شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حين تتحول المقاومة إلى سؤال ممنوع

هناك كلمات مفتاحية، حالما تلفظها، تستنفر محدثك الممانع؛ فحال ذكر فلسطين او المقاومة او اميركا او اسرائيل، يحصل سويتش في ذهنه، فيتصلب بحيث يستحيل عندها اجراء اي نقاش هادئ وموضوعي. لم تعد المشكلة في لبنان اليوم في اختلاف الآراء، بقدر ما أصبحت في غياب عملية التفكير نفسها. المواقف الجاهزة تُستدعى فوراً، والخطابات تُعاد كما هي، والخيارات تستمر رغم تغيّر ما يحدث من حولها. وكأننا لا نراجع انفسنا، ولا نقيّم، ولا نسأل: هل ما زلنا نفكر فعلاً في ما نقوم به، أم أننا نكرر ما اعتدنا عليه فقط لأنه أصبح جزءاً من هويتنا؟ هنا تحديداً تبدأ المخاطر، حين يتحول التكرار إلى بديل عن التفكير. إن ما يحدث في ذهن الممانع هو أقرب إلى آلية دفاع ذهني مُبرمجة، أكثر منه مجرد رأي سياسي. عندما نذكر احى الكلمات التالية: "فلسطين - المقاومة- أمريكا- إسرائيل"، يحصل في ذهن الممانع ما يشبه "تشغيل برنامج جاهز"، يشبه ملابس ال prêt à porter، وهو يحدث على عدة طبقات: اولاً: حصرية الهوية واختزالها، القضية (فلسطين) لم تعد قضية سياسية قابلة للنقاش او لوزن الموقف الانجع لصالحها، لقد أصبحت جزءاً من الهوية الشخصية. وبالتالي فإن أي نقاش حولها يُستقبل كأنه هجوم على الذات، لا كتحليل سياسي. ثانياً: الاستجابة الشرطية (réponse conditionnée) على غرار ما يطلق عليه في علم النفس: stimulus محفّز، عند ذكر كلمة "إسرائيل"، الرد الجاهز "عدو مطلق"، كان سيهاجمنا قبل ان نهاجمه. بدون تحليل او حتى نقاش الاحتمالات او الطريقة الامثل لمواجهتها، او مراجعة نتائج مواجهتها حتى الآن. ثالثاً: التنافر المعرفي (cognitive dissonance)، عندما تتعارض الوقائع مع القناعة (مثلاً: نتائج سياسات المحور على لبنان)، يحصل توتر داخلي ambivalence، ينتج عنه تبني الحل الأسهل، فيحصل إنكار للواقع مع إعادة تفسيره أو مهاجمة من يطرحه مباشرة. رابعاً: نصل الى الانغلاق الجماعي والامتثال conformité، التماثل مع الجماعة، فداخل بيئة مثل بيئة حزب الله، الرأي ليس فردياً بل جماعياً، ويعتبر أي خروج عن الخط كخيانة. يصبح التفكير النقدي تهديداً للتماسك. من هنا إن ما يبدو لنا أحياناً تصلّباً أو رفضاً للنقاش، ليس مجرد موقف سياسي متشدّد، بل هو نتيجة بنية خطابية- ذهنية متكاملة تُبنى بعناية وتُكرَّر وتعاد بعناية والحاح، حتى تتحوّل إلى آلية تلقائية في التفكير. هذه البنية تبدأ من نقطة حاسمة: تعريف الواقع مسبقاً؛ جميع المصطلحات الأساسية مثل "العدو" و"المقاومة" لا تُطرح كمواضيع للنقاش، بل كحقائق نهائية. ضمن هذا الإطار، تُقدَّم أميركا واسرائيل كعدو مطلق، وتُمنح "المقاومة" شرعية مطلقة. وهكذا، لا يعود النقاش يدور حول الخيارات، بل داخل حدود مرسومة سلفاً لا يُسمح بتجاوزها. بعد تثبيت هذا الإطار، تأتي المرحلة الثانية: شحن اللغة بالعاطفة، فتُستخدم مفردات مثل "التضحيات"، "الصمود"، "الكرامة"، و"العدوان" ليس لوصف الواقع، بل لإثارة استجابة شعورية قوية. وعندما تتقدّم العاطفة، يتراجع التحليل، ويصبح الاعتراض أقرب إلى خيانة أخلاقية منه إلى اختلاف في الرأي. ثم تُبنى فوق ذلك "ثنائية مغلقة" لا تقبل التدرّج: إما أن تكون مع المقاومة، أو مع العدو. تختفي المنطقة الرمادية، ويُلغى التعقيد الطبيعي لأي واقع سياسي. فلا يعود هناك مجال للتفكير في حلول وسط، أو تسويات مرحلية، أو حتى في مصلحة وطنية مستقلة عن هذا الانقسام الحاد. ولكي تكتمل هذه الدائرة، يتم نزع شرعية اي بديل. فكل طرح مختلف يُوصَف فوراً بأنه "انحراف" أو "تآمر" أو "تنكّر للتاريخ وللتضحيات". هنا لا تُناقَش الفكرة بحد ذاتها، بل يُجري تشويهها مسبقاً، بحيث يصبح مجرد التفكير بها خطوة تحمل مجازفة معنوية. في موازاة ذلك، يُستدعى مفهوم "الجماعة" كمرجعية عليا. يتم التحدَّث باسم "الشعب" و"الثوابت الوطنية" و"الشرفاء"، كما في خطاب حزب الله، بحيث يُفهم ضمناً أن من يعارض لا يختلف في الرأي فحسب، بل يخرج عن الجماعة نفسها. وهنا يتدخّل عامل الخوف: الخوف من العزل، أو من الاتهام بالخيانة، أو من فقدان الانتماء. لكن أخطر ما في هذه البنية هو الربط بين الداخل والخارج. فعندما يُقدَّم الخلاف الداخلي كخطر يفوق الخطر الخارجي، كما يظهر في تصريحات نواب حزب الله، يتحوّل المُعارض إلى تهديد وجودي، لا إلى شريك في النقاش. عند هذه النقطة، يصبح التصعيد الداخلي مبرَّراً سلفاً. وفي نهاية هذا المسار، يُقدَّم خيار واحد على أنه الحل الوحيد: لا بديل عن "المقاومة" بصيغتها الحالية، مهما تغيّرت الظروف أو تبدّلت موازين القوى أو تعارضت مع مصالح البلد. وهكذا تُغلق الدائرة بالكامل. مع تكرار هذه البنية عبر الزمن، تتحوّل إلى ما يشبه "زر" نضغط عليه في العقل: كلمة واحدة كفيلة بإطلاق سلسلة كاملة من الأحكام الجاهزة. لا يعود التفكير ضرورياً، لأن النتيجة معروفة مسبقاً. عندها، لا يصبح النقاش مواجهة بين أفكار، بل صداماً بين هويات. وفي هذا المستوى تحديداً، يتوقف العقل عن العمل، لا لأنه عاجز، بل لأنه لم يُدرَّب أصلاً على الخروج من هذا الإطار المغلق.

إيران ولبنان: جبهتان لحرب واحدة؟
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

تتجه التصريحات المتقلبة والمواقف المتناقضة للرئيس دونالد ترامب نحو إعادة صياغة العلاقات مع الأوروبيين، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحلفاء الولايات المتحدة على حد سواء. ولن تمر دون أن تثير ردود فعل واضحة من دول منطقتي المحيط الهادئ والشرق الأوسط، التي كانت ترى في الحماية الأميركية ضمانة موثوقة. وفيما ينحو الغربيون نحو الاعتدال، يطمح هؤلاء إلى حجز دور لهم في ترتيبات أمن مضيق هرمز غداة وقف الأعمال العدائية. فهل ستكون الولايات المتحدة خارج اللعبة الإقليمية لمصلحة حامٍ آخر غير متوقع؟ وهل تسوية الملف اللبناني ستتحقق مع فرنسا؟ أم مع أوروبا أم بدونها؟ عقب التدخل الأميركي والإسرائيلي ضد إيران في 28 شباط 2026، والذي لم يُحط علمًا به رؤساء دول أو حكومات البلدان الغربية والأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، طلب الرئيس دونالد ترامب من هؤلاء دعمه عبر المشاركة في حفظ الأمن بضيق هرمز، وتقديم دعم مباشر للعمليات الأميركية. إلا أن غالبية رؤساء الدول والحكومات رفضوا ذلك. وجاء رد فعل الرئيس ترامب واضحاً، وإن بدا فاقداً للترابط؛ فبعدما اعتبر أن الأمر يشكل خطأً فادحاً ووصف الدول الأوروبية بالجبن، أكد أنه ليس بحاجة إليها وأنه سيتحرك بمفرده، لكونه "الأقوى في العالم". وفي مبالغة إضافية، أعلن أن حلف الناتو من دون الولايات المتحدة سيكون "نمراً من ورق". حتى أنه أثار فكرة الانسحاب من الحلف، ملوّحاً بذلك بتهديد التحلل من واجباته كعضو، لا سيما ما يتعلق بتطبيق المادة الخامسة من معاهدة المنظمة. وتحديداً لأبعاد تصريحاته، أوضح أنه يعيب على الحلفاء عدم دعم الولايات المتحدة في حالات الأزمات، والاستفادة من تحالف يسير في اتجاه واحد؛ وبناءً على ذلك، ما الذي يدفعه إلى الدفاع التلقائي عنهم؟ ثم أطلق تهديداته المتمثلة في سحب جزئي للقوات الأميركية المتمركزة في أوروبا، ومطالبه بالدعم التي شملت المشاركة في الحصار البحري المفروض على إيران. وبعدما عبرت دول عدة عن موقفها الرافض في هذا الصدد، حظرت أجوائها أمام الطائرات الأميركية المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران. غياب التناسق تفتقر تصريحات الرئيس ترامب إلى التناسق؛ فبعد حاجته إلى الدعم، بل والمشاركة الفعالة، يبدي فجأة تجاهلاً مدفوعاً بالازدراء، بحجة أن الولايات المتحدة – "الأقوى في العالم" – قادرة على كسب هذه الحرب بمفردها. وهنا تبرز فكرة الحرب التي يتذرع الرئيس الأميركي بشأنها بوجوب إيفاء أعضاء الناتو بالتزاماتهم بناءً على المعاهدة التأسيسية. إلا أنه هو نفسه من أشعل فتيل هذه الحرب – بتحريض من إسرائيل، الشريكة في القتال. وبالتالي، فهو المعتدي. وبما أن وظيفة حلف شمال الأطلسي "دفاعية"، فإن المادة الخامسة لا تنطبق على هذه الحالة بالذات. وحتى في المرات التي تدخل فيها الحلف سابقاً، لم يفعل ذلك إلا بتفويض من الأمم المتحدة. وفجأة، يرى الرئيس الأميركي أن التدخل ليس من شأن الناتو، ويريد إبقاء الحلف خارج هذا النزاع، ثم يعود ليمارس الضغط على الحلفاء، معلناً في الوقت عينه أنه سيتصرف بمفرده لقدرته على ذلك. وفي الواقع، هو يريد دعماً تشاركياً من حلفائه، ولكن من دون أن يأتي هذا الدعم تحت مظلة الناتو . والنتيجة هي نشوء شكوك حول مدى موثوقية الضمانات المعلنة والرسمية في كل مكان تلعب فيه الولايات المتحدة دور الحامي. ولا يقتصر هذا الشك على دول الناتو والأوروبيين؛ فدول المحيط الهادئ – وفي مقدمها اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية – باتت تشكك حتماً في الدعم الأميركي المضمون في حال حدوث تدخل صيني. وينطبق هذا الأمر أيضاً على تايوان، وإندونيسيا، والفلبين، ودول الخليج العربي، لاسيما السعودية، والإمارات، وسلطنة عمان. عندما يقدم رئيس دولة، يُفترض أنه "الأول بين متساوين" داخل حلف الناتو، على إشعال نزاع قد يؤدي إلى حرب عالمية، فلا يمكنه أن يطلب من أعضاء المنظمة اللحاق به ودعمه، والمشاركة الفعالة في العمليات العسكرية بشكل أعمى. كما لا يمكنه، بعدما عاملهم بأسلوب غير لائق ومبتذل وجارح – وهو يخاطب مسؤولين منتخبين، وبالتالي الشعوب التي يمثلونها – أن يعلن بنبرة ازدراء أنه قادر على التصرف بمفرده ولا يحتاج إليهم. وفي كل الأحوال، لا بد من الإشارة إلى أن أعضاء الناتو، وإن لم يتبنوا موقفاً جامعاً، وإن شهدت صفوفهم بعض الخلافات، يجدون أنفسهم اليوم على الموجة نفسها، إن لم تكن متطابقة، وتشاركهم في ذلك دول من منطقة المحيط الهادئ. إذ إن مشروع ضمان الأمن في مضيق هرمز، بعد وقف الأعمال العدائية، يجمع عدداً كبيراً منهم. أما العالم أجمع، بما فيه الشرق الأدنى والأوسط، وبالتالي لبنان، فيمكنه تلمّس ضبط النفس الذي تعتمده روسيا والصين. وبطبيعة الحال، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأنهما لا تتحركان في الكواليس وفقاً لمصالحهما الخاصة. إلا أن موقفهما، الشبيه بموقف الأوروبيين وحلفاء الولايات المتحدة والقائم على عدم المشاركة في العمليات العسكرية، يبعد خطر الانزلاق نحو مواجهة قد تأخذ أبعاداً عالمية. لا يسعنا إلا تأييد الموقف العام الذي تبنته الحكومات الأوروبية، ودول الناتو، ودول المحيط الهادئ الرئيسية المعنية، مع عدم إغفال التزامها المبدئي بهدف ضمان الأمن في مضيق هرمز، والذي سيكون من الجيد توسيعه ليشمل بحر عمان والخليج العربي، ومن ثم البحر الأحمر بأكمله. وإذا تحقق ذلك، فلن يكون أمامنا سوى الإشادة بحكمتها. فهل من الوهم، أو من قبيل الخيال، الاعتقاد بأن الإيرانيين قد يأخذون هذا الموقف المشترك في الاعتبار خلال محادثات السلام؟ وقد يظن المرء أن الأمر في لبنان يتعلق بالحرب نفسها؛ فالأطراف الفاعلة تبدو هي نفسها للوهلة الأولى. فمن جهة، هناك حزب الله الذي يتحرك بتوجيه من إيران، وإسرائيل بصفتها ممسكة بزمام اللعبة، وخلفها الولايات المتحدة التي تتخذ حالياً موقع المعتدل. ومن جهة أخرى، نجد إيران الممسكة بزمام اللعبة مهما قيل، والولايات المتحدة كطرف رئيسي آخر، وإسرائيل التي تحولت من محرض أُعيد إلى حجمه لاحقاً، إلى تابع. غير أن الفوارق تظل جوهرية فيما يخص مستقبل هاتين الجبهتين؛ فإحداهما إقليمية والأخرى عالمية. والأولى تستبعد أوروبا، وتحديداً فرنسا، في حين تستبعد الثانية حالياً أوروبا والتحالف المرتقب الذي يضم نحو أربعين دولة – من بينها دول المحيط الهادئ. تبدو المعضلة الإيرانية مستعصية على الحل، نظراً لأن المطالب الأميركية – المحقة – تتعارض كلياً مع الشروط التي يدافع عنها الحرس الثوري بقوة، وهو الذي بات يمسك بمقاليد البلاد. وبعيداً عن هذه المطالب غير المتوافقة حتى الساعة، فإن سلوك دونالد ترامب في مجالات التحليل، والدبلوماسية، والخبرة في مثل هذه المفاوضات، يبدو بعيداً كل البعد عما تقتضيه الحاجة؛ فهو لا يملك ما يقدمه سوى العنف. وإذا ما لجأ إليه، فعلينا ألا نتوقع تدخلاً مباشراً من الروس والصينيين. أما في المرحلة المقبلة، فإن السلوك والقرارات التي سيُضطر إلى اتخاذها ستترك تداعيات واضحة على إدارة الشؤون الدولية وحل النزاعات بين الدول. من المحتمل جداً أن يفوز دونالد ترامب، ولكن مقابل أي تنازلات؟ ومن وماذا سيضحي به قبل تشرين الثاني؟ المرجح أن الفائز الحقيقي على المدى الطويل سيكون إيران. وفي سلم المخاطر، يتقدم "المرجح" على "المحتمل". ألا يمكن أن يؤدي التشكيك العميق من جانب دول الخليج في موثوقية الحماية الأميركية إلى استبدال القواعد الأميركية؟ وبأي حامٍ؟ المؤكد أن الصين وروسيا ستستفيدان من ذلك. وإذا ما قررت فرنسا مساندة لبنان في موقف الحزم الذي ينتهجه رئيسه من الآن فصاعداً، فعليها أن تفعل ذلك بقناعة وثبات؛ إذ لم يعد هناك مجال لأنصاف الحلول. نحن إذن أمام حربين مختلفتين يجب تنسيق حلولهما؛ إحداهما يمكن معالجتها بشكل منفصل، والأخرى لا. فهل سيأخذ الرئيس ترامب ذلك في الحسبان خلال "الجولة" النهائية من المفاوضات مع الحرس الثوري؟ "إن أكثر ما تغير هناك ليس الصين، ولا روسيا، بل أوروبا التي لم يعد لها أي وزن" (أندريه مالرو –خاتمة كتاب "الغزاة"). وبدلاً من الانحياز المفرط لأوكرانيا بأوكرانيا وعدم التفكير إلا في أسعار النفط عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، ينبغي للأوروبيين ولفرنسا أن يطمحوا إلى تعزيز "سلام راسخ" في لبنان.

مؤتمر فتح: عام الديمقراطية الفلسطينية

في خطابه الافتتاحي للمؤتمر الثامن لحركة فتح، لخّص الرئيس محمود عباس الرؤية الرسمية للشرعية الفلسطينية في راهنيّتها ومستقبلها القريب، محذّرًا من المخاطر الشديدة لاستمرار الحرب على غزة والتوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة الغربية وعمليات التهويد المستمرة لمدينة القدس الشرقية، فضلًا عن إصرار حكومة إسرائيل على هدف التهجير والتطهير العرقي للفلسطينيين من البلاد. واصفًا الحالة الفلسطينية الراهنة بأنها تتعرّض لمخاطر وجوديّة استثنائية. مطالباً المجتمع الدولي والأصدقاء والحلفاء ومن يناصر الحق الفلسطيني بضرورة السعي لتمكين دولة فلسطين عبر السلطة الوطنية من تولّي مسؤولياتها كاملة في قطاع غزة، عبر مؤسساتها الرسمية وبالتعاون مع الهيئات الأمميّة واللجنة الإدارية الموكَلة بالعمل في قطاع غزة وفق مخرجات "مجلس السلام العالمي"، ورافضاً أي واقع يكرّس انفصال القطاع عن الضفة الغربية أو يدفع باتجاه ازدواجية لا تخدم الحل السياسي وإقامة دولة فلسطين. هذا و يتزامن عقد المؤتمر مع ذكرى النكبة في 14-15-16\أيار\مايو الجاري كما أشار الرئيس إلى ريادة حركة فتح بما هي الحامل للمشروع الوطني، في الوقت نفسه أوْلى اهتمامًا خاصًا بدور المرأة والشباب في سياق التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية قبل نهاية هذا العام، بما يجعله عام استعادة النظام السياسي الفلسطيني وتمكين شرعيّته وفق معايير دستوريّة، ليصبحَ عام الديمقراطية الفلسطينية المتجدّدة. بهذا يمكن تلخيص المهمة السياسية لحركة فتح في قادم الأيام، ويمكن استخلاص ورسم معالم المرحلة المقبلة وما يلزمها من استراتيجيات وخطط عمل تُسهم في انتشال الحالة من ضعفها الراهن عبر مقاربة التحدّيات بما يخدم الإنسان والوطن معًا لإعادة بناء دورة الحياة السياسية. بالتزكية الناظر لمنصّة المؤتمر يلاحظ خمسة و عشرين صورة تعلوها و تتوسطها صورة الرمز ياسر عرفات، وإلى جانبه شهداء اللجنة المركزية للحركة، وثلثهم فقط من غادر الحياة على فراشه، لأنه نجا من المعارك والاغتيال. إنّ ظل القيادة التاريخية كبير، إلى درجة لا يمكن تجاوزه ويحتاج إلى دِراية و تبصُّر، و بالعودة إلى المؤتمر المنعقد في تونس العاصمة بعد الخروج من لبنان، لجأ الرئيس عرفات إلى تجنّب عدّ الأصوات التي تنتخبه، لأنه يدرك أن لا خلاف على زعامته يَرقى الى مكانته بعد عام 1982، و بقدر ما كانت لحظة الخروج من لبنان استثنائية، كذلك الانشقاق الذي دعمه النظام السوري "الأسدي" ومَوّله النظام الليبي البائد. و لما كانت معركة الشرعية في أوجّها، تم انتخاب الرئيس عرفات بالتزكية والتصفيق وقوفاً من اعضاء المؤتمر قبل انتخاب اللجنة المركزية. هذا التقليد انتقل إلى المؤتمرات اللاحقة كما حصل في رام الله مؤخراً، حيث شَهِدَ الجميع أنّ الرئيس عباس حمل أمانة أسلافه جميعاً بصبرٍ واقتدار، مجسّدًا مراحل التطور الفتحوي في الصراع من أجل البقاء والاستمرارية وصيانة المكانة التاريخية لهذه الحركة في الوجدان والحياة العامة للفلسطينيين، بعد أن بلغ الانقسام أشدّه مع حركة حماس وبلغت المخاطر ما سمح للأعداء بحرب الإبادة والتهجير والإلغاء؛ و من يتابع أعمال المؤتمر يلاحظ أن جيل المؤسسين ما زال حاضرًا، وكذلك جيل انتفاضة الحجارة والانتفاضة الثانية أيضًا. كما يمكن رصد الجديد في جيل الصراع الراهن من أجل البقاء. كل ذلك ينتمي الى ثلاثة سياسات: الأولى مع البدايات، و شعار التحرير والكفاح المسلّح والحق التاريخي، ثم الانتقال إلى شعار الحق السياسي والسّلطة والدّولة، أما الآن ومنذ حرب الإبادة التي تلت عملية السابع من أكتوبر، فإن شعار “باقون” هو ما يلخص المشهد في مؤتمر فتح الثامن: باقون من أجل دولة لجيل المستقبل. إنقاذ مشهد المرأة الغزّيّة الباحثة عن أثرٍ يُذكّرها بمنزلها المدمّر حتى و لو كان طبقًا مكسورًا في مطبخها، يشبه ما يفعله راعي الغنم المطرود من أرضه والفلاح المتشبث بشجرة ورثها عن أبيه. من أجلهم جميعًا نسمع صوت الرئيس عباس يسعى مع الإدارة الأمريكية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من "اتفاق أوسلو"، حيث يُحاول نوّاب الكنيست التلموديين إقرار مشروع قانون يُجيز إلغاء "اتفاق اوسلو" والدعوة للاستيطان في المدن الفلسطينية بعد السيطرة على “المنطقة “B الخاضعة للحكم الذاتي. هذا المشهد وتلك الخلفية تجعل المهام المباشرة للسياسة اليومية الفلسطينية مهام إنقاذية ليس إلا. كما أن برنامج عمل اللجنة المركزية المنتخبة لن يخرج عن هذا السياق أو يتجاوزه. لذا، وفق تركيبة أعضاء المؤتمر وتنوّعهم ندرك أن اللجنة المركزية الجديدة بنصف أعضائها التسعة القدامى يحملون إرث التأسيس ونضال الكفاح المسلّح وانتفاضة الحجارة، وأن نصف أعضائها الجدد هم جيل لحظة الانتفاضة الثانية التي اختلط فيها الفعل الجماهيري مع العنف المسلّح بعد أن نبذناه. كما أن منهم من يحمل فكر الدولة الحديثة وما ينبغي أن تكون عليه دولة فلسطين المستقبليّة في المدى المنظور. إلا أن هذه الإمكانات والطاقات المخضرمة والوسيطة والحديثة لا يمكن أن تُجدي نفعًا الا إذا عملوا بصفتهم فريقاً واحداً ، من أجل تطوير حركة فتح أوّلًا نحو الانسجام السياسي مع أطروحة الرئيس عباس، في فتح مسارات جديدة لتعظيم الحضور الفلسطيني في الفضاء الأمريكي أوّلًا، بهدف وقف الحرب الإسرائيلية المفتوحة علينا في كل الأراضي المحتلة عام 1967. و من دون إنجاز هذه المهمّة لا يُمكن الحديث عن نجاحنا في حماية حقوقنا السياسيّة المشروعة و المُعترَف بها من أغلبية دول العالم. إنّ الواقعية السياسيّة التي يتّسم بها الرئيس عباس ليست مسألة ذاتية بقدر ما تعكس تراكمًا نضاليًا شاملًا في الحالة الفتحوية وتحوُّلاتها من الشعارات العامّة التي تلبي رغبة العامّة منذ نكبة عام 1948، إلى تحسُّس الاحتياجات المُلِحّة للناس بعد حرب الإبادة. فإذا نجحت السلطة الوطنية في هذا العام بتنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية، حينها يمكن القول أنّ شعار “باقون” تحقق من خلال أعلى نسبة مشاركة، وأن ما يمكن أن نحصل عليه بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية يسمح بالقول إن العبور إلى المرحلة الجديدة ممكن مع تظهير كامل للتحديات الصعبة الماثلة أمام الشعب الفلسطيني.

إيران تصرّ وتوقّع… حكم إعدامها؟

أشارت وزارة الخارجية الإيرانية يوم الاثنين إلى أن إيران ردّت على اقتراح جديد من الولايات المتحدة يهدف إلى الخروج من الجمود الدبلوماسي وإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم، مضيفة أن التبادلات تستمر مع واشنطن عبر الوسيط الباكستاني. كررت إيران يوم الاثنين مطالبها، داعية بشكل خاص إلى تحرير الأموال الإيرانية المجمدة بالخارج ورفع العقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها. وأكد الناطق أيضاً على ضرورة دفع تعويضات عن الحرب، التي اعتُبرت غير قانونية وبلا أساس. أدانت وسائل إعلام إيرانية يوم الأحد ما اعتبرتها شروطاً مفرطة فرضتها الولايات المتحدة في عرضها الأخير. وبحسب وكالة فارس، تطلب واشنطن من إيران الإبقاء على موقع نووي واحد فقط في العمل ونقل احتياطياتها من اليورانيوم المخصب بدرجة عالية إلى الولايات المتحدة. رهان محفوف بالمخاطر في هذا السياق، أرسمت إيران يوم الاثنين رسمياً إنشاء هيئة جديدة، وهي سلطة مضيق الخليج الفارسي، لإدارة هذا الممر. لم يتم الكشف عن الاختصاصات الدقيقة لهذه الهيئة الجديدة على الفور. لكن وفقاً لمجلة Lloyd's List المتخصصة، فهي مكلفة بالموافقة على مرور السفن وتحصيل رسوم العبور في مضيق هرمز. في الواقع، تعتقد الجمهورية الإسلامية أن السيطرة على هذا الاختناق الجغرافي ستكون السلاح السحري لإجبار الولايات المتحدة على الرضوخ. وهدد الحرس الثوري يوم الاثنين بفرض رسوم على استخدام كابلات الألياف البصرية تحت الماء التي تعبر مضيق هرمز، مشيراً إلى أن أي اضطراب في هذه المعدات قد يكلف الاقتصاد العالمي ما يصل إلى مئات الملايين من الدولارات يومياً. وفي رسالة على تطبيق تيليغرام، اعتبر الجيش الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية أنه باسم السيادة المطلقة للإيران على مياهها الإقليمية، يمكن للبلاد أن تعلن أن جميع كابلات الألياف البصرية التي تعبر الممر المائي تخضع للتصاريح والمراقبة والرسوم. بلا شك، تنبع هذه الموقف الراديكالي من الجناح المتشدد للنظام، أي الحرس الثوري. لكن هذه الموقف المحفوفة بالمخاطر قد تثير استئناف المواجهة العسكرية. بالنسبة لقوات الحرس الثوري والمتشددين في النظام، فإنهم يسعون إلى استدامة ما هو في الحقيقة صراع وجودي. بينما خسرت إيران عدداً من القيادات، وتعرضت بنيتها التحتية لأضرار بالغة من القصف، واستنزفت اقتصادياً، ترفض الطبقة الحاكمة الاستسلام... بل وتطالب حتى بالمزيد من التنازلات. تعتقد طهران فعلاً أن دونالد ترامب سيفقد صبره أمام ارتفاع أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر. يعود الشلل شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي يمر عبره خمس الإنتاج العالمي من الهيدروكربونات في الأوقات العادية، إلى بداية الحرب في 28 فبراير، حيث ردت واشنطن بفرض حصار على الموانئ الإيرانية. وأدى غلق هذا الممر المائي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. لكن ما ينساه القادة الإيرانيون هو أن الظروف ليست مثالية، خاصة أن الشعب معادٍ بشدة لهذا الصراع، لا سيما بعد الاحتجاجات الواسعة في يناير، التي أُخمدت بدم (ما يقرب من 40 ألف قتيل في يومين، في 8 و9 يناير)، وبسبب تأثير الحرب على الاقتصاد والبنية التحتية. رقم قياسي مؤسف كانت إيران محور التركيز في التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية الذي نُشر يوم الاثنين والذي يؤكد أن عدد الإعدامات المسجلة في العالم ارتفع في 2025 وبلغ أعلى مستوى له منذ 1981، وهو ارتفاع يعود في الأساس إلى إيران حيث تضاعفت الإعدامات أكثر من الضعف العام الماضي. تشكل الجمهورية الإسلامية وحدها 80% من الإعدامات المسجلة في 2025 حسب تقرير منظمة العفو الدولية. تم تنفيذ حوالي 2159 إعدام شنقاً في إيران العام الماضي، مقابل 972 في 2024. تؤكد المنظمة في تقريرها: "مكّنت السلطات الإيرانية نفسها من الاستخدام المكثف لعقوبة الإعدام كأداة للقمع والسيطرة السياسيين، مما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في عدد الإعدامات". شهد اللجوء إلى الإعدامات ارتفاعاً ملحوظاً بعد حرب الـ 12 يوماً التي شهدتها إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو: تم تسجيل 654 إعدام قبل هذا النزاع، مقابل 1505 بين يوليو وديسمبر. لا يتم احتساب أحكام الإعدام والإعدامات في إيران نتيجة حركة الاحتجاج في البلاد في يناير وبداية النزاع في الشرق الأوسط في 28 فبراير في تقرير منظمة العفو الدولية. لكن وفقاً لمنظمات حقوقية مقيمة في بعض الدول الأوروبية، تم شنق ما لا يقل عن 600 مراهق وشاب إيراني، بينهم عدد من طلاب الجامعات، منذ يناير الماضي. على الميدان... أثار ضربة بطائرة مسيّرة حريقاً يوم الأحد بالقرب من محطة براكة النووية في غرب الإمارات العربية المتحدة، دون أن تسبب إصابات أو ارتفاعاً في مستويات الإشعاع، حيث أدانت السلطات ما وصفتها بالهجوم الإرهابي. رصدت الأنظمة الدفاعية الجوية ثلاث طائرات مسيّرة دخلت عبر الحدود الغربية، جرى التعامل مع اثنتين بنجاح، بينما استهدفت الثالثة مولداً كهربائياً بالقرب من الموقع، وفقاً لوزارة الدفاع الإماراتية. أدانت الوزارة الهجوم بأنه إرهابي، في إشارة واضحة تلمح إلى تورط إيران. واعتبرت أن الهجوم "سواء شنته الجهة الرئيسية أم إحدى جهاتها الوكيلة، يمثل تصعيداً خطيراً" كما أكدت على منصة X. اتهمت أبوظبي إيران في مناسبات عديدة بشن ضربات منذ وقف إطلاق النار بتاريخ 8 أبريل، الذي أنهى الأعمال العدائية بين الجمهورية الإسلامية وإسرائيل والولايات المتحدة. من جهتها، أشارت السعودية يوم الاثنين إلى أنها اعترضت ثلاث طائرات مسيّرة فوق أراضيها، مبينة أنها كانت أطلقت من العراق. تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن قطر والأمين العام للأمم المتحدة أدانا بشدة ضربة الطائرة المسيّرة ضد موقع محطة براكة النووية. في لبنان... على الجبهة اللبنانية، وبرغم بدء مفعول (نظرياً) يوم الأحد الساعة منتصف الليل، تمديد الهدنة بين إسرائيل وحزب الله لفترة 45 يوماً، واصلت إسرائيل يوم الاثنين غاراتها على مواقع وبنى تحتية للحزب الموالي لإيران في عدة مناطق من جنوب لبنان والبقاع. دعت قوات الاحتلال خلال اليوم إلى إجلاء ثلاث بلدات في منطقتي صور والنبطية استعداداً للقصف. نفذت غارة إسرائيلية يوم الأحد بالقرب من بعلبك في بلدة درس، أسفرت عن مقتل مسؤول الجهاد الإسلامي في البقاع.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6)

نتابع معكم المقال السادس من سلسلة «إسرائيل-حزب الله»، والتي تهدف إلى قراءة الواقع الراهن وفهمه بعمق على ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية، الأيديولوجية أو العاطفية، التي تغفل الحقائق. ونترك للقارئ استخلاص الاستنتاجات. وكانت المقالات السابقة قد استعرضت تنامي نفوذ حزب الله وقوته منذ اتفاق الطائف، وحربيه الأوليين مع إسرائيل، وصولاً إلى انسحاب جيش الدولة العبرية من لبنان في أيار من العام 2000. في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في 24 أيار 2000، وبإصرار من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك، صادقت الأمم المتحدة رسمياً في 16 حزيران 2000 على أن الانسحاب جاء كاملاً ووافياً لمندرجات قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، والذي اعتبر من حينها منجزاً ومطبّقاً. وإثر ذلك، تولت قوات اليونيفيل رسم خط الانسحاب الإسرائيلي الذي عُرف بـ«الخط الأزرق»، متضمناً 13 نقطة متنازعاً عليها بين البلدين، لا تتعدى مساحتها الإجمالية الكيلومتر المربع الواحد. وغالباً ما يُخلط بين هذا الخط وخط «بوليه-نيوكومب» المرسم عام 1923، والذي رسم الحدود بين لبنان وفلسطين إبان عهد الانتدابين الفرنسي والبريطاني. وبدلاً من استغلال الانسحاب الإسرائيلي في 24 أيار 2000 لبسط سيادة الدولة، لا سيما في جنوب لبنان، اتخذ رئيس الجمهورية إميل لحود والحكومة اللبنانية، الخاضعان للنفوذ السوري، موقفاً يوفّر الدعم المؤسساتي والسياسي لحزب الله تحت مسمى «المقاومة». غير أن هذه السردية كانت مهددة بالتقويض الجدي أمام الإقرار الأممي الرسمي باكتمال الانسحاب الإسرائيلي. وقد تقاطعت مقاربة لحود تماماً مع مصالح السوريين والإيرانيين، الحريصين على عدم تجريد حزب الله من شعار «الكفاح المسلح». فدمشق كانت متمسكة بالحفاظ على ورقة الضغط هذه ضد إسرائيل، سواء لاستخدامها في أي مفاوضات سلام مستقبليّة محتملة أو في حال اندلاع نزاع مسلح مع الدولة العبرية، وهو ما التقى مع أهداف طهران الساعية إلى تعزيز الميليشيا الشيعية كأداة نفوذ لها في لبنان والمنطقة. وفي هذا السياق، كان النظام الأمني اللبناني-السوري المشترك في تلك الحقبة، وهو شبكة تضم كبار ضباط الاستخبارات من البلدين، قد استشرف هذه المسألة ووجد الذريعة التي تتيح إبقاء الجنوب تحت سيطرة حزب الله لِممارسة ضغط عسكري على إسرائيل؛ ولم تكن هذه الذريعة سوى مزارع شبعا. الوضع الخاص بمزارع شبعا في نيسان من العام 2000، وقبل أسابيع قليلة من الانسحاب الإسرائيلي، أعاد اللواء جميل السيد، الذي كان يشغل حينها منصب مدير عام الأمن العام اللبناني والمقرّب من الرئيس إميل لحود، طرح مسألة مطالبة لبنان بمزارع شبعا، بهدف تبرير استمرار «المقاومة» التي يقودها حزب الله. وبالفعل، كانت السجلات العقارية اللبنانية تثبت منذ عام 1949 أن هذه المنطقة البالغة مساحتها 62 كيلومتراً مربعاً هي أراضٍ لبنانية، غير أنها تقع على الخرائط ضمن الأراضي السورية. وكان التطور الميداني قد تمثل في احتلال إسرائيل لها عام 1967، بالتزامن مع احتلالها لهضبة الجولان. هذا التحول الاستراتيجي، الذي جرى بتنسيق كامل مع دمشق (ولا سيما من خلال القنوات المفتوحة بين اللواء السيد ونظيره السوري اللواء علي مملوك)، منح الموقف اللبناني الرسمي الذريعة لرفض المصادقة الأممية على اكتمال الانسحاب الإسرائيلي. وكانت مزارع شبعا تشكل مادة لنزاع حدودي بين لبنان وسوريا منذ عهد الانتداب الفرنسي، وهو خلاف لم يجد طريقه إلى الحل الجذري بعد استقلال البلدين. وخلال حرب الأيام الستة عام 1967، احتلت إسرائيل هذه المزارع حيث كان الجيش النظامي السوري يتمركز فيها منذ مطلع الستينيات، وضمّتها إلى منظومتها العسكرية القائمة في هضبة الجولان. وكانت الشرطة والجمارك اللبنانية متواجدة في المنطقة منذ الاستقلال وحتى أحداث العام 1958، عندما أرغمت ميليشيات سورية وأخرى لبنانية موالية لدمشق - كانت تشارك في التمرد ضد الرئيس كميل شمعون - عناصر الشرطة والجمارك اللبنانيين على الانسحاب منها، واحتلت الموقع لتحويله إلى قاعدة عسكرية في مواجهة ثكنة الجيش اللبناني في مرجعيون. ومع نهاية حرب عام 1958، انسحبت هذه الميليشيات نحو الأراضي السورية، غير أن الشرطة والجمارك اللبنانية لم تَعُد أبداً إلى هناك. وفي وقت لاحق، تمركز الجيش السوري في المنطقة، ولا تزال سوريا تدرج هذه المزارع ضمن خرائطها العسكرية. لحود، صاحب مفهوم «التكامل» بين الجيش و«المقاومة» بعد الحروب العربية – الإسرائيلية في عامي 1967 و1973، وحتى عام 2000، لم يطالب لبنان الأمم المتحدة قط بمزارع شبعا كأراضٍ محتلة، واضعاً نفسه بحكم الأمر الواقع في خانة القبول بالخرائط الدولية التي كانت تصنفها ضمن الأراضي السورية. ولم تظهر هذه المطالبة رسمياً إلا في عام 2000، بغرض واضح يرمي إلى التشكيك في اكتمال الانسحاب الإسرائيلي، وبالتالي تشريع خطاب «المقاومة» المستجد. وقد لقي هذا الخطاب دفعاً قوياً وواسعاً من قِبل رئيس الجمهورية إميل لحود، الذي شكّل الضامن السياسي الأول لحزب الله في أعلى هرم السلطة. فمنذ أن كان قائداً للجيش، وضع لحود مفهوم الـ«التكامل» بين الميليشيا الشيعية والجيش اللبناني النظامي؛ إذ كان يعتبر أن مهمة الجيش تنحصر في ضمان السلم الأهلي – وهو ما تُرجم عملياً في قمع الناشطين والأحزاب السيادية المناهضة للوجود السوري ولحزب الله – في حين تُناط بـ«المقاومة»، المتمثلة بحزب الله، مهمة حماية البلاد في مواجهة إسرائيل. وبالفعل، كان لحود قد سهّل، منذ أن كان قائداً للجيش، عبور الأسلحة الإيرانية القادمة من سوريا نحو مواقع حزب الله في البقاع وجنوب لبنان. ورغم الضغوط التي مارستها الأمم المتحدة، رفض بشكل قاطع نشر الجيش اللبناني في المنطقة التي انسحبت منها إسرائيل، متذرعاً بأن خطوة كهذه من شأنها تحويل الجيش إلى «حارس حدود» لحساب الدولة العبرية. ومن جانبه، كان رئيس مجلس النواب نبيه بري يتحرك بالتكامل مع لحود، مؤدياً الركيزة التشريعية والدبلوماسية لحزب الله؛ إذ حرص على أن تتضمن البيانات الوزارية لجميع الحكومات المتعاقبة منذ الانسحاب الإسرائيلي نصاً صريحاً يؤكد «حق لبنان في المقاومة لتحرير أرضه»، وهو ما شرّع سلاح حزب الله. ولتدعيم ذريعة مزارع شبعا كأرض محتلة تستوجب التحرير، وفرضاً لقواعد اشتباك عسكري جديدة، نفّذ حزب الله في 7 تشرين الأول 2000 – أي بعد أربعة أشهر من انسحاب الجيش الإسرائيلي – عملية توغّل عسكري في قطاع المزارع، أسفرت عن «أسر» ثلاثة جنود إسرائيليين، تبين لاحقاً أنهم قُتلوا في لحظة العملية نفسها. هذا الهجوم، الذي تميز باستخدام الحزب آليات تحمل ألوان الأمم المتحدة، فجّر أزمة دبلوماسية بين قوات اليونيفيل وإسرائيل. وفي كانون الثاني 2004، أفضت وساطة ألمانية إلى إبرام صفقة تبادل سلّم بموجبها حزب الله جثامين الجنود الثلاثة وأطلق سراح رهينة مدني، في حين أفرجت إسرائيل عن 435 معتقلاً وسلمت رفات 59 مقاتلاً من الحزب. (يتبع) إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

جبران خليل جبران: جسر من نور بين الشرق والغرب (2/3)

في مقالنا السابق أوجزنا المحطات الأساسية في حياة جبران خليل جبران. وفي هذا الجزء الثاني، نغوص في بعض جوانب فكر هذا التأملي؛ بدءاً بتأثره بنيتشه، وصولاً إلى جبران الثائر والأب الروحي للقومية اللبنانية. « أنا ابن الأرض والسماء. الغابة كنيستي، والحقل هيكلي، والنجوم رفاق تأملي ». جبران خليل جبران « الإنسان حبل مشدود بين الحيوان والإنسان المتفوق، حبل فوق هاوية ». نيتشه خلال إقامته في باريس، اكتشف جبران نيتشه، فأحدث الأخير تحولاً جذرياً في فكره وأسلوبه؛ إذ تحول من الشاعر الحزين الغارق في الحنين، إلى النبي الصادح بالحق. ومنذ تلك اللحظة، صارت كتابته قائمة على الحِكَم، نبوية وقوية. بيد أن جبران، وعلى عكس نيتشه الملحد والساخر والمتشائم، ظل مؤمناً عميقاً ومفعماً بالرجاء. والحال أن جبران طوّع مفهوم نيتشه عن «الإنسان المتفوق» ليتناسب مع حساسيته الشرقية، وتصوره للقومية اللبنانية وحرية الشعوب. وعلاوة على ذلك، فإن البنية السردية لكتاب «النبي» (حيث يخطب المصطفى في الحشود قبيل إقلاعه) تستحضر بشكل لافت بناء كتاب «هكذا تكلم زرادشت» لنيتشه. «المُتشرّد، 1928». رسمٌ بالفحم. (متحف جبران خليل جبران) العلاقة بالكنيسة: مؤمن متمرّد «إيمانكم في داخلكم، وهو نبض قلوبكم». «الدين قلب ينفتح، لا عقيدة تنغلق». جبران خليل جبران اتسمت علاقة جبران بالكنيسة بجدلية عاصفة من «الحب والنفور». مسيحي ماروني النشأة والثقافة، وقد تشربت روحه خلال طفولته من روحانية وادي قاديشا المقدّس، ملجأ الرهبان عبر التاريخ. وقد تأثر أسلوبه بشكل مباشر بالكتاب المقدس الذي قرأه مراراً وتكراراً؛ ففي كتابه «النبي»، تتحدث الشخصية الرئيسية بالأمثال على طريقة الأسفار المقدسة. ومع ذلك، أصبح جبران من أشدّ منتقدي للمؤسسة الكنسية. أثار كتابه «الأرواح المتمردة»، الصادر عام 1908، ضجة واسعة؛ إذ انتقد فيه بقسوة تحالف رجال الدين مع الاقطاع في وجه الفلاحين، واصفاً بعض الكهنة بأنهم «ذئاب في ثياب حملان». وعند صدوره، وُصف الكتاب بأنه «هرطوقي وثوري». إلا أن جبران لم يهاجم الإيمان في حد ذاته، بل نفاق المؤسسة. كتب يقول: «لكم دينكم ولي ديني». ورغم تأثره بالتصوف والهندوسية، ظل جبران مسيحياً في الجوهر؛ مسيحياً يعود إلى الينابيع الأولى، ويرد كل شيء إلى يسوع الذي كَنَّ له عبادة مطلقة. وفي ظل تأثره العميق بالرومانسية الأوروبية والحركة التعالية الأمريكية، لم يرَ في المسيح كائناً متألماً ومستسلماً، بل رآه «أسداً» هصوراً، وثائراً يحطم أغلال الدين المؤسساتي. واليوم، غدت علاقته بالكنيسة مصالحة وهادئة، وبات يلقى تقديراً واسعاً في الأوساط الكنسية. ففي الولايات المتحدة، يبارك بعض الكهنة عقود الزواج بقراءة مقاطع من كتاب «النبي»، كما تُخصَّص له أطروحات جامعية من قبل رجال دين. ومن اللافت إن أول ترجمة عربية لكتاب «النبي» وضعها كاهن أرثوذكسي. «الرَّامِي، 1923». لوحة مائية. (متحف جبران خليل جبران) فكرة الهوية اللبنانية «لبنان تربة روحي ومهد أحلامي». «لبنانكم حكومة-أخطبوط متعددة الأذرع». جبران خليل جبران في الوقت الذي كان فيه لبنان يرزح تحت الحكم العثماني ثم الانتداب الفرنسي، لعب جبران دوراً محورياً في صياغة الهوية اللبنانية الحديثة. ومع ذلك، لم يكن منظّراً سياسياً؛ فمن نيويورك، حيث أسس «الرابطة القلمية»، أحدث ثورة في الأدب العربي وأعطى بعداً جديداً لعبقرية الاغتراب اللبناني، ليتحول إلى رمز وطني يجسد لبنان الفكر، والحرية، والروحانية. وبتأثير من نيتشه، دعا جبران إلى هوية لبنانية قوامها الحرية والقوة وتجاوز الذات؛ فلم يكن يريد شعباً لبنانياً ضحية أو خاضعاً، بل كان يتطلع إلى أمة متحررة من الفساد، ومنفتحة فكرياً على العالم: «لبنان الجسر» بين الثقافات، المتميز عن محيطه العربي بروحانيته وتاريخه وانفتاحه. وخلال المجاعة الكبرى عام 1914، ساند لبنان كثيراً عبر كتاباته، ولكن عندما عرض عليه الرئيس أيوب تابت حقيبة وزارية، رفض العرض يقيناً منه بأن السياسة ليست مساره. واليوم، يجري بانتظام استغلال كتابات جبران من قبل السياسيين اللبنانيين وتحويرها لخدمة قومية شعبوية نفعية. إن استحضار جبران يتيح لبعض المسؤولين السياسيين إضفاء هالة فكرية وأخلاقية على خطاباتهم، في حين يتجاهلون تماماً انتقاداته اللاذعة لفساد الحكام ونفاقهم. جبران.. أيقونة رغماً عنه للثقافة المضادة خلال ستينيات القرن الماضي، تحول كتاب «النبي»، الصادر عام 1923 في الولايات المتحدة، إلى ما يشبه مرجع «الثقافة المضادة»؛ إذ جذب أوساط «الهيبيز» بروحانيته الكونية وأبعاده المسكونية المنفتحة. وكان الطلاب يقرؤونه في الجامعات ويرفعونه كبيان لسعيهم الروحي خارج عن إطار المؤسسات التقليدية. بيد أن هذه الصورة تظل اختزالية؛ فجبران لم يكن يوماً «عراباً» أو نبيّاً لحركة «العصر الجديد» (New Age)، بل كان ثائراً مسيحياً، تسكن روح المسيح عمق وجدانه. اقرأ في الموضوع نفسه: جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (1/3)