
تكشف الأزمات الكبرى حقيقة بسيطة: لا يصمد وطن إذا بقيت الولاءات التي تعلو عليه أقوى من الانتماء إليه. فالدول التي تنجح في تجاوز محنها هي تلك التي تجعل الهوية الوطنية المظلة التي تجمع جميع مواطنيها، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية والثقافية. فالوطن ليس إلغاءً للتنوع، بل الإطار الذي يحميه. هذا الدرس بدا واضحًا في التحولات الأخيرة داخل إيران، حيث ارتفع منسوب الخطاب القومي والوطني ليضم فئات كانت تُعد حتى الأمس خارج دائرة الولاء السياسي. فالسلطات أدركت أن التحديات الوجودية تفرض توسيع دائرة الانتماء، لأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بتماسك السلطة، بل أيضًا بقدرتها على احتضان المجتمع بكل مكوناته. أما في لبنان، فما زلنا نواجه المعضلة نفسها: هل تكون الأولوية للطائفة، أم للحزب، أم للمحور الإقليمي، أم للدولة؟ وقد أعاد توقيع إعلان النوايا الأخير بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية، وما أثاره من انقسام داخلي، التذكير بأن المشكلة ليست فقط في مضمون أي اتفاق، بل في غياب إطار وطني جامع تُناقش فيه الخيارات المصيرية قبل أن تتحول إلى موضع انقسام.








