
يتتبع هذا البحث تجليات الأزمة والكارثة، منذ الكوسمولوجيات القديمة وصولاً إلى التجربة المعيشة لعالمٍ يتعرض للاهتزاز. ومن خلال إقامة حوار بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفلسفة يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وحتى إمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى بالتزعزع. ويُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، متتبعاً خيطاً فكرياً دقيقاً، لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي الجزء الثاني. كوسمولوجيا الفوضى تشكل مفهوما الأزمة والكارثة محطتين أساسيتين في التاريخ المفاهيمي للسياسة الحديثة، بوصفهما آليتين رئيستين لإضفاء القابلية على فهم الفوضى وقراءتها في سياقها التاريخي. ويعود مصطلح الأزمة إلى الكلمة اليونانية krisis ، التي كان معناها الأصلي “القرار” أو “الحكم”. وفي المعجم الطبي الهيبقراطي، يدل على اللحظة الحاسمة التي ينعطف فيها مسار الحالة المرضية نحو إحدى نهايتين محتملتين بالقدر نفسه: الشفاء أو الموت. وعندما يُنقل هذا المفهوم إلى الحقل السياسي، تصبح الأزمة نظاماً من اختلال التوازن تعجز فيه الأشكال المؤسسية للضبط عن استيعاب التوترات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الرمزية أو تحييدها. ومن ثم تكتسب الأزمة بعداً مزدوجاً: فهي كاشفة لأنها تعرّي مواطن هشاشة النظام القائم، ومنتجة لأنها تستدعي إعادة تشكيل ذلك النظام وتجديد مبادئ تماسكه.








