Logotipo da Levant Time
Voltar ao artigo
نافذة على الكارثة

من يحقّ له أن يكتب مانيفستو؟

من يملك حقّ الإعلان؟ (1)

Imagem de notícia
Retrato do autor
Por ريتا باروتا
Publicado أغسطس 25, 2026 - 11:16

هذه المقالة هي الأولى في سلسلة من ثلاث مقالات تتتبع المانيفستو بوصفه شكلًا من أشكال الكتابة والتدخل في العالم. تبدأ من تاريخ الإعلان والسلطة التي يمنحها لمن يكتبه، ثم تنتقل في المقالة الثانية إلى النزاع على ضمير “نحن”، قبل أن تصل في الثالثة إلى سؤال مختلف قليلًا، يتعلق بما يفعله المانيفستو حين لا يكون معنيًا بهدم العالم، وإنما بحماية شيء فيه أو بتذكيرنا بما يستحق العناية.


بدأ الأمر من كتاب صغير، مانيفستو القراءة لإيريني باييخو، ومن ملاحظة كتبها قارئٌ شَعرَ أن العنوان وعده بما لم يجده. 

كان ينتظر نصًا ينظّر للقراءة والكتاب والمكتبة، ربما على الطريقة التي نعرفها عند ألبرتو مانغويل، فإذا به أمام صفحات حميمة ومشهدية، تعود إلى ذكريات القراءة والمدارس والمكتبات والكتب الأولى، وتقول أحيانًا ما يشعر به كثيرون. كان اعتراضه في جوهره واضحًا: أين النظرية؟ أين البحث؟ أين الرأي الجديد الذي يبرر وضع كلمة كبيرة مثل “مانيفستو” على الغلاف؟

يمكن بالطبع أن نختلف حول كتاب باييخو، وأن نراه جميلًا أو عابرًا، وأن نسأل عمّا يضيفه فعلًا إلى مكتبة واسعة من الكتب التي تناولت القراءة وعلاقتنا بالكتب. غير أن الاعتراض نفسه أخذني إلى مكان بدا أكثر إثارة من الكتاب الذي أثاره. فما الذي وعدتنا به كلمة “مانيفستو” أصلًا؟ ومتى أصبح لدينا هذا اليقين بشأن ما ينبغي أن يحتويه النص كي يستحقها؟ ومن أين أتت تحديدًا صورة المانيفستو التي تجعلنا نتوقع منه النظرية أو البرنامج أو القطيعة أو الجديد؟

للكلمة حضور ثقافي قوي إلى درجة يصعب معها سماعها من دون أن يصاحبها شيء من الصخب. ارتبط المانيفستو في المخيلة الحديثة بجماعة قررت أن تعلن عن نفسها، أو ببرنامج يريد أن يغيّر العالم، أو بعدوّ حان وقت تسميته، أو بلغة لا تتردد كثيرًا قبل أن تخبرنا بما يجب أن يسقط وما ينبغي أن يولد مكانه. وقد يمر في الذاكرة البيان الشيوعي، أو صخب الطليعات الفنية في مطلع القرن العشرين، أو تلك الـ”نحن” الواثقة بنفسها وهي تدخل الجملة كما يدخل شخص غرفة يعرف مسبقًا أنه يريد إعادة ترتيبها كلها. يكاد يبدو أحيانًا أن المانيفستو لا يطمئننا إلى اسمه ما لم نسمع في مكان ما من صفحاته قبضة تضرب الطاولة.

لكن الاقتراب قليلًا من تاريخه يكشف صيغة كتابية أكثر عصيانًا على هذه الصورة مما نتصور. لم تولد الكلمة بين أيدي الثوار وحدهم، ولم تبقَ طويلًا في حوزة السياسة، كما أنها لم تحافظ على شكل واحد عندما استولت عليها الحركات الفنية والطليعية، ثم الحركات النسوية والمناهضة للفاشية وغيرها. كلما وصلت إلى جماعة جديدة، بدا كأن الجماعة تمدّها قليلًا في اتجاه حاجتها وتضيف إلى معنى المانيفستو وظيفة لم تكن بالضرورة واضحة في استعمالاته السابقة.

ولهذا ربما يجدر بنا قبل أن نعود في نهاية هذه السلسلة إلى باييخو، أن نعود قليلًا إلى الوراء، إلى زمن لم تكن فيه كلمة مانيفستو مرادفة للثورة بعد. فالسؤال الذي يسكن تاريخها قد لا يبدأ من «ما هو المانيفستو؟» بقدر ما يبدأ من مسألة أخرى أشد اتصالًا بالسلطة حول من يملك حقّ الإعلان.

في البدء كان الإعلان

تأتي كلمة manifesto  من الإيطالية ومن فعل manifestare، وتحمل في أصلها معنى الإظهار، اي أن تجعل أمرًا ما أو موقفًا، مرئيًا ومعلومًا. في الاستعمال الأوروبي الحديث المبكر، كانت تشير إلى تصريح علني يوضّح دوافع فعل وقع أو يعلن أسباب فعل سيقع، وحين دخلت الإنجليزية في القرن السابع عشر احتفظت إلى حد كبير بالمعنى نفسه، وهو أن يُخرج صاحب الموقف نيته إلى العلن وأن يجعلها معروفة أمام الآخرين.

من الناحية اللغوية، تبدو الحركة بسيطة. هناك شيء موجود في الداخل، في قرار أو نية أو موقف، ثم يُدفع به إلى الخارج، إلى المساحة المشتركة، فيصبح ظاهرًا. لكن السياسة تظهر فور أن نسأل عن شروط هذا الظهور، لنسأل من كان يستطيع أصلًا أن يجعل قراره شأنًا عامًا؟ ومن كان يملك الورق والمطبعة والمنبر والشرعية التي تجعل الناس يتلقون إعلانًا ما بوصفه كلامًا جديرًا بأن يُسمع؟

في المراحل المبكرة من هذا التاريخ، نجد الحكام والدول والمؤسسات الدينية والقانونية. هناك مانيفستوات ملكية تشرح أسباب حرب أو نزاع، أو تعلن موقف دولة من أخرى، أو تمنح القرار السياسي صيغة عامة يمكن تداوله من خلالها. ويحفظ فهرس مكتبة فولجر، على سبيل المثال، مانيفستو صدر باسم الملك تشارلز الثاني سنة 1672 ضد الولايات العامة للمقاطعات المتحدة. لا تشبه هذه الوثيقة كثيرًا الصورة الرومانسية التي ستنشأ لاحقًا عن المتمرّد الذي يطبع بيانه ليلًا ثم يوزعه على الناس، لكونها تنتمي إلى عالم السيادة والدبلوماسية، إلى لحظة يكون فيها الإعلان واحدًا من الأساليب التي تجعل السلطة قرارها حاضرًا أمام الآخرين.

ولا يعني ذلك أن المانيفستو كان ملكيًا ثم غيّر ولاءه والتحق فجأة بالثورة. كانت الإعلانات والمنشورات تتحرك منذ وقت مبكر في قلب السجالات الدينية والقانونية والسياسية، فيما كان المجال العام الأوروبي نفسه يتسع مع انتشار الطباعة وتزايد القراء وتكاثر الجهات التي تريد أن تُسمع. الأهم أن العلاقة بين الإعلان والسلطة بدأت مع الحداثة السياسية تتغير. فالشكل الذي خدم في إظهار إرادة صاحب السلطة أصبح متاحًا أيضًا لمن يريد أن ينازعه على حق الكلام والتسمية والتمثيل.

وهذا التحوّل مهم لأن ترتيب العلاقة بين الكلام والقوة يتبدل معه. فالحاكم في الصورة الأكثر مباشرة، يعلن لأنه يملك سلطة تسبق كلامه وتمنحه ثقله. أما المانيفستو السياسي الحديث فسوف يجرّب مسارًا آخر، حين يتقدم إلى الكلام أولًا ويحاول من خلال هذا الكلام نفسه، انتزاع موقع لم يكن مضمونًا له قبل أن يعلنه.

يمكن اعتبار هذه اللحظة بداية الحياة الحديثة للمانيفستو، حين لا يعود الإعلان مجرد أثر لسلطة موجودة، ويصبح في الوقت نفسه إحدى الوسائل التي تُصنع بها سلطة الكلام.

inside pic 1

1848، حين تبحث جماعة عن صوتها

يصعب عبور تاريخ المانيفستو من دون الوقوف ولو مرة، عند البيان الشيوعي. لا تأتي أهميته هنا من كونه أشهر مانيفستو سياسي في العصر الحديث فقط، وإنما من كونه رسّخ صورة ستظل ملازمة للمانيفستو طويلًا، حيث يلتقي تفسير العالم بتحديد القوى المتصارعة داخله، وتظهر جماعة ترى لنفسها مصلحة تاريخية ويحاول النص أن يمنح هذه المصلحة وضوحًا واتجاهًا سياسيًا.

صدرت النسخة الأولى سنة 1848، لكن الحكاية بدأت قبل ذلك. ففي مؤتمر “رابطة الشيوعيين” الذي انعقد في لندن في أواخر 1847، كُلّف كارل ماركس وفريدريك إنغلز بصياغة برنامج نظري وعملي للحزب، ثم أُعد النص بالألمانية وأُرسل إلى الطباعة في لندن مطلع العام التالي. يبدو أصل الشرعية في هذه الحالة واضحًا: هناك تنظيم قائم يعرف أنه يريد نصًا يعلن رؤيته، فيختار شخصين ليقوما بصياغتها.

للوهلة الأولى تبدو العلاقة مستقرة، اي انه هنالك من جماعة، ومشروع سياسي، وقراءة للصراع، ثم يأتي نص يضع هذه العناصر في صيغة قادرة على مواجهة العالم. وقد يكون هذا أحد أسباب قوة الأثر الذي تركه البيان الشيوعي في خيالنا عن المانيفستو، لانه يربط تفسير الواقع بإرادة تغييره، ويكتب كما لو أن الفكرة لا تصل إلى تمامها إلا حين تصبح قادرة على تحريك شيء خارج الصفحة.

غير أن العلاقة بين الكاتب والجماعة التي يتكلم باسمها أكثر تعقيدًا. فماركس وإنغلز ليسا “عمّال العالم”، ولا يفترض النص أن ملايين العمال جلسوا حول الطاولة نفسها وأملوا عليهما عباراته. إنهما يكتبان من داخل مشروع سياسي يرى نفسه جزءًا من الحركة العمالية، وفي الوقت نفسه يمنح نفسه قدرة على قراءة اتجاه الصراع وفهم المصلحة التاريخية للطبقة التي يريد تنظيمها.

ومن هذه المسافة الصغيرة بين من يكتب ومن يتحدث باسمهم ينشأ توتر سيعود مرارًا في تاريخ المانيفستو. فحين تتحدث باسم جماعة، لا تكتفي بإعطائها صوتًا لانك تسمح لنفسك أيضًا بأن تحدد ما الذي يجمعها، وما الذي يؤذيها، وكيف ينبغي فهم وضعها، وربما ما الذي يفترض بها أن تفعله للخروج منه. لهذا لا تكون الـ”نحن” في المانيفستو ضميرًا لغويًا محايدًا. إنها موقع يُبنى داخل النص، وغالبًا ما تحمل معها ادعاءً ما بالتمثيل.

لكن البيان الشيوعي يضيف إلى ذلك حركة أكثر إثارة. فالجماعة التي يناديها موجودة اجتماعيًا، من دون أن تكون قد اكتملت سياسيًا بالصورة التي يطمح إليها النص. العمال موزعون في أمكنة مختلفة، وتختلف شروط حياتهم، بينما يتكرر الاستغلال الذي يربط تجاربهم على نحو قد لا يكون ظاهرًا لهم دائمًا. المانيفستو يريد لهذه الكثرة أن تدرك نفسها بوصفها قوة ذات مصلحة مشتركة؛ وحين يصل إلى دعوته الأشهر لاتحاد عمال العالم، يكون قد انتقل من وصف ما هو موجود إلى مخاطبة احتمال سياسي لم يكتمل بعد.

كأن النص يقول لجماعة متفرقة إن بينها من الروابط أكثر مما تسمح لها حياتها اليومية بأن ترى، وإن بوسعها، إذا رأت نفسها بطريقة أخرى، أن تصبح شيئًا آخر أيضًا.

هنا تظهر واحدة من أكثر خصائص المانيفستو إثارة، إذ قد تكون هناك “نحن” موجودة أصلًا تكتب بيانها، وقد يكون البيان نفسه المساحة التي تبدأ فيها هذه الـ”نحن” باكتشاف صورتها أو حتى بصناعتها. وفي هذه الحالة، يصبح المانيفستو جزءًا من العملية التي تعيد الجماعة عبرها تخيّل نفسها، وتسمية ما يجمع أفرادها، وصياغة ما يمكن أن تصبحه سياسيًا. ومن هنا يمكن القول إن ثمة «نحن» تكتب المانيفستو، وثمة مانيفستوات تكتب الـ«نحن».

غير أن هذه القدرة تمنح فعل الإعلان وجهًا أكثر التباسًا، لأن من يتقدم ليجعل جماعة مرئية في اللغة يشارك أيضًا في تحديد صورتها، وفي ترتيب تجربتها، وتسمية مصالحها، واقتراح الطريقة التي قد ترى نفسها من خلالها. وقد يساعد ذلك الجماعة على إدراك قوتها، لكنه يمنح من يصوغ خطابها موقعًا يتجاوز مجرد نقل صوتها. وهكذا يحمل المانيفستو في داخله توترًا سيعود معنا لاحقًا، بين قدرته على منح الجماعة لغة تستطيع أن تتعرف إلى نفسها من خلالها، والسلطة التي يمارسها من يتولى صياغة هذه اللغة باسمها.

وستزداد هذه المسألة تعقيدًا كلما تقدمنا في تاريخ هذا الشكل.

حين اكتشف الفنانون متعة الإعلان

مع مطلع القرن العشرين حدث ما يشبه الانفجار. السياسة لم تعد وحدها مفتونة بالمانيفستو، إذ اكتشفت الحركات الفنية الناشئة أن إعلان الثورة على الحكومة لا يفوق، بالضرورة، متعة إعلان الثورة على الفن نفسه.

دخلت كلمة “مانيفستو” بقوة إلى معجم الطليعات الأوروبية، وظهرت في قلب المستقبلية والدادائية والسوريالية والفورتيسية وغيرها من الحركات التي كانت تولد وتنقسم وتعيد تعريف نفسها بوتيرة متسارعة. وقد رافق هذا الحضور رغبة واضحة لدى هذه الحركات في أن تمنح ممارساتها الفنية لغة تعلن بها موقعها، وتشرح علاقتها بما سبقها، وتحدد ما تريد تغييره في صلة الفن بالجمهور والحياة اليومية والتاريخ.

لهذا وجد المانيفستو في الطليعة بيتًا يكاد يلائمه بصورة حميمة. فالحركة التي ترى نفسها قطيعة مع ما سبق تحتاج إلى لحظة تعلن فيها ظهورها، ولحظة الإعلان ليست هامشًا دعائيًا على العمل الفني؛ يمكن أن تكون جزءًا من العمل نفسه، امتدادًا لأدائه في المجال العام.

ولعل أشهر تلك اللحظات وقعت في 20 شباط/فبراير 1909، حين ظهر “البيان المستقبلي” لفيليبو توماسو مارينيتي على الصفحة الأولى من صحيفة Le Figaro أعلن النص القطيعة مع الماضي، واحتفى بالسرعة والآلة والصناعة والحركة، وربط جمال العالم الجديد بطاقة التكنولوجيا والعنف والحرب. أراد لقارئه أن يشعر بأن زمنًا كاملًا قد شاخ فجأة، وأن عصرًا آخر وصل وهو يصدر صوت المحرك والحديد.

ومع أن برنامج المستقبلية وما يحمله من عنف يظل مهمًا، فإن ما يعنينا في هذه الرحلة هو أداء الإعلان ذاته. يدخل مارينيتي إلى المجال العام بصوت “نحن” يكاد لا يعرف التردد: “نحن” يقظة فيما الآخرون نائمون، تعرف أن العالم القديم انتهى قبل أن يدرك الآخرون موته، وترى المستقبل وتستعجله. وبمجرد أن تنشر الصحيفة هذا الصوت، تصبح الحركة التي يعلنها النص أكثر وجودًا بفضل فعل الكلام نفسه. المستقبلية ليست مضطرة إلى أن تكون قد اكتملت في الواقع كي تعلن عن نفسها؛ الإعلان يشارك في إنشائها.

وهنا يتغير ترتيب العلاقة بين الشرعية والكلام مرة أخرى. فمع السلطة القديمة كانت الشرعية تسبق الإعلان، ومع البيان الشيوعي كان التنظيم موجودًا قبل النص الذي سيمنحه صيغة عامة. أما مع الطليعة، فيبدأ الحد الفاصل بين الإعلان والوجود نفسه بالتلاشي، إذ تستطيع الحركة أن تكتسب شيئًا من حقيقتها في اللحظة التي تجرؤ فيها على إعلان نفسها. صار النص نفسه جزءًا من الحدث الذي يصفه. وربما لهذا أحبت الحركات الطليعية المانيفستو إلى هذا الحد، لانها تعيش على مبالغة تأسيسية ترى أن ما قبلها انتهى وأن ما سيأتي بعدها لن يشبهه، ويمنحها المانيفستو المساحة التي تستطيع فيها أن تصوغ هذه المبالغة وكأنها حقيقة قد بدأت لتوّها.

لكن صناعة “نحن” بواسطة اللغة تحمل معها سؤالًا أقل إثارة للاحتفال. فكل جماعة ترسم نفسها ترسم، في الحركة نفسها، حدودًا لما ليس هي. عند مارينيتي كان الماضي عدوًا، والمؤسسات الفنية القديمة عبئًا، والتقاليد شيئًا ينبغي سحقه، فيما حمل البيان نفسه تمجيدًا للحرب واحتقارًا للنساء، قبل أن تتشابك أجزاء من المستقبلية لاحقًا مع القومية والفاشية الإيطالية.

المشكلة هنا تتصل بالجدارة بقدر اتصالها بالشرعية. فالقدرة على خلق جماعة لا تقول شيئًا، وحدها، عن عدالة الجماعة التي يتم خلقها أو عن العالم الذي تطمح إليه. يستطيع المانيفستو أن يفتح مساحة لمن حُرموا من الكلام، ويستطيع أيضًا أن يصنع جماعة تجد قوتها في تحديد من ينبغي أن يبقى خارجها.

مانيفستو يسخر من المانيفستوات

بعد أقل من عقد على بيان مارينيتي، كتب تريستان تزارا مانيفستو دادا 1918. وإذا كانت المستقبلية قد دفعت يقين المانيفستو إلى أقصى حدوده، فقد اختارت دادا أن تعبث بهذا اليقين من الداخل، كأنها دخلت البيت الذي شيّدته المانيفستوات ثم بدأت في نزع أبوابه.

يكتب تزارا مانيفستو ويعلن، في اللحظة نفسها، أنه ضد المانيفستوات كما هو ضد المبادئ. يسخر من الكاتب الذي يتعين عليه، كي يكتب مانيفستو، أن يغضب وأن يطلق أحكامه وأن يقدّم ما يقوله كما لو أنه حقيقة نهائية، ثم يحتفي بالتناقض عوضًا عن محاولة ستره. وسيصبح النص، لهذا السبب، واحدًا من الأمثلة الأشهر على ما يمكن وصفه بـ”المانيفستو المضاد للمانيفستو”. 

المثير أن السخرية من النوع لم تطرد النص من تاريخ النوع. على العكس، بقي مانيفستو دادا واحدًا من أشهر مانيفستوات القرن العشرين، كأن هذه الصيغة الكتابية تملك قدرة غريبة على ابتلاع اعتراضها على نفسها ومواصلة الحياة.

وهذا يخبرنا شيئًا مهمًا. فإذا اشترطنا في المانيفستو برنامجًا واضحًا، جاءت دادا بنص يشك في البرامج؛ وإذا اشترطنا الاتساق، اختارت التناقض؛ وإذا بحثنا عن منظومة من المبادئ، وجدنا كاتبًا يعلن ارتيابه من المبادئ ذاتها. حتى احترام الشكل الذي يكتب داخله لا يبدو شرطًا لبقائه جزءًا من تاريخه.

فما الذي يبقى حين تسقط هذه الشروط؟ ربما يبقى فعل اتخاذ الموقف وإشهاره، حتى لو كان الموقف نفسه شكًا في صلابة المواقف كلها.

ويصعب فهم هذا العبث إذا فصلناه عن أوروبا الحرب العالمية الأولى. لقد خرجت دادا من عالم أصبحت فيه كلمات مثل “العقل” و”الحضارة” و”التقدم” أقل براءة مما ادعت طويلًا، بعدما أثبتت الحضارة الحديثة قدرتها على تنظيم الموت على نطاق صناعي. في هذا السياق، لم يعد العبث مجرد نزوة فنية، واكتسب التناقض وظيفة أخرى: التشكيك في عقل يَعِد بالنظام فيما ينتج الكارثة، وفي لغة تمنح نفسها سلطة تفسير العالم كله ثم تطالب الآخرين بالعيش داخل تفسيرها.

بهذه الحركة اتسعت وظيفة المانيفستو مرة أخرى. صار قادرًا على تخريب اللغة التي تُكتب بها المشاريع، وعلى زعزعة القواعد التي منحته شكله، وربما يكمن جزء من طول عمره في هذه المرونة تحديدًا، اذ إنه اصبح شكلا يستطيع أن يخون أسلافه من دون أن يُطرد بسهولة من العائلة.

inside pic 2

القاهرة، 1938: حين تصبح الشتيمة راية

لو بقيت حكاية المانيفستو محصورة في لندن وباريس وبرلين وروما، لكان من السهل سردها وفق إحدى الحكايات المألوفة عن الحداثة. فأوروبا تنتج الأشكال والأفكار ثم تبدأ هذه الأفكار رحلة إلى بقية العالم.

لكن الأفكار لا تسافر في صناديق محكمة الإغلاق، ولا تصل إلى مدن فارغة تنتظر من يملأها.

حين تنتقل فكرة من مكان إلى آخر، تدخل تاريخًا كان قائمًا قبل وصولها، وتحتك بلغاته وصراعاته ومؤسساته وعلاقاته بالسلطة، فتتغير هي أيضًا في أثناء الرحلة. إدوارد سعيد في مقالته “النظرية المسافرة” في العالم، النص والناقد، تتبع ما يحدث للأفكار والنظريات عندما تغادر شروط ظهورها الأولى وتدخل زمنًا ومكانًا وشروط تلقٍّ جديدة. فالفكرة المسافرة لا تحمل معها معنى ثابتًا محفوظًا من التغيير لان السياق الجديد يعيد استخدامها وقد يخفف من قوتها أو يمنحها قوة أخرى لم تكن تملكها في موطنها الأول.

ومن هذا المنظور تصبح القاهرة في أواخر الثلاثينيات أكثر من «محطة عربية» في تاريخ كتب في مكان آخر.

في 22 كانون الأول/ديسمبر 1938، ظهر في القاهرة بيان بالعربية والفرنسية يحمل عنوانًا شديد الاختصار والذكاء« يحيا الفن المنحط»، Vive l’art dégénéré.

كتب جورج حنين النص ووقّعه سبعة وثلاثون فنانًا وكاتبًا ومثقفًا، وارتبطت هذه اللحظة بتبلور جماعة “الفن والحرية”، التي ستصبح إحدى أكثر التجارب السريالية إثارة في مصر. كان أعضاؤها يتحركون داخل شبكة دولية من الفنانين والكتاب، فيما كانوا يعيشون في الوقت نفسه لحظة مصرية لها شروطها الخاصة، تتقاطع فيها الهيمنة الاستعمارية البريطانية مع تصاعد القوميات والصراعات الاجتماعية والثقافية، ومع أسئلة ملحّة عن الحرية وعن علاقة الفن بما يجري خارج المتحف والمرسم.

أما العنوان فينجز بثلاث كلمات ما قد تحتاج إليه صفحات من الشرح.

كان النظام النازي قد استخدم وصف “الفن المنحط” لوسم الفن الحداثي وإدانته ودفعه إلى خارج المجال الذي يحق له أن يسمى فنًا، وجاء معرض Entartete Kunst  سنة 1937 ليجعل من التسمية جزءًا من سياسة ثقافية أوسع تحدد الفن المشروع وتعرض ما ترفضه بوصفه علامة انحطاط يجب تحقيرها.

كان يمكن لفناني القاهرة أن يدخلوا في دفاع يقول إن هذا الفن ليس منحطًا. لكن ذلك كان سيترك للسلطة بصورة ما، حق تحديد معنى الكلمة وتوزيعها. اختاروا مسارًا مختلفًا، فاستعادوا الاسم نفسه وقلبوا دلالته حين أعلنوا «يحيا الفن المنحط».

وبهذه الإضافة الصغيرة انقلب اتجاه الكلمة. فما صُمم له ليكون إدانة أصبح موقعًا للتضامن، وما أُريد له أن يعمل كوصمة تحول إلى راية يمكن رفعها. تحوّل النقاش عندها من محاولة تبرئة الفن الحديث من صفة “الانحطاط” إلى مساءلة السلطة التي نصّبت نفسها أصلًا صاحبة الحق في إطلاق هذه التسمية، وفي تحديد ما يُعترف به فنًا وما يُدفع إلى خارجه.

وهنا يدخل المانيفستو في صراع أقدم من تاريخه نفسه، يتعلق بمن يملك سلطة التسمية ومن يملك حق تثبيت معناها. من يقرر ما هو طبيعي وما هو منحرف، وما هو محترم وما هو فاسد، وما الذي يحق له أن يسمى فنًا؟ وإذا كانت السلطة قادرة على التأثير في الواقع من خلال الأسماء التي تمنحها للأشياء والأشخاص، فإن الاستيلاء على الاسم الذي استعملته ضدك، ثم تغيير قيمته، يمكن أن يصبح طريقة لاستعادة شيء من الحق في تعريف الذات.

لكن أهمية “يحيا الفن المنحط” تتجاوز هذا الانقلاب اللغوي. فقد أعلن الموقّعون تضامنهم مع الفن الحديث الذي كان يتعرض للقمع في أوروبا، ورفضوا إخضاع الفن لمعايير العرق والدين والأمة، كما دعوا الفنانين والكتاب إلى مواجهة الهجوم الفاشي على حرية الإبداع. 

ومن داخل القاهرة، تحولت قضية قد تبدو للوهلة الأولى أوروبية إلى جزء من موقف فني وسياسي يُصاغ داخل مصر، من دون أن يذوب السياق المصري في أوروبا أو يتحول الفنانون المصريون إلى مجرد صدى لما يحدث فيها.

لم تكن جماعة “الفن والحرية” صندوق بريد تتلقى القاهرة عبره آخر أخبار السريالية من باريس. كانت جزءًا من شبكة تتشكل في أكثر من اتجاه، تأخذ من لغة السريالية والمانيفستو ما تحتاج إليه ثم تدخله في شروط محلية لا تنفصل عن الاستعمار والقومية والمحافظة والصراع حول معنى الفن نفسه. وربما تكمن المشكلة أصلًا في عبارة “انتقال الأفكار”، لأنها توحي بأن الفكرة تكتمل في مكان ثم تنتقل إلى مكان آخر كما هيما يحدث غالبًا أكثر تعقيدًا، إذ تُعاد صياغة الأفكار وهي تنتقل من سياق إلى آخر، ويمنحها المكان الجديد أسئلة وخصومًا ومخاطَبين لم يكونوا حاضرين في لحظة نشأتها الأولى.

وهكذا تظهر القاهرة بوصفها واحدة من المساحات التي أعادت صياغة المانيفستو ومنحته معنى جديدًا داخل سياقها الخاص، بما يتجاوز فكرة إلحاقها بتاريخ أوروبي مكتمل.

ويضيف “يحيا الفن المنحط” إلى هذا التاريخ وظيفة أخرى أيضًا. فقد مررنا حتى الآن بنص يريد تغيير النظام، وآخر يريد إعلان ولادة فن جديد، وثالث يسخر من فكرة الإعلان ومن اليقين الذي يرافقها. أما هنا، فيبتعد المانيفستو قليلًا عن لغة الهدم والثورة، من دون أن يصبح أقل سياسية، ويتجه نحو وظيفة أخرى تتمثل في الدفاع عن شيء صار مهددًا.

هناك فن يُصادر ويُدان، وسلطة تريد أن تحدد مسبقًا مساحة ما يحق له أن يظهر وما ينبغي أن يختفي. ويأتي المانيفستو كي يجعل الدفاع عن حرية هذا الفن موقفًا عامًا، ويذكّر بأن الإعلان لا يُستخدم دائمًا لولادة الجديد؛ قد يُستخدم كذلك كي يحمي شيئًا موجودًا من أن يُدفع إلى الزوال.

ويضيف ذلك إلى المانيفستو إمكانًا آخر، إذ يستطيع أن يتجه نحو ما هو قائم حين يصبح مهددًا، فيمنحه حضورًا عامًا ويحوّل الدفاع عنه من شأن يخصّ منتجيه وحدهم إلى قضية تستحق أن تُعلن.

inside pic 3

وعند هذه النقطة تبدو الصورة التي انطلقنا منها أكثر ضيقًا مما حسبنا. فالمسارات المختلفة التي حملت اسم المانيفستو وسّعت معنى الإعلان نفسه، وجعلت من الصعب اختزاله في برنامج أو نظرية أو دعوة إلى القطيعة. وربما لهذا كان السؤال الذي أثاره كتاب باييخو أوسع من الكتاب منذ البداية.

ثمة حركة تتكرر مع ذلك من نص إلى آخر، حين يخرج موقف من حيّز الصمت أو الهامش ويطالب لنفسه بمكان في المجال العام. أحيانًا يستند هذا الكلام إلى سلطة قائمة تمنحه شرعيته مسبقًا، وأحيانًا يصبح الكلام نفسه محاولة لاكتساب الشرعية التي يحتاج إليها كي يُسمع.

ربما تكمن هنا واحدة من أكثر خصائص المانيفستو رسوخًا. فهو ينطلق من افتراض أن ثمة أمرًا يستحق أن يصبح ظاهرًا، وأن فعل إظهاره قادر بدوره على تغيير موقع المتكلم داخل المجال الذي يدخل إليه. الإعلان، بهذا المعنى، يفعل شيئًا يتجاوز نقل الموقف إلى العلن، لأنه يضع صاحبه في علاقة جديدة مع من يخاطبهم ومع السلطة التي يواجهها أو يطالب بجزء منها.

وهنا تبدأ المسألة بالتعقّد. فمن يعلن يشارك أيضًا في تحديد ما الذي يستحق أن يُرى، وكيف يُسمّى، ومن الذي يُستدعى إلى الوقوف معه. وحين تظهر “نحن” داخل المانيفستو، يصبح صوت الكاتب محمّلًا بأصوات أخرى، ويصبح حق الإعلان متصلًا بحق آخر أكثر حساسية، هو حق الكلام باسم الآخرين.

من تشملهم هذه الـ”نحن”؟ وما الذي يجمعهم؟ وهل كانت الجماعة موجودة قبل النص، أم ساعد النص نفسه على تخيّلها وصياغة حدودها؟ ثم ماذا عن الذين يقفون عند هذه الحدود ويسمعون كلامًا يُقال باسمهم من دون أن يتعرّفوا إلى أنفسهم فيه؟

لعل هذه هي المفارقة التي يتركنا عندها المانيفستو في نهاية هذه الرحلة الأولى. فالكتابة التي انتزعت لنفسها عبر تاريخها حق الظهور والكلام، تجد نفسها بدورها أمام سؤال السلطة حين تبدأ بالكلام باسم الآخرين.

سنبدأ مشوار المقالة الثانية من كلمة صغيرة ظاهريًا حملت داخلها تاريخًا طويلًا من الانتماء والتمثيل والاستبعاد، اي “نحن”.


Artigos relacionados
Ver tudo
Vídeos relacionados
Ver tudo
Podcasts relacionados
Ver tudo