شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
بين اليابان ولبنان: مفارقة النهوض من ركام الهزيمة وفخ الانهيار المستمر

تأثرت كثيراً عندما شاهدت مسلسل انتاركتيكا على نتفليكس، وتساءلت هل يمكننا في لبنان ان نقوم بما يشبه ما حصل في اليابان عام 1950، أم ان وضعنا ميؤوس منه! يدور المسلسل حول النموذج الذي شكلته تجربة البعثة اليابانية إلى القطب الجنوبي في الخمسينيات، للدلالة على كيفية تحويل مشروع علمي - تقني إلى رافعة لإعادة بناء الشعور الوطني في سياق ما بعد الاحتلال والهزيمة. فاليابان الخارجة من الحرب العالمية الثانية لم تكتفِ بإعادة إعمار بنيتها المادية، بل سعت إلى إعادة إنتاج سرديتها الجماعية وصورتها في العالم، من خلال نقل مركز الشرعية من المجال العسكري إلى المجال العلمي- المدني. وقد لعبت هذه البعثة دوراً رمزياً في هذا التحول، إذ قُدِّمت بوصفها دليلاً على قدرة الأمة اليابانية على النهوض والانخراط مجدداً في المجتمع الدولي عبر أدوات سلمية. اللافت في هذه التجربة، ان إطلاق هذه البعثة لم يكن مجرد قرار إداري أو علمي، بل كان فعلاً سياسياً - رمزياً بامتياز، جرى تأطيره عبر خطاب عام يربط بين التقدم العلمي واستعادة الكرامة الوطنية. وقد لعبت المؤسسات التربوية والإعلامية دوراً محورياً في هذا المسار، من خلال حملات تعبئة عاطفية وتربوية، قامت بتبسيط المشروع وتقديمه بوصفه مغامرة إنسانية جماعية، قادرة على استقطاب مختلف الفئات الاجتماعية، من أجل تأمين التمويل اللازم للرحلة في ظل ضعف إمكانيات الدولة. هنا تحديداً يبرز الدور اللافت في تعبئة الأطفال، حيث جرى تحويل عناصر من البيئة القطبية، مثل البطاريق وكلاب الزلاجات (الهاسكي)، إلى وسائط عاطفية وتربوية تُقرّب المشروع من المخيال اليومي، وتُنتج علاقة وجدانية بين الفرد والبعثة. لم يكن هذا الاستخدام الرمزي للحيوانات تفصيلاً هامشياً، بل شكّل آلية فعالة لتحويل مشروع معقّد إلى قصة قابلة للفهم والتماهي، خصوصاً لدى الأجيال الناشئة. بهذا المعنى، لم تكن التبرعات الشعبية مجرد مورد مالي فقط، بل كانت آلية لإنتاج الشعور بالانتماء، حيث ساهم فعل التبرع ذاته في ترسيخ شعور المشاركة في إنجاز وطني جامع. وهذا يحيلنا الى ما يسميه بندكت أندرسون "الجماعات المتخيلة"، حيث تتشكل الأمة عبر سرديات مشتركة تمنح الأفراد إحساساً بالانتماء إلى كيان يتجاوز خبراتهم الفردية. كما تندرج ضمن ما أشار إليه إريك هوبزباوم حول "اختراع التقاليد"، إذ يجرى بناء طقوس وممارسات تساهم بمنح الشرعية لنمط جديد من الوطنية. فالدولة – الأمة، بحسب أكسيل هينيث، لا تبنى فقط بالقوانين والدساتير الجافة (التي يفقد لبنان وظيفتها وفاعليتها بسبب الفساد)، بل تبنى وفق ما يسميه "الحياة الأخلاقية المشتركة". وهذه الحياة لا تتحقق إلا عندما يتشارك المواطنون في "ممارسات وتقاليد حية ومشاريع مشتركة" تمنحهم شعوراً بالتضامن والاعتراف المتبادل، ما يجعلهم يشعرون بأن حريتهم الفردية مرتبطة بحرية الآخرين، وبنجاح المجموع. وهذا تماماً ما يفتقده لبنان اليوم في ظل غياب أي مشروع جامع يعيد صياغة الهوية الوطنية بعيداً عن زواريب الطوائف والفساد. غير أن نجاح التجربة في اليابان لم يكن نتيجة الخطاب وحده، بل استند إلى شروط بنيوية محددة. أول هذه الشروط هو وجود دولة متماسكة قادرة، رغم الهزيمة، على التخطيط والتنفيذ وضبط الموارد. ثانيها، وجود نخب سياسية وإدارية تدرك ضرورة الانتقال من القومية عسكرية إلى شرعية مدنية - علمية، وتسعى إلى ترسيخ هذا التحول عبر مشاريع ملموسة. أما الشرط الثالث، وربما الأهم، فهو مستوى الثقة العامة في المؤسسات، بما يسمح للمواطنين بالاعتقاد أن مساهماتهم، المادية أو الرمزية، ستُوظَّف فعلياً في خدمة الصالح العام. وفي غياب هذا العنصر الأخير، تفقد أي محاولة للتعبئة الشعبية معناها، وتتحول إلى مجرد إجراء شكلي. عندما فكرت بحملة مماثلة نقوم بها في لبنان لجمع التبرعات، من أجل مساعدة الجنوبيين وإعادة الاعمار ومنع الثنائي الطائفي الشيعي من استغلال المناسبة، يتبين واقع مختلف جذرياً عما هو في اليابان. فالواقع اللبناني الحالي يبرز بوصفه نقيضاً بنيوياً لتلك الحالة. فالدولة، بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً، تتحول إلى ساحة تنازع بين قوى طائفية وشبكات زبائنية، ما يعيق القدرة على إطلاق أي مشروع وطني جامع. كما أن انعدام الثقة بين المواطن والمؤسسات يقوّض مسبقاً أي إمكانية لتعبئة مالية شعبية، إذ يُنظر إلى الموارد العامة بوصفها عرضة للنهب أو التوظيف الفئوي. يضاف إلى ذلك تعدد السرديات المتعارضة حول معنى الكيان ذاته، بين منطق "المقاومة" ومنطق "السيادة"، وبين انتماءات إقليمية ودولية متضاربة. الأمر الذي يمنع تشكيل " سردية مشتركة" يمكن الاستناد إليها في عملية تعبئة جماعية. في هذا السياق، تتحول آليات إعادة الإعمار والمساعدات إلى أدوات لإعادة إنتاج الولاءات السياسية، كما يظهر في هيمنة مؤسسات ذات طابع زبائني على توزيع الموارد، ما يعزز التبعية بدلاً من بناء مواطنة متساوية. من هنا، فإن هذه المقارنة لا تهدف إلى استنساخ النموذج الياباني، بقدر ما تكشف عن الشرط المفقود في الحالة اللبنانية: غياب الإطار الرمزي والمؤسساتي الذي يحول الفعل الاقتصادي إلى فعل انتماء. فالمشكلة لا تكمن فقط في شح الموارد، بل في العجز عن إنتاج معنى جماعي يجعل الأفراد راغبين في المساهمة الطوعية في مشروع يتجاوز انقساماتهم. وعليه، فإن أي محاولة لإطلاق مبادرات تمويلية لإعادة الإعمار في لبنان تبقى محدودة الأثر ما لم تقترن بإعادة بناء الثقة، وصياغة سردية وطنية جامعة، وإرساء آليات شفافة تفك الارتباط بين الموارد والزبائنية. باختصار: تحرير الدولة من محتلّيها. دون ذلك، يبقى الفارق بين التجربتين تعبيراً عن اختلاف عميق في بنية الدولة، وطبيعة النخب، وشروط إنتاج المعنى الوطني.

أهمّية الانتخابات المغربيّة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

يشير إجراء الانتخابات التشريعية في المغرب يوم 23 أيلول – سبتمبر المقبل، أي في موعدها المحدّد، إلى انتظام في الحياة السياسية في المملكة التي يزيد عمرها على اثني عشر قرنا. استطاع المغرب في كلّ مرحلة من مراحل تاريخه الطويل تجاوز الصعوبات والعقبات والتحديات ذات الطبيعة المختلفة وصولا إلى عهد محمّد السادس الذي صعد إلى العرش قبل ما يزيد قليلا على 27 عاما خلفا لوالده الحسن الثاني. كان تطوير الحياة السياسية من بين السمات المميزة لعهد محمد السادس، وهو تطوير ترافق مع إقامة بنية تحتية حديثة تجعل من يأتي إلى المغرب من اسبانيا أو البرتغال لا يشعر بأنّه لم ينتقل من دولتين أوروبيتين إلى عالم مختلف... يعني إجراء الانتخابات المغربيّة في موعدها تكريسا لمفاهيم جديدة في الحكم تقوم على الإحترام الدقيق للدستور الذي وافق عليه المواطنون في استفتاء شعبي أجرى في العام 2011. بين ما ينص عليه الدستور تكليف شخصية من الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من النواب تشكيل الحكومة. من هنا، ستفتح الانتخابات الأبواب على مصراعيها لتجاذبات بين الأحزاب، خصوصا أنّ الحزب الذي سيحصل على العدد الأكبر من المقاعد لن يكون قادرا على تأمين أكثرية تسمح له بتشكيل الحكومة من دون التحالف مع أحزاب أخرى. وهذا ما حصل، قبل اربع سنوات، نتيجة الانتخابات الأخيرة التي حصل فيها حزب الأحرار الذي كان على رأسه عزيز أخنوش على أكبر من المقاعد من دون أن تكون لديه أكثرية مطلقة. جاء دستور 2011 ليكرس انطلاقة للحياة السياسية في مملكة اختارت تطوير نفسها من دون تجاهل الصعوبات التي تواجهها في ضوء افتقارها للثروات الطبيعية من جهة وحرب الإستنزاف التي تتعرّض لها منذ العام 1975 من جهة أخرى. ليس سرّا أن المغرب يواجه حرب استنزاف تشنّها عليه الجزائر، كنظام، منذ استعاد أقاليمه الصحراوية من المستعمر الإسباني بفضل "المسيرة الخضراء"، وهي مسيرة سلميّة، شارك فيها نحو 350 الف مواطن مغربي تلبية لنداء وجهه العاهل الراحل الحسن الثاني. كلفت حرب الإستنزاف، التي استخدمت فيها جبهة "بوليساريو" طوال ما يزيد على نصف قرن، الكثير. لكنّ هذه الحرب لم تمنع المغرب من متابعة خطط التنمية ونشاطه الديبلوماسي الذي توج، في تشرين الأوّل – أكتوبر من العام الماضي (2025)، بصدور قرار مجلس الأمن الرقم 2797 الذي اعترف بمغربية الصحراء وبأن الحل الوحيد القابل للحياة يتمثل في طرح الحكم الذاتي الموسّع في اطار السيادة المغربيّة. يمكن اعتبار الانتخابات والمرحلة التي ستليها جزءا من التحديات التي يواجهها المغرب، بما في ذلك تحدي الحرب على الفقر التي نادى بها محمّد السادس منذ اعتلائه العرش. مثل هذه الحرب، التي تبدأ بإزالة المدن العشوائية وإقامة سكن لائق للمواطن المقيم في تلك المدن، تبقى خير وسيلة لمكافحة الإرهاب وكلّ أشكال التطرّف. سيؤكّد إجراء الانتخابات في موعدها أن التغيير، نحو الأفضل، غير ممكن من دون وعي سياسي متكامل على الصعيد الوطني. مثل هذا التغيير يتمّ عبر الصندوق الإنتخابي وليس عبر الشارع حتّى لو كانت مطالب المتظاهرين محقّة. لم تسقط حكومة عزيز أخنوش في أيلول – سبتمبر وتشرين الأوّل من العام الماضي عندما نزل شباب من جيل – z إلى الشارع احتجاجا على مستوى الخدمات الطبية والتعليم وارتفاع الأقساط في المدارس الخاصة. لم يسقط الشارع الحكومة، لكنّه صارت توجد الآن حاجة ماسة إلى حكومة جديدة على رأسها شخصية أكثر قربا من المواطن العادي وما يشعر به. الحاجة إلى شخصية اثبتت، في الماضي القريب، أنّها قادرة على النجاح عندما تتولى مهمة معيّنة. بكلام أوضح، صارت هناك حاجة إلى حكومة تتفهم الأسباب الحقيقية التي جعلت مجرّد أخبار مغلوطة واشاعات نشرتها وسائل التواصل الاجتماعي آلاف الشبان يندفعون، في الأيام الأخيرة من تموز – يوليو الماضي، في اتجاه سبتة التي تحتلها اسبانيا في شمال المغرب. هؤلاء الشبان المغاربة الذي وصل عددهم إلى خمسين الفا كانوا يعتقدون أن سبتة المقامة على ارض مغربية كنز ذهب سيغرفون منه ويعودون إلى مدنهم وقراهم للعيش في أجواء ماديّة مريحة. من هذا المنطلق، يبدو مهما أن تلعب الانتخابات الدور المطلوب منها من أجل إحداث التغيير السياسي، لكنّها تضع في الوقت ذاته الأحزاب السياسيّة كلّها وقادة هذه الأحزاب أمام تحديات يفرضها الواقع المغربي. يشمل ذلك، في طبيعة الحال، الإرتقاء إلى مستوى النهضة التي تعيشها المملكة حيث تبنى مستشفيات ومراكز طبّية وموانئ ومرافق خدمات في انحاء مختلفة من البلد. إلى ذلك، هناك وعي حقيقي لدى محمّد السادس نفسه لأهمّية رفع مستوى التعليم. وقد تحدّث العاهل المغربي صراحة عن هذا الموضوع قبل سنوات قليلة في خطاب عيد العرش. تطرّق في هذا الخطاب بشكل صريح إلى مستوى التعليم وإلى أهمّية اتقان اللغات الأجنبيّة، إضافة إلى العربية في طبيعة الحال. قبل نحو ثلاثة أسابيع من موعد الإنتخابات المغربية، يفترض في الطبقة السياسية استيعاب ما كشفه مشهد سبتة، في ما يخص الشباب والبطالة والفوارق وانتظار ثمار المشاريع الكبرى، وهو ما تحدث عنه الملك شخصياً حين ركز، قبل سنة، على ضرورة ان يسير المغرب كله بسرعة واحدة. الأهم، أن الأزمة المتعلقة بسبتة لم تتحول إلى انقسام سياسي داخلي، أو مواجهة مفتوحة مع إسبانيا، أو شرخ ديبلوماسي يعيد ترتيب علاقات المغرب بأوروبا. يؤكّد هذا النجاح قدرة الدولة المغربيّة على امتصاص الصدمة، ومنع خصومها المعروفين من التحكم في معناها، ثم إعادة الحدث إلى حجمه من دون إنكار خطورته. إنها عناوين لمرحلة ما بعد الانتخابات، عناوين برسم الطبقة السياسية المغربيّة قبل أي طرف آخر.

حذارِ، الإنكشاريون على الأبواب!
بقلم
يوسف معوض
نُشر

أنقرة العثمانية الجديدة تحرّك بيادقها في بلاد الشام !وليس قصفٌ إسرائيليّ لقاعدة أبو الظهور الجوية في 18 آب/أغسطس الماضي، أو للضاحية الدمشقية بعد عشرة أيام، ناهيك عن التهديدات شبه المبطّنة الصادرة عن تل أبيب، كفيلاً بوقف التقدّم التركي باتجاه الجنوب الجغرافي وعلى امتداد ‘بحر سورية ‘ (1) وسيكون توم بارّاك، سفير الولايات المتحدة في تركيا ومبعوثها الخاص إلى دمشق، أمام مهمة شاقة الآن، بعدما بدأت تتبلور منافسة استراتيجية بين الأتراك والإسرائيليين، قد تقوم على الأراضي السورية، وقريباً اللبنانية، باعتبارهما الساحة الرئيسية للتنافس، بل للمواجهة. وعلى واشنطن، وقد أخذت علماً بانحسار النفوذ الإيراني، أن تفكر في إقامة آلية لـ«فضّ الاشتباك» بين حليفيها، الدولة العبرية وجمهورية أتاتورك، ما دام كلاهما يسعى إلى ملء الفراغ السحيق الذي خلّفه وراءه الملالي الإيرانيون المنهكون! حنين إلى أوروبا لما كنا بلغنا ما نحن فيه اليوم، لو لم يرَ مجلس الاتحاد الأوروبي في حزيران/يونيو 2019 أن مفاوضات الانضمام مع أنقرة «وصلت إلى طريق مسدود». ذلك أن تركيا، مدفوعة بشيء من الحنين، لطالما حلمت بمصير أوروبي. وفي مناسبتين، حاصرت جيوش السلطان فيينا، عامي 1529 و1683. وللتذكير، وقبل أن يجعل السلطنة القسطنطينية عاصمتها، كانت قد اتخذت من أدرنة (أدريانوبل) في تراقيا الشرقية مقراً لها. ولنضف إلى ذلك أن الجمهورية التركية، بعد الحرب العالمية الأولى، وقد تقلّصت إلى حجم دولة-أمة، كانت قوة إقليمية لا يستهان بها، وقد حدّثت نفسها من دون أن تنزع عنها إسلامها. أفهل كان ذلك هو السبب الذي جعل الاتحاد الأوروبي يصدّ عنها الباب؟ لقد خلصت السلطات التركية إلى أن أوروبا تريد أن تبقى «نادياً مسيحياً حصراً». وعندها، وللاختصار، لم يعد أمامها سوى التوسع شرقاً في المجال التركي اللسان، وجنوباً في المجال العربي اللسان. وها نحن هنا! حلف السيف والدين والحال أن «التركي الكبير»، كما كانوا يسمّونه في الزمن الذي كان فيه يُرعب آل هابسبورغ، ليس وافداً جديداً إلى مسرح الشرق الأدنى. فعلى مدى أربعة قرون، كانت بلاد الشام جزءاً من إمبراطوريته، وكانت هويتها ذات الغالبية السنية تهيئها بصورة طبيعية لقبول سلطة السلطان-الخليفة، ذاك الملقب «بظلّ الله على الأرض» (2). ولنتذكّر أن العثمانيين أسقطوا الحكم المملوكي وفتحوا سورية عام1516. وفي أواخر أيلول/سبتمبر من العام نفسه، سقطت دمشق، وأقيمت صلاة الجمعة أخيراً في الجامع الكبير باسم السلطان سليم. وفي الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، وقد اكتسب هذا الأخير الشرعية الإسلامية طالما توجها بأمجاد الإنتصار. وفي اليوم التالي دخل هذا الأخير عاصمة الأمويين دخول الفاتحين. وكان عنصران قد رسّخا سلطته وحملا «الرعايا» في بلاد الشام، كما في سائر أنحاء الإمبراطورية، على الإذعان له: الانتصار العسكري والاشتراك في العقيدة الدينية نفسها. وبعبارة أخرى، كانت تلك «تحالف السيف والدين»، كما في ظلّ النظام القديم في فرنسا، وكما في إسبانيا في عهد فرانكو والبرتغال في عهد سالازار. فلا يأتينّنا أحد ليقول إن العقليات قد تغيّرت منذ ذلك الحين! فمتى نعترف أخيراً بأن الرافعتين نفسيهما هما اللتان حملتا أحمد الشرع إلى سدة الحكم العليا على ضفاف بردى: الانتصار في الميدان، واعتناقه الدين الحنيف الصارم؟ اتفاقات سايكس ـ بيكو مجدداً لكن لنعد نحو قرن إلى الوراء، ولنضف أن السوريين، قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها، لم يكونوا يسعون إلى الانفصال عن الأناضول؛ بل كانوا سيتقبلون قدراً من اللامركزية تُعترف فيه بتطلعاتهم الثقافية، وتُعتمد فيه اللغة العربية في الإدارة العامة. وكانوا ليرحّبوا بملكية مزدوجة على غرار الدولة النمساوية ـ المجرية، لولا السياسة القاسية، وغالباً الوحشية، التي انتهجها جمال باشا خلال سنوات الحرب. والواقع أن الذي وضع حداً للاحتلال العثماني عام 1918 لم يكن انتفاضة محلية (3)، ولا حتى الأعداد الزهيدة من القوات العربية التابعة للأمير فيصل، بل بالأحرى التقدم الظافر لقوات الحلفاء، وفي مقدمتها القوات البريطانية. ثم، ابتداءً من عهد الانتداب، أخذت القومية العربية بالتبلور، فطوّرت خصوصياتها ومزاجها الخاص. لكن الذي أدى بصورة خاصة إلى مزيد من تفكيك الروابط التي امتدت لأربعة قرون بين العالم التركي اللسان والعالم العربي اللسان، كان إلغاء الخلافة عام 1924، إلى جانب العلمنة القسرية، وهما علامتا النظام الأتاتوركي الفارقتان. وبعد ذلك، لعب حزب البعث على وتر العداء بين العرب والأتراك، رغبةً في ترسيخ سلطته، ولم يكن ضمّ لواء الإسكندرون عام 1939 ليساعد على المصالحة بين الشعبين. الحذر من الحماس المفاجئ كل هذا لأقول إن الخلاف السوري ـ التركي، إذا ما استمر، يمكن حله في مناخ من الأخوة الدينية. فتركيا أردوغان، التي ترفع بفخر لواء انتمائها إلى الإسلام، مرحّب بها في سورية التي اضطهد فيها الحكم البعثي، على مدى خمسين عاماً، بصورة منهجية، الأكثرية السنية، وكمّم أفواه كبار رجال الدين فيها. والآن، بعدما انسحبت إيران والاتحاد الروسي من دون أن يطلبا مقابلاً، يُفترض أن تكون تركيا موضع ترحيب. بل إن المعلومات تفيد بأن شباناً سوريين في سن القتال قد لا يترددون في الانضمام إلى صفوف قوات أنقرة، في حال دخلت هذه الأخيرة في مواجهة عسكرية مع إسرائيل. فمئة عام من القومية العربية المتشددة ربما لم تمحُ أربعة قرون من العثمانية، ولم تطمس ألف عام من التضامن الديني! ملاحظة: على تركيا أن تحذر من الحماسة السورية تجاهها! ولتتذكر المصير الذي لقيه جمال عبد الناصر. ففي عام 1958، أقامت له دمشق احتفالاً عظيماً عند إعلان الجمهورية العربية المتحدة. ثم، في عام 1961، وقّع الانفصال! 1 ـ تاريخياً، تعني عبارة «بحر سورية» أو Mare Syriacum باللاتينية الجزء الشرقي من البحر المتوسط الواقع قبالة الساحل السوري ـ اللبناني. 2 ـ لقب مستعار من لقب الباسيليوس البيزنطي، عند سقوط القسطنطينية عام 1453. 3 ـ في سورية، ورغم تدهور ظروف المعيشة خلال الحرب العالمية الأولى، لم تُسجَّل لا اضطرابات ذات شأن، ولا انتفاضة، ولا فتنة ضد التركي. بل إن الضباط والمثقفين وكبار البرجوازيين الذين انضموا إلى الأمير فيصل كانوا يُوصمون في بعض الأحيان بالخيانة والارتداد في المراكز الحضرية الكبرى، مثل حلب وحمص، وحماة، ودمشق، وغيرها.

طهران تضع نوعاً جديداً من الشروط على واشنطن…

منذ أن اعتمدت الولايات المتحدة سياسة العقوبات والضغوط الاقتصادية على إيران، لم تشهد المفاوضات بين الطرفين أي تقدم يُذكر. كان الهدف من زيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران يوم الخميس، إعادة إحياء هذه المحادثات، ولا سيما في ما يخص تسهيل حركة الملاحة في مضيق هرمز. يوم الجمعة، وظّف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذه الزيارة بذكاء لإرسال إشارة انفتاح خجولة تجاه الولايات المتحدة. إذ نشر صورة تجمعه بالمسؤول القطري على حسابه في منصة إكس، مرفقةً برسالة أكد فيها أن العودة إلى طاولة المفاوضات «ليست مستحيلة». وكما هو متوقع، أحاط هذه الصياغة المدروسة بجملة من الشروط: على الولايات المتحدة أن تُدرك أن الضغوط لا تُجدي نفعاً، وأن تبني جسور الثقة مع إيران، وأن تتحدث إليها باحترام(!) وتعترف بحقوقها، مع الوفاء بالتزاماتها. برنامج طموح للغاية. غير أن الأمريكيين لا يُبدون في الوقت الراهن أي نية للتخلي عن استراتيجية الضغوط الاقتصادية واستئناف المحادثات. وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية يوم الجمعة أنها رصدت الشبكات والوسطاء الذين تستعين بهم إيران لتهريب نفطها والتحايل على العقوبات... وأكدت الوزارة: «سنستهدف كل مصدر دخل غير مشروع للنظام الإيراني، بالتنسيق مع كافة المؤسسات الحكومية الأمريكية وحلفائنا». علاوة على ذلك، ووفقاً لموقع Axios ، ترى الولايات المتحدة أنها نجحت إلى حد بعيد في إضعاف القبضة الإيرانية على مضيق هرمز، الذي بات مع مرور الوقت محور المفاوضات الأساسي، بل يفوق في أهميته الملف النووي وملف الصواريخ الباليستية. وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانًا يوم الجمعة حذّرت فيه «جميع الدول» من الامتثال للعقوبات الأمريكية «غير القانونية وغير المبررة» المفروضة على إيران، مطالبةً بتطبيق «القانون الدولي». ويضيف البيان أن البلاد ستبقى مصممة على التصدي لـ«الهجوم العسكري والاقتصادي المشترك من الولايات المتحدة وإسرائيل». في المقابل، نفى رئيس الأمن الإيراني محسن رضائي بشكل قاطع المعلومات التي كشفت عنها الاستخبارات الأمريكية يوم الثلاثاء، والتي تزعم أن طهران دبّرت مخططًا لاغتيال بارون، النجل الأصغر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. واختار المسؤول الإيراني قناةَ حزب الله منبرًا للرد على ما وصفه بـ«الأكاذيب» الأمريكية بشأن مزاعم مخطط اغتيال بارون ترامب. والجدير بالذكر أن التلفزيون الرسمي الإيراني هو من بثّ هذه المعلومات قبل أيام، متحدثًا عن مكافأة ضخمة لكل من يُسهم في تنفيذ هذه العملية. غارات على ضواحي دمشق الخبر الآخر البارز اليوم هو موجة جديدة من التوتر بين دمشق وتل أبيب، على خلفية حادثتين وقعتا مساء الخميس وفجر الجمعة. الأولى هي توغل إسرائيلي في منطقة رأس العجرف داخل الأراضي السورية، عند هضبة الجولان، مساء الخميس. وبحسب قناة الميادين الموالية لحزب الله، فإن الجنود الإسرائيليين فتّشوا عددًا من المنازل في هذه المنطقة. أما الحادثة الثانية فقد طالت ضواحي العاصمة دمشق فجر الجمعة، إذ أفاد مراسل وكالة الأنباء السورية سانا بسقوط قذيفتين في أراضٍ زراعية في ريف دمشق دون أن تُسفرا عن أي ضحايا. ويبدو أن الإسرائيليين لا يُبادرون إلى تهدئة التوتر مع سوريا، على الرغم من الاجتماع الذي جمع مؤخرًا وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برئيس الموساد في الأردن، والذي كان يهدف إلى احتواء التصعيد في أعقاب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مطارًا سوريًا في إدلب. وكاد هذا الغارة أن تُشعل فتيل تصعيد خطير مع تركيا، الحليفة للنظام السوري. وعلى صعيد آخر، شهد يوم الخميس موجة من سقوط الضحايا في الأراضي الفلسطينية، إذ أودت الغارات الإسرائيلية بحياة ثلاثة أشخاص في غزة، من بينهم اثنان من عائلة واحدة. كما استهدفت الغارات مدينة جنين في شمال الضفة الغربية «عدداً من الإرهابيين»، وفق ما أفاد به بيان الجيش الإسرائيلي. هيكل يستقبل القائم بالأعمال الفرنسي في غضون ذلك، يواصل جنوب لبنان العيش على وقع الانفجارات والقصف الإسرائيلي المتواصل، في حين تتصاعد وتيرة التوغلات البرية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، لا سيما لأغراض التفتيش وتفجير المنازل. ويبدو أن مسار التدمير يزداد حدةً، خاصةً في بعض البلدات كالنبطية والمنصوري في منطقة صور. وفي ظل انعدام أي أفق جديد على صعيد المفاوضات المباشرة التي تجريها السلطات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أمريكية، يبدأ الدور الفرنسي في الظهور مجدداً على الساحة اللبنانية. وفي هذا السياق، استقبل قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل يوم الجمعة القائمَ بأعمال السفارة الفرنسية برونو دا سيلفا، وذلك في إطار التحضير للمؤتمر المرتقب عقده في باريس دعماً للجيش اللبناني. ومن المقرر أن تُعقد جلسة تحضيرية في العاصمة الفرنسية في السابع عشر من سبتمبر، يُتوقع أن يشارك فيها الجنرال هيكل. وكان قائد الجيش قد التقى، قُبيل زيارة الدبلوماسي الفرنسي، برئيس الجمهورية جوزيف عون في قصر بعبدا.

 لماذا يخاف اللبنانيون من كلمة "السلام"؟

“طوبى لفاعلي السلام”. ربما لا توجد عبارة تختصر حاجة لبنان اليوم أكثر من هذه العبارة التي حملها البابا لاون الرابع عشر في زيارته إلى لبنان، وجعل منها رسالة أساسية إلى اللبنانيين. وقد جاءت زيارته في بلد أنهكته الحروب والأزمات والانقسامات، ليضع السلام في قلب الخطاب اللبناني، لا بوصفه استسلاماً أو تنازلاً، بل بوصفه فعلاً ومسؤولية ومشروعاً للمستقبل. لكن المفارقة اللبنانية تكمن في أننا، نحن الذين عشنا الحروب أكثر من غيرنا، أصبحنا أحياناً نخاف من كلمة السلام نفسها. لماذا؟ لماذا يحتاج اللبناني إلى تبرير دعوته إلى السلام؟ ولماذا يشعر البعض أن مجرد استخدام هذه الكلمة يمكن أن يضعه في موقع الاتهام، وكأنه تخلى عن حقوقه أو قبل بالاستسلام أو أراد التطبيع أو تنازل عن القضية؟ هل أصبح السلام في لبنان تهمة؟ هذه الأسئلة ليست لغوية. إنها تكشف مشكلة عميقة في الثقافة السياسية اللبنانية. لقد عاش لبنان عقوداً من الحروب. حرب أهلية، احتلالات، اجتياحات، اعتداءات، اغتيالات، نزاعات داخلية، وصراعات إقليمية تحولت إلى أزمات لبنانية. وفي كل مرة كان اللبنانيون يدفعون الثمن: قتلى وجرحى، تهجير، دمار، انهيار اقتصادي، هجرة، وانقسام اجتماعي. ومع ذلك، لم نتعلم بعد أن الحرب ليست قدراً لبنانياً. ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف السلام. السلام الذي يحتاجه لبنان ليس سلام الاستسلام، ولا سلام الإذعان، ولا سلاماً مفروضاً من الخارج. إنه السلام اللبناني. والسلام اللبناني يبدأ من فكرة بسيطة: أن يكون لبنان صاحب قراره. أن تكون الدولة هي التي تقرر الحرب والسلم. أن تكون مؤسسات الدولة هي المرجعية الوحيدة. أن يكون الجيش اللبناني هو المؤسسة التي تحمي الحدود والسيادة. أن يكون القانون فوق الجميع. وأن لا يكون لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين. فالسلام لا يعني أن نتخلى عن حقوقنا. بل يعني أن نبحث عن حماية هذه الحقوق بالوسائل التي تحفظ لبنان وشعبه، لا بالوسائل التي تجعل من لبنان مرة أخرى أرضاً للحرب. السلام ليس ضعفاً. بل قد يكون أصعب أشكال القوة. فمن السهل أن تطلق النار، ومن السهل أن تعلن الحرب، ومن السهل أن ترفع شعارات الانتصار. لكن الأصعب هو أن تمنع الحرب عندما تكون قادراً على إشعالها، وأن تختار التفاوض عندما يكون التفاوض أكثر فائدة لشعبك، وأن تستخدم الدبلوماسية والقانون والعلاقات الدولية لحماية بلدك. ولهذا فإن السلام لا يتناقض مع السيادة. على العكس، السلام الحقيقي هو نتيجة السيادة. الدولة ذات السيادة هي التي تقرر متى تحارب ومتى تفاوض، وهي التي تتحدث باسم شعبها، وهي التي تدافع عن حدودها، وهي التي توقع الاتفاقات وتتحمل مسؤولية تنفيذها. أما عندما تتعدد مراكز القرار، يصبح السلام نفسه مستحيلاً. ولا يمكن أن يكون هناك سلام دائم فيما توجد في البلد قوى قادرة على اتخاذ قرار الحرب خارج المؤسسات الدستورية. وهنا لا يتعلق الأمر بطائفة دون أخرى، ولا بمذهب دون آخر. المشكلة ليست في الشيعة، ولا في السنّة، ولا في المسيحيين، ولا في الدروز. المشكلة في منطق الطوائف عندما يتحول إلى بديل عن الدولة. لبنان لا يحتاج إلى طوائف مسلحة كي تحمي بعضها بعضاً. لبنان يحتاج إلى دولة تحمي الجميع. فالشيعي يجب ألا يحتاج إلى حزب كي يشعر بالأمان، والمسيحي يجب ألا يحتاج إلى حماية خارجية، والسنّي يجب ألا يبحث عن قوة إقليمية تسنده، والدرزي يجب ألا يخاف على وجوده. الدولة هي الضمانة. وهنا يصبح السلام الداخلي شرطاً للسلام الخارجي. لا يمكن أن نتحدث عن السلام مع العالم فيما اللبنانيون أنفسهم يعيشون في حالة خوف متبادل. السلام اللبناني يعني أن ننتقل من منطق الجماعات إلى منطق المواطن. أن يشعر اللبناني أن حقوقه محفوظة لأنه مواطن، وليس لأنه ينتمي إلى طائفة أو حزب أو منطقة أو محور. ولهذا، فإن تطبيق الدستور ليس مسألة تقنية. إنه جزء من مشروع السلام. الدستور يحدد المؤسسات والصلاحيات والعلاقات بين السلطات. والمشكلة اللبنانية ليست دائماً في غياب النصوص، بل في عدم تطبيقها، وفي استبدال الدولة بمنظومة من المحاصصة السياسية والطائفية. لا يمكن بناء السلام على المحاصصة. السلام يحتاج إلى دولة قانون. والدولة تحتاج إلى قضاء مستقل، ومؤسسات فعالة، ومحاسبة، ومساواة بين المواطنين. لكن السلام لا يقتصر على السياسة والأمن. هناك سلام اجتماعي واقتصادي. ما معنى أن يتوقف إطلاق النار إذا بقي اللبناني بلا عمل؟ ما معنى الأمن إذا كان الشاب اللبناني مضطراً إلى الهجرة؟ ما معنى الاستقرار إذا كان الفقر يزداد، والدولة عاجزة، والاقتصاد منهاراً؟ السلام هو أيضاً أن يستطيع اللبناني أن يعيش بكرامة. أن يجد مدرسة وجامعة ومستشفى. أن يجد فرصة عمل. أن يستطيع بناء بيت وتأسيس عائلة. أن يشعر أن مستقبله موجود في لبنان، لا في مطار بيروت. لذلك، فإن السلام ليس مجرد غياب الحرب. السلام هو وجود الحياة. وهنا تصبح عبارة البابا «طوبى لفاعلي السلام» أكثر عمقاً. فهو لم يقل: طوبى للذين ينتظرون السلام. قال: فاعلي السلام. أي أولئك الذين يصنعونه. وهذه مسؤولية اللبنانيين قبل أن تكون مسؤولية المجتمع الدولي. نحن لا نستطيع أن نطلب من العالم أن يصنع لنا السلام بينما نرفض نحن أن نكون جزءاً من صناعته. السلام يحتاج إلى قرار لبناني. يحتاج إلى دولة. يحتاج إلى حوار. يحتاج إلى شجاعة سياسية. ويحتاج قبل كل شيء إلى تغيير في الثقافة السياسية التي جعلت من الحرب بطولة، ومن التسوية خيانة، ومن التفاوض ضعفاً، ومن السلام تنازلاً. علينا أن نعيد الاعتبار إلى فكرة التفاوض. فالتفاوض ليس خيانة. الدبلوماسية ليست استسلاماً. والبحث عن تسوية تحفظ مصالح لبنان ليس تنازلاً عن لبنان. الدول لا تحمي مصالحها فقط بالسلاح. تحميها أيضاً بالقانون، وبالقوة الدبلوماسية، وبالاقتصاد، وبالتحالفات، وبالمؤسسات، وبقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع العالم. واللبنان الذي نريده يجب ألا يكون تابعاً لأي محور. لا لإيران. ولا لإسرائيل. ولا للولايات المتحدة. ولا لأي قوة إقليمية أو دولية. بل للبنان أولاً. وهذا هو معنى السيادة. أن تكون علاقات لبنان مع الآخرين قائمة على المصلحة اللبنانية، لا على التبعية. أن يكون لبنان جسراً لا ساحة. دولة لا ورقة. وطناً لا منصة. وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للسلام اللبناني. سلام لا يلغي الخلافات، لكنه يمنع تحويلها إلى حروب. سلام لا يطلب من اللبنانيين أن يتخلوا عن ذاكرتهم، لكنه يرفض أن تتحول الذاكرة إلى وقود لحرب جديدة. سلام لا ينسى الشهداء، لكنه لا يرسل أبناءهم إلى موت جديد. سلام لا يتجاهل الاحتلال أو الاعتداء، لكنه يضع مصلحة لبنان وشعبه في المقدمة. ولذلك، يجب أن نتوقف عن الخوف من كلمة السلام. بل ربما يجب أن نخاف من شيء آخر: أن تصبح الحرب أمراً طبيعياً في حياتنا، وأن يصبح الحديث عن السلام أمراً مشبوهاً. أي وطن يريد أن يبقى أسير الحرب؟ أي شعب يريد أن يعيش أبناؤه في انتظار الحرب المقبلة؟ وأي دولة يمكن أن تبني اقتصاداً ومستقبلاً فيما قرار الحرب ليس محصوراً فيها؟ لقد آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: كيف ننتصر في الحرب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نمنع الحرب؟ ومن سؤال: من الأقوى؟ إلى سؤال: كيف تصبح الدولة أقوى من الجميع؟ ومن سؤال: من يحمي طائفتنا؟ إلى سؤال: كيف تحمي الدولة كل اللبنانيين؟ هذه ليست أسئلة استسلام. إنها أسئلة بناء وطن. ولذلك، فإن السلام الذي يحتاجه لبنان ليس سلاماً بين اللبنانيين وإسرائيل فقط، ولا بين لبنان وسوريا، ولا بين لبنان وأي دولة أخرى. إنه قبل كل شيء سلام اللبناني مع اللبناني، وسلام المواطن مع الدولة، وسلام الدولة مع نفسها، وسلام لبنان مع محيطه والعالم. السلام هو أن يتوقف لبنان عن أن يكون ساحة. وأن يصبح دولة. السلام هو أن يعود القرار إلى المؤسسات. السلام هو أن يصبح السلاح حصراً في يد الدولة. السلام هو أن يصبح الدستور مرجعاً لا شعاراً. السلام هو أن تصبح المواطنة أقوى من الطائفة. السلام هو أن تصبح التنمية أقوى من الحرب. السلام هو أن يصبح مستقبل أبنائنا أهم من انتصاراتنا الماضية. وفي النهاية، ربما لا ينبغي أن نخجل من كلمة “السلام”. بل يجب أن نفتخر بها. لأن من يطلب السلام لا يطلب الموت أقل، بل يطلب الحياة أكثر. ومن يريد السلام لا يتخلى عن وطنه، بل يريد أن يحميه من أن يتحول إلى ساحة دائمة للصراعات. ومن يصنع السلام ليس ضعيفاً. بل هو الذي يمتلك شجاعة كسر دائرة العنف. لقد قال البابا: “طوبى لفاعلي السلام”. ولبنان، الذي عرف الحرب أكثر مما عرف السلام، يحتاج اليوم إلى أن يحوّل هذه العبارة من شعار ديني إلى مشروع وطني. مشروع يقول بوضوح: نريد لبنان دولةً لا ساحة، وسيادةً لا تبعية، ومواطنةً لا محاصصة، وتنميةً لا دماراً، وسلاماً لا حرباً. فربما تكون أعظم مقاومة يمكن أن نخوضها اليوم هي مقاومة تحويل لبنان إلى ساحة حرب. وربما يكون أعظم انتصار للبنانيين هو ألا يضطر أبناؤهم إلى خوض الحرب المقبلة. طوبى للبنان إذا أصبح صانعاً للسلام، لا ضحيةً دائمة للحروب.

في مواجهة العقوبات الأميركية، تلجأ إيران إلى التصعيد الإقليمي

يُغذّي تصاعد التوترات في لبنان وغزة والبحر الأحمر ومضيق هرمز المخاوفَ من سيناريو سبق أن لجأت إليه إيران وحلفاؤها: سيناريو الاستفزازات العسكرية المتصاعدة تدريجياً لمواجهة «يوم الحساب» الاقتصادي الأمريكي. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يستعد لـ«اشتعال محتمل على جبهات متعددة»، وذلك عشية سلسلة من الأعياد اليهودية التي تبدأ في الحادي عشر من سبتمبر. إذا كانت إيران تتحاشى استفزاز إسرائيل خشية ردٍّ قد يكلّفها ثمناً باهظاً، فإنها لن تتردد في المقابل في تحريض حلفائها على إثارة المتاعب، إن ازداد الخناق الاقتصادي الأمريكي عليها. غير أن هذا لا يبدو قد حدث بعد، إذ أعلن باكستان، الخميس، على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيته طاهر أندرابي، أن إسلام آباد «غير مُلزَمة بالامتثال للعقوبات الأمريكية الأحادية الجانب المفروضة على إيران، ما لم تكن صادرة عن الأمم المتحدة». يعني ذلك عملياً أن باكستان تعتزم مواصلة تبادلاتها التجارية مع طهران، على الرغم من تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمعاقبة الدول التي تحافظ على أي شكل من أشكال العلاقات مع الجمهورية الإسلامية. ووفقاً للمتحدث الباكستاني، ترى إسلام آباد أن العقوبات الأمريكية «لا تتوافق مع القانون الدولي، وأن الخلافات (الأمريكية الإيرانية) يجب أن تُحسم عبر الحوار». بيد أن المتحدث يتجاهل الإشارة إلى أن هذا «الحوار» المزعوم يمتد لأكثر من عشرين عاماً، تحديداً منذ عام 2006، حين أمر مجلس الأمن الأممي الجمهوريةَ الإسلامية بوقف تخصيب اليورانيوم. وعلى مدى ثلاث سنوات متتالية منذ عام 2006، أصدر مجلس الأمن حزماً متصاعدة من العقوبات ضد إيران بسبب رفضها الامتثال للمطالب الأممية… ويبقى موقف إسلام آباد أول موقف رسمي تُعلنه دولة في مواجهة «يوم الحساب» الاقتصادي الذي أعلنه الرئيس ترامب الاثنين ضد إيران. توترٌ متصاعد على أرض الواقع، ارتفع منسوب التوتر درجةً على كل الجبهات تقريباً. في غزة، كادت قضية الطائرات الورقية والبالونات والطائرات المسيّرة المُطلقة نحو الأراضي الإسرائيلية أن تتحول إلى أزمة مفتوحة، وقد حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس حركةَ حماس من تصعيد الضربات إن لم تتوقف هذه الإطلاقات. في البحر الأحمر، تعرّض موقعان استراتيجيان يُتيحان الوصول إلى مضيق باب المندب الحيوي، هما ميناء المخا وبلدة الخوخة على الساحل الغربي اليمني، لضربات حوثية عنيفة، ولا تزال تشهد معارك ضارية بين الجماعة الموالية لإيران والجيش اليمني النظامي. وفي مضيق هرمز، لا تزال السفن المبحرة في الممرات التي تؤمّنها الولايات المتحدة تتعرض للهجمات. في لبنان، لقيت امرأة حتفها وأُصيب ستة آخرون بينهم طفلة صغيرة، في غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عربساليم في قضاء النبطية، وذلك بعد ساعات من شنّ حزب الله هجوماً بطائرات مسيّرة مفخّخة ضد القوات الإسرائيلية المتمركزة في منطقة تلة علي طاهر الاستراتيجية في القضاء ذاته. وتصاعدت حدة القصف والغارات يوم الخميس على قرى عديدة في جنوب لبنان. ويزيد التصعيد إثارةً للقلق كون العمليات العسكرية الإسرائيلية لا تقتصر على المنطقة المعروفة بـ«منطقة الأمن». وقد أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زمير رفع مستوى التأهب في صفوف قواته، مستعرضاً خططاً عملياتية «على كل الجبهات من إيران إلى لبنان وصولاً إلى غزة»، في مواجهة خطر «اشتعال متعدد الجبهات». محاولات وساطة، لكن… يُعدّ هذا الوضع مؤشراً على فشل محاولات الوساطة التي استُؤنفت بين طهران وواشنطن حتى الآن. فبعد رئيس هيئة الأركان الباكستانية المشير سيد عاصم منير، ووزير الخارجية العُماني السيد بدر البوسعيدي، اللذين استقبلتهما طهران على التوالي يومَي الاثنين والثلاثاء، جاء دور الدوحة للمحاولة في إعادة تحريك الدبلوماسية. توجّه رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يوم الخميس إلى إيران، حيث أجرى محادثتين منفصلتين مع الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. هل نشهد مجدداً سباقاً محموماً بين الدبلوماسية والخيار العسكري؟ تجدر الإشارة إلى أن هذا الأخير لا يزال الخيار الأخير بالنسبة لواشنطن وفق ما يؤكده المسؤولون الأمريكيون، غير أن الحسابات بالنسبة لإيران أكثر تعقيداً في ظل الضغوط المتصاعدة داخلياً، إذ تجد نفسها أمام خيارين: إما الرضوخ للعقوبات أو تصعيد الضغط على الأرض. وهنا تكمن الأهمية البالغة للبنان، ويبرز دور حزب الله بوصفه ورقةً حساسة، في حين يواصل الدولة تأجيل ملف نزع سلاح هذه الميليشيا الموالية لإيران إلى أجلٍ غير مسمى. وقد تطرّق الرئيس عون بصورة غير مباشرة يوم الخميس إلى التجاذب (اللفظي) مع هذه الجماعة، متحدثاً عن «صراع داخلي» بين «من يسعون إلى تعزيز مؤسسات الدولة ومن يستفيدون من ضعفها»، دون أن يُشير إلى خارطة طريق محتملة لحلّ هذا الصراع. تواصل بيروت رهانها على المحادثات المباشرة مع إسرائيل، التي من المقرر استئنافها في سبتمبر المقبل في روما، وفق ما أعلنه وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، دون تحديد تاريخ بعينه. لفهم جوهر المشكلة في لبنان، لا بد من متابعة تصريحات السفير الأمريكي لدى لبنان مايكل عيسى، الذي شدد مجدداً يوم الخميس على أولوية نزع سلاح الحزب الموالي لإيران، مسلطاً الضوء على الأبعاد الإقليمية لهذه القضية. وقال السفير الأمريكي إن «على حزب الله تسليم أسلحته، وينبغي أن تكون الدولة وحدها صاحبة السلطة». «أما الضمانات، فتقتضي أن تكون السيادة حكراً على الدولة، وأن تكون مسؤولية الدفاع بيدها هي أيضاً». «ومتى امتلكت الدولة زمام السلطة، وبسطت سيطرتها على المؤسسات، وأقامت علاقاتها مع الدول الأخرى، أمكنها دائماً الاستعانة بها للحصول على الدعم» الذي قد تحتاجه، وذلك ما صرّح به الدبلوماسي الأمريكي عقب لقائه بشيخ عقل الدروز سامي أبو المنى. بيد أن تحقيق ذلك يستلزم انفصال حزب الله عن إيران، وهو أمرٌ ليس بالهيّن، كما أقرّ الدبلوماسي. وأضاف: «حتى اللحظة، لا يريد حزب الله التحدث لا مع الدولة ولا معنا ولا مع إسرائيل، لأنه لا يفعل شيئاً سوى تلقّي الأوامر من إيران».