شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّين — العامل من أجل "لُبْنَانَ آخَر"

النص التالي هو ترجمة للكلمة التي ألقاها زميلنا ميشال حاجي جورجيو خلال حلقة نقاشية نظمها موقع 'جنوبية' يوم الجمعة ١٥ أيار في بيروت، تحيةً لذكرى الكاتب والمحلل السياسي محمد حسين شمس الدين. وقد شارك في هذا اللقاء زميلنا علي محمد حسن الأمين، مدير موقع 'جنوبية'، والوزير السابق إبراهيم محمد مهدي شمس الدين، والكاتب والمحلل السياسي هشام دبسي، والكاتب والمحلل السياسي حسن بزيح. والهدف من هذا النص هو وضع فكر شمس الدين ونتاجه في سياق استمرارية الإرث التاريخي والسياسي والأخلاقي اللبنانوي والدولتي لعلماء جبل عامل. ايها الاصدقاء أَوَدُّ، بَادِئَ ذِي بَدْءٍ، أَنْ أَشْكُرَ السَّيِّدَ عَلِيَّ الأَمِينَ عَلَى هَذِهِ الْمُبَادَرَةِ فِي تَكْرِيمِ صَدِيقِنَا مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ، وَعَلَى دعوتي لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ، لَا سِيَّمَا فِي حَضْرَةِ شَخْصِيَّاتٍ بِهَذَا الْمُسْتَوَى أَكِنُّ لَهَا جَمِيعًا احْتِرَامًا عَمِيقًا. مُحَمَّد حُسَيْن هُوَ بِلَا شَكٍّ أَحَدُ مُعَلِّمِيَّ، وَإِلَيْهِ يَعُودُ فَضْلُ الْكَثِيرِ من الخبرة التي اكتسبتها ومن تكوين ماهية الفكرة اللبنانيّة لديّ خِلَالَ الْعَقْدَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ، مُنْذُ الْمَرْحَلَةِ الَّتِي أَعْقَبَتْ بَيَانَ الْمَطَارِنَةِ الْمَوَارِنَةِ عَامَ أَلْفَيْنِ وَأَفْضَتْ إِلَى الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ آذَارَ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ. وَأَوَدُّ أَنْ أَغْتَنِمَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ — لِأَنَّ مُحَمَّد حُسَيْن كَانَ “يَعِيشُ الآخَرَ” إِلَى حَدٍّ لَمْ يَعُدْ يُمَيِّزُ فِيهِ بَيْنَ عَمَلِهِ وَعَمَلِ رُفَقَائِهِ فِي الْمَسِيرَةِ — لِأُحَيِّيَ ذَاكِرَةَ هَؤُلَاءِ الرُّفَقَاءِ. فَالْحَدِيثُ عَنْ مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ هُوَ حَدِيثٌ، فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، عَنْ سَمِير فَرَنْجِيَّةَ وَنَصِير الأَسْعَدِ وَسَعُودَ الْمَوْلَى وَفَارِسَ سَعِيدٍ وَطُونِي خُوَاجَةَ، وَعَنْ كُلِّ الَّذِينَ، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، أَسْهَمُوا فِي تَأْسِيسِ الْمُؤْتَمَرِ الدَّائِمِ لِلْحِوَارِ اللُّبْنَانِيِّ فِي مَطْلَعِ تِسْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي. وَهُوَ حَدِيثٌ، طَبْعًا، عَنِ السَّيِّدِ هَانِي فَحْصٍ وَالسَّيِّدِ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ جَمِيعًا الإِمَامُ مُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ. وَلَا بُدَّ، بموجب رمزيّة المكان الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، مِنْ أَنْ نُحَيِّيَ ذِكْرَاهُمْ. وَأَطْلُبُ مِنْ حَاضِرِيَّ الْكِرَامِ بَعْضَ التَّسَامُحِ وَالصَّفْحِ، إِذْ إِنَّنِي، فِي حَدِيثِي عَنْ مُحَمَّد حُسَيْن، أَتَحَدَّثُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عَنْ تَقْلِيدٍ لَا أَزَالُ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ بِبُطْءٍ وَتَأَنٍّ، بِفَضْلِ أَصْدِقَائِي وَشُيُوخِي الشِّيعَةِ — تَقْلِيدُ جَبَلِ عَامِلٍ، ذَلِكَ الْمَنْبَعُ النَّيِّرُ الَّذِي لَا يَنْضُبُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْفِقْهِ. تَقْلِيدٌ أَشَدُّ رُسُوخًا مِنْ كُلِّ الْمِحَنِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا فِي الْمَاضِي، وَمِنْ تِلْكَ الَّتِي تُمَزِّقُهُ الْيَوْمَ. وَضِيَاءُ هَذِهِ الثَّقَافَةِ الإِنْسَانِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ الأَصِيلَةِ سَيَتَجَاوَزُ بِلَا شَكٍّ هَذِهِ الْمِحْنَةَ مِنَ النَّارِ وَالدَّمِ الَّتِي تَعِيشُهَا مَرَّةً أُخْرَى. رَحَلَ مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ كَمَا عَاشَ — عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، فِي هُدُوءٍ وَتَوَاضُعٍ، مِنْ غَيْرِ مَدِيحٍ مُبَالَغٍ فِيهِ وَلَا مَرَاثٍ، أَوْ فِي أَضْيَقِ الْحُدُودِ. لَمْ يَصْحُ فِي الصَّبَاحِ الَّذِي كَانَ فِيهِ لُبْنَانُ مُقْبِلًا، مَرَّةً أُخْرَى، عَلَى أَنْ يُذْبَحَ عَلَى مَذْبَحِ مَرَضَيْنِ اثْنَيْنِ: مَرَضٍ اسْتِشْهَادِيٍّ وَآخَرَ إِبَادِيٍّ. كَمُعَلِّمٍ أَنْجَزَ مُهِمَّتَهُ وَرَحَلَ، مِنْ غَيْرِ ارْتِيَاحِ الْيَقِينِ بِأَنَّ إِرْثَهُ وَفِكْرَهُ سَيَبْقَيَانِ بَعْدَهُ. مثله مثل كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الَّذِينَ نَاضَلُوا طَوَالَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَمِرَّ لُبْنَانُ الْكَبِيرُ السَّيِّدُ وَعَيْشُهُ الْمُشْتَرَكُ فِي الْوُجُودِ، يَرْحَلُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ حَتَّى إِنْ كَانَ لُبْنَانُ نَفْسُهُ سَيَبْقَى حَيًّا. وَهَذَا بِالتَّأْكِيدِ أَحَدُ عَنَاصِرِ الشَّقَاءِ اللُّبْنَانِيِّ: وَبَعْدَ مِئَةِ عَامٍ مِنْ تَأْسِيسِ دَوْلَتِهِ، حَتَّى لُبْنَانُ نَفْسُهُ لَا يَزَالُ مُهَدَّدًا بِالزَّوَالِ. وَهَا نَحْنُ نَشْهَدُ الآنَ، أَمَامَ أَعْيُنِنَا، كَيْفَ عَادَ جُزْءٌ مِنْ أَرْضِهِ، عَزِيزٌ عَلَى قَلْبِي، مَهْدُ الثَّقَافَةِ الَّتِي أُرِيدُ أَنْ أَتَحَدَّثَ عَنْهَا مِنْ خِلَالِ شَمْس الدِّينِ، إِلَى مَصَافِّ الرَّمَادِ وَالْغُبَارِ بِشَكْلٍ إِجْرَامِيٍّ. إنّها لعنةُ لبنان. إنها لعنةُ قابيل لَمْ يَكُنِ الْمُعَلِّمُ — وَهَكَذَا كَانَ يُقْتَرَبُ مِنْهُ — مُجَرَّدَ مُفَكِّرٍ. كَانَ مُرَبِّيًا وَمُعَلِّمًا، يَتَعَامَلُ مَعَ مَنْ حَوْلَهُ بِقَدْرِ ثَقَافَتِهِمْ وَمُسْتَوَى تَفْكِيرِهِمْ، يُقَدِّمُ مَعْرِفَتَهُ لَا اسْتِعْرَاضًا بَلْ خِدْمَةً. دَقِيقٌ، صَارِمٌ، مُوجَزٌ، لَا يُسْرِفُ فِي الْكَلَامِ. لَكِنَّهُ يُسْرِفُ فِي الْمَعْنَى. وَيَتْرُكُكَ دَائِمًا بِأَكْثَرَ مِمَّا جِئْتَ بِهِ. بل كان شَيْئًا أَصْعَبَ مِنْ ذَلِكَ: مُفَكِّرًا سِيَاسِيًّا يُقَدِّمُ عَمَلَهُ هَدِيَّةً لِلآخَرِينَ دُونَ أَنْ يُطَالِبَ بِشَيْءٍ فِي الْمُقَابِلِ. كُلُّ الأَدَبِ السِّيَاسِيِّ الَّذِي بَنَيْنَا عَلَيْهِ مَسِيرَةَ السِّيَادَةِ وَالاسْتِقْلَالِ منذ التسعينات — مِنْ وَثَائِقِ تَجَمُّعِ قَرْنَةَ شَهْوَانَ إِلَى بَيَانَاتِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ آذَارَ، مُرُورًا بِنِدَاءِ بَيْرُوتَ أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعَةٍ وَالْبَيَانَاتِ الْخِتَامِيَّةِ لِلْمُؤْتَمَرَاتِ السَّنَوِيَّةِ — وُلِدَ عَلَى طَاوِلَةِ محمد أو مرّ بين يديه، نبع مِنْ ذَلِكَ الْعَقْلِ غير المنفصل عن عقل زملائه. أيها الأصدقاء، يُشَرِّفُنِي أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ شَمْس الدِّينِ بَيْنَنَا اللَّيْلَةَ. فَمُحَمَّد حُسَيْن كَانَ مِنْ تَلَامِيذِ الإِمَامِ مُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ، وَرِثَ عَنْهُ مَا هُوَ أَثْمَنُ مِنْ أَيِّ مَنْصِبٍ: الإِيمَانُ بِأَنَّ وِلَايَةَ الأُمَّةِ تَعْلُو عَلَى وِلَايَةِ الْفَقِيهِ، وَالثِّقَةُ بِأَنَّ الطَّرِيقَ الشِّيعِيَّ فِي لُبْنَانَ لَا يَمُرُّ بِطَهْرَانَ بَلْ بِالْمِيثَاقِ اللُّبْنَانِيِّ. هَذِهِ الْقَنَاعَةُ لَمْ تَكُنْ وَلِيدَةَ اللَّحْظَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَحْدَهَا. هِيَ ذَاكِرَةٌ تَمْتَدُّ مِنْ جَبَلِ عَامِلٍ إِلَى الْحَاضِرِ، عَبْرَ سِلْسِلَةٍ فِكْرِيَّةٍ بَدَأَتْ مَعَ السَّيِّدِ مُحْسِن الأَمِينِ، وَمَرَّتْ بِالإِمَامِ مُوسَى الصَّدْرِ، وَبَلَغَتْ عُمْقَهَا مَعَ الإِمَامِ مُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ، ثُمَّ وَجَدَتْ تَرْجَمَتَهَا النَّقْدِيَّةَ فِي تَأَمُّلَاتِ السَّيِّدِ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينِ — رَحِمَهُ اللهُ — الَّذِي نَعِيشُ اللَّيْلَةَ فِي فَضَاءِ مَا أَسَّسَهُ، وَفِي حَضْرَةِ نَجْلِهِ السَّيِّدِ عَلِيٍّ. هَذِهِ السِّلْسِلَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَارِيخِ أَفْكَارٍ. هِيَ إِجَابَةٌ عَلَى سُؤَالٍ يَعِيشُهُ الشِّيعَةُ اللُّبْنَانِيُّونَ الْيَوْمَ فِي قَلْبِ الْحَرْبِ: إلى ما يرمز الإِمَامُ الْحُسَيْنُ؟ وَما معنى كَرْبَلَاء. سَأَلَ السَّيِّدُ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينُ هَذَا السُّؤَالَ في محاضرته بطيردبّا عام 1993، وطرحه بدقة من يعرف حدود اليقين. وجوابه أن عاشوراء ذاكرة حية — لكنها تموت في الاستخدام الخاطئ. حين تتحوّل إلى مجرد طقس، إلى “مشجبٍ لتعليق أحزان جديدة”، إلى مناسبةٍ لتفجير حزن متراكم يتغذّى من خيبة تتلو خيبة — تكفّ كربلاء عن أن تكون طاقةً محركة وتصير ثقلاً. وحذّر من طريقَين كلاهما خاطئ: الأول يجعل من الحاضر صورةً مكررة من التاريخ، واهماً “أن مجرد استحضار كربلاء كفيل بأن يُنشئ في عصرنا حركة انحياز شاملة لقضايا الحق والعدل”. والثاني ينسف العلاقة بين الحاضر والماضي كلياً، فيُحيل كربلاء إلى سردية مأساوية لا غير. والطريق الثالث — طريقه — هو قراءة الحدث في شروطه التاريخية لاستخلاص ما ثبت من الدوافع الإنسانية عبر الزمن: الحرية، والعدل، والكرامة. فما جوهر كربلاء في هذه القراءة؟ عبّر عنه السَّيِّدُ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينُ بِصُورَةٍ لَا تُنْسَى: الْحُسَيْنُ رَأَى “جَوْهَرَةَ الْعَدْلِ وَالْوَحْدَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمُسَاوَاةِ تُسْرَقُ مِنَ الدِّينِ تَحْتَ شِعَارِ الدِّينِ نَفْسِهِ”. رَأَى الإِسْلَامَ يُوَظَّفُ لِتَغْطِيَةِ نَقِيضِهِ. رَأَى الْفُقَهَاءَ يُفْتُونَ وَالْقُرْآنَ يُتْلَى وَصَوْتَ الأَذَانِ يَدْوِي — وَخَلْفَ هَذَا كُلِّهِ سُلْطَةٌ تَنْهَبُ وَتَسْتَبِدُّ وَتُبِيدُ. وَسَأَلَ: “مَاذَا كَانَ يَسَعُ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْمُرَعِبَةَ أَنْ يَفْعَلَ؟” لَمْ يَذْهَبِ الْحُسَيْنُ إِلَى كَرْبَلَاءَ طَلَبًا لِلْمَوْتِ. ذَهَبَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَحْيَا عَلَى نَقِيضِ مَا هُوَ. رَفَضَ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ، وَكَانَ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يُبَايِعَ فَيَعِيشَ — لَكِنْ عَلَى أَيِّ حَيَاةٍ؟ عَلَى حَيَاةٍ تَقْبَلُ الظُّلْمَ شَرْطًا لِلاسْتِمْرَارِ. هَذَا الْخِيَارُ لَمْ يَكُنْ مُتَاحًا لَهُ. لِأَنَّ الْغَايَةَ لَمْ تَكُنِ الْمَوْتَ — كَانَتْ رَفْضَ الْكَذِبِ. وَالْمَوْتُ كَانَ مَا اقْتَضَاهُ هَذَا الرَّفْضُ، لَا مَا طَلَبَهُ. هَذَا مَا قَالَهُ هُوَ نَفْسُهُ: “إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلَا بَطِرًا وَلَا مُفْسِدًا وَلَا ظَالِمًا، إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي”. رُبَّ قَائِلٍ يقول إن الإمام المعصوم يعلم بمصيره مسبقاً، وإن هذا العلم يجعل الموت اختياراً لا عاقبة. والجواب أن العصمة ليست جبراً — هي انسجام مطلق بين الفعل والحقيقة. الحسين لم يقبل الموت، بل رفض الكذب، والموت كان ما اقتضاه هذا الرفض. وفي التجربة المسيحية ما يضيء هذا: المسيح يعلم بمصيره ومع ذلك لا يُقال إنه طلب الموت، بل إنه رفض خيانة الحقيقة؛ والعلم بالمصير لا يجعل الموت غايةً، يجعله شهادةً على أن ثمة ما هو أعظم من الخوف منه. وشهادة الحسين هي ما أسماه رينيه جيرار “الفارماكوس” — التضحية التي لا تُعيد إنتاج العنف بل تفضح آليّته وتُبطلها. ثَمَّةَ سَرِقَةٌ ثَانِيَةٌ أَشَارَ إِلَيْهَا السَّيِّدُ مُحَمَّد حَسَن الأَمِينُ: سَرِقَةُ عَقِيدَةِ الاخْتِيَارِ. مُعَاوِيَةُ “هُوَ أَوَّلُ حَاكِمٍ فِي الإِسْلَامِ يُعْمِلُ مِعْوَلَ الْهَدْمِ بِأَسْمَى عَقِيدَةٍ جَاءَ بِهَا الإِسْلَامُ هِيَ عَقِيدَةُ الاخْتِيَارِ” — فَحَوَّلَ الظُّلْمَ إِلَى قَضَاءٍ وَالاعْتِرَاضَ إِلَى كُفْرٍ. وَالْحُسَيْنُ ثَارَ عَلَى هَذَا تَحْدِيدًا: عَلَى تَطْبِيعِ الظُّلْمِ وَتَقْدِيسِهِ وَجَعْلِهِ إِرَادَةَ اللهِ. هَذَا التَّشْخِيصُ يَكْتَسِبُ الْيَوْمَ حِدَّةً لَا تُحْتَمَلُ. الَّذِينَ يَخُوضُونَ الْحَرْبَ بِاسْمِ الْحُسَيْنِ يُعِيدُونَ إِنْتَاجَ مَا قَاوَمَهُ: يَجْعَلُونَ مِنَ الْحَرْبِ قَدَرًا وَمِنَ الشَّهَادَةِ فَرِيضَةً وَمِنَ الْمُعَارَضَةِ خِيَانَةً. يَسْرِقُونَ الْجَوْهَرَةَ مَرَّةً أُخْرَى، تَحْتَ شِعَارِ الْجَوْهَرَةِ نَفْسِهَا. وَأَسْمَحُ لِي، وَإِبْرَاهِيمُ شَمْس الدِّينِ بَيْنَنَا اللَّيْلَةَ، أَنْ أَسْتَحْضِرَ مَا قَالَهُ فِي جَبِّ جَنِّينَ عَامَ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِيَةٍ، وَقَدْ نَقَلْتُهُ فِي كِتَابَاتِي آنَذَاكَ: إِنَّ اللهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَشَرِ لِيُدَافِعُوا عَنْهُ. وَلَا أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَقُولَ: أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ شُهَدَاءَ فَأَنَا أَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ. الإِلَهُ الضَّعِيفُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى دِمَائِنَا لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ. وكأنك تكتب عمّا يحصل كل يوم… مُنْذُ مَطْلَعِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، رَأَى السَّيِّدُ مُحْسِن الأَمِينُ أَنَّ الطُّقُوسَ الَّتِي حَوَّلَتْ ذِكْرَى كَرْبَلَاءَ إِلَى دَمٍ يُسْفَكُ كُلَّ عَامٍ فِي شَوَارِعِ التَّطْبِيرِ هِيَ تَشْوِيهٌ لِمَعْنَى الشَّهَادَةِ الْحُسَيْنِيَّةِ — تَضَعُ الْمَوْتَ فِي مَرْكَزِ الْمَشْهَدِ حِينَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَامَةُ فِي الْمَرْكَزِ. تَلَقَّى عَلَى هَذَا الْمَوْقِفِ اتِّهَامَاتٍ بِالزَّنْدَقَةِ مِنْ أَوْسَاطِ عُلَمَاءِ جَبَلِ عَامِلٍ أَنْفُسِهِمْ. وَمَضَى فِي مَا رَأَى. وَبَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ، كَانَ الشَّيْخُ مُحَمَّد جَوَادَ مُغْنِيَّةَ — الْفَقِيهُ الْعَامِلِيُّ اللُّبْنَانِيُّ — أَوَّلَ مَنْ رَدَّ عَلَى وِلَايَةِ الْفَقِيهِ الْخُمَيْنِيَّةِ بِمُعَالَجَةٍ فِقْهِيَّةٍ مَكْتُوبَةٍ صَرِيحَةٍ، يُؤَكِّدُ فِيهَا أَنَّ السُّلْطَةَ السِّيَاسِيَّةَ فِي زَمَنِ الْغَيْبَةِ تَعُودُ إِلَى الأُمَّةِ لَا إِلَى الْفَقِيهِ. كَتَبَ ذَلِكَ عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَتِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ قُبَيْلَ وَفَاتِهِ، فِي لَحْظَةٍ كَانَتْ فِيهَا الْمُعَارَضَةُ لِخُمَيْنِي مَا تَزَالُ مُمْكِنَةً. وَأَتَمَّ الإِمَامُ مُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ هَذِهِ الدَّائِرَةَ فِي وَصَايَاهُ وَفِي مُؤَلَّفِهِ نِظَامُ الْحُكْمِ وَالإِدَارَةِ فِي الإِسْلَامِ، حَيْثُ مَيَّزَ بَيْنَ وِلَايَةِ الْفَقِيهِ الْمُطْلَقَةِ — حُكْمِ الْفَقِيهِ عَلَى الدَّوْلَةِ وَالْمُجْتَمَعِ — وَبَيْنَ وِلَايَةِ الأُمَّةِ عَلَى نَفْسِهَا فِي زَمَنِ الْغَيْبَةِ. وَطَالَبَ الشِّيعَةَ اللُّبْنَانِيِّينَ فِي وَصَايَاهُ بِأَنْ يَكُونَ انْتِمَاؤُهُمُ الْوَطَنِيُّ هُوَ الأَسَاسَ — لُبْنَانَ وَطَنًا نِهَائِيًّا لَا تَعْلُو عَلَيْهِ وِلَايَةٌ أُخْرَى. وَمُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ هُوَ مَنْ حَوَّلَ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ إِلَى أَدَبٍ سِيَاسِيٍّ عَمَلِيٍّ في صلب مشروع لبناني وطني إنساني أممي. إِذَا كَانَ مُحْسِن الأَمِينُ قَدْ أَصْلَحَ طَقْسَ الذَّاكِرَةِ، وَمُوسَى الصَّدْرُ أَعْطَى الشِّيعَةَ كَرَامَتَهُمُ الاجْتِمَاعِيَّةَ، وَمُغْنِيَّةُ وَشَمْسُ الدِّينِ وَضَعَا الإِطَارَ الْفِقْهِيَّ لِلرَّفْضِ، وَمُحَمَّد حَسَن الأَمِينُ كَشَفَ كَيْفَ يُسْرَقُ اسْمُ الْحُسَيْنِ لِتَغْطِيَةِ مَا نَاضَلَ الْحُسَيْنُ ضِدَّهُ — فَإِنَّ مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ هُوَ مَنْ بَنَى بِهَذِهِ الْمَوَادِّ كُلِّهَا الْمَعْمَارَ السِّيَاسِيَّ: الدَّوْلَةُ اللُّبْنَانِيَّةُ، الدَّوْلَةُ لِكُلِّ أَبْنَائِهَا، الدَّوْلَةُ الَّتِي تَكْفُلُ التَّنَوُّعَ وَلَا تَهْضِمُهُ، والتي تحرص على الجماعات والأفراد في ظلّ تكاملٍ ثقافي طبيعي مبني على حسن إدارة نموذج العيش المشترك وعلى فكرة الهوية المركّبة وثقافة التعاطف “empathie”. ما يجعل من لبنان ما كان يسميه رونيه ماهو “un style de civilisation”. وكان لهذا البناء السياسي ركيزةٌ فلسفية لا يتنازل عنها: لا حلَّ شيعياً خالصاً للمشكلة الشيعية. مشاكل كل طائفة في لبنان هي مشاكل اللبنانيين جميعاً، ولا تُحلّ بمنطق الانكفاء الطائفي والهوياتي، بل بمنطق الحل الوطني التعابري الذي يتجاوز الطائفة ويطال المجتمع بأسره. في هذا يستمرّ محمد حسين في منطق الإمام محمد مهدي شمس الدين العاملي اللبناني: الدولة وحدها هي المشروع، وهي الضامن الوحيد الصالح لجميع المكوّنات — وللشيعة قبل سواهم. وهذا الكلام ليس كلاماً للتاريخ وحده: إنه ردٌّ مباشر على كل من يبحث اليوم عن “حلٍّ شيعي للمشكلة الشيعية”، أو يُراهن على مخرج طائفي ضيّق ينقذ جماعةً على حساب الكيان والعيش المشترك. منسجماً مع نفسه ورؤيته للبنان، عمل محمد مع رفاقه بنجاح لكسر كلّ المتاريس ودمج الفكر العاملي بطوق نصرالله صفير إلى الحرية وحسن خالد إلى العدالة والمساواة. فضرب بعرض الحائط دوامة العنف الرمزي الموروث من الحرب، والذي لطالما استعملته معظم قوى الاحتلال من أجل منع أي مصالحة لبنانية. ديناميّةُ إعادة نسيج الوحدة الوطنيّة أغضبت سلطة الوصاية، وخاصةً نداء بيروت 2004. لكن المصالحة انتصرت على العنف والكراهية في يوم 14 آذار 2005. غير أن محمد حسين لم يكن يُخفي خيبته من مآلات تلك المرحلة. كان يرى في مديونية الطبقة السياسية اللبنانية وهروبها من المسؤولية أحد الأسباب الجوهرية لانتكاسة مشروع السيادة. وقد تجلّى ذلك في مشروع قانون الانتخاب “الأرثوذكسي” الذي عمّق الطائفية، ثم في الصفقات الرخيصة التي أوصلت ميشال عون إلى الرئاسة وأعطت حزب الله حرية التصرف. لم يكن يرى في ذلك مجرد أخطاء تكتيكية، بل إفلاساً سياسياً وأخلاقياً — إذ إن الزعامات على رأس جماعاتها، من فرط غياب المسؤولية وضعف إيمانها بقدرتها الذاتية على نسج التفاهمات الداخلية، ومن خوف الواحد من الآخر، تلجأ إلى راعٍ إقليمي يزوّدها بالمال والسلاح وفوائد القوة لتستقوي على شركائها وتهيمن عليهم. وهذا دليلٌ قاطع على وهنٍ يتخفّى باسم البحث عن قوة، لا يُفضي إلا إلى النكبة والنكسة، ومن ثمّ الإحباط. لماذا هذا الإصرار على المصالحة رغم كل ذلك؟ وَكَانَتْ لَهُ قَاعِدَةٌ ذهبية يُرَدِّدُهَا مُسْتَعِيرًا إِيَّاهَا مِنْ حَمِيد فَرَنْجِيَّةَ: “إذا اتَّفَقَ اللُّبْنَانِيُّونَ على الشرّ أصبح خَيْرًا؛ وإذا اخْتَلَفُوا على الخير، أصبح شَرًّا”. وَالتَّوَافُقُ عِنْدَهُ لَيْسَ أُسْلُوبًا مِنْ بَيْنِ أَسَالِيبَ: هُوَ شَرْطُ وُجُودِ لُبْنَانَ نَفْسِهِ. وَصَدِيقِي هِشَامُ دَبْسِي يَعْرِفُ أَنَّ مُحَمَّد حُسَيْن بَدَأَ حَيَاتَهُ السِّيَاسِيَّةَ مُنَاضِلًا فِي صُفُوفِ الْفَتْحِ، وَمُؤَسِّسًا لِلْمُنَظَّمَةِ الشَّعْبِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ فِي الْجَنُوبِ. إنه، شأنه شأن سمير فرنجية، أتمّ رحلته إلى أقاصي العنف — عرف ما يعني أن تؤمن بالسلاح طريقاً للتغيير — قبل أن يُدير ظهره له ببرودة المقتنع لا بضعف التائب. وَكَتَبَ عَنْ سَمِير فَرَنْجِيَّةَ وَهَانِي فَحْصٍ يَصِفُ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْسَهُ: تِلْكَ الرِّحْلَةُ مِنَ الأَحْمَرِ إِلَى الأَبْيَضِ، مِنَ الْفَتْحِ إِلَى بِنَاءِ الثَّقَافَةِ الْوَطَنِيَّةِ الْجَامِعَةِ. وَكَانَ يَرَى أَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ غِيَابِ الْحَرْبِ، بَلْ “أَرْقَى مَرَاتِبِ الأَخْلَاقِ وَرِسَالَتُهَا الأَسْمَى”. فِي اللَّيْلَةِ ذَاتِهَا الَّتِي أَطْلَقَ فِيهَا حِزْبُ اللهِ حَرْبَهُ العبثية والتائهة، غَادَرَنَا مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّينِ. وَكَادَ رَحِيلُهُ يَمُرُّ دُونَ أَنْ يُلْحَظَ فِي زَحْمَةِ مَا كَانَ يَجْرِي. لَكِنَّ فِي هَذَا التَّقَاطُعِ مَعْنًى وَاضِحًا: مَا نَاضَلَ ضِدَّهُ فِكْرِيًّا طَوَالَ مَسِيرَتِهِ — قِرَاءَةُ الْحُسَيْنِ بِوَصْفِهِ بَطَلَ الْمَوْتِ، وَإِيرَانُ بِوَصْفِهَا مَرْجِعًا، وَجَوْهَرَةُ الْعَدْلِ مَسْرُوقَةً مِنْ جَدِيدٍ تَحْتَ شِعَارِ الْجَوْهَرَةِ نَفْسِهَا — هُوَ مَا انْفَجَرَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. نَحْنُ الْيَوْمَ لَسْنَا نَسْتَذْكِرُ فَحَسْبُ. نَقُولُ إِنَّ الْحُسَيْنَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ الْحَيَاةِ لَا مِنْ أَجْلِ الْمَوْتِ. وَنَقُولُ إِنَّ الشِّيعِيَّةَ اللُّبْنَانِيَّةَ — شِيعِيَّةُ جَبَلِ عَامِلٍ، شِيعِيَّةُ مُحْسِن الأَمِينِ وَمُوسَى الصَّدْرِ وَمُغْنِيَّةَ وَمُحَمَّد مَهْدِي شَمْس الدِّينِ وَهَانِي فَحْصٍ وَمُحَمَّد حَسَن الأَمِينِ — لَيْسَتِ امْتِدَادًا لِمَشْرُوعٍ إِمْبَرَاطُورِيٍّ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ نَسِيجِ هَذَا الْوَطَنِ الصَّعْبِ وَالضَّرُورِيِّ. التَّارِيخُ لَنْ يَنْسَى أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ النَّحِيلَ، الْجَالِسَ بَيْنَ كُوبِ الْقَهْوَةِ وَسِيجَارَتِهِ، كَانَ يَبْنِي — بِيَدَيْهِ وَعَقْلِهِ وَفِي صَمْتٍ كَامِلٍ — الأَرْضِيَّةَ الْفِكْرِيَّةَ لِمَشْرُوعٍ لُبْنَانِيٍّ وَاحِدٍ: لُبْنَانُ الَّذِي لَا يَقُومُ عَلَى تَوَازُنِ الْقُوَى، بَلْ عَلَى قُوَّةِ التَّوَازُنِ. بكل تأكيد، سينجلي هذا الليل الطويل، ويبزغُ نورُ التوازن والعقلانية والعيش المشترك كي يعود لبنان الكبير ذلك النمط الحضاري الفريد الذّي لطالما حلُم به وعمل من أجله محمد، سمير ورفاقهم وملهميهم.

ملف المبعدين إلى إسرائيل: جرح الهوية النازف في غياب العدالة الانتقالية

يشكّل ملف اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل واحدًا من أكثر الملفات اللبنانية تعقيدًا وحساسية، لكونه يتقاطع مع ثلاثة أبعاد متشابكة: تداعيات الاحتلالين السوري والإسرائيلي، ومخلّفات الحرب الداخلية، والانقسام العميق حول مفاهيم الدولة والسيادة والعدالة. لقد غابت الدولة عن الجنوب لعقود، تاركةً السكان في مهبّ التجاذبات بين الاحتلال وسلاح الميليشيات. وعندما عادت بعد التحرير، حضرت بمنطق أمني وقضائي صارم، مفتقرةً إلى روح المصالحة الوطنية الشاملة. ولهذا السبب، بقي الملف جرحًا مفتوحًا، لأن لبنان لم يخض تجربة حقيقية للعدالة الانتقالية تليق بمرحلة ما بعد الحرب والاحتلالات المتعددة. إنسانيًا، لا يمكن تجاهل المأساة التي عاشها آلاف الأشخاص وعائلاتهم، والتي تمثلت في: • الاقتلاع القسري من بيئتهم الطبيعية. • الانفصال الموحش عن الأهل والقرى. • أزمة الهوية والانتماء، والحياة المعلّقة بين بلدين. ويعيش الأبناء الذين وُلدوا أو نشأوا هناك أزمة مركّبة؛ فهم لم يندمجوا كليًا في ذلك المجتمع، وفي الوقت ذاته ينظر البعض إليهم، في وطنهم الأم لبنان، بريبة وعداء. وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والجوهري: هل يجوز أن تمتدّ المسؤولية القانونية والسياسية لتشمل الزوجات والأبناء والأحفاد؟ إن هناك عائلات كاملة تدفع اليوم ثمن خيارات فرضتها ظروف قاهرة على بعض أفرادها، رغم أن معظمهم لم يحمل سلاحًا ولم ينخرط في أي نشاط أمني. ولإيضاح الصورة أكثر، يجب التأكيد على حقائق ثابتة: 1. أصالة الهوية: هؤلاء لبنانيون أصيلون، وليسوا غرباء أو طارئين على هذه الأرض. 2. خيار الحياة: لم يذهبوا إلى إسرائيل رغبةً، بل نفيًا قسريًا؛ إذ وُضعوا أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما مواجهة التهديدات بالتصفية الجسدية التي أطلقها الخصوم آنذاك ( السيد حسن نصرالله: "سنذبحكم في فراشكم")، وإما العيش في غربة قاسية بعيدًا عن الوطن والأحباء، فاختاروا البقاء على قيد الحياة. 3. غياب الدولة: لم يتآمروا على الدولة، بل إن الدولة هي التي تخلّت عنهم، حين تركتهم لقمة سائغة تحت تأثير الاحتلالات والوصايات الخارجية. 4. السجلّ المسالم: هؤلاء لم يتورّطوا في اغتيال رؤساء حكومات، ولا في تصفية نواب سياديين، ولم يفجّروا مساجد أو مرافق عامة. بين العدالة والانتقام إن الفرق الجوهري يكمن في التمييز بين العدالة القائمة على المحاسبة الفردية، وبين الانتقام الجماعي والنبذ الدائم. فالعدالة تقوم على تحديد المسؤوليات الفردية بدقة، وضمان المحاكمات العادلة، ورفض مبدأ "توريث التهمة" للأجيال اللاحقة. الخلاصة السياسية والإنسانية إن هذا الملف لا يُحلّ بالشعارات التخوينية، بل يتطلّب مقاربة "دولة حقيقية" تستند إلى: 1. الاعتراف بخصوصية مرحلة الاحتلال والظروف الضاغطة التي رافقتها. 2. التمييز الواضح بين من ارتكب جرائم فعلية ومن كان ضحية للظروف. 3. احترام القضاء اللبناني المستقل وسيادة القانون. 4. معالجة البعد الإنساني للعائلات والأبناء بعيدًا عن منطق الثأر والكراهية. إن ملف المبعدين إلى إسرائيل لا يمكن، ولا يجوز، أن يكون جزءًا من أي ملف آخر، لأن الخصم الحقيقي فيه هو الدولة اللبنانية نفسها، لا أي جهة أخرى. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والمعنوية تقع أولًا على عاتق رئيس الجمهورية، بصفته رأس الدولة والمعنيّ الأساسي بأمن الوطن وسلامته، وبمصير جميع أبنائه من دون استثناء. ومن اختار يومًا المواجهة مع إسرائيل دفاعًا عن الكرامة والسيادة، لا يجوز أن يعجز اليوم عن إيجاد سبيل لاستعادة أبنائه من المنافي القسرية، وإعادتهم إلى وطنهم تحت سقف القانون والعدالة والمصالحة الوطنية. في النهاية، يبقى التحدّي الأساسي أمام لبنان هو الانتقال من ذاكرة الحرب والانقسام إلى رحاب الدولة القادرة على الجمع بين العدالة والمصالحة، من دون التفريط بالسيادة أو بالكرامة الإنسانية لمواطنيها.

مفاوضات واشنطن: سياسة الخطوات الصغيرة

لم يكن من المتوقع بطبيعة الحال أن تُفضي الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة اللبنانية ـ الإسرائيلية، التي عُقدت الخميس والجمعة في وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، إلى نتائج أو قرارات دراماتيكية. غير أنّ مجرد انعقاد هذه المحادثات الثنائية وجهاً لوجه في واشنطن، برعاية الإدارة الأميركية، يشكّل بحد ذاته تقدّماً مهماً. وإلى هذا البعد الرمزي السياسي، أضيفت بعض المؤشرات التي ظهرت مساء الجمعة عقب الاجتماعات الماراتونية التي عقدها الوفدان اللبناني والإسرائيلي. فقد شددت وزارة الخارجية الأميركية على أنّ المباحثات جرت في «أجواء إيجابية فاقت حتى توقعاتنا». وفي السياق نفسه، أعلنت السفارة اللبنانية في العاصمة الفدرالية أنّها «ترحّب بنتائج المناقشات» مع إسرائيل، موضحة أنّ هذه المفاوضات تندرج ضمن «مسار سياسي» من شأنه أن يفضي إلى حلّ إيجابي للنزاع القائم، بما يضمن استعادة الدولة اللبنانية سيادتها «بقواها الذاتية». أما السفير الإسرائيلي في واشنطن، فقد أكد أنّ فرص نجاح المفاوضات مع لبنان «كبيرة». وعملياً، أفضى اجتماع الجمعة الماراتوني إلى سلسلة إجراءات عملية، أبرزها: تمديد «وقف الأعمال العدائية» لمدة 45 يوماً؛ دعوة الضباط والخبراء العسكريين من البلدين إلى اجتماع يُعقد في 29 مايو/أيار في البنتاغون لإطلاق «مسار أمني بين لبنان وإسرائيل»؛ إضافة إلى تحديد موعد جولة جديدة من المفاوضات يومي 2 و3 يونيو/حزيران المقبل في وزارة الخارجية الأميركية. وفي غياب قرارات سريعة أو استثنائية، يبدو أنّ الوسيط الأميركي يعتمد مقاربة واقعية تقوم على «سياسة الخطوات الصغيرة» (العزيزة على هنري كيسنجر)، والهادفة إلى بناء مناخ تدريجي من الثقة والتعاون المثمر بين البلدين. تعديل تسمية عطلة 25 أيار/مايو ومن اللافت، على هامش أجواء المسار الجاري في واشنطن، أنّ رئيس الحكومة نواف سلام اتخذ الجمعة خطوة رمزية، وإن بدت شكلية، إلا أنّ دلالاتها السياسية ليست عابرة. فقد أصدر مذكرة إدارية تؤكد عطلة 25 مايو/أيار، التي كانت تُحيى في السنوات السابقة، منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، تحت عنوان «عيد المقاومة والتحرير». أما هذا العام، فلم تتضمن مذكرة رئيس الحكومة أي إشارة إلى «المقاومة» أو «التحرير»، بل شددت على أنّ العطلة ستكون «تضامناً مع عائلات الشهداء والجرحى والأسرى والنازحين وأهالي الجنوب والقرى الحدودية». ويؤكد هذا التوصيف الواضح أنّ الحكومة لم تعد تعترف بوجود «مقاومة» يسعى حزب الله إلى تجسيدها رغم كل الظروف، متجاهلاً موقف الشرعية والغالبية الساحقة من اللبنانيين الذين يرفضون المغامرات العسكرية الانتحارية التي تقودها الميليشيا الموالية لإيران. وليس بعيداً عن ذلك، أعلن رئيس الحكومة مساء الجمعة أنّه «حان الوقت لوضع حد نهائي للمغامرات المجنونة» ـ في إشارة إلى حزب الله ـ التي تُدار «في خدمة مشاريع خارجية»، مندداً في هذا الإطار باتهامات «الخيانة» التي تطلقها الميليشيا الموالية لإيران. ويُذكر في هذا السياق أنّ مجلس الوزراء كان قد تبنى، غداة استئناف حزب الله الأعمال العدائية في الثاني من مارس/آذار الماضي «ثأراً لمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي» في طهران، قراراً ينص على أنّ الجهاز الأمني والعسكري التابع للحزب بات يُعتبر «غير شرعي». وفي أعقاب هذا القرار، طلب وزير الإعلام من وسائل الإعلام الرسمية التوقف عن استخدام مصطلح «المقاومة» في نشراتها وبرامجها السياسية. اغتيال القائد العسكري لحماس وعلى صعيد آخر، ولكن ضمن السياق الأمني ـ العسكري الإقليمي نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي الجمعة اغتيال قائد الجناح العسكري لحركة حماس عز الدين حداد، خلال غارة استهدفته في غزة، وهو متهم بأنه أحد العقول المدبرة لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 ضد مدنيين إسرائيليين في محيط غزة. قمة بكين أما الملف الاستراتيجي الثاني الذي طبع أحداث الجمعة 15 مايو/أيار، فتمثل في اختتام القمة الأميركية ـ الصينية التي انعقدت في بكين وبدأت الجمعة. ومن المؤكد أنّ الأمر سيحتاج إلى بضعة أيام قبل الكشف عن معلومات دقيقة وموثوقة بشأن الحصيلة الفعلية للمباحثات التي أجراها الرئيس دونالد ترامب والوفد المرافق له مع المسؤولين الصينيين على مدى يومين. لكن بعض المؤشرات المهمة التي كُشف عنها حتى الآن تسمح برسم ملامح أولية للانعكاسات المحتملة لهذه القمة التاريخية على النزاع الإيراني. فقد تحدث الرئيس ترامب عن «تطابق كامل» في وجهات النظر الأميركية والصينية بشأن إيران. وبصورة عملية، تبنى الرئيس شي جين بينغ الموقف الأميركي حيال الملف النووي، مؤكداً، على غرار الرئيس الأميركي، أنّه لا ينبغي بأي حال أن يتمكن النظام الإيراني من امتلاك سلاح نووي. وهذا الموقف الصيني ليس جديداً، كما يتضح من موقف بكين خلال التصويت على القرارات الخمسة الصادرة عن مجلس الأمن بشأن تخصيب اليورانيوم الإيراني. فالقرار الأول، الصادر في يوليو/تموز 2006، «طالب» طهران بوقف تخصيب اليورانيوم، لكن النظام الإيراني تجاهله بطبيعة الحال. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، فرض مجلس الأمن عقوبات على إيران لإجبارها على الامتثال للقرارات الدولية، من دون جدوى. ثم صدرت ثلاثة قرارات إضافية أعوام 2007 و2008 و2010 لفرض عقوبات أشدّ. ولم تستخدم الصين، كما روسيا، حق النقض (الفيتو)، ما عكس تقاطعاً في الرؤية مع الدول الغربية حول ضرورة دفع النظام الإيراني إلى وقف تخصيب اليورانيوم. وخلال لقاءاته مع ترامب، جدّد شي التأكيد على هذا الموقف المبدئي لبلاده. ومن نقاط التقاطع الأخرى بين شي والرئيس الأميركي ـ وكذلك مع الدول الأوروبية عموماً ـ رفض السيادة الإيرانية على مضيق هرمز، وبالتالي رفض فرض «رسوم عبور» من قبل الحرس الثوري الإيراني. وفي موازاة ذلك، تعهّد الزعيم الصيني، بحسب المعطيات المتوافرة، بعدم تزويد النظام الإيراني بمعدات عسكرية. وتشير هذه المعطيات إلى أنّ قمة بكين قد تؤدي إلى إضعاف موقع إيران في مواجهة الشروط الأميركية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي للنزاع القائم. ومن المفترض أن توضح الأيام المقبلة الصورة بصورة أكبر في هذا المجال. والسؤال الأساسي الذي سيعود إلى الواجهة قريباً، في ضوء نتائج قمة بكين، هو ما إذا كان الرئيس ترامب سيقرر، أم لا، إطلاق عمليات عسكرية جديدة ودقيقة داخل الأراضي الإيرانية، بهدف جمع اليورانيوم المخصب وتوجيه ضربات إضافية قاسية للبنى الاقتصادية الإيرانية، لدفع النظام الإيراني إلى التخلي عن مغامراته غير العقلانية وسلوكه العدائي والمتغطرس الذي يتحدى كل منطق بصورة فاضحة.

؟بكين: ما هي تداعيات قمة الإمبراطوريتين
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

كان العالم يوم الخميس 14 مايو يراقب عن كثب ما يجري في بكين حيث يمكن لقاء الرئيس الأمريكي، الذي لا يزال يرغب في الظهور بقوة، مع الرئيس شي جين بينج، الذي يطمح لأن يكون أعظم منه، أن يكون له عواقب مهمة على عديد الدول، سواء على المدى القصير أم الطويل. وبالنسبة للبعض، وربما الكثيرين منهم، قد تكون هذه العواقب كارثية. فكيف ستكون حال العالم بعد ذلك؟ لا أحد يستطيع التأكيد على ذلك حتى الآن. لا شك أن الرئيس ترامب تحدث أولاً عن التجارة. والرئيس شي فعل الشيء نفسه. سيسارع الأول للحديث عن انتصاراته، وهي الكلمة التي يعشقها، عبر موقعه الإلكتروني، كعادته. سيظهر الرئيس الصيني ابتسامته الغامضة الثابتة التي تكشف عن رضاه لأنه حصل على ما يريده. يمكننا أن نتوقع أن الاتفاقيات التجارية كانت الأولى التي تم مناقشتها والتوصل إليها. لكن هل ستكون متوازنة؟ ليس بالتأكيد... الرئيس الأمريكي في حاجة ملحة لإرضاء الرأي العام والشعب الأمريكي الذي بات متعباً من ارتفاع أسعار النفط والتضخم والبطالة المتزايدة، وأرهقه أيضاً نقص بعض المواد الضرورية، خاصة الأسمدة المحاصرة في الخليج العربي-الفارسي. وهناك مواد أخرى ضرورية لتشغيل الآلة الاقتصادية الأمريكية التي لم تحقق بحقيقة الهدف المطالب به خلال الحملة الانتخابية والمكرر بصيغته الشهيرة MAGA ( Make America Great Again ). سنعرف المزيد عن هذا الموضوع عندما يتم الإعلان عن انتصارات أحدهما دون أن يذكر نظيره - وليس شريكه - ما حققه. لكل هذه النقاشات والمفاوضات طعم جيوسياسي يرتبط بالأوضاع الداخلية الأمريكية، والحاجة الملحة للصين لاستعادة مستويات الإمدادات النفطية والمواد الضرورية لنموها وتطورها المتزايد الإلحاح. الموضوعان الأولويتان في هذه الخلفية الجيوسياسية هما بلا شك إيران ومضيق هرمز، المتداخلان بشكل وثيق، وكذلك تايوان. الموضوع الثاني سيكون مهماً على المدى الطويل. في البداية، ركزت النقاشات بلا شك على وقف الدعم الأمريكي لدفاع تايوان مقابل تقليل الصين من تهديداتها والعروض الاستفزازية ضد الجزيرة. وبالتالي الحفاظ على الوضع الراهن في المدى القريب. لا يريد أحدهما الدخول في مواجهة. لدى شي الوقت...حتى عام 2049. وقبل ذلك، ستحدث ضغوط ومفاوضات أخرى وقد تكون حالة الغرب مختلفة تماماً، كما يعتقد شي. قد يكون الغرب منشغلاً بمواضيع أخرى غير الدفاع عن تايوان البعيدة جداً عن أمريكا، حتى لو كانت حرية الملاحة في مضيق فورموز (بعرض 150 كيلومتراً) ستبقى نقطة خلاف دائمة. محنة ترامب لكن الأمور ليست بهذه البساطة للرئيس الأمريكي. يجب ألا يبدو أنه يتخلى عن تايوان لمصيرها المؤسف دون أن يؤثر على موقفه، الذي تضرر بالفعل، كمدافع عن دول شبه الجزيرة العربية وبدون تشويه صورته كقوة وسلطة تجاه حرس الثورة الإيرانية. كما أشار مقال سابق في Levant Time، قد تعتقد هذه الدول سريعاً أن الدفاع الأمريكي يمثل خطراً، مما قد يدفع واحدة أو أكثر منها لترغب في رحيل الأمريكيين من القواعد التي يحتلونها في هذه المنطقة. ربما لهذا السبب قررت إسرائيل تزويد الإمارات العربية المتحدة بقبة حديدية. هل فرض السيد ترامب هذا الإجراء؟ لصالح من ستؤول هذه الفراغات؟ وإذا كانت الصين، بفضل علاقاتها مع إيران، تضمن لها بمجرد وجودها هذه الأمان المطلوب للتحول نحو أنشطتها في السياحة والفعاليات العالمية والتكنولوجيا العالية والفنون الرفيعة والمالية، كما كان الحال سابقاً؟ ستكون الصين هي الرابح الأكبر في صياغة وتطوير طرقها الحريرية. الرئيس ترامب الذي اعتقد عند وصوله للبيت الأبيض لولاية ثانية أنه سيضطر فقط للاهتمام بالوضع الأمني الداخلي - محاربة الهجرة والاتجار بالمخدرات - والصين خارجياً، منافسه الوحيد من وجهة نظره، يدرك الآن أن كون بنيامين نتنياهو سحبه من الكم قد وضعه في فخ وقع فيه بسذاجة. إيران ومضيق هرمز المفتاح إذن هو الاهتمام بمعالجة الموضوع الأول معالجة جيدة حتى لا نعود إليه وحتى لا نعلق فيه. هناك في هذا الموضوع المشترك، إيران ومضيق هرمز، جانبان يتقاسم الرئيسان اهتماماً مشتركاً فيهما: النووي وحرية الملاحة البحرية. الصين معارضة لانتشار الأسلحة النووية. لقد أعلنت هذا دائماً. أما بخصوص حرية الملاحة في مضيق هرمز، فلديها أكبر اهتمام برؤيتها تستعاد في أسرع وقت ممكن. ما لن يمنعها من رغبتها في تحديد أو حتى حظر حرية الملاحة في مضيق تايوان. الجيوسياسة أحياناً ماكرة! من المبكر جداً الذهاب أبعد من ذلك في التكهنات. دعونا ننتظر إعلانات النصر للسيد ترامب التي بلا شك ستظهر وما سيقوله أو لن يقوله شي. فيما يتعلق بالملاحة البحرية وجميع عواقب القرارات التي سيتخذها أو يعتمدها الغربيون بشأن مضيق هرمز، يبدو من المفيد التذكير بأن تنظيم هذه الملاحة لا يقتصر على اتفاقات ذات دلالة تجارية أو جيوسياسية فحسب. هذه المسألة تتعلق بتطبيق المعاهدات واللوائح الدولية. وقعت إيران في 10 ديسمبر 1982، في مونتيغو باي، على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المعروفة باتفاقية مونتيغو باي (UNCLOS). لكنها لم تصادق عليها أبداً. إيران إذن دولة موقعة لكنها ليست دولة طرفاً في الاتفاقية، مما يعني أنها غير ملزمة بجميع الالتزامات الاتفاقية للاتفاقية، كما هو الحال للدول التي صادقت على المعاهدة. هذا الموقف يشبه موقف الولايات المتحدة: هي أيضاً وقعت على بعض النصوص المتعلقة باتفاقية UNCLOS لكنها لم تصادق على الاتفاقية نفسها. الموضوع مهم بشكل خاص لمضيق هرمز. تؤكد إيران منذ وقت طويل أنها غير مقيدة بالكامل ببعض قواعد "المرور العابر" المنصوص عليها في اتفاقية UNCLOS في الممرات المائية الدولية، وبالضبط لأنها لم تصادق على الاتفاقية. ولهذا السبب يتخذ حرس الثورة الإيرانية لنفسه حق فرض رسوم على المرور (رسم عبور). مع ذلك، تعتبر دول عديدة أن عدة أحكام أساسية في اتفاقية UNCLOS - خاصة حرية الملاحة - تشكل الآن "قانوناً دولياً عرفياً"، وبالتالي تكون قابلة للتطبيق حتى على الدول غير الطرف فيها. سيكون من الحيوي للعالم أجمع أن نرى كيف سيتم التعامل مع هذا الموضوع وحله. ممرات وممرات مائية عديدة قد تكون معنية بهذه القضية وقد تفرض دول ساحلية رسوماً على الملاحة. قبل إغلاق - مؤقتاً - هذا الموضوع، من المهم عدم الثقة في بعض المعلقين الذين يظهرون على قنوات التلفزيون أو الراديو للحديث عن موضوع الممرات المائية والذين يتناولون دون تمييز حالات القنوات مثل قناة السويس أو بنما. القنوات ليست ممرات مائية. الدردنيل تشكل حالة خاصة أخرى كذلك البوسفور الذي ينظم المرور فيه بموجب معاهدة مونترو لعام 1936، والتي تطبق وتحترم بدقة، خاصة فيما يتعلق بوجود القوات البحرية التابعة للدول غير الساحلية لبحر أسود.

مفاوضات واشنطن: تقدم رغم الصعوبات
بقلم
تالين بشراوي
نُشر

كان يوم 14 مايو 2026 بداية الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني في واشنطن بمقر وزارة الخارجية الأمريكية. خلافاً لما كان متوقعاً، لم يترأس الوفد الإسرائيلي وزير الدفاع السابق رون ديرمر، القريب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بل السفير الإسرائيلي في واشنطن يكيائيل ليتر، كما كان الحال في الاجتماعات السابقة. من جهتها، ترأس الوفد اللبناني هذه المرة السفير السابق في واشنطن سيمون قرم، وهو مفاوض ذو خبرة عريقة كان قد عينه الرئيس جوزيف عون عضواً في لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار في جنوب لبنان (قبل النزاع الحالي). وفقاً للمعلومات التي نقلها مراسل قناة MTV الحاضر على الأرض، الأجواء في انطلاق هذه المفاوضات، التي يُتوقع أن تستمر حتى يوم الجمعة، لا تحمل أي بوادر تفاؤل. إذ تصر الجهة الإسرائيلية على نزع سلاح حزب الله كشرط أساسي قبل أي تقدم آخر، وتهدد بتوسيع نطاق الحرب في حالة عدم التوصل لاتفاق. الجهة اللبنانية، وفقاً لما نقله المراسل نفسه، مجبرة على تبادل رسائل مستمرة مع لبنان، مما يعكس الخلافات حول الرؤية على الصعيد اللبناني الداخلي. غير أنه لا يمكن إنكار التقدم الذي تمثله عقد هذه الاجتماعات في حد ذاتها. في بيروت، كانت هذه المفاوضات تحظى بمتابعة دقيقة وشديدة. حوالي الساعة الخمسة مساءً بالتوقيت اللبناني، وفي الوقت الذي بدأت فيه المباحثات للتو، استقبل الرئيس عون رئيس الوزراء نواف سلام في قصر بعبدا لمناقشة المفاوضات الجارية. قررا "البقاء على تواصل مستمر" لما يليها، وفقاً للبيان الرسمي. جو رغي يصحح المسار من جهته، وزير الخارجية اللبناني جو رغي يصحح المسار في وسط الفوضى السائدة، موضحاً أنه بالنسبة لبيروت لا يتعلق الأمر باستخلاص اتفاق سلام في هذه المرحلة، بل بإنهاء الحرب. من جانب حزب الله، لا تغيير في المواقف. استمرت التصريحات المعادية للمفاوضات المباشرة كما في الأيام السابقة. جدير الذكر في هذا الصدد تصريح النائب حسين حجج حسن: "المقاومة لا تزال في أفضل أحوالها، ولن يستطيع أحد تحويل الرغبات الأمريكية والإسرائيلية إلى واقع." لكن ما يجب تذكره في هذا اليوم بشكل خاص هو تصريحات رئيس البرلمان نبيه برّي، الذي هو أيضاً رئيس حركة أمل (الحليف الشيعي لحزب الله). في حوار أدلى به لصحيفة محلية، أعرب عن اعتقاده بأن "كل شيء سينهار" إن لم يكن هناك وقف نار حقيقي. بل حدد الشروط التالية: الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة؛ إعادة البناء؛ نشر الجيش اللبناني وعودة أهالي الجنوب إلى ديارهم. وهذه طريقة منه للعودة إلى الواجهة بينما، قبل أيام فقط، كان مسؤول من حزب الله، محمود قماطي، يتهم الرئيس عون بعدم الاهتمام برأي رئيس البرلمان في قراره الشروع في المفاوضات... وهو ما رد عليه زعيم القوات اللبنانية سمير جعجع في مقابلة مع قناة MTV: يمكن لبرّي أن يدلي برأيه في نتائج المفاوضات، لكنه لا يستطيع إدارتها؛ الملف بيد رئيس الجمهورية. وفي الوقت ذاته، الجنوب يستمر في الاشتعال. يوم الخميس، أوامر الإجلاء الإسرائيلية وصلت حتى قرى في البقاع مثل سوحمر، مما يظهر مرة أخرى أن توسع العمليات الحربية جارٍ. الغارات والضربات الجوية والاغتيالات الموجهة تستمر بوتيرة متسارعة. وكذلك هجمات حزب الله التي تستمر أيضاً. زيارة ترامب إلى الصين الحدث الآخر في اليوم هو عالمي وقد يكون له عواقب على جبهات متعددة. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستقبل باحتفالية كبيرة في الصين من قبل نظيره الصيني شي جينبينج. وبحماسه المعهود، أطلق ترامب على شي لقب "صديقي"، واعداً بـ "مستقبل رائع" على مستوى العلاقات بين الدولتين العملاقتين. واعتبر شي هذه الزيارة "تاريخية". لكن إلى جانب هذه التصريحات الرنانة والاستقبال الفخم بأعداد كبيرة من الأعلام الصينية والأمريكية، تسودها مناقشات شاقة خلال يومي الزيارة الرسمية. الأمريكيون جاؤوا مسلحين بتحضيرات محكمة، مع وفد مثير للإعجاب يرافق الرئيس وينضم إليه بالإضافة إلى كبار مسؤولي إدارة ترامب، حوالي خمسة عشر من رؤساء أكبر الشركات الأمريكية. الموضوعات الجدلية والملفات التي تتناول القضايا الدولية لا تندر: تايوان (في هذه النقطة، كان بيان شي جينبينج حازماً بشكل خاص)؛ الحرب التجارية؛ الحرب في أوكرانيا... لكن الموضوع الذي يهم الشرق الأوسط بلا شك هو الحرب على إيران، التي تمت مناقشتها بشكل موسع بين الوفدين، كما يتضح من التصريحات التي تلت ذلك. في المساء (بالتوقيت الشامي)، أعلن الرئيس ترامب لقناة فوكس نيوز أن "الرئيس الصيني عرض مساعدته بشأن مضيق هرمز"، وأنه "التزم بعدم إرسال معدات عسكرية إلى إيران". حتى الآن، يشير كل شيء إلى أن طهران كانت تتلقى أسلحة من هذا الحليف الذي تبيع له النفط بأسعار مفضلة. بمعزل عن هذه التصريحات، ما هي "الصفقة" المحتملة التي قد تكون قد تمت خلف الكواليس؟ لا شك أن هذا القمة يجب أن يكون لها تأثيرات كبيرة على النزاع في الشرق الأوسط، وهو ما يجب أن تتضح في الأيام القادمة. نشرت موقع أكسيوس الأمريكي معلومات مفادها أن الخيارات المتاحة أمام الرئيس ترامب لدى عودته من الصين تشمل استئناف "مشروع الحرية" الذي كان يتضمن مرافقة السفن الراغبة في عبور المضيق تحت حماية الجيش الأمريكي. خيار آخر قيد الدراسة: ضربات جديدة على البنية التحتية الإيرانية. في هذا السياق، معلومة قد تعطي مؤشراً على التطورات القادمة: احتمالية إمدادات الصين بالنفط من قبل الولايات المتحدة بغية تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وبالتالي الاعتماد على إيران. التطور الملحوظ الآخر في 14 مايو هو اجتماع وزراء الخارجية لدول البريكس في نيودلهي في الهند، الذي شارك فيه من بين آخرين الوزير الإيراني عباس عراقجي والوزير الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان. خلال هذا الاجتماع، هاجم عراقجي نظيره الإماراتي بعنف (كما أعلن بنفسه في حسابه بتيليجرام)، متهماً الإمارات بالمشاركة في الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وطالباً إياه بمراجعة سياسته تجاه طهران بعد أن لاحظ أن التحالف مع إسرائيل لم يجلب لها أي فائدة. بسخرية، كانت إيران هي من شنت ضربات يومية ضد الإمارات والدول الخليجية الأخرى منذ بداية هذه الحرب. هل تدفع الإمارات ثمن انسحابها من أوبك منذ بداية مايو وتقاربها من المحور الأمريكي الإسرائيلي؟

بين ترامب وبوتين وشي جين بينغ وإيران، ملامح جيوسياسية جديدة تلوح في الأفق (1/2)

تتبلور في العالم اليوم تحولات جذريّة، في ظلّ احتضار النظام العالمي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في مسارٍ مستمر منذ عقدين، ليفسح المجال أمام ولادة نظام دولي جديد بدأت معالمه تلوح في الأفق. منذ انطلاق ولايته الثانية، وبناءً على استراتيجيته للأمن القومي (NSS 2025)، أعاد الرئيس دونالد ترامب تحديد أولويات الولايات المتحدة. وتتمثل هذه الأولويات، في المقام الأول بالشؤون الداخلية (أميركا أولاً) والقارة الأميركية. أما بالنسبة لبقية العالم، فيرى ترامب أن على أوروبا الاعتماد على قدراتها الدفاعية الذاتية وألا تعول بعد الآن على الولايات المتحدة كما فعلت منذ عام 1945. وفي تقديره، لم تعد روسيا تشكل خطراً داهماً رغم سلوكها العدائي؛ بعدما أثبتت عجزها عن حسم المعركة في أوكرانيا، وبالتالي عجزها عن غزو أوروبا. ويعتقد سيد البيت الأبيض، علاوة على ذلك، أن التنافس العسكري مع الصين بشأن تايوان وبحر الصين الجنوبي لا يحول دون حدوث انفراج على الصعيد الاقتصادي مع بكين. فالمستهلك الأميركي بحاجة إلى سلع صينية بأسعار تنافسية، وفي المقابل، تفتقر الصناعات الصينية بشدة إلى السوق الأميركية التي تشكل 25% من السوق العالمية، ناهيك عن رغبتها في نفاذٍ أوسع إلى التكنولوجيا الأميركية. أما الاستراتيجية الوطنية الصينية، فهي ترتكز على الحزب الشيوعي الصيني والزعيم شي جين بينغ، صاحب السلطات المطلقة. وهي تهدف إلى أن تصبح قوة عالمية، وإلى تحقيق استقلال ذاتي في المواد الأساسية للصناعة. وإذا كان هذا الاستقلال قد تحقق بالفعل في قطاعات عدة، إلا أن الصين تعاني نقصاً حاداً في الإنتاج المستقل للرقائق الإلكترونية المتطورة، ولا سيما تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والتي لا تملك سوى الولايات المتحدة تزويدها بها. من جهة أخرى، يواجه شي جين بينغ انهيار القطاع العقاري وفائضاً في الإنتاج الصناعي، يوازيه ضعف في الاستهلاك المحلي الذي بات امتصاصه لهذا الفائض يتضاءل، وخصوصاً في قطاعي السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. لذا، فهو أمام حاجة ملحة ومزدوجة: إعادة فتح السوق الأميركية أمام الصناعة الصينية، وضمان استمرارية سلاسل التوريد انطلاقاً من الولايات المتحدة، وخصوصاً على مستوى المواد الغذائية، والرقائق الإلكترونية، والنفط والغاز، وطائرات بوينغ، والمنتجات التقنية المتقدمة. الحالتان الروسية والإيرانية أما في ما يخص فلاديمير بوتين، فهو يواجه تباطؤاً في النمو ونقصاً في اليد العاملة. وتعمد حكومته إلى بيع أصول الدولة ومواقعها التاريخية لتأمين إيرادات مالية، تجنباً لطبع العملة وتفادياً لانخفاض قيمتها. وإذ يصبّ ارتفاع أسعار النفط في مصلحة روسيا، في سياق إغلاق مضيق هرمز، إلا أن وصول إنتاجها إلى حده الأقصى لم يقدّم حلولاً للمشكلات الاقتصادية، ناهيك عن الأعباء الثقيلة التي يفرضها تمويل الحرب في أوكرانيا. وباتت وسائل الإعلام الروسية تتحدث الآن علانية عن هذه الصعوبات. علاوة على ذلك، تعاني قواته تراجعاً في المعنويات، في وقت تفقد فيه الحرب المستمرة منذ أربع سنوات شعبيتها. ويواجه بوتين ضغوطاً داخلية وخارجية، لا سيما من الرئيس ترامب، لإنهاء هذه الحرب؛ لذا فهو بحاجة إلى مخرجٍ لائق. أخيراً، تعاني إيران وطأة حصار بحري مستمر منذ أكثر من شهر، في أعقاب الضربات الأميركية-الإسرائيلية في حزيران 2025 وحرب شباط-نيسان 2026. وبالنسبة للرئيس ترامب، تشكل الجمهورية الإسلامية خطراً نووياً كبيراً، وعائقاً أمام استقرار الشرق الأوسط وحرية الملاحة في مضيق هرمز. أما طهران، فلا تزال من جانبها متمسكة بموقفها الرافض لأي حل وفق الشروط التي تفرضها واشنطن. تشابك التحديات في القضية الإيرانية تعيق روسيا والصين صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي يطالب إيران بفتح مضيق هرمز، وتواصلان تقديم الدعم العسكري لها في مجالي الاستخبارات والتكنولوجيا. وفي حين تمدّها روسيا بالذخائر، يغيب هذا الدعم عن الجانب الصيني. ومع ذلك، يظل هذا الدعم دون سقفٍ معين، تفادياً للدخول في مواجهة مفتوحة مع واشنطن. لا يوجد محور واضح المعالم يجمع طهران وموسكو وبكين؛ بل على العكس، تبرز منذ نيسان 2026 اتصالات ثنائية منفصلة بين الولايات المتحدة وكل دولة من هذه الدول الثلاث. فالمشاورات ناشطة بين ترامب وبوتين، كما عُقدت قمة ترامب-شي جين بينغ في بكين هذا الأسبوع، في حين لا تزال المفاوضات غير المباشرة عبر باكستان قائمة بين واشنطن وطهران، رغم إغلاق إيران لمضيق هرمز والحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية. وتجري هذه القنوات بمعزل عن موسكو، فيما تضطلع بكين فيها بدور متكتم. الأولوية للمفاوضات يبدو جلياً أن كلاً من ترامب، وشي جين بينغ، وبوتين، وخامنئي، باتوا في حاجة إلى التفاوض بفعل الضغوط الداخلية والخارجية التي يواجهها كل منهم. فالجميع يرزح تحت وطأة ضغوط اقتصادية، ويواجه انتقادات ومعارضة داخلية. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، تكمن المشكلة في غلاء المعيشة الذي يثقل كاهل المستهلك الأميركي نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، والرسوم الجمركية التي رفعت تكلفة السلع الصينية. أما الحروب والعقوبات المفروضة على روسيا وإيران، فقد باتت تشكل عبئاً ثقيلاً على اقتصاد البلدين وتستنزف سلاسل التوريد لديهما. من جهتها، تقف الصين على أعتاب الركود جراء ارتفاع أسعار النفط، وحاجتها الماسة إلى المواد الزراعية والمنتجات التقنية المتقدمة، فضلاً عن ضرورتها في الانفتاح بشكل أكبر على السوق الأميركية. ملامح تموضع جيوسياسي جديد بين ترامب وبوتين كان ترامب قد دعا بوتين للقاء في ألاسكا في آب 2025، وعرض عليه رفع العقوبات وإرساء علاقات في مجالي الاقتصاد والطاقة مقابل السلام في أوكرانيا. وبعد ثلاثة أشهر، كاد ترامب يقرّ بسيادة روسيا على الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها، وذلك ضمن خطته للسلام المكونة من عشرين نقطة. ويبدو جلياً أنه لم يعد يخشى روسيا، بل يطمح إلى إرساء توازن استراتيجي بينها وبين أوروبا، وهو أمر يمرّ حتماً عبر بوابة إنهاء الحرب في أوكرانيا. لم يبدُ أن هذه الحوافز الاقتصادية والميدانية التي قدمها ترامب قد نجحت في ثني بوتين عن موقفه؛ غير أن الأخير بادر، في التاسع والعشرين من نيسان الماضي، إلى الاتصال بالرئيس ترامب في خطوة باغتت سيد البيت الأبيض، حيث استمرت المحادثة بينهما تسعين دقيقة. وقد جاء هذا الاتصال قبل خمسة عشر يوماً من قمة ترامب-شي جين بينغ، ما يشي بحجم الصعوبات الداخلية التي يواجهها بوتين، ويلمح إلى خشيته من تقارب صيني-أميركي قد يفضي إلى تهميش روسيا. خلال المحادثة، ركز الرئيس الروسي بشكل أساسي على تفعيل التبادل الاقتصادي والتعاون في مجال الطاقة بين البلدين، واللذين تراجعا إلى حد التوقف منذ غزو أوكرانيا عام 2022؛ علماً أن ترامب كان قد أعاد بالفعل إطلاق التبادلات التجارية مع روسيا، حيث سجلت قيمتها 4.4 مليارات دولار عام 2025، بعدما كانت قد انعدمت تماماً منذ 2022، مع الإشارة إلى أنها بلغت 37 مليار دولار في عام 2021. وكانت كشوفات لصحيفة "وول ستريت جورنال" في أواخر عام 2025 قد تحدثت عن مشروع سري بين موسكو وواشنطن يتعلق باستثمارات أميركية ضخمة في روسيا. وخلال الاتصال الهاتفي المذكور، تمكن ترامب من إقناع بوتين بوقفٍ وجيز لإطلاق النار في أوكرانيا، امتد من 9 إلى 11 أيار، وترافق مع تبادل لألف أسير من الجانبين. ورغم آمال ترامب في تمديد هذه الهدنة، إلا أن الأعمال القتالية استؤنفت فور انقضاء المدة. ومع ذلك، يبدي بوتين اليوم مرونة لافتة رغم ضراوة المواجهات ميدانياً؛ إذ أعلن في التاسع من أيار، خلال احتفالات ذكرى النصر في الحرب العالمية الثانية، أن الحرب في أوكرانيا تقترب من نهايتها، معرباً عن رغبته في إنهائها عبر مفاوضات تشرك الأوروبيين، في إشارة واضحة إلى تطلعه لصياغة علاقة جديدة مع القارة العجوز. إن التسوية المحتملة في أوكرانيا باتت رهينة التموضع الذي ستتخذه الصين وأوروبا، بناءً على مخرجات قمة ترامب-شي جين بينغ وردود الفعل الأوروبية على خطاب بوتين الأخير. فالأخير يخشى أن يؤدي أي تقارب بين بكين وواشنطن إلى تعميق عزلة موسكو، ومن هنا ينبع انفتاحه المستجد على أوروبا.