شعار Levant Time
العودة إلى المقال
قراءة تحليلية

هل تستطيع إيران الصمود أمام "إنزال واشنطن الاقتصادي"؟

صورة للأخبار
أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الاثنين 24 آب حزمة جديدة من العقوبات على إيران. (محمد إيسر / الأناضول عبر أ ف ب)
صورة المؤلف
بقلم تيلدا أبو رزق
نُشر أغسطس 25, 2026 - 01:17

حدثان بارزان يُظللان بداية هذا الأسبوع: الهجوم الاقتصادي والمالي الهائل الذي شنته الولايات المتحدة على إيران – والذي أُطلق عليه اسم "الإنزال الاقتصادي" (D-Day) – وفي لبنان، عودة قضية السفير الإيراني المُعيّن في بيروت دون اعتماد رسمي، محمد رضا شيباني، إلى الواجهة.

 

تكمن أهمية حزمة العقوبات التي أعلنتها واشنطن يوم الاثنين في تداعياتها المباشرة متعددة الأبعاد، على المديين القريب والمتوسط، على الاقتصاد الإيراني، وبقاء نظام الملالي، التوازنات الإقليمية، وحتى العلاقات الدولية، ولا سيما مع الصين.

 

أمّا قضية محمد شيباني، وعلى الرغم من أنها لا تُقاس بالطبع بـ "الإنزال الاقتصادي"، فإنها تضع قدرة السلطات اللبنانية على المحكّ في مدى ملاءمة أفعالها لأقوالها. وهي تكتسب أهميتها كونها تُشكّل اختباراً جديداً لدولة ما زالت تجد صعوبة في فرض سلطتها. وفي هذا الاثنين 24 آب، فشل لبنان الرسمي مجدداً في هذا الاختبار.

 

يأتي الإعلان عن هذه التدابير غير مسبوقٍ إطلاقاً، شكلاً ومضموناً، لكونه يهزّ الاقتصاد العالمي بأكمله في الوقت الذي يفرض فيه حصاراً خانقاً على النظام الإيراني. وتطال العقوبات القطاعات كافة: الذهب، التكنولوجيا، الأصول الرقمية، النفط، النظام المصرفي، الطيران، والنقل البحري. وكان الإنذار الذي وجهه وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، واضحاً لا لبس فيه: على الدول التي تتعامل مع إيران التقيّد بهذه الإجراءات أو المخاطرة بتعرّضها هي الأخرى للعزل. والأسوأ من ذلك: أنها تقع تحت خطر الاستبعاد من نظام الدولار، بحسب توضيحاته. وحذّر بيسنت قائلاً: "يجب ألا يختبر أحد إرادتنا"، مؤكداً أن "المساحات الرمادية لم تعد موجودة". وأضاف: "على قادة العالم الاختيار بين إيران والولايات المتحدة، بين السلام والإرهاب".

 

لا استثناءات، ولا سيما للصين، الشريك الاستراتيجي لطهران، والتي، على الرغم من فتح دونالد ترامب صفحة جديدة معها، تقع اليوم مجدداً في مرمى الهدف الأميركي. وكانت بكين قد أعربت مؤخراً عن انزعاجها من الاستراتيجية الأميركية الجديدة ضد إيران.

 

وجاء ردّ سكوت بيسنت على سؤال بهذا الخصوص حازماً ومباشراً: "إذا سهّلت بكين المعاملات الإيرانية، فستكون مستهدفة". وبحسب المسؤول الأميركي، فإن هذه المعاملات، أياً كانت طبيعتها، تندرج ضمن " تبييض الأموال لصالح إيران".

 

وقال وزير الخزانة إنه "يتوقع فرض عقوبات على مؤسسة كبرى هذا الأسبوع"، دون تقديم المزيد من التفاصيل، لكنه أشار، أثناء حديثه، إلى أن "نحو ستين كياناً على صلة بطهران قد فرضت عليها العقوبات للتو".

 

كما تبلغ بنك "ملّي" الإيراني، إلى جانب مؤسسات أخرى، بوجوب "إغلاق جميع فروعه في العالم".

 

وبحسب بيسنت، فإن إيران "تواجه خياراً واضحاً جداً، بين مسارين لا ثالث لهما: العزل التام واقتصاد الكفاف، أو العودة إلى وضعها الطبيعي مع فرصة الانضمام إلى الاقتصاد العالمي"، وذلك بحسب ما صرح به. ودعا بيسنت الجنود الإيرانيين إلى إلقاء سلاحهم، إذ قال موجهاً كلامه إليهم: "تذكروا أن جدار برلين سقط عندما قرر صغار الجنود عدم إطلاق النار على أبناء وطنهم".

 

وفي أول رد فعل سريع، حاولت وكالة "تسنيم"، المقربة من الحرس الثوري الإسلامي، التقليل من أهمية هذه الحزمة الجديدة وغير المسبوقة من العقوبات "في وقت يتواجد فيه الوسيط الباكستاني في طهران". ونقلت عن مصدر إيراني رسمي إرجاعه الأمر إلى "العمليات الإعلامية والنفسية المتكررة لدونالد ترامب". وبحسب المصدر نفسه، "لن يتغير شيء على الأرض". وهو خطاب موجّه بالدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي، إذ إن الوضع على الأرض تحديداً لن يعود كما كان.

 

ذعر في طهران

 

كان الإعلان الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الأربعاء عن "الإنزال الاقتصادي" (في إشارة إلى إنزال الحلفاء في نورماندي في حزيران 1944، الذي عجّل بسقوط النظام النازي في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية) كفيلاً بتوجيه الضربة القاضية لإيران إذا ما طُبّق حرفياً واستمر، في ظل غياب أي اختراق ديبلوماسي. فاختيار اسم هذه التدابير الصارمة التي تعتزم واشنطن فرضها على الجمهورية الإسلامية وعلى شركائها الرافضين للانصياع لم يكن عفوياً. فهذه العقوبات، التي يصفها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بـ "أكبر هجوم مالي في التاريخ"، ستشكل الفصل الأخير من حرب مستمرة بأشكال مختلفة منذ 28 شباط الماضي.

 

وهذا ما يدركه الإيرانيون تماماً، كما يتضح من الهبوط الحاد في قيمة الريال، الذي جرى تداوله يوم الاثنين بأكثر من مليوني ريال مقابل الدولار الواحد، وقبل كل شيء، من الذعر الواضح في صفوف السلطة. فمنذ يوم الأحد، تتوالى التصريحات والتعليقات الرسمية بوتيرة سريعة في إيران، حيث يستمر إرسال إشارات متناقضة تراوح بين التهديدات المباشرة للولايات المتحدة والدول التي قد تنضم إلى نظام العقوبات الجديد، وبين إشارات الرغبة في التوصل إلى حل سياسي للنزاع، مروراً بالخطابات الحماسية عن الصمود أو القدرات العسكرية الإيرانية. وتفاقم الأمر إلى حدٍّ وجد معه الرئيس مسعود بزشكيان نفسه مضطراً للدعوة إلى "وحدة الموقف في مواجهة التهديدات الأميركية". أما الغائب الأكبر عن هذه المعزوفة من التصريحات، فكان المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي.

 

فهل يستطيع الإيرانيون الصمود أمام هذه الضربة الأميركية القاضية؟ أمرٌ مستحيل في ضوء شدّة العقوبات الأميركية وحجم الأزمة المالية والتضخم اللذَين يعصفان ببلادهم منذ عدة أشهر، وزاد من تفاقمها الحصار البحري الأميركي.

 

ويكفي تتبع مسار الصادرات النفطية الإيرانية لقياس مدى عمق الأزمة المالية التي يغرق فيها نظام الملالي. فبعدما كانت تقارب مليوني برميل يومياً قبل حرب شباط ، تراجعت إلى نحو 400 ألف برميل في منتصف آب.

 

وفي مطلق الأحوال، وأمام هذا "الإنزال الاقتصادي"، أكدت السلطات الإيرانية مساء الاثنين أنها وضعت خطة "تمتد على مدى عامين" (أي حتى نهاية ولاية الرئيس دونالد ترامب...) لمواجهة هذه الحرب الاقتصادية.

 

أيّ دور للدبلوماسية؟

 

على الرغم من الضغوط التي يواجهها، لا يزال النظام في طهران يرفض التراجع عما يسمّيه حقه في السيطرة على مضيق هرمز. هذا على الأقل في العلن، إذ إن باكستان تحركت مجدداً أملًا في تحقيق اختراق يعيد إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات ويخفف حدة التوتر على الأرض. في هذه الأثناء، واصلت ميليشيا الحوثيين اليمنية يوم الاثنين استهداف مواقع سعودية، ولا سيما في البحر الأحمر.

 

ويزور قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، طهران حالياً لإجراء محادثات مع المسؤولين الإيرانيين. وبحسب وكالة "رويترز"، كان قد أجرى اتصالاً هاتفيًا مع دونالد ترامب الأسبوع الماضي.

 

ومن المقرر أن يصل بعده وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، يوم الثلاثاء إلى العاصمة الإيرانية لإجراء محادثات تتناول وضع مضيق هرمز.

 

قضية شيباني

 

على أي حال، إذا استمر "الإنزال الاقتصادي" دون تحقيق أي اختراق دبلوماسي، فسيترك حكماً تأثيرات مباشرة على دول المنطقة التي تحتفظ فيها طهران بنفوذ عبر أذرعها المسلحة، كـ "حزب الله" في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، والحوثيين في اليمن.

 

وفي هذا السياق، يبرز حدثان لافتان: فقد أرجأت بغداد الجدول الزمني المحدد لنزع سلاح الجماعات المسلحة الموالية لإيران، من دون تقديم أي تفسير لهذا التعديل ومن دون تحديد موعد جديد.

 

وكان من المفترض أن تنتهي هذه العملية، التي بدأت في حزيران الماضي، في 30 أيلول، وهو التاريخ الذي تنتهي فيه مهلة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق. غير أن بعض الجماعات رفضت إلقاء السلاح بضغط إيراني، معتبرة أن خطوة كهذه تصبّ في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل. وحرصاً منها على تجنّب المواجهات المسلحة وتغليباً للخيار الحواري، أدخلت السلطات العراقية تعديلات على جدولها الزمني دون تغيير الموعد النهائي المحدد أساساً. ولا يمكن تفسير القرار العراقي بالتخلي عن هذا الموعد إلا بزيادة الضغوط الإيرانية التي دفعت حكومة علي الزيدي إلى كبح المسار الذي أطلقته.

 

كذلك هو الحال في لبنان، حيث يتمسك السفير الإيراني المُعيّن وغير المعتمد، محمد رضا شيباني، بموقعه، رغم إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه وقد طالبته وزارة الخارجية بمغادرة البلاد في آذار الماضي.

 

وعملياً، يُعدّ شيباني في وضع غير قانوني في لبنان منذ 24 آذار، إذ لم تعد تأشيرته صالحة منذ اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه. ومع ذلك، لم تتخذ السلطات أي خطوة لتنفيذ القرار الذي أصدرته بنفسها، لتخفق بذلك في أول اختبار لسلطتها.

 

ويوم الاثنين، أهدرت السلطات فرصة ثانية لإثبات مصداقيتها، بعدما تمكّن الممثل الإيراني من الحصول على إقامة لمدة ستة أشهر من الأمن العام، بصفته سفيراً سابقاً خدم في لبنان بين عامي 2006 و2009.

 

غير أن هذا الالتفاف لا يُخفي الفجوة الكبيرة بين تصريحات المسؤولين حول رغبتهم في إبعاد لبنان عن النفوذ الخارجي، وبين أفعالهم التي تتناقض تماماً مع نياتهم المعلنة.

 

وحده وزير الخارجية، جو رجي، بقي متمسكاً بموقفه، حين أكد قبل أيام في حديث لصحيفة "النهار" أنه لا مجال للتراجع عن قرارات آذار الماضي.

 

ويشكل تجديد إقامة شيباني إحراجاً للسلطات، التي أثبتت بذلك أنها لا تملك الشجاعة لتحمّل مسؤولية قراراتها، أياً كانت الذرائع المرفوعة، ولا سيما أن "حزب الله"، التابع مباشرة لإيران، يواصل تحديها. وقد جاء الدليل مرة أخرى على لسان أحد نواب الحزب، حسن فضل الله، الذي تحدث خلال لقاء في طهران مع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، وكأنه يمثل لبنان، بل ذهب إلى حد المطالبة بـ "عمل منسق" مع الجمهورية الإسلامية لمواجهة العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في لبنان.

 

شطب سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب

 

في ظل هذا المناخ المتفجر، يبرز تطور على جانب كبير من الأهمية، لا يخفى على أحد مغزاه الرمزي وتوقيته. فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مساء الاثنين الشطب الرسمي لسوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب الدولي.

 

وفي المناسبة نفسها، رُفع اسم تنظيم "هيئة تحرير الشام" (الذي كان يترأسه الرئيس أحمد الشرع تحت اسمه الحركي "أبو محمد الجولاني") من قائمة المنظمة الإرهابية الدولية.

 

ومن شأن هذا القرار المزدوج، من الناحية الاستراتيجية، أن يفسح المجال أمام الاستثمارات الخاصة في سوريا، بما يحيي الاقتصاد السوري ويتيح لسوريا ما بعد الأسد إعادة الاندماج في حركة الاقتصاد العالمي.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل