانيفستوات كما هو ضد المبادئ. يسخر من الكاتب الذي يتعين عليه، كي يكتب مانيفستو، أن يغضب وأن يطلق أحكامه وأن يقدّم ما يقوله كما لو أنه حقيقة نهائية، ثم يحتفي بالتناقض عوضًا عن محاولة ستره. وسيصبح النص، لهذا السبب، واحدًا من الأمثلة الأشهر على ما يمكن وصفه بـ”المانيفستو المضاد للمانيفستو”. المثير أن السخرية من النوع لم تطرد النص من تاريخ النوع. على العكس، بقي مانيفستو دادا واحدًا من أشهر مانيفستوات القرن العشرين، كأن هذه الصيغة الكتابية تملك قدرة غريبة على ابتلاع اعتراضها على نفسها ومواصلة الحياة. وهذا يخبرنا شيئًا مهمًا. فإذا اشترطنا في المانيفستو برنامجًا واضحًا، جاءت دادا بنص يشك في البرامج؛ وإذا اشترطنا الاتساق، اختارت التناقض؛ وإذا بحثنا عن منظومة من المبادئ، وجدنا كاتبًا يعلن ارتيابه من المبادئ ذاتها. حتى احترام الشكل الذي يكتب داخله لا يبدو شرطًا لبقائه جزءًا من تاريخه. فما الذي يبقى حين تسقط هذه الشروط؟ ربما يبقى فعل اتخاذ الموقف وإشهاره، حتى لو كان الموقف نفسه شكًا في صلابة المواقف كلها. ويصعب فهم هذا العبث إذا فصلناه عن أوروبا الحرب العالمية الأولى. لقد خرجت دادا من عالم أصبحت فيه كلمات مثل “العقل” و”الحضارة” و”التقدم” أقل براءة مما ادعت طويلًا، بعدما أثبتت الحضارة الحديثة قدرتها على تنظيم الموت على نطاق صناعي. في هذا السياق، لم يعد العبث مجرد نزوة فنية، واكتسب التناقض وظيفة أخرى: التشكيك في عقل يَعِد بالنظام فيما ينتج الكارثة، وفي لغة تمنح نفسها سلطة تفسير العالم كله ثم تطالب الآخرين بالعيش داخل تفسيرها. بهذه الحركة اتسعت وظيفة المانيفستو مرة أخرى. صار قادرًا على تخريب اللغة التي تُكتب بها المشاريع، وعلى زعزعة القواعد التي منحته شكله، وربما يكمن جزء من طول عمره في هذه المرونة تحديدًا، اذ إنه اصبح شكلا يستطيع أن يخون أسلافه من دون أن يُطرد بسهولة من العائلة. القاهرة، 1938: حين تصبح الشتيمة راية لو بقيت حكاية المانيفستو محصورة في لندن وباريس وبرلين وروما، لكان من السهل سردها وفق إحدى الحكايات المألوفة عن الحداثة. فأوروبا تنتج الأشكال والأفكار ثم تبدأ هذه الأفكار رحلة إلى بقية العالم. لكن الأفكار لا تسافر في صناديق محكمة الإغلاق، ولا تصل إلى مدن فارغة تنتظر من يملأها. حين تنتقل فكرة من مكان إلى آخر، تدخل تاريخًا كان قائمًا قبل وصولها، وتحتك بلغاته وصراعاته ومؤسساته وعلاقاته بالسلطة، فتتغير هي أيضًا في أثناء الرحلة. إدوارد سعيد في مقالته “النظرية المسافرة” في العالم، النص والناقد ، تتبع ما يحدث للأفكار والنظريات عندما تغادر شروط ظهورها الأولى وتدخل زمنًا ومكانًا وشروط تلقٍّ جديدة. فالفكرة المسافرة لا تحمل معها معنى ثابتًا محفوظًا من التغيير لان السياق الجديد يعيد استخدامها وقد يخفف من قوتها أو يمنحها قوة أخرى لم تكن تملكها في موطنها الأول. ومن هذا المنظور تصبح القاهرة في أواخر الثلاثينيات أكثر من «محطة عربية» في تاريخ كتب في مكان آخر. في 22 كانون الأول/ديسمبر 1938، ظهر في القاهرة بيان بالعربية والفرنسية يحمل عنوانًا شديد الاختصار والذكاء« يحيا الفن المنحط»، Vive l’art dégénéré . كتب جورج حنين النص ووقّعه سبعة وثلاثون فنانًا وكاتبًا ومثقفًا، وارتبطت هذه اللحظة بتبلور جماعة “الفن والحرية”، التي ستصبح إحدى أكثر التجارب السريالية إثارة في مصر. كان أعضاؤها يتحركون داخل شبكة دولية من الفنانين والكتاب، فيما كانوا يعيشون في الوقت نفسه لحظة مصرية لها شروطها الخاصة، تتقاطع فيها الهيمنة الاستعمارية البريطانية مع تصاعد القوميات والصراعات الاجتماعية والثقافية، ومع أسئلة ملحّة عن الحرية وعن علاقة الفن بما يجري خارج المتحف والمرسم. أما العنوان فينجز بثلاث كلمات ما قد تحتاج إليه صفحات من الشرح. كان النظام النازي قد استخدم وصف “الفن المنحط” لوسم الفن الحداثي وإدانته ودفعه إلى خارج المجال الذي يحق له أن يسمى فنًا، وجاء معرض Entartete Kunst سنة 1937 ليجعل من التسمية جزءًا من سياسة ثقافية أوسع تحدد الفن المشروع وتعرض ما ترفضه بوصفه علامة انحطاط يجب تحقيرها. كان يمكن لفناني القاهرة أن يدخلوا في دفاع يقول إن هذا الفن ليس منحطًا. لكن ذلك كان سيترك للسلطة بصورة ما، حق تحديد معنى الكلمة وتوزيعها. اختاروا مسارًا مختلفًا، فاستعادوا الاسم نفسه وقلبوا دلالته حين أعلنوا «يحيا الفن المنحط». وبهذه الإضافة الصغيرة انقلب اتجاه الكلمة. فما صُمم له ليكون إدانة أصبح موقعًا للتضامن، وما أُريد له أن يعمل كوصمة تحول إلى راية يمكن رفعها. تحوّل النقاش عندها من محاولة تبرئة الفن الحديث من صفة “الانحطاط” إلى مساءلة السلطة التي نصّبت نفسها أصلًا صاحبة الحق في إطلاق هذه التسمية، وفي تحديد ما يُعترف به فنًا وما يُدفع إلى خارجه. وهنا يدخل المانيفستو في صراع أقدم من تاريخه نفسه، يتعلق بمن يملك سلطة التسمية ومن يملك حق تثبيت معناها. من يقرر ما هو طبيعي وما هو منحرف، وما هو محترم وما هو فاسد، وما الذي يحق له أن يسمى فنًا؟ وإذا كانت السلطة قادرة على التأثير في الواقع من خلال الأسماء التي تمنحها للأشياء والأشخاص، فإن الاستيلاء على الاسم الذي استعملته ضدك، ثم تغيير قيمته، يمكن أن يصبح طريقة لاستعادة شيء من الحق في تعريف الذات. لكن أهمية “يحيا الفن المنحط” تتجاوز هذا الانقلاب اللغوي. فقد أعلن الموقّعون تضامنهم مع الفن الحديث الذي كان يتعرض للقمع في أوروبا، ورفضوا إخضاع الفن لمعايير العرق والدين والأمة، كما دعوا الفنانين والكتاب إلى مواجهة الهجوم الفاشي على حرية الإبداع. ومن داخل القاهرة، تحولت قضية قد تبدو للوهلة الأولى أوروبية إلى جزء من موقف فني وسياسي يُصاغ داخل مصر، من دون أن يذوب السياق المصري في أوروبا أو يتحول الفنانون المصريون إلى مجرد صدى لما يحدث فيها. لم تكن جماعة “الفن والحرية” صندوق بريد تتلقى القاهرة عبره آخر أخبار السريالية من باريس. كانت جزءًا من شبكة تتشكل في أكثر من اتجاه، تأخذ من لغة السريالية والمانيفستو ما تحتاج إليه ثم تدخله في شروط محلية لا تنفصل عن الاستعمار والقومية والمحافظة والصراع حول معنى الفن نفسه. وربما تكمن المشكلة أصلًا في عبارة “انتقال الأفكار”، لأنها توحي بأن الفكرة تكتمل في مكان ثم تنتقل إلى مكان آخر كما هيما يحدث غالبًا أكثر تعقيدًا، إذ تُعاد صياغة الأفكار وهي تنتقل من سياق إلى آخر، ويمنحها المكان الجديد أسئلة وخصومًا ومخاطَبين لم يكونوا حاضرين في لحظة نشأتها الأولى. وهكذا تظهر القاهرة بوصفها واحدة من المساحات التي أعادت صياغة المانيفستو ومنحته معنى جديدًا داخل سياقها الخاص، بما يتجاوز فكرة إلحاقها بتاريخ أوروبي مكتمل. ويضيف “يحيا الفن المنحط” إلى هذا التاريخ وظيفة أخرى أيضًا. فقد مررنا حتى الآن بنص يريد تغيير النظام، وآخر يريد إعلان ولادة فن جديد، وثالث يسخر من فكرة الإعلان ومن اليقين الذي يرافقها. أما هنا، فيبتعد المانيفستو قليلًا عن لغة الهدم والثورة، من دون أن يصبح أقل سياسية، ويتجه نحو وظيفة أخرى تتمثل في الدفاع عن شيء صار مهددًا. هناك فن يُصادر ويُدان، وسلطة تريد أن تحدد مسبقًا مساحة ما يحق له أن يظهر وما ينبغي أن يختفي. ويأتي المانيفستو كي يجعل الدفاع عن حرية هذا الفن موقفًا عامًا، ويذكّر بأن الإعلان لا يُستخدم دائمًا لولادة الجديد؛ قد يُستخدم كذلك كي يحمي شيئًا موجودًا من أن يُدفع إلى الزوال. ويضيف ذلك إلى المانيفستو إمكانًا آخر، إذ يستطيع أن يتجه نحو ما هو قائم حين يصبح مهددًا، فيمنحه حضورًا عامًا ويحوّل الدفاع عنه من شأن يخصّ منتجيه وحدهم إلى قضية تستحق أن تُعلن. وعند هذه النقطة تبدو الصورة التي انطلقنا منها أكثر ضيقًا مما حسبنا. فالمسارات المختلفة التي حملت اسم المانيفستو وسّعت معنى الإعلان نفسه، وجعلت من الصعب اختزاله في برنامج أو نظرية أو دعوة إلى القطيعة. وربما لهذا كان السؤال الذي أثاره كتاب باييخو أوسع من الكتاب منذ البداية. ثمة حركة تتكرر مع ذلك من نص إلى آخر، حين يخرج موقف من حيّز الصمت أو الهامش ويطالب لنفسه بمكان في المجال العام. أحيانًا يستند هذا الكلام إلى سلطة قائمة تمنحه شرعيته مسبقًا، وأحيانًا يصبح الكلام نفسه محاولة لاكتساب الشرعية التي يحتاج إليها كي يُسمع. ربما تكمن هنا واحدة من أكثر خصائص المانيفستو رسوخًا. فهو ينطلق من افتراض أن ثمة أمرًا يستحق أن يصبح ظاهرًا، وأن فعل إظهاره قادر بدوره على تغيير موقع المتكلم داخل المجال الذي يدخل إليه. الإعلان، بهذا المعنى، يفعل شيئًا يتجاوز نقل الموقف إلى العلن، لأنه يضع صاحبه في علاقة جديدة مع من يخاطبهم ومع السلطة التي يواجهها أو يطالب بجزء منها. وهنا تبدأ المسألة بالتعقّد. فمن يعلن يشارك أيضًا في تحديد ما الذي يستحق أن يُرى، وكيف يُسمّى، ومن الذي يُستدعى إلى الوقوف معه. وحين تظهر “نحن” داخل المانيفستو، يصبح صوت الكاتب محمّلًا بأصوات أخرى، ويصبح حق الإعلان متصلًا بحق آخر أكثر حساسية، هو حق الكلام باسم الآخرين. من تشملهم هذه الـ”نحن”؟ وما الذي يجمعهم؟ وهل كانت الجماعة موجودة قبل النص، أم ساعد النص نفسه على تخيّلها وصياغة حدودها؟ ثم ماذا عن الذين يقفون عند هذه الحدود ويسمعون كلامًا يُقال باسمهم من دون أن يتعرّفوا إلى أنفسهم فيه؟ لعل هذه هي المفارقة التي يتركنا عندها المانيفستو في نهاية هذه الرحلة الأولى. فالكتابة التي انتزعت لنفسها عبر تاريخها حق الظهور والكلام، تجد نفسها بدورها أمام سؤال السلطة حين تبدأ بالكلام باسم الآخرين. سنبدأ مشوار المقالة الثانية من كلمة صغيرة ظاهريًا حملت داخلها تاريخًا طويلًا من الانتماء والتمثيل والاستبعاد، اي “نحن”.

(3/3) في الأصولية الدينية... رقصة الموت الأخيرة

بدأت رقصة الموت الأخيرة في لحظة الانقلاب على مؤسسات السلطة الوطنية عام 2007، كنتيجة مباشرة لازدواجية السلطة، بعد انتخاب إسماعيل هنية رئيسًا للوزراء، فيما كانت مهمته الأساسية تنفيذ سياسة رئيس السلطة المنتخب شعبيًا، في ظل نظام انتخابي هجين، ينتخب فيه الناخبون نصف أعضاء المجلس التشريعي وفق نظام الدائرة الفردية، بالاقتراع المباشر للمرشح، وينتخبون النصف الآخر وفق نظام القوائم الحزبية، باعتبار الوطن دائرة انتخابية واحدة، ويُحدَّد عدد الفائزين في كل قائمة وفق نسبة الأصوات التي تحصل عليها. والسلطة الوطنية، حسب ما عرّفها اتفاق أوسلو، هي سلطة حكم ذاتي محدود، تدير ثلاثة تصنيفات من المناطق في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، لكل منها نظامها الأمني والإداري الخاص، في ظل تداخل في الصلاحيات بين أجهزة الأمن الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، فضلًا عن النشاط الممنهج للمستوطنين، وما يتوفر لهم من حماية أمنية وعسكرية، وقدرات تمويلية لبناء المستوطنات وتوسيعها في الضفة الغربية. في الوقت نفسه، كانت السلطة الوطنية تعالج إشكاليتين من العيار الثقيل: الأولى، مصير مدينة القدس الشرقية؛ والثانية، قضية اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، وهم في الواقع يشكلون نحو نصف تعداد الفلسطينيين. ما تقدّم يكشف إشكالية عميقة في السياسات المعتمدة لإنتاج حلول تلبي طموح الإنسان الفلسطيني، من دون أن تتصادم مع إنتاج تسوية تاريخية مع دولة إسرائيل، تؤدي إلى انسحابها من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وجوهر هذه الإشكالية أن السلطة الوطنية كانت تشتق سياساتها من التوافق مع الشرعية السياسية الدولية، وتستند، بوصفها السلطة المنبثقة عن اتفاق أوسلو، إلى الإطار السياسي والقانوني الذي نشأ عنه. أما حركة حماس، وقد صار لها ممثلون في السلطة، فكانت تستند في قراراتها ومواقفها إلى مفهوم الحق التاريخي والديني، وليس إلى مفهوم الحق السياسي كما تعارف عليه المجتمع الدولي. وبهذا نشأ تعارض موضوعي بين الحق التاريخي والحق السياسي؛ تعارضٌ لم يكن من السهل إيجاد صيغة للتعايش بينهما داخل سلطة واحدة، الأمر الذي جعل التعايش بين رئاسة السلطة ورئاسة مجلس الوزراء ينهار خلال سنة واحدة من الانتخابات، وفتح الطريق أمام الصدام الذي انتهى بانقلاب حماس على مؤسسات السلطة الوطنية في قطاع غزة عام 2007. تعايش مستحيل نالت حكومة إسماعيل هنية الثقة من المجلس التشريعي في نهاية آذار/مارس 2006، لكن التعايش مع الرئاسة الفلسطينية انهار سريعًا، وبلغ ذروته في حزيران/يونيو 2007، حين نفذت أجهزة أمن “حماس” هجومًا واسعًا على مؤسسات السلطة الوطنية في قطاع غزة. وقُتل في هذه المواجهات 161 من العاملين في الأجهزة الأمنية، بينهم 41 مدنيًا و11 امرأة و7 أطفال، وأصيب نحو 700 شخص، وفق إحصاءات الأمم المتحدة. ما جرى يدل على أن قيادة الحركة لم تُحسن تقدير حجم انتصارها الشعبي في الانتخابات، كما فقدت المرونة السياسية التي كان يمكن أن تسمح باستمرار التعايش، ولو لسنوات أخرى، في ديمقراطية فلسطينية وليدة. كما أن أسلوب الحسم الدموي عكس غلبة التفكير الأمني والعسكري على ما عداه، وجاء ليبرهن على خيار الاستحواذ بالقوة على مفاصل السلطة وأجهزتها، رغم أن رئيس الوزراء وعددًا كبيرًا من الوزراء كانوا من الحركة نفسها. وبهذا المعنى، بدا أن العملية الديمقراطية لم تكن، في تصور قيادة الحركة، غايةً بحد ذاتها، بقدر ما كانت وسيلة للوصول إلى السلطة والسيطرة على مفاصلها. واستمرت مفاعيل الانقسام والانقلاب طوال ما يقارب عقدين، جرى خلالها تعطيل العملية الديمقراطية، ليس في قطاع غزة وحده، بل امتد أثرها إلى الضفة الغربية ومؤسسات منظمة التحرير، كما طال الحياة النقابية أيضًا. وأدى ذلك إلى تراجع مستمر في بنية المؤسسات الوطنية، وغلبة السياسات الطارئة والمؤقتة على حساب السياسات الدولتية ذات البعد الاستراتيجي الواضح، بحيث أصبحت إدارة الانقسام بديلًا عن بناء مؤسسات الدولة. أما سلطة “حماس” في غزة، فاتجهت نحو تعظيم القوة الأمنية للسيطرة والتحكم، وبناء القوة العسكرية لمقاومة الاحتلال. لكن هذه المرة لم تعد المواجهة تعتمد أساسًا على العمليات الانتحارية، بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، وإنما على الصواريخ والعمليات العسكرية المنطلقة من الأنفاق وتحت الأرض. وبالتوازي، تحولت “ثقافة الأنفاق” إلى جزء من الحياة الاقتصادية في القطاع، إذ استُخدمت لإدخال البضائع والسلع، سواء للاستخدام المدني أو العسكري. وصار “اقتصاد الأنفاق” يُقدَّم، في مرحلة من المراحل، باعتباره حلًا لمشكلة اقتصاد متردٍّ، فيما تجاوزت البطالة 40% من قوة العمل، وارتفعت معدلات الفقر إلى مستويات قياسية. ولم يكن هذا الواقع، بالنسبة إلى قيادة “حماس”، سببًا كافيًا لمراجعة نموذج الحكم؛ إذ جرى التعامل مع كلفته الاجتماعية والاقتصادية باعتبارها ضريبةً لـ”الجهاد المقدس” والمواجهة مع الاحتلال، التي تُخاض بالصواريخ عن بُعد، ومن باطن الأرض. وفي الوقت نفسه، كانت الحركة تخوض على محور موازٍ مفاوضات دائمة مع حركة “فتح” وبقية الفصائل، بحثًا عن المصالحة الوطنية بين “الإخوة”؛ أي إن سلطة الأمر الواقع في غزة كانت تجمع بين ترسيخ الانقسام من جهة، وإدارة مفاوضات المصالحة من جهة أخرى، في مفارقة سياسية استمرت سنوات طويلة. ألاعيب المصالحة أصابت حركة حماس صدمةُ الانتصار، كما أصابت حركة فتح صدمةُ الهزيمة. ومن آثار صدمة الانتصار، غلب الارتباك والتردّد على المواقف والتصريحات، بما عكس نوعًا من التهيّب لدى من لم يختبر نفسه في الحكم من قبل، ولم يمسك بمقاليد السلطة للمرة الأولى إلا بعد فوزه في الانتخابات. وبعد عقودٍ من التعبئة المبالغ فيها حول ادّعاء النزاهة والتعفّف عن السلطة وفسادها، والتفرغ للنضال والشهادة، جاء موقف تنظيم الجهاد الإسلامي ليعمّق هذا الارتباك، بإعلانه رفض التوقيع على “وثيقة الوفاق الوطني” الصادرة عن قيادة الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية، على خلفية استمرار رفض اتفاق أوسلو، الذي شكّل الأساس السياسي والقانوني للسلطة الوطنية. وأعلن التنظيم أنه سيبقى وفيًا لخطه الجهادي، بعيدًا عن السلطة وما تجلبه من مفاسد. في المقابل، وقّعت معظم الفصائل على الوثيقة المعروفة بـ”وثيقة الأسرى”، التي تضمنت بنودًا جمعت بين تأييد مسعى منظمة التحرير للحصول على دولة فلسطينية مستقلة، واعتماد المقاومة في إطار التوافق الوطني. ولاحقًا، تحولت هذه البنود إلى “وثيقة الوفاق الوطني للحوار الشامل”، التي أُقرت في رام الله وغزة يومي 25 و26 حزيران/يونيو 2006. إلا أن هذه المحاولات لم تنجح في إنتاج صيغة للشراكة الوطنية في السلطة، إلا بعد دخول المملكة العربية السعودية على خط المصالحة، وإنتاج ما عُرف بـ”اتفاق مكة” في شباط/فبراير 2007. تجاوز الاتفاق وثيقة الوفاق الوطني، وانتقل إلى تأسيس شراكة فعلية وتقاسم للسلطة بين قطبي النظام السياسي الفلسطيني، فتح وحماس، وبين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الوزراء. وعلى أساسه تشكلت حكومة إسماعيل هنيّة في آذار/مارس 2007. إلا أن ربيع المصالحة لم يبلغ ثلاثة أشهر حتى انهار كل شيء في مطلع حزيران/يونيو من العام نفسه، حين نفذت القوات والأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس عملية الاستيلاء على مؤسسات السلطة الوطنية في قطاع غزة، باعتبارها أقصر طريق للانفراد بالسلطة، والعودة مجددًا إلى سياسة التخوين والإقصاء. واستمر هذا الحال أربع سنوات، قبل أن تعود الوساطة المصرية للتدخل من جديد، وصولًا إلى “اتفاق القاهرة” في أيار/مايو 2011. وتكرر الفشل، لتتقدم هذه المرة دولة قطر بمبادرة جديدة أفضت إلى ما عُرف بـ”إعلان الدوحة” في شباط/فبراير 2012. ثم جاء “اتفاق الشاطئ” في غزة في نيسان/أبريل 2014، الذي نجح في تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمد الله. لكنها بدورها لم تصمد طويلًا، وانقطع حبل المبادرات التصالحية لنحو ثلاث سنوات، قبل أن تجدد جمهورية مصر العربية دورها في رعاية ملف المصالحة عام 2017، وصولًا إلى “اتفاق القاهرة” الثاني. وبعد ذلك قامت الجزائر بدورها في محاولة جديدة لإنتاج مصالحة عام 2022، عُرفت بـ”إعلان الجزائر”. أما خاتمة هذه السلسلة من المبادرات، فجاءت من الصين الشعبية، التي رعت التفاهم بين فتح وحماس وأنتجت ما سُمّي “إعلان بكين” في تموز/يوليو 2024، من دون أن يتحول هو الآخر إلى اتفاق قابل للتنفيذ. إذًا، حصلنا على سلسلة طويلة من محاولات الاتفاق، وتدخلت دول عربية وأجنبية في الوساطة والرعاية، فيما واصلت السلطة الوطنية سياسة المرونة والاحتواء، لكن النتيجة الصفرية بقيت هي المحصلة الوحيدة. وبلغ التهكم على ما يجري في الشارع الفلسطيني مستوى عاليًا، حتى إن المفاوضين الأساسيين لم يعد لديهم، في الظاهر، شيء جديد يبحثون فيه. وصار القول الشائع إن ما يجري ليس أكثر من “سياحة للمصالحة”، واستعراض متكرر لمشهد لم يعد فيه الكثير مما يمكن إخفاؤه، بعد أن نُشر الغسيل ولم يعد نظيفًا في كل الأحوال. بعد الطوفان في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، موعد الانتخابات المقررة للمجلس التشريعي، إذا جرت، تكون الانتخابات في الشهر الأول من السنة الرابعة لـ”طوفان الأقصى”، الهجوم الذي ولّد حرب إبادة وتهجير مستمرة بمعدلات مختلفة، حيث لا تنفع معها اتفاقات وقف إطلاق النار ولا الحصار. ولأن إهراق الدم اليهودي، كما جرى في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يبيح إهراق الدم الفلسطيني وأبعد، ولأنه عنوان جديد للصراع الدائم، بعد أن فشلت التسوية التاريخية الأولى بواسطة “اتفاق أوسلو”. وقد أدرك الجميع أن إسقاط أوسلو من الطرفين أسهل بكثير من بناء عملية سلام معقدة؛ إذ يكفي حامل مسدس يطلق النار على رئيس الوزراء إسحاق رابين، وهو يبشّر الشعب الإسرائيلي بالسلام، لينهار المسرح من أركانه، ويكفي تنفيذ عملية انتحارية لحركة حماس حتى ينكشف عجز السلطة الوطنية عن حماية شعبها. ويعود الجيش الإسرائيلي إلى ممارسة مهامه كجيش احتلال، وتتقدم طلائع المستوطنين لبناء المزيد من المستوطنات، وصولًا إلى إنفاذ السيادة الإسرائيلية على معظم أراضي الضفة الغربية، بينما يطالب وزير الأمن الإسرائيلي، بن غفير، بقتل عشرات الفلسطينيين يوميًا وبصورة دائمة ومنهجية، حتى يقنع المواطن الغزّي بضرورة الهجرة والرحيل. هذا المشهد اليوم على صلة عميقة بجملة من الأخطاء التي ارتكبتها السلطة الوطنية في إدارة الصراع الداخلي مع كل من ساهم في العودة إلى مربع العنف مجددًا، وهو الجذر الأول لفشل المحاولات المستمرة، على مدى أربعة عقود، لإنتاج صيغة عمل مشترك بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس. وفي هذا الصدد، كتب صاحب هذه السطور خلاصته بمناسبة إعلان وثيقة استقلال فلسطين في 15 نوفمبر/تشرين الثاني قبل عامين، جاء فيها: “إنّ مسألة المصالحة ليست من مهام حركة فتح، إذ إنّ وزن الحركة لا يعطيها صلاحية قيادة هذه المهمة، بقدر ما يسمح لها بالمساعدة على إنجازها. كما لا يمكن نقاش أي مصالحة وإجراء أي حوار يتجاوز العقد الاجتماعي ـ السياسي الذي مثّله ‘إعلان استقلال فلسطين’، بصفته الوثيقة المرجعية الأعلى للجميع، حتى يتم إنجاز الدستور الفلسطيني الموعود. ثم إنّ وزن حركة حماس الكبير لا يعطيها الحق بالتنكر للعقد الاجتماعي ـ السياسي، طالما أنّ المجتمع الفلسطيني متمسك به حتى الآن ويناضل على هديه. وإنّ حركة حماس، بصفتها حركة متمردة على نظام المصلحة الفلسطينية، ليس لها أن تضع قواعد الحوار للمصالحة حتى لو وافقتها الفصائل، لأن المساس بالشرعية والخروج عليها هو نقطة البدء في إفشال الحوار، وهذا ما شهدناه في ‘إعلان بكين’. كما أنّ تشخيص التمرد الحمساوي كتمرد داخلي يستدعي من السلطة الفلسطينية حوارها في جغرافية الوطن فقط، وليس في أي عاصمة، وأنّ منطق المصالحة وغايتها يقومان على استعادة الحركة المتمردة إلى الشرعية على قاعدة تغيير سلوكها وسياساتها، وليس على قاعدة تطويع الشرعية والقوانين والتجاوز على مضمون ونص وثيقة ‘إعلان الاستقلال’. وإنّ كثرة الحديث عن ‘إصلاح منظمة التحرير’ وإعادة البناء و’تقديس الإجماع الوطني’، وما يتفرع عنها من مصطلحات لا معنى دقيقًا لها ولا تعريفًا يُعتدّ به، إنما يخدم تدوير الزوايا لصالح الأسلوب العشائري الذي ينتهي عادة بالتخوين، ويضعف خياراتنا الوطنية ويخترقنا بأجندات ليست فلسطينية.” أخيرًا، لا بد من إعادة النظر في فهمنا وسلوكنا واستراتيجياتنا لبناء دولة فلسطين، على أساس أنها لا تحتمل الخلط بين مفاهيم الثورة وفلسفة حركات التحرر القديمة، وبين مفاهيم بناء الدولة في عالمنا المعاصر. وفي هذه العجالة، يمكن التنويه بأن مؤسسة السلطة الوطنية ارتكبت خطأين لم يجرِ نقاشهما باستقامة منهجية تصون نظام المصلحة الفلسطيني: الخطأ الأول: حصل أثناء المرحلة الانتقالية في تطبيق “اتفاق أوسلو” (1993-2000)، عندما اعتمد الرئيس ياسر عرفات سياسة الاحتواء والاحتضان والأخوّة مع حركة حماس، بينما كانت تشن الحرب المعلنة لإسقاط الاتفاق وتمارس العنف وفق نموذج العمليات الانتحارية، ما أدى، واقعيًا، إلى تكريس ازدواج السلطة في الضفة والقطاع. الخطأ الثاني: حدث في لحظة التحضير لانتخابات المجلس التشريعي الثانية في مطلع عام 2006، حيث سُمح لحركة حماس بالمشاركة في الانتخابات من دون إعلان مسبق بتبنّيها الخيارات الوطنية التي أرساها “إعلان الاستقلال”، وبالتزامات السلطة تجاه إسرائيل والمجتمع الدولي. وهذا الخطأ ليس مرتبطًا بقرار الرئيس محمود عباس فحسب، بل هو على صلة بالضغوط الاستثنائية التي مارستها واشنطن في ذلك الوقت. لذا، لا بد من كشف الوثائق الأرشيفية الخاصة بها، حتى نستطيع إجراء تقييم موضوعي للحدث وتداعياته المستمرة على النظام السياسي الفلسطيني الوليد. والمفارقة هنا، أنّ حركة حماس تكيّفت مع قوانين وقواعد “اتفاق أوسلو”، بينما استمرت رافعة شعار إسقاطه حتى الآن. إنّ التجاوز على الخيارات الوطنية الكبرى الموثقة، وازدواجية السلطة، حطّما عناصر قوة النظام السياسي الفلسطيني داخليًا، ومكّنا أعداء قيام دولة فلسطين من تنفيذ سياساتهم، كما نرى الآن ونشهد. أخيرًا، إنّ فشل التسوية بين الشعبين يمكن تلخيصه بنجاح التطرف على الجانبين في إعادة إنتاج العنف، وعدم تحقق العدالة. وإنّ التسوية السياسية التي صنعتها النخب القيادية تفتقر إلى مفهوم المصالحة التاريخية بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ مصالحة تحميها قوى مجتمعية لها مصلحة في نبذ العنف، وتحتكم إلى العدالة.