شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الموسيقى والسياسة، زواج ضارب في القِدم: البدايات (1)

تقترح هذه السلسلة من المقالات جولةً واسعة النطاق، موضوعاتيةً وتاريخيةً في آنٍ معاً، في مختلف أوجه العلاقة بين الموسيقى وفضاء المدينة عبر العصور. يتناول المقال الأول من هذه السلسلة، المقسَّم إلى ثلاثة أجزاء، أصول الصلة بين الموسيقى و"السياسي" و"السياسة". ثمة شيء من المجازفة في محاولة تحديد بدايات الموسيقى الملتزمة بدقة. غير أن ما هو يقين لا جدال فيه أنها لم تبدأ لا مع بوب ديلان، ولا مع “النيغرو سبيريتشوالز”، ولا حتى مع “المارسيليّيز”… بل مع الموسيقى ذاتها، أي في الواقع، مع بدايات تنظيم المجتمع وعلاقاته بمفهوم السلطة وممارستها. يمكن القول دون كثير من الخطأ إن الموسيقى شكّلت بهذا المعنى أحد الوسائل المتاحة للبشر الساعين في آنٍ واحد إلى الحكم والتملّص منه. ليس السؤال الملائم أن نتساءل في أي لحظة باتت الموسيقى سياسية، فهي كانت كذلك دائماً. بل الأجدر أن نتساءل: عن أية سياسة يتعلق الأمر، في خدمة من، وضد من، وبأي وسائل؟ وليس ثمة جواب بسيط وقاطع على هذه الأسئلة. فالموسيقى، شأنها شأن كل ما يشتغل في الخيال الرمزي، تسكن عالم الفروق الدقيقة. وهي لذلك تخدم في آنٍ واحد الطرفين… أو بالأحرى جمهرةً واسعة من الأطراف… حتى تلك التي ترفض أن تتشكّل في أطراف. فهي تُمجّد السيّد وتتآمر ضده، في الغالب في النفَس الواحد، وأحياناً على الهواء نفسه. إنها سلطة ومضاد-سلطة في آنٍ واحد، إذن، منذ فجر التاريخ. وهذا التناقض، بعيداً عن أن يكون حادثةً عارضة من حوادث التاريخ، ينبثق من طبيعة الصوت ذاته، الذي يعمل على الأجساد قبل أن يبلغ الوعي، ويعبر الحدود التي لا تستطيع الكلمة المكتوبة اختراقها. فالموسيقى قد تُسمع دون أن تُفهم بالضرورة… وتشكّل بذلك ضرباً من المقاومة التي تأبى الخضوع للرقابة في جوهرها الوجودي… لقد احتاجت السلطة السياسية دائماً إلى الموسيقى، وهابتها دائماً للسبب ذاته. وهذه هي بالضبط المفارقة التأسيسية التي تسعى هذه السلسلة إلى استكشافها. الصوت، شأنٌ من شؤون الدولة كانت الثقافة اليونانية القديمة قد صاغت هذه البديهة بحدّة فائقة. فقد رأى أفلاطون في الموسيقى أحد أسس الحياة المدنية. وبعض الأنماط الموسيقية في تلك الحقبة، كالنمط الدوري الصارم الذكوري، كانت تُعدّ في هذا السياق صالحةً لتكوين مواطنين شجعان؛ بينما أنماط أخرى، شديدة الفتور أو شديدة الإثارة، كانت تهدد نظام المدينة وتستوجب المنع. تعامل كتاب “الجمهورية” مع الموسيقى باعتبارها شأناً من شؤون الدولة، لأن أفلاطون أدرك مبكراً أن الموسيقى تُشكّل الأجساد قبل أن تُشكّل العقول، وهي فكرة محورية في الفلسفة اليونانية. فهي تُرسّخ استعدادات وإيقاعات داخلية وطرائق في سكنى الزمن تبدو في عيون اليونانيين سياسيةً قبل أن تكون جمالية. وسواء نوّع أرسطو في فكر أفلاطون أو أحصاه فيثاغورس بالأرقام، فإن الثلاثة يتفقون على أن الصوت لا يمكن تحليله تحت زاوية الحياد. فهو يَحكم حيناً، ويُزعزع أو يُسيء حيناً آخر، وقد يفعل الأمرين معاً في آنٍ واحد. وحتى حين لا يتخذ موقفاً في الشؤون السياسية الصارمة للمدينة، أي في رهانات السلطة، فهو بمجرد وجوده يُشارك في الفضاء السياسي، وفي تكوين المواطن وفكره. إن الحدس اليوناني ليعبر تقاليد لا تربطها أي صلة بعضها ببعض ومع ذلك تنتهي إلى الاستنتاجات العملية ذاتها… ففي الكونفوشيوسية، تُمثّل الموسيقى الطقوسية مرآةَ النظام الأخلاقي والسياسي للمملكة: سيّدٌ موسيقاه عادلة يحكم بعدل، وسيّدٌ موسيقاه فاسدة يحكم دولةً في حال تفسّخ. ويُرسي “كتاب الطقوس”، على سبيل المثال، مقابلاتٍ دقيقة بين الأنماط الموسيقية والفصول والفضائل السياسية، لأن الموسيقى في هذا التصور الكوني تُشارك في المبدأ ذاته للرنين الذي يصل السماء بالأرض، فتؤسّس بذلك التسلسل الهرمي السياسي في انسجام كوني يتجاوزه. والموسيقى في صميم تكوين النظام. وفي اليابان، تنظّم “نُورِيتو” — الصيغ الطقوسية المُرتَّلة الموجَّهة إلى “الكامي”، أرواح اليابان وآلهتها وكائناتها المقدسة — في آنٍ واحد العلاقة بالمقدس والتسلسل الهرمي الاجتماعي، تماماً كما تُرسي الترانيم “الفيدية” في الهند رؤيةً كونية يشترك فيها النظامان الصوتي والاجتماعي في المبدأ ذاته… وهو الشأن ذاته الذي ساد على الأرجح منذ سومر، التي تشهد أقواس أُور الملكية وأناشيد إنانا فيها على تشابك عميق وراسخ بين الطقس الصوتي والسلطة الأسرية والنظام الكوني. ما تتقاسمه هذه التقاليد في الواقع هو ريبة جوهرية من الموسيقى "غير المُقيَّدة"، لأنها مصدر قوة ومن ثَمّ خطر محتمل. فبالنسبة لجميع المجتمعات السياسية المنظّمة، من منظور التسلسل الهرمي، فإن الموسيقى (والفن عموماً) التي تفلت من كل رقابة قادرة على إحداث اضطراب لا يقتصر على الإطار الجمالي، بل يمكن أن يتمدّد سياسياً نحو الفضاء المدني والسياسي. ولهذا سعت جميع الحضارات الكبرى، دون استثناء، إلى تقنينها، مع منحها في الوقت ذاته، بسبب هذا الخطر بالذات، مكانةً محوريةً في أبرز احتفالاتها. إن طرح إشكالية الموسيقى من زاوية الفلسفة السياسية يعني إبّان الأمر طرحَ إشكالية التوتر بين السلطة والسيادة والحرية والرقابة والاستبداد. "مفارقة المنشد" لكن لكل رقابة وجهاً آخر، بل أثراً عكسياً — ذاك "العودة من المكبوت" الشهيرة. والمجتمعات ذاتها التي تُقيّد الموسيقى تمنحها أدوات تخريب هذا التقييد. وليس من قبيل الصدفة أن “آسورنتوريكس” يُسكَت باستمرار في ولائم آستريكس. ف”سيتوتوماتيكس” الحداد، أي الصورة الأكثر وحشيةً وعسكريةً للسلطة، يصرّ على أنه "يغني بنشاز". وعليه لا يجوز له أن يغني البتة. الفكرة الكامنة أعمق بكثير من مجرد اللازمة الطريفة المتكررة لدى “غوسيني” و”أوديرزو”: فقد كان المنشد الكلتي الذي يُغنّي نسب الملك يملك سلطةً مرهوبة في التشهير. فالهجاء الموسيقي المُحكم كان كفيلاً بتدمير سمعة وتزعزع تحالف وحتى التعجيل بسقوط. أما “التروبادور الأوكسيتانيون” الذين كانوا يُؤلّفون لفائدة البلاطات الإقطاعية فقد ابتكروا في الوقت ذاته لغةً مُشفَّرة للحب العذري، شكّلت بحسب القراءة المعتمدة مقاومةً للسلطة الكنسية أو رسماً لجغرافيا الرغبة رافضاً للحدود التي فرضها النظام الإقطاعي. وعلى المنوال ذاته، كان “الغريو” في غرب أفريقيا، حرّاس الذاكرة الأسرية والموسيقيون الرسميون في البلاطات الملكية، الوحيدين المُخوَّلين بالجهر علناً بما لم يكن بإمكان أي أحد سواهم التصريح به دون المجازفة بحياته. فوظيفتهم في المديح كانت لا تنفصل عن وظيفتهم النقدية. كانوا يُجلّون "الحق"، بالتأكيد، لكن من الموقع الوحيد المتاح… القرب الرسمي من السلطة. هذه المفارقة — أن تكون في خدمة السلطة شرطاً لإمكانية المقاومة — تُشكّل البنية الدائمة، العمود الفقري للعلاقة بين الصوت والسياسة. لا بد أولاً من الإذن بالولوج إلى البلاطات لتتسنّى السخرية منها. ولا بد من إنشاد القديسين لتتسرّب بين أمداحهم رسالة لا يفكّ رموزها إلا المُبتَدَؤون. ولا بد من إتقان الأشكال المشروعة لكي يبقى تحريفها مقروءاً. هذه الرؤية في التحايل على السلطة، ربما الأكثر صمتاً ورسوخاً في التاريخ السياسي للموسيقى، ستجد في العالم العربي الكلاسيكي صياغتها الأكثر اكتمالاً. "اللغة المزدوجة"، من حافظ إلى المقامات في العالم العربي الكلاسيكي، يتخذ هذا التوتر، خارج نطاق الموسيقى المجردة، شكلاً بالغ التعقيد بخاصة، مع منظومة المقامات اللحنية التي تهيكل الموسيقى العربية برمّتها، خالقةً رؤيةً كونية للصوت يستجيب فيها كل مقام لحالات انفعالية وأوقات من النهار وأحوال من الروح. مقام “الراست” يدعو إلى الصفاء والتوازن؛ والحجاز، بثانيته المزيدة المميَّزة، يستحضر الشوق والغربة والحنين إلى عالم آخر لا اسم سياسي له لكن له اسمٌ وجودي… أجدُّ “السودادي”؟ استخدم الشعراء الموسيقيون الذين عبروا البلاطات العباسية والأموية والعثمانية هذا النظام بوصفه لغةً ذات قاع مزدوج: ما قاله ظاهر النص كان مسموعاً للجميع، لكن ما كانت تُبلّغه البنية المقامية وزخارف اللحن لم يكن في متناول إلا من عرف حقاً كيف يُنصت عبر اللحن. في هذا الفضاء يُؤلّف الرومي، هو الذي ينظم بالفارسية، في قلب التصوف الإسلامي أكثر مما في بلاطات العرب بالمعنى الدقيق، لكنه مسكون بالحدس ذاته: أن الصوت، في سُكر الوجد الصوفي وسمائه، يُعيد الروح إلى علاقة مباشرة بالإلهي تتجاوز الوسائط الكهنوتية ومن ثَمّ الدنيوية. وحافظ الشيرازي يسلك المسلك ذاته: كل غزل عن الخمر والحب هو في آنٍ واحد ميتافيزيقا وإيروتيكا… ونقد للسلطة. وهذا الالتباس، بعيداً عن أن يكون مصادفة، يستهدف تحديداً النجاة من الرقابة… بجعلها مستحيلة. كيف تحظر قصيدةً عن الحب دون أن تُقرّ بأنك تقرأ فيها سياسةً…؟ إنه عبقرية خالصة. ثمة فصول أخرى كثيرة جديرة بالتأمل المطوّل: تعدد الأصوات في عصر النهضة وصراعاته المريرة على ولاية الصوت المقدس، والترتيل اللوثري سلاحاً من أسلحة الإصلاح الديني، والموسيقى في البلاطات الباروكية بأبهتها الاستبدادية من فرساي إلى فيينا. بيد أن أوروبا القرن الثامن عشر هي التي سيتخذ فيها هذا الجدل حول الموسيقى والحرية شكله الفلسفي الصريح الفعلي، أي حين يُطالب علناً بوضعه السياسي الخاص. وسيكون جان-جاك روسو مركز ثقله.

من بكين إلى واشنطن، العديد من الشكوك

بين دونالد ترامب وشي جين بينغ، عكست التصريحات أجواءً إيجابية، لكن خفايا هذا اللقاء بين العملاقين لن تتضح إلا مع مرور الوقت. أمّا إيران، فما زالت تواصل استفزازاتها. وبين لبنان وإسرائيل، تمديد للهدنة وتعاون عسكري مرتقب. كان هذا الأسبوع أسبوع المفاوضات الحاسمة التي ستنعكس تداعياتها على المرحلة المقبلة. فمنذ بدايته، تركزت الأنظار على التحضيرات للقمة الأميركية-الصينية في بكين، وعلى الجولة الثالثة من المفاوضات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن. وعلى مستوى قمة بكين، جاء الاستقبال الذي خُصّ به الرئيس الأميركي دونالد ترامب استثنائياً، بحجم الحدث. وبأسلوبيهما المختلفين، حرص الرئيسان الأميركي والصيني على توجيه رسائل أساسية بشأن التعاون الاقتصادي المستقبلي بين البلدين، وكذلك حول المباحثات المتعلقة بالملفات الدولية ذات الاهتمام المشترك. وفي مقدمة هذه الملفات، برزت قضية تايوان التي تسعى الصين إلى ضمّها فيما تدعم الولايات المتحدة استقلالها، إضافة إلى الملف الإيراني، باعتبار إيران حليفاً تقليدياً للصين. فكيف بات هذان الملفان مترابطين؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة. لكن بعض المؤشرات بدأت تكشف الاتجاهات العامة. فقد طلب الرئيس ترامب، في مقابلة صحافية، من السلطات التايوانية عدم إعلان استقلال البلاد استناداً إلى دعم واشنطن، غير أنّ تايوان تجاهلت ذلك وأعلنت تمسكها بالاستقلال فور انتهاء القمة. أما في ما يخص إيران، فقد كان الملف مطروحاً بقوة خلال القمة، كما كان متوقعاً. وأظهر الرئيسان الأميركي والصيني موقفاً مشتركاً يقوم على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز. وقد صرّح الرئيس ترامب بوضوح بأن نظيره الصيني، الذي كان قد استقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبل أيام، مستعد للمساهمة في المفاوضات. ومن المؤشرات المهمة الأخرى التي أفرزتها القمة أن الصين قد تتجه مستقبلاً إلى استيراد النفط من الولايات المتحدة، ما سيقلّص اعتمادها على نفط الشرق الأوسط وعلى مضيق هرمز… وبالتالي، بصورة غير مباشرة، على حليفها الإيراني. ورغم أن الوقت لا يزال مبكراً لتقييم نتائج هذه القمة بدقة، فإن تصريحات الرئيس ترامب تستحق التوقف عندها. فقد أكد للصحافيين، في ختام القمة، أنه قد يقبل بـ«تجميد» تخصيب اليورانيوم في إيران لمدة عشرين عاماً إذا حصل على «الضمانات اللازمة». كما أن مسار المفاوضات غير المباشرة لم ينتهِ بعد، وهو ما تعكسه زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران خلال عطلة نهاية الأسبوع. لكن النبرة تغيّرت فجأة خلال اليومين الماضيين، إذ صرّح رئيس البيت الأبيض بأن «صبره تجاه إيران بدأ ينفد». وعبر منصته الاجتماعية، نشر ترامب الأحد صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها أمام الجيش الأميركي في مضيق هرمز، مرفقة بعبارة غامضة: «الهدوء الذي يسبق العاصفة». ويتقاطع ذلك مع معلومات متداولة في وسائل إعلام إسرائيلية تتحدث عن اقتناع أميركي متزايد بضرورة العودة إلى الحرب، مع تقدير إسرائيلي لاحتمال ذلك بنسبة «50%»، بحسب مسؤول إسرائيلي. تحركات أوروبية في ما يتعلق بمضيق هرمز، يواصل الإيرانيون التأكيد على حقهم في إدارة هذا الممر البحري. كما تؤكد طهران أنها تلقت اتصالات من قادة أوروبيين لبحث شروط المرور الآمن في المضيق. لكن مقابل ماذا؟ ومن أبرز أحداث الأسبوع أيضاً اجتماع وزراء خارجية دول بريكس، الخميس، في الهند. وقد تناول المؤتمر ملفات عدة بينها الشرق الأوسط، وشهد سجالاً بين الوزيرين الإيراني والإماراتي، بعدما اتهم الأول دولة الإمارات بأنها «شريك» في الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على بلاده… رغم أن الصواريخ الإيرانية هي التي سقطت على الأراضي الإماراتية منذ بداية النزاع. ولم يصدر أي بيان رسمي مشترك بشأن الحرب على إيران، تحديداً بسبب الخلافات بين البلدين. ومن اللافت أيضاً أن حليفاً آخر لإيران، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحث السبت مع نظيره الإماراتي محمد بن زايد النزاع الإيراني، بحسب وكالة رويترز. وجاء في البيان الرسمي أن «الطرفين يشددان على أهمية المسار السياسي والدبلوماسي». فهل هي محاولة لإخراج إيران من عزلتها؟ وفي تطور آخر، وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإمارات في موقف حرج بعدما تحدث عن «زيارة سرية» قام بها إلى هذا البلد في بداية الحرب، وهو ما سارعت أبوظبي إلى نفيه. وتستقطب الإمارات اهتماماً متزايداً منذ انسحابها المفاجئ من منظمة أوبك مطلع أيار/مايو. في لبنان: تمديد وقف إطلاق النار اتسم الأسبوع اللبناني بالمفاوضات التي جرت في واشنطن الخميس والجمعة بين وفد لبناني ترأسه للمرة الأولى السفير المخضرم سيمون كرم، ووفد إسرائيلي بقيادة السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر. وقد تناولت المفاوضات الجوانب السياسية والعسكرية معاً. وجاءت هذه الجولة الثالثة منذ مطلع نيسان/أبريل وسط ضغوط شديدة: استمرار المعارك في جنوب لبنان مع تقدم إسرائيلي إلى ما بعد نهر الليطاني، وتصاعد لهجة حزب الله ضد الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى تسريبات عن «قلق» أميركي من مسار العملية التفاوضية. لكن نتائج المحادثات لم تكن بحجم هذا التوتر. فالمفاوضات لم تنهَر كما خشي البعض، بل حُددت الجولة المقبلة مطلع حزيران/يونيو. كما أسفرت الاجتماعات المغلقة عن نتائج ملموسة، أبرزها تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله لمدة 45 يوماً، وإطلاق «مسار أمني» يبدأ باجتماع عسكري بين الجانبين في 29 أيار/مايو داخل البنتاغون. غير أن إعلان وقف إطلاق النار لم ينعكس تهدئة ميدانية، رغم محاولات السلطات اللبنانية تثبيت هدنة «تحترمها جميع الأطراف»، بحسب معلومات تسربت السبت. وبحسب المعلومات نفسها التي تداولتها الصحافة المحلية، طلب الرئيس جوزاف عون من رئيس مجلس النواب نبيه بري إقناع حزب الله بوقف هجماته كي يلتزم الطرفان بالهدنة. ورد الحزب بأنه سيفعل ذلك إذا التزمت إسرائيل أيضاً. لكن التوتر الميداني ازداد، مع إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء شمال الليطاني، واستمرار صفارات الإنذار في شمال إسرائيل بسبب مسيّرات حزب الله. وهذه المسيّرات تحديداً، التي يعترف الجيش الإسرائيلي بأنها تشكل مصدر إزعاج حقيقي له، قد ترتد سلباً على لبنان أيضاً. فبحسب تقارير تناقلتها وسائل إعلام محلية، يدرس الإسرائيليون توسيع نطاق احتلالهم إلى أبعد من عشرة كيلومترات، باعتبار أن التهديد لم يعد يقتصر على الصواريخ التقليدية، بل يشمل أيضاً طائرات مسيّرة بدائية ومتفجرة يصعب رصدها عبر أنظمة الدفاع. سلام في سوريا ومن الشخصيات التي برزت هذا الأسبوع أيضاً رئيس الحكومة نواف سلام، بعدما أطلق موقفاً حازماً أعاد فيه التأكيد على موقف الدولة اللبنانية من مفاوضات واشنطن، نافياً كل الاتهامات بـ«الخيانة» الموجهة إليه وإلى رئيس الجمهورية. كما استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، في دمشق يوم 14 أيار/مايو، رئيس الحكومة اللبنانية. وأكد سلام بعد اللقاء أن «لبنان لن يقبل بعد اليوم بأن يبقى منصة لعمليات ضد الدول الصديقة»، في إشارة واضحة إلى حزب الله، في وقت تواصل دمشق تفكيك شبكات مرتبطة بالحزب تتهمها بالسعي إلى زعزعة الاستقرار السوري. وفي موازاة ذلك، تناولت المباحثات الثنائية تنسيق الجهود المرتبطة بالمفاوضات مع إسرائيل. أما الأبعاد الفعلية لهذه المحادثات، فستتضح لاحقاً، خصوصاً أن سوريا نفسها تتعرض لتوغلات إسرائيلية متكررة في جنوب البلاد. ومن الأحداث اللافتة هذا الأسبوع أيضاً، في ما يخص الوضع اللبناني، الجدل الذي أثير في 15 أيار/مايو حول «شكوى» لبنانية إلى الأمم المتحدة مؤرخة في 21 نيسان/أبريل، تتهم إيران بالتدخل في الشؤون اللبنانية وجرّ لبنان إلى الحرب مع إسرائيل. ولم تنفِ وزارة الخارجية اللبنانية الخبر لساعات عدة، قبل أن تصدر توضيحاً بدا وكأنه محاولة لتخفيف وقع المعلومات المتداولة. وأكدت الوزارة، في بيانها، أن الأمر لا يتعلق بـ«شكوى» بل بـ«رسالة» إلى الأمم المتحدة، تتضمن رداً على اتهامات إيرانية غير مباشرة للدولة اللبنانية في قضية استهداف أربعة «دبلوماسيين» إيرانيين داخل فندق في بيروت مع بداية الحرب، بعدما ألمحت الشكوى الإيرانية ضد إسرائيل إلى أن السلطات اللبنانية كانت على علم بمكان نقلهم. وهو تطور جديد يعمّق التوتر القائم أصلاً بين إيران والسلطات اللبنانية.

وليد رعد و"فولسفاكن الحرب الطائرة "
بقلم
يقظان التقي
نُشر

عودة فنيّة استثنائيّة للفنان التشكيلي اللبناني وليد رعد بعد أربعين عامًا أو نحو ذلك قضاها في نيويوك ليعرض مجدداُ أعماله في معرض يقام في بينالي فينيسيا ، ثم في مهرجان الخريف في باريس.معرض كبير يبدأ بـ "هيكل مقلوب" لسيارة فولكسفاغن بيتل ، في فضاء تشكيلي طليعي متسع بالأفكار الموهوبة الصادرة عن تصميم الخيالات في إدانة تنظيم الحروب والقنابل الجديدة بدون أي ملل في الموازين أو آليات التصميم. وهو فن ينسج التلاعب بالافكار، بالأرشيفات الخيالية حول الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وحول "سوق الحرب"، التي تستمر في موقع المنافسة الفنيّة، وجعل الأفضل ينتصروهمياً في تصميم الخيالات ، التي تتميز بسخرية شعرية تمّ إنشاؤها في ثقوب ذاكرة لبنان. من لا يتذكر القصف الذي شنته البحرية الأمريكية بعد أولى الهجمات االدموية / االانتحاريّة التي نفذتها حركة حزب الله العقائدية في شباط / فبراير 1984 ضد "قوات المارينز" ألأميركية المتمركزة في لبنان، وحيث أطلقت الباخرة الحربية "يو إس إس نيوجيرسي" المتجهة إلى لبنان 16 قذيفة بحجم 300 بوصة باتجاه مواقع سورية ودرزية، قذائف يزن كل منها وزن سيارة فولكسفاغن بيتل - ومن هنا جاء الاسم الذي أطلقه اللبنانيون على هذه القذائف، "فولكسفاغن الطائرة". سقطت إحدى هذه القذائف في حديقة الشاب المراهق في في بلدة بمريم في جبل لبنان. آنذاك ، حول وليد رعد، هو وأبناء عمومته فوهة القنبلة إلى مسبح للعب فيه. إنها الحرب التي يمكن اختبارها مجدداً، أو اللعب فيها من أجل عيش السلام بعد زمنٍ مع فنان كبير، الشخصية البارزة في الفن المعاصر اللبناني، المولود عام 1967، مؤيد ومتحمس لقناعاته القوية في أن الحقيقة الإنسانية تتعرض لهجوم. فتصبح الحرب شيئاً عادياً .هكذا عليه الأمور في تقارير القوة . كأنه تجهيز الخطأ. ليس أقل جاذبية من الحقيقة، ما دام التقدم إليها هو شيئ آخر تماماً. منذ عام 1993، يعيش وليد رعد في الولايات المتحدة، ويعود إلىه مرات تقريبًا كل شهر، حيث لا يزال يعيش أفراد عائلته في بيروت. كان شارك العام 1997 في أنشطة "مؤسسة الصور العربية"، التي تهدف إلى جمع وتقييم التراث البصري لشرق أوسط وشمال أفريقيا والشتات العربي. على مدى عقود، تمايزت أعماله التي تم عرضها في متحف الفن الحديث في نيويورك أو في "دوكيومينتا" في كاسل، كشخصية رئيسية في "SFA"، بالخيال العلمي العربي، الذي ينتقد الروايات الرسمية، والذي يتم التعرف عليه بشكل خاص اجتراحات فنيّة لمجموعة من الفنانين اللبنانيين، الذين يعيشون هناك ، أو أعضاء في الشتات، والذين يشتركون في هاجس واحد حول فجوات ذاكرة بلدهم. وهو شارك عروض العديد من زملائه، مثل ربيع مروة، أكرم زعتري، خليل جريج، أو جوانا حاجي توما ، وحاليًا معًا في مؤسسة "سايكاليس باي" في ميلانو، ضمن معرض"Crossroads: Beirut contemporary" . يحكيّ المعرض عن "مدينة شكلتها دورات البناء والتدمير وإعادة بناء ما بعد الحرب ليس كتراث خطيّ، بل مع الأرشيفات التالفة، والأرض غير المستقرة، والمواد الهشة، والانفصالات الزمنية." عرف وليد رعد بأنه "مبدع في الأخبار الكاذبة حول الشرق الأوسط، "، مخترع أرشيفات وهمية حول الحرب التي عاشها في طفولته في حركة الفن الحر، كما الشعر الحر، جزءاً من قصص الشباب السياسية والاجتماعية والثقافية بين الالتزام واليوتوبيّة الواقعية والتمرد. يعرض حالياً صورًا أرشيفية بالأبيض والأسود لأسطول أمريكي، كما في في احساس فردي بقصص الأسلحة والأطفال. ولكن، أين تبدأ الحدود بين الخيال والحقيقة في ما ترى العين من نار الحرب الكثيفة في الشرق الأوسط وسبل النجاة والصورة لا تزال مرئية هناك ، يستطيع أن يراها في كثير من طبقات الذاكرة المجمدة / المسكونة بهوة حفرة الحرب واللعب. يعيد نظره توصلاً لإكتشاف ما تبقى من تلك الطفولة حين تعرى من ادعاءاتها الخاطئة. فلا مصدر للجمال إلا من خلال الجرح الاستثنائي الظاهر في أعماله، حيث يقرر كسر الانزواء عن العالم وإعلان وحدة مرحليّة وإن عميقة. إنها نفس الحقبة في الثمانينيات، حيث كانت الميليشيات المسلحة اللبنانية تطلق على زعماء القوى المختلفة أسماء رموز، وأن كل واحد كان يحمل اسم زهرة. يقول رعد في غاتلوغ المعرض" كانت المرأة المسؤولة عن وضع هذا الترميز ، قد درست علم النبات في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقد قامت أيضًا بعمل "كولاج" لصور حسني مبارك برأس زهرة "الفاوانيا". ويروي "كيف أن ياسر عرفات، الذي كان هدفًا للعديد من محاولات الاغتيال، لم ينم أبدًا في نفس السرير ، وأن مؤرخًا مهووسًا وجد هذه الطبقات المختلفة من خلال تصفح- كما قد تفعل صوفي كالي- لغرف الفنادق في باريس والقاهرة لالتقاط الصور التي يعرضها وتشبه وثائق تلك الفترة. وهذه الملاحظات تبدو معلومات "موثوقة " قبل أن تكتشف أنه يلعب في "محفورات الحرب" ، كما لعب الطفل في "فوهة القنبلة". وأن هذه الصور "المزيفة". هذه "الأسرة الفارغة" التي شغلها أحيانًا "قادة منظمة التحرير الفلسطينية" في "استراحة المحارب المستحيلة"، وعن طريقها ترى شعبًا بأكمله. تبحث عن "جثث ناجية"، أو عن "قضية لا تنام أبدًا". بعض هذه الصور حقيقية، والبعض الآخر تم تشكيله ليصبح كذلك في متاهات الخيال، كما كان يفعل منذ عام 1989، تاريخ تأسيس مؤسسته المسماة "مجموعة أطلس"، وهي مجموعة من "الباحثين المزيفين" (أنهت نشاطها في عام 2004، ولا تضم سوى عضو واحد، وهو وليد رعد). وببساطة، اليوم، هو يؤرخ للأرشيفات الزائفة الجديدة في مواجهة "نقص الأرشيفات الموثوقة" حول تاريخ لبنان المعاصر. وباستخدام تقنية "الخيال العلمي العربي" (SFA)، يضع وليد رعد، في سياق ما بعد الحرب، أسئلة حول البنى السياسية والذاكرة والتعويض في بلد شهد حروبًا متتالية. من خلال مقاربة ساخرة حداثية وأسطورية وشاعرية، مشغولة بنوع من الهوس المتكرر، تستجيب جميعها بطريقتها الخاصة لمنطق الصدمة والتكرار الايقاعي التركيبي لحرب الأمس، أوغداً ، ضمن مصائر يحذف منها الموت في آلأمه ، وفي سخرية من القدر والتاريخ ، لأن الحرب لم تتوقف أبدًا، حقائق مصنوعة لتبقى قاسية جداً للتعبير عن الصراع الأبدي. ورعد ضد الرمزية الهشة ، اي الوقوف عند ذاكرة الأطفال فقط ، لا يستطيع أن يعيش الطفل من دون أن يكبر شيئاً . ليس سوى صانع ألعاب، وأي أهمية لذلك كما يقول نيتشيه. فيلعب رعد دور السلطة الفنية وما إليها وما فيها وما عليها. ليس بالمعنى السياسي الحاسم ، بل بالمعطى الدرامي لحالة الحرب، كأداة سخرية من لعبة العبث وما يرتكب من اتنهاكات وهفوات واعتداءات. قد يساعد هذا على التخلص من الشعور بالاحباط، ولو تمكنا من ذلك، كان يمكن أن يكون كل شيئ ممكناً في لبنان . سينضم بعضهم إلى وليد رعد في بينالي البندقية ستة فنانين لبنانيين آخرين من مجموعة تقول شيئًا عن المكانة الاستراتيجية لهذه الساحة الفنيّة في النقاشات المعاصرة حول الذاكرة والأرشيف والسرد وأشكال التعبير في سياق جيوسياسي قاسٍ لظروف الحروب الحالية.

بدلاً من الرسوم، هل يكون ابتزاز إيراني لمضيق هرمز؟

بداية عطلة نهاية أسبوع هادئة نسبياً، سواء على الساحة اللبنانية أو الإقليمية، باستثناء استمرار العمليات العسكرية في جنوب لبنان وفي بعض مناطق البقاع. ومن المفترض أن يدخل، رسمياً، هذا الأحد 17 أيار، حيّز التنفيذ تمديد وقف الأعمال العدائية لمدة 45 يوماً، وهو القرار الذي اتُّخذ الجمعة خلال الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة اللبنانية ـ الإسرائيلية التي انعقدت الخميس والجمعة في واشنطن، برعاية وزارة الخارجية الأميركية. وحتى لو منحت إسرائيل موافقتها الرسمية على وقف إطلاق النار الجديد هذا (ومن الصعب عملياً ألّا تفعل)، فلا شيء يشير إلى أنّ الغارات الجوية على بنى حزب الله التحتية أو عمليات تصفية كوادر الحزب الموالي لإيران عبر الضربات الجوية الدقيقة سوف تتوقف بالضرورة. وفي انتظار ساعة «الصفر» لبدء الهدنة، شهد يوم السبت تصعيداً في غارات الطيران الإسرائيلي والقصف بالمدفعية الثقيلة على مواقع الحزب في عدد من قرى أقضية صور وصيدا والنبطية، ما أدى إلى نزوح السكان باتجاه مدينة صيدا. وفي الوقت نفسه، كانت طائرة مسيّرة إسرائيلية تحلّق فوق العاصمة والضاحية الجنوبية على علو منخفض جداً. وعلى المستوى الإقليمي، ما زالت الأوساط السياسية تترقب القرار الذي يُفترض أن يتخذه الرئيس دونالد ترامب قريباً بشأن النزاع مع إيران، في ضوء الموقف النهائي للنظام الإيراني من مقترحات السلام الأميركية. والسبت، توجّه وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران لبحث إمكان إعادة إطلاق وساطة باكستانية مع الولايات المتحدة قبل تدهور الوضع على المستوى العسكري. مناورة إيرانية في المرحلة الراهنة، أفادت مصادر إيرانية، السبت، بوجود محادثات بدأتها «دول أوروبية» مع الجمهورية الإسلامية بهدف إيجاد مخرج للأزمة المتفجرة المرتبطة بمضيق هرمز. وفي حال تأكدت هذه المبادرة الأوروبية، فإنّ من شأنها أن تؤدي إلى إعادة تأهيل نظام الملالي وتعزيز موقعه في مواجهة إدارة ترامب. وعلى المستوى العملي، يواصل النظام الإيراني الإصرار على استغلال الأزمة الحالية لمحاولة فرض سيادته على مضيق هرمز، بهدف تحقيق عائدات مالية كبيرة تمكّنه من تعويض جزء من الخسائر التي تكبّدها خلال النزاع المسلح مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وبحسب بعض المصادر، تسعى طهران إلى الالتفاف على الرفض الدولي الجماعي لأي سياسة فرض رسوم عبور مباشرة كان الحرس الثوري يحاول فرضها على الدول التي تستخدم المضيق. أما الحل البديل الذي تدرسه الجمهورية الإسلامية، وفق ما يُتداول، فيقوم على عدم فرض رسوم عبور مباشرة، بل استيفاء نوع من «المساهمة المالية» مقابل «خدمات» تُقدَّم للسفن التي تعبر هذا الممر البحري. ومن بين هذه «الخدمات»، «تأمين» يغطي مخاطر محددة جداً. ومن شأن هذه «الضريبة» المقنّعة أن تدرّ عائدات مرتفعة للغاية، تفوق تلك التي يمكن أن تؤمّنها رسوم عبور تقليدية. ولا يبدو أنّ نظام الملالي سيكتفي بهذا النوع من «الابتزاز» الرسمي، بل يعتزم، بحسب المعطيات، المضي أبعد من ذلك عبر اتخاذ قرار أحادي الجانب بتوسيع المنطقة البحرية التابعة للمضيق والخاضعة لسيادته المزعومة! ويبقى السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة، ولا سيما الدول الأوروبية، ستقبل بالاستسلام أمام الابتزاز الإيراني…

لبنان والإعتراف بثمن الهزيمة...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

في عالم لا مكان فيه سوى للمصالح الذاتيّة، ماذا يستطيع بلد مثل لبنان فعله عندما يكون هناك فريق داخلي يعمل بشكل مباشر لدى إيران ويشنّ حربا على الدولة اللبنانية ومؤسساتها؟ لا يستطيع لبنان أن يفعل شيئا ما دام لا وجود لإجماع لبناني على كيفية خوض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن. الأهمّ من ذلك كلّه، لا يستطيع لبنان عمل شيء من دون إعترافه بوجود ثمن يتوجّب عليه دفعه في حال كان يريد التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي الذي تسبّب به "حزب الله" ومن خلفه "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران. يوجد عجز لبناني، لا أكثر، في غياب القدرة على تأكيد أن لبنان دولة حرّة مستقلّة تمتلك قرار الحرب والسلم على أرضها. مرّة أخرى، على لبنان في السنة 2026 تثبيت أن دولته هي الدولة الحقيقيّة وأنّ لبنان ليس دولة "حزب الله" الذي ليس سوى لواء في "الحرس الثوري" الإيراني ولا شيء آخر. من اللافت، في مرحلة ما قبل المفاوضات في واشنطن، أنّ رئيس مجلس النواب نبيه برّي لم يلتق سيمون كرم رئيس الوفد اللبناني الذي يفاوض إسرائيل. أكثر من ذلك، لم ينعقد في قصر بعبدا لقاء بين رئيس الجمهوريّة جوازف عون ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام قبل توجه سيمون كرم إلى واشنطن. كان مطلوبا انعقاد مثل هذا اللقاء، بحضور المفاوض اللبناني، من أجل تأكيد أنّ الدولة اللبنانية تقف مع سيمون كرم كي يتمكن من القول أنّه يمثّل الدولة اللبنانيّة بكلّ مكوناتها. يمثّل المسيحيين والسنّة والدروز والشيعة أيضا. معنى ذلك، عمليا، أنّ لبنان ليس سوى موقف العاجز عن تأمين دعم كامل متكامل لوفده الذي فاوض الإسرائيليين في واشنطن برعاية أميركيّة. ذهب لبنان، بكلّ شجاعة، إلى التفاوض مع إسرائيل على الرغم من أنّ الدولة العبريّة تتابع حربها على الوطن الصغير الذي لا يزال مصيره في يد "الجمهوريّة الإسلاميّة" التي يتحكّم بها "الحرس الثوري" الإيراني. كان على الوفد اللبناني الذي يفاوض الإسرائيليين الإجابة عن سؤال واحد وحيد. هل لبنان مستعدّ لدفع ثمن هزيمته نعم أم لا؟ من أجل الإجابة عن هذا السؤال، كان لا بدّ أوّلا، من الإعتراف بالهزيمة. لا يدلّ عن حجم هذه الهزيمة أكثر من سيطرة إسرائيل على 68 قرية ومدينة جنوبيّة تعمل على تدميرها. يضاف إلى ذلك تهجير مليون و نحو 200 الف مواطن شيعي من جنوب لبنان. مثل هذا السؤال في لبّ ما يعاني منه لبنان الذي لا يستطيع تحمّل قنبلة موقوتة تتمثل في هذا لعدد الكبير من القرى المحتلة والمدمّرة من جهة ووجود هذا العدد الكبير من النازحين من جهة أخرى. بلغة الأرقام، لغة عدد القرى والبلدات التي يسيطر عليها الإسرائيليون، بما في ذلك بنت جبيل، التي تمتلك رمزيّة خاصة بها، ليس أمام لبنان سوى استيعاب الوضع الناجم عن خسارة حربين مع إسرائيل. المفارقة أن لا علاقة، في الأصل، للبنان بهاتين الحربين مع إسرائيل. كانت الحربان، "حرب إسناد غزّة" في 2023 و"حرب إسناد إيران" في ضوء إغتيال "المرشد الأعلى" علي خامنئي في 28 شباط – فبراير 2026، جزءا من المشروع التوسعي الإيراني الذي لم ير في لبنان سوى مجرّد ورقة تلوّح بها طهران. هل لبنان على استعداد لدفع ثمن حربين فرضتا عليه فرضا وكانت نتيجتهما هزيمة ساحقة ماحقة للبلد؟ لا مجال من الهرب من هذا السؤال الذي يفرض نفسه في حال كان لبنان يتفادى مزيدا من الدمار والتهجير للناس وفي حال كان يرفض بالفعل عودة الاحتلال الإسرائيلي. فما يفترض في لبنان استيعابه أخيرا أنّ إسرائيل ليست جمعيّة خيريّة. كان لبنان في حاجة إلى إجماع وطني من أجل الإجابة عن هذا السؤال. معنى ذلك، بكلّ بساطة، أنه لا يمكن ذهاب سيمون كرم إلى واشنطن من أجل السعي إلى الإنتهاء من الاحتلال الإسرائيلي المتجدّد من دون إجماع وطني. يشمل ذلك في طبيعة الحال نبيه برّي الذي يبدو أنّه فضل، على المفاوضات المباشرة، توفير الغطاء الذي يطلبه منه "حزب الله"، الواقع تحت الهيمنة الكاملة لـ"الحرس الثوري" الإيراني. ستتابع إسرائيل اعتداءاتها على لبنان ما دام سلاح "حزب الله" موجودا وسيظل على لبنان التفكير في كيفية التخلّص من هذا السلاح. عليه عمل ذلك وصولا إلى يوم يطرح فيه على نفسه سؤالا في غاية البساطة: ما ثمن الانسحاب الإسرائيلي وتأمين عودة الناس إلى قراهم وبلداتهم الجنوبيّة... أو ما بقي منها. متى عُرف الثمن ستكون حاجة إلى موقف موحّد بدل القاء كاهل المفاوضات على رئيس الجمهوريّة والحكومة ممثلة بنواف سلام. في النهاية، ما الذي يريده لبنان؟ هل يريد استعادة أرضه من منطلق أنّ استعادة الأرض أولويّة الأولويات بالنسبة إليه... أم يريد البقاء "ساحة" إيرانيّة، أي رهينة "الحرس الثوري"؟

في سوريا، كل عدالة انتقائية هي عدالة مبتورة!

لقد جرى تصوير مسيرة الموت: فليس من المعتاد أن يُرتكب قتل جماعي بحق 288 مدنيًا بينهم 12 طفلًا! جرت الوقائع في الضاحية الجنوبية لدمشق، و«وفق الأصول». نحن في عام 2013، في حي التضامن. أكثر من 24 مقطع فيديو وثّقت مشاهد تقشعر لها الأبدان، من بينها المشهد التالي: ميليشيات موالية للنظام تقود مدنيين معصوبي الأعين ومكتوفي الأيدي إلى حافة خندق؛ ثم تدفعهم إلى داخله قبل أن تطلق النار عليهم لترديهم قتلى. وبعد ذلك، كما نُقل إلينا، تُحرق الجثث ثم تُدفن بواسطة جرافة لطمس كل أثر. وذروة الفظاعة أن هذه «الإنجازات» التي ارتكبتها جماعة آل الأسد صُوّرت بالتفصيل على أيدي الجلادين أنفسهم. غير أن هذه الفيديوهات المُدانة انتشرت، بفعل ظروف معينة، على مواقع التواصل الاجتماعي ابتداءً من عام 2022، لتصبح رمزًا لوحشية النظام. دليل إدانة يُظهر المدعو أمجد يوسف، بطل فيلم الرعب هذا، وهو يوزّع الموت بكل هدوء! العدالة الانتقائية ليست عدالة للجميع! هذا العنصر السوري الصغير، غير ذي الرتبة، اعتقلته السلطات السورية في أواخر شهر أبريل الماضي، ويمكن تخيّل الفرحة العارمة التي اجتاحت ذوي الضحايا والسكان عمومًا عند الإعلان عن توقيفه. لكن المفاجأة أنه، عندما ظهر مجددًا على شاشة التلفاز خلال برنامج بثّته وزارة الداخلية السورية، أدلى باعترافات مثيرة للدهشة: إذ تحمّل المسؤولية كاملة، وادعى أنه تصرف بمفرده، في حين كان الجميع يتوقع أن يورّط رؤساءه المباشرين لينجو بنفسه. لقد بات واضحًا للجميع أن الأمر يتعلق باعترافات انتُزعت بالقوة، بهدف التستر على بعض أركان النظام السابق الذين غيّروا ولاءاتهم. وبدأ الرأي العام يتساءل إن كانت الحكومة الحالية قد أبرمت اتفاقات مشبوهة مع هؤلاء المنشقين الذين تتداول أسماؤهم همسًا. وقيل إن ذلك ربما جرى لدواعٍ أمنية، ولضمان الاستقرار والتهدئة في بعض مناطق البلاد! لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. فقد ألمحت ألسنة خبيثة إلى أن رشاوى دُفعت لمسؤولين في الجهاز الأمني (1). ما دفع أحد الباحثين في «مركز دراسات النزاعات» بجامعة أوترخت في هولاندا إلى القول: «لقد انتقلنا من العدالة الانتقالية إلى عدالة انتقائية وشكلية» (2). فالتركيز على بعض المذنبين دون غيرهم لا يضمن شفافية العدالة. هل تصرّف من تلقاء نفسه؟ وفي مطلع شهر مايو الجاري، جرى توقيف شخصية أخرى سيئة السمعة، لكنها هذه المرة برتبة جنرال: خرضل ديوب، الذي تورط في هجوم الغوطة الشرقية بالسلاح الكيميائي في أغسطس 2013. وقد أسفر ذاك الهجوم عن نحو 1500 ضحية، بينهم أكثر من 400 طفل. ومن ينسى مشهد الجثث والزبد يخرج من الأفواه؟ لذلك، وأكثر من أي وقت مضى، باتت المحاسبة ضرورة ملحّة: فالشعب السوري من حقه معرفة الحقيقة. فلا يأتِ أحد ليقول لنا عبر التلفزيون الرسمي إن هذا الجنرال، وقد خانه تقديره، تصرف من تلقاء نفسه! 1-Michael Safi & Melvyn Ingleby, “Syria arrests suspected leader of Tadamon massacre”, The Guardian , April 24, 2026. 2--Melvyn Ingleby & William Christou, “Security or justice? Syria faces post-Assad reckoning after string of arrests”, The Guardian , May 4, 2026.