


في دمشق، يشكّل حلّ «قوات سوريا الديمقراطية» الذي أعلنه مساء الثلاثاء قائد هذه المجموعة ذات الغالبية الكردية، ودمج مقاتليها في صفوف الجيش السوري، حدثًا بارزًا لما يحمله من دلالة رمزية كبيرة.
ويعكس ذلك تصميم الرئيس أحمد الشرع على إعادة بناء دولة قادرة على احتضان جميع المكوّنات والطوائف والإثنيات السورية، بما فيها بعض الجماعات التي كانت، مثل الأكراد، قد طوّرت مع مرور الوقت مؤسسات خاصة بها.
وهذا ما أشارت إليه الرئاسة التركية الأربعاء، مؤكدة أن «حلّ قوات سوريا الديمقراطية يمثّل، في هذه المرحلة، خطوة مهمة نحو استقرار سوريا».
أما الجار اللبناني، فلا يزال يتخبّط في تناقضاته. فمن جهة، يعكس الخطاب الرسمي، مع مراعاة الفوارق، ما يقوم به أحمد الشرع في بلاده.
ومن جهة أخرى، تواصل الوقائع على الأرض فرض نفسها بقوة، وتشكل عائقًا أمام أي تطور للبنان نحو قيام دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة.
ومن خلال الإصرار على مراعاة هذا الواقع، الذي يمكن اختصاره بنفوذ ثنائي أمل–حزب الله، الرافض لأي تغيير في وضع قائم مدمّر مستمر منذ عقود، والرهان على عامل الوقت، يضيّع لبنان الرسمي فرصة تلو الأخرى.
وتبقى مسألة نزع سلاح حزب الله أحد أبرز العوائق أمام إعادة بناء الدولة. ويواصل الرئيس جوزاف عون الدفاع عن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل باعتبارها، كما قال الأربعاء، الوسيلة الوحيدة لتجنّب حرب جديدة مع إسرائيل، وتمكين الجيش من استعادة السيطرة على الأراضي، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، وإعادة إعمار جنوب لبنان.
وقد أقرّ الأربعاء بأن هذه المحادثات تواجه عقبات، من دون أن يتوسع في تفاصيلها.
أما السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، فكان أكثر صراحة. ففي ختام لقاء مع مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، أكد الدبلوماسي من دون مواربة أنه لا يمكن التوصل إلى أي اتفاق من شأنه وضع حد للمواجهات ما دام حزب الله لا يسلّم سلاحه.
وتساءل ميشال عيسى في هذا السياق: «لماذا يجب مطالبة إسرائيل بفعل كل شيء، فيما حزب الله لا يفعل شيئًا؟»، معربًا عن استغرابه من أن الدولة اللبنانية تكثر من مطالبها تجاه إسرائيل، لكنها تمتنع عن مطالبة حزب الله بتسليم سلاحه.
وهذا هو العائق الأساسي أمام استئناف المفاوضات الثنائية، التي يُفترض أن تُعقد جولتها الثامنة مطلع سبتمبر. غير أن موعدها كان يحتاج إلى تأكيد، وهو ما لم يحصل حتى الآن. وبقي السفير الأميركي غامضًا في هذا الشأن، مكتفيًا بالإشارة إلى أن المناقشات التقنية تُجرى كلما ظهرت مشكلة. كما أشار إلى تأخر في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال الجولات السابقة من المفاوضات الدبلوماسية-العسكرية.
وفيما يواصل الجيش اللبناني ضبط أسلحة عند الحدود اللبنانية-السورية، يُرجح أنها كانت موجهة إلى حزب الله، يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات التدمير في جنوب لبنان. وأعلن الأربعاء عبر حسابه على منصة «إكس» أنه دمّر خلال الأسابيع الماضية أكثر من 400 بنية تحتية «إرهابية»، وصادر عددًا كبيرًا من الأسلحة والمعدات العسكرية.
تهديدات عسكرية وضغوط اقتصادية
على الجبهة الأميركية-الإيرانية، تتواصل المواجهة عبر تبادل التهديدات والضغوط الاقتصادية. وقد بدأت هذه الضغوط تؤتي ثمارها، كما يظهر من الانهيار المتواصل للريال الإيراني والطوابير الطويلة التي تتشكل في مختلف المدن الإيرانية أمام محطات الوقود.
في المقابل، تواصل السلطات الإيرانية التأكيد أنها مستعدة تمامًا لمواجهة هذه الظروف، رغم الصعوبات الاقتصادية التي أقرّ بها الرئيس مسعود بزشكيان.
وتؤكد طهران أنها أعادت بناء قدراتها العسكرية بعد النزاع، «بفضل وصول أنظمة جديدة من الصناعات الدفاعية والجيش، كما تم استيراد بعض الأنظمة من الخارج»، بحسب المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمينيا. كما قيل إن أربع محطات لتوليد الكهرباء قد أعيد بناؤها أيضًا.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يواصل الرئيس بزشكيان الدعوة إلى «الحوار والتفاوض»، مؤكدًا في الوقت نفسه أن واشنطن «لن تحصل على شيء» من خلال ضغوطها الاقتصادية الجديدة وغير المسبوقة.
أما الولايات المتحدة، فيبدو أنها تريد مواصلة هذا «اليوم الحاسم» الاقتصادي غير المسبوق إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، أي حتى مطلع نوفمبر، بحسب مسؤولين أميركيين كبار نقلت عنهم وكالة «فرانس برس»، استنادًا إلى القناة 12 الإسرائيلية.
وبحسب القناة نفسها، عرض وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هدفين تنوي الولايات المتحدة التركيز عليهما خلال الأشهر المقبلة: زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، وتطبيع الوضع في مضيق هرمز من أجل استعادة حركة نقل النفط عبر هذا الممر البحري الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، أعاد الرئيس دونالد ترامب التأكيد الأربعاء أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي لم يمت، بل أُصيب «بجروح خطيرة»، وقال إن «جميع الألغام أزيلت و/أو دُمّرت في المياه الدولية لمضيق هرمز».
كما كتب على منصته «تروث سوشال» أن المضيق «بات تحت السيطرة الأميركية» ـ وهو ما نفته طهران ـ وهدد عُمان بالقصف إذا وقفت السلطنة «في طريق» الولايات المتحدة في ملف هرمز، الذي يمثل في الوقت الراهن ورقة الضغط الوحيدة المتبقية لطهران.
وكان الحرس الثوري الإيراني قد أعلن الأربعاء التوصل إلى «بعض الاتفاقات» مع عُمان بشأن إدارة المضيق، «في ما يتعلق بحصة كل دولة من مياه المضيق، وحصة إيران وعُمان من عائداته»، بحسب المتحدث باسمه حسين محبي.
مدير وكالة الاستخبارات المركزية في موسكو
ومن أبرز أحداث الأربعاء أيضًا، الزيارة النادرة التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «CIA» إلى موسكو الثلاثاء. إلا أن دونالد ترامب قلل من أهميتها، واصفًا إياها بأنها «شبه روتينية».
وأكد في مقابلة أن هذه الزيارة لا ترتبط لا بإيران ولا بالتهديدات الروسية ضد حلف شمال الأطلسي. ووفق المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، فإنها تأتي في إطار «تبادلات بين أجهزة الاستخبارات».
ومع ذلك، من المقرر أن يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع المقبل نظيره الإيراني، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، عاصمة قرغيزستان.