شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
فيا حزب الله، أين انتصارك؟ وأين شوكتك؟

ندى حمادة معوّض، كيف استطعتِ أن تحظي بكل هذا القدر من الكراهية في أوساط نعيم قاسم، في الضاحية الجنوبية كما في سائر المناطق؟ ألم تكوني تعلمين أن توقيعك في واشنطن بتاريخ السادس والعشرين من حزيران الماضي كان سيُشعل تظاهرات في أكثر من منطقة لبنانية، إلى حدّ اضطر معه الجيش اللبناني إلى التدخل ليلاً لإعادة فتح الطريق المؤدية إلى مطار بيروت الدولي وإعادة النظام إليها؟ وكل ذلك لأنك قمتِ بواجبك الوطني، الذي يقتضي العمل، عبر القنوات الدبلوماسية، على إخراج قوات الجيش الإسرائيلي من المناطق الجنوبية التي تحتلها. يا له من أمر عبثي أن يُنكر المرء الحقائق الواضحة! فليست المقاومة المسلحة هي التي تستطيع تحرير جبل عامل، بل المفاوضات والمساعي السياسية التي تُدار، شئنا أم أبينا، تحت الرعاية الأمريكية. قد لا يكون ذلك باعثاً على الفخر، لكنه الواقع؛ وقد لا يكون مستساغاً، لكنه الخيار الأقل سوءاً. وما دمنا لم نحقق نصراً حاسماً يفرض شروطنا على الخصم الإسرائيلي، فلا جدوى من التباهي والادعاء. ولنتحدث بصراحة: إن ما سُمّي بـ«المقاومة المؤمنة» لم يفعل سوى توسيع رقعة الاحتلال الاسرائيلي، وتعظيم حجم الدمار، وتهجير أهلنا من قراهم وبيوتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. كما في واترلو... لكن قبل ذلك، لا بد من التذكير بما جرى في السابع عشر من حزيران، عندما تم التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، وما أحدثه من شعور بالخذلان لدى أنصار السيادة اللبنانية، بعدما علموا أن الملف اللبناني أُدرج ضمن الصفقة. وفي حين شعر السياديون بمرارة عميقة، كان أنصار حزب الله يهللون، إذ بدا أن طهران، بعدما أمسكت بخناق لبنان، أصبحت صاحبة القرار في مصيره، وكأن البلاد قد وقعت بالكامل في قبضة الحرس الثوري الإيراني. في صفوف السياديين، سادت مشاعر الاستسلام، وانهالت الانتقادات على السياسة الأمريكية التي وُصفت بالازدواجية، بل وبالخيانة أحياناً. واستُعيدت إلى الأذهان ذكرى البارجة الأمريكية«نيوجيرسي» في أيلول 1983، وأُلقي اللوم على التنافس بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وباختصار، كان الإحباط سيد الموقف. ثم، فجأة، في السادس والعشرين من حزيران، وكأن مفاجأة خرجت من العدم، قرر لبنان الرسمي أن يتحلى بالجرأة. وما إن وُقّع الاتفاق الثلاثي حتى بدا أن الطريق قد فُتح أمام تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، ووضع حد للوصاية الأجنبية، وللتدخلات الإيرانية، ولسيطرة الميليشيا الصفراء. عندها، في بيروت، كما حدث قديماً في واترلو، «انتقل الأمل إلى معسكر آخر، واكتسبت المعركة روحاً جديدة». أما الفرحة التي عمّت الضاحية الجنوبية فلم تدم سوى تسعة أيام. لقد انتزع نادا حمادة معوّض وسيمون كرم، في نظر خصومهما، «نصر» حزب الله منه. الخطر... والحزم لقد شكّل ذلك صفعة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي بالغ باستخدام «الورقة اللبنانية» ذريعةً للتدخل في شؤون بلادنا وانتهاك سيادتنا على الساحة الدولية. وها هو اليوم يعود خالي الوفاض، بعدما قدّم تنازلات في الملف النووي الإيراني أملاً في الحصول على مقعد على طاولة مؤتمر بورغنشتوك، قرب لوتسرن في سويسرا. ومن هنا، فإن الجيش اللبناني، مدعوماً بحلفائنا الغربيين، مطالب بالبقاء في أعلى درجات اليقظة. فلا يجوز له أن يتراجع أو يتردد، بعدما اجتاز دبلوماسيونا نقطة اللاعودة. ألم يسارع نبيه بري، وكأنه «يستشعر اقتراب نهايته السياسية»، إلى التحذير من «الفتنة»؟ وهي كلمة تتجاوز مجرد الخلاف، وتحمل في طياتها تهديداً مبطناً بإفشال الاتفاق الإطاري. أما ديفيد هيل، السفير الأمريكي السابق في لبنان، فقد حذر من جهته من أن حزب الله سيبذل، في المرحلة الأولى، كل ما في وسعه لإفشال هذا الاتفاق، ولن يتردد، بحسب تقديره، في اللجوء إلى العنف والأساليب الإرهابية لتحقيق ذلك. وفي المقابل، يبدو أن السلطة التنفيذية اللبنانية استعادت زمام المبادرة، وهي تدرك تماماً أننا ندخل مرحلة شديدة الاضطراب. غير أن الإنجازات الكبرى لا تتحقق من دون مجازفة. فعلينا المزيد من الحزم، والمزيد من الثبات، وعندها فقط يستطيع لبنان أن ينهي ذلك الزواج القسري الذي فرضه عليه حزب الله مع الإمبراطورية الأخمينية.

نظام الملالي يفقد أوراقه تدريجياً

في الظاهر، يبدو أنّ الوضع في لبنان، وكذلك، بدرجة أقل، في المنطقة، موضوع في خانة «الاستراحة»... غير أنّه لا ينبغي الركون إلى المظاهر، إذ إنّ قطع الأحجية، في الواقع، تُوضَع وتُرتَّب تدريجياً وبهدوء من جانب اللاعبين الذين يبدو واضحاً أنّهم يمسكون بمفاتيح اللعبة. ولإدراك البعد الحقيقي للمعركة الدائرة حالياً في المشرق، وما يتجاوزه بكثير، يكفي الربط بين المناورات والتحركات، أو ما يسميه الناطقون بالإنكليزية الـ«moves»، التي يقوم بها أصحاب القرار الساعون إلى رسم المشهد الجيوسياسي الجديد في المنطقة. وإذا كان لا بدّ من استخلاص ملامح خط توجيهي للتطورات الجارية، فيمكن تبيّن عزلة متزايدة، تتصاعد تدريجياً، للنظام الإيراني على المستوى الدولي. فقد أفادت وكالة رويترز، الجمعة 3 تموز، بأنّ قادة حلف شمال الأطلسي، المجتمعين في أنقرة، يُتوقّع أن يعلنوا أنّ إيران يجب ألا تمتلك أبداً أسلحة نووية. لكنّ الأخطر بالنسبة إلى طهران أنّ الحلف سيطالب الجمهورية الإسلامية صراحة بـ«الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز». وكان الاتحاد الأوروبي قد اتخذ هذا الأسبوع موقفاً متقدماً في الاتجاه نفسه، رافضاً أي محاولة إيرانية لفرض رسم عبور، بذريعة «الخدمات المقدمة»، على السفن التي تسلك هذا الممر البحري الدولي. وتشكّل هذه النقطة، في المرحلة الراهنة، المعركة الأساسية التي يخوضها الحرس الثوري الإيراني وأقطاب السلطة في طهران. وبنبرة تهديدية، يشوبها قدر من الغطرسة المهينة تجاه إدارة ترامب، صرّح رئيس البرلمان ورئيس فريق المفاوضين الإيرانيين، محمد باقر قاليباف، الجمعة بلا مواربة: «لن نسمح للولايات المتحدة (!) بالتدخل في مضيق هرمز، وسنواصل وضع قواعد الملاحة في المضيق». ويثير الموقف الإيراني في هذا الملف غضباً متزايداً لدى الإدارة الأميركية، ما دفع مسؤولاً أميركياً قبل 48 ساعة إلى القول إنّ «صبر الرئيس دونالد ترامب حيال إيران بدأ ينفد». كما أبلغ مسؤولون أميركيون كبار موقع أكسيوس أنّ المفاوضين الأميركيين أبلغوا المندوبين الإيرانيين، خلال المحادثات التي عُقدت هذا الأسبوع في الدوحة، أنّ إصرار إيران على فرض رسم عبور في مضيق هرمز قد ينسف الاتفاق الإطار بين واشنطن وطهران. ويحظى هذا الموقف الحازم الذي تعتمده إدارة ترامب في هذا الشأن بدعم كامل من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يسهم في زيادة عزلة الجمهورية الإسلامية. ومن المرجح أنّ هذه العثرات في مسار التفاوض مع طهران كانت موضع بحث خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس ترامب، الجمعة، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قد يُستقبل قريباً في البيت الأبيض. الورقة اللبنانية أما الورقة الثانية التي يحاول النظام الإيراني التشبث بها يائساً، وهو يتخبط في إنكار كامل للوقائع الجديدة، فهي الورقة اللبنانية. فقد حرص السيد قاليباف على العودة إلى الهجوم في هذا المجال، وإعادة طرح «البند اللبناني» من مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن في منتصف حزيران، وكذلك التفاهم الذي تم التوصل إليه أخيراً في سويسرا مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، والذي ينص على دور مباشر لإيران في مسار الحل في الجنوب، وبالتالي على تعزيز قبضتها على الساحة اللبنانية. وفي تصريح أدلى به الجمعة، دعا السيد قاليباف، من دون أي وازع، «كل الأطراف اللبنانية إلى العمل على تطبيق البند المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن، لأنّ ذلك يجنب الفتن»(!) غير أنّ هذه المحاولة الإيرانية لإعادة تنشيط وصايتها على لبنان باءت بالفشل، كما يجدر التذكير، عقب الاتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في منتصف حزيران في واشنطن، برعاية وزير الخارجية ماركو روبيو. وتنص خريطة الطريق هذه على آلية تدريجية، تحت إشراف أميركي وثيق، تفضي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان وانتشار الجيش اللبناني، بالتزامن مع تفكيك البنية الميليشيوية لحزب الله. وقد أُبرز البعد السيادي لهذا الاتفاق الإطار، الذي يفصل بالكامل مسار الحل اللبناني عن المحادثات الأميركية ـ الإيرانية في إسلام آباد، مرة جديدة الجمعة على لسان الرئيس جوزاف عون ووزير الخارجية اللبناني جو رجي. فقد أكد رئيس الدولة، خلال استقباله وفداً جامعياً وممثلين عن نقابة الأطباء والرابطة المارونية، أنّ الوثيقة الموقعة بين لبنان وإسرائيل تتيح للدولة اللبنانية استعادة زمام ملف الجنوب، بحيث يكون لبنان وحده سيد قراره في هذا المجال، ويتولى بنفسه، لا أي دولة ثالثة، التفاوض على أي مشروع تسوية. وفي إشارة بالكاد مواربة إلى حزب الله، لاحظ الرئيس عون أنّ الذين يعارضون الاتفاق الإطار الموقع مع إسرائيل يتصرفون على هذا النحو «لأنهم اعتادوا العيش تحت الوصاية»... وفي السياق نفسه، جدد وزير الخارجية اللبناني، جو رجي، تأكيد تصميم الحكومة على أن تتحمل وحدها، بعيداً عن أي إملاءات خارجية، مسؤولية وضع حد للحرب. وأمام الموقف الحازم الذي تعتمده السلطة اللبنانية، ترى الجمهورية الإسلامية أنّ الورقة اللبنانية تفلت من يدها، فتحاول، تبعاً لذلك، نسف الاتفاق الإطار مع إسرائيل عبر تنظيم معارضة لهذا المستند، والسعي إلى التحكم بتحركات اضطرابية في الشارع بهدف إسقاط حكومة نواف سلام، بغية انتزاع إلغاء الاتفاق الإطار، بما يمهد الطريق لإعادة إطلاق الانخراط الإيراني في اللعبة السياسية الداخلية في لبنان. لكن الرئيس عون كان حازماً أيضاً في هذا الشأن، الجمعة، مشدداً على أنّ اللجوء إلى الشارع وإلى الفتنة الداخلية لإسقاط الحكومة يشكل «خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه». مشروع القوة المتعددة الجنسيات وتصطدم محاولات الحرس الثوري الإيراني لإعادة تفعيل وصايته على لبنان بعامل آخر بالغ الأهمية: مشروع إنشاء قوة متعددة الجنسيات يُفترض أن تتولى المهمة بعد قوات اليونيفيل التي تنتهي ولايتها في نهاية السنة. وقد بدأ القادة الفرنسيون والإيطاليون بالفعل تحركاتهم في هذا الإطار، وهم يحظون في هذا الصدد بدعم كامل من الولايات المتحدة. وقد أشاد مسؤول فرنسي رفيع، الجمعة، بـ«الدور الإيجابي الذي تؤديه الولايات المتحدة في لبنان». ولتعزيز هذه الدينامية الخارجة من الأزمة، والتي تتم بالتالي من دون الجمهورية الإسلامية، حرص الاتحاد الأوروبي على التشديد على دعمه الكامل للاتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي ولخيارات السلطة اللبنانية في هذا المجال، مؤكداً ضرورة تطبيق بنود الوثيقة الموقعة في واشنطن. وهكذا يجد النظام الإيراني نفسه مجرداً من أوراقه الرئيسية، الواحدة تلو الأخرى. وأمام وضع كهذا، يُظهر الجناح المتشدد في السلطة مخالبه، كما يتضح من الهجمات المباشرة التي يشنها شبه يومياً على الجناح المسمى «معتدلاً»، ولا سيما على الرئيس الحالي ورئيس البرلمان. وعلى ضوء هذه الانتكاسات، تتحدث بعض الأوساط السياسية في إيران عن مشروع يرمي إلى ضخ حياة جديدة في الحرس الثوري، لكن بصيغة أكثر «قبولاً»، أو أكثر «قابلية للتحمل». غير أنّ قلّة نادرة فقط من الفصائل الساذجة، أو الانتهازية بصورة مخجلة، قد تظل تنطلي عليها مثل هذه المناورات السياسية الصادرة عن الجناح المتشدد في الجمهورية الإسلامية.

الشرع في امتحان داخل سوريا... قبل لبنان
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

لا يمكن إلّا النظر بإيجابيّة إلى زيارة أسعد الشيباني للبنان. كانت زيارة وزير للخارجية السوري لدولة سيّدة مستقلّة أخرى وليس مجرّد "ساحة" أو تابع. كشفت الزيارة، أقلّه من ناحية الأسلوب المعتمد، وجود رغبة لدى الرئيس أحمد الشرع، صاحب القرار في دمشق، في بناء علاقة من نوع مختلف بين لبنان وسوريا بعيدا عن عقد الماضي، خصوصا منذ احتكار حافظ الأسد السلطة في سوريا في تشرين الثاني – نوفمبر 1970. هل هذه سياسة سوريّة ثابتة أم مجرّد سياسة مرحليّة في انتظار تثبيت الحكم الجديد وضعه عن طريق بناء نظام قوي متماسك على طريقة ما فعله حافظ الأسد منذ ما قبل الإنقلاب الذي نفذه في خريف 1970 تحت شعار "الحركة التصحيحيّة"؟ تذكّرت، شخصيا، البساطة في تصرفات الشيباني وقارنت بين سلوكه الحضاري من جهة وسلوك المسؤولين السوريين الذين كانوا يزورون لبنان أيام حافظ الأسد ونجله بشّار من جهة أخرى. لم يخف بشار يوما جهله بلبنان. في لقاء مع وزير خارجية عربي كان ينقل له رسالة من رئيس دولته، لم يتردّد في القول أن لبنان "بلد هش" متجاهلا تماما هشاشة بلد مرشّح لإنفجار داخلي اسمه سوريا. انفجر الداخل السوري في 2011. استمرت الحروب الداخلية حتّى نهاية 2024 عندما فرّ رئيس النظام السوري إلى موسكو. اسدل الستار على نظام عمّر ما يزيد على نصف قرن معتمدا على سيطرة العلويين على الجيش والأجهزة الأمنية وبالتالي على كلّ ما له علاقة بإقتصاد البلد. لعلّ أكثر ما تذكّرته في اثناء وجود الشيباني في لبنان جولات مفاوضات بين عبدالحليم خدّام وزير الخارجية السوري وفؤاد نفاع وزير الخارجية اللبناني صيف العام 1973. كان الهدف من المفاوضات إعادة فتح الحدود اللبنانيّة – السوريّة التي اغلقها حافظ الأسد احتجاجا على محاولة الجيش اللبناني القضاء على الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان، وهو وجود كان يحظى برعاية سورية لأسباب مرتبطة بالرغبة في تفجير البلد لاحقا. شاهدت بنفسي خدّام يحضر إلى فندق "بارك اوتيل" في شتورا للقاء الوزير اللبناني. حرص وزير الخارجيّة السوري، وقتذاك، على دخول الأراضي اللبنانية في موكب تحميه عناصر من الشرطة العسكريّة السوريّة. كانت هذه العناصر، التي تحمل سلاحها، تؤدي التحية لخدام لدى دخوله "بارك اوتيل" في خطوة متعمّدة تستهدف الدوس على السيادة اللبنانيّة. تغيّر كلّ شيء الآن. اتبع الشيباني قواعد التهذيب بدقّة. سيتبيّن عاجلا أم آجلا هل ذلك سلوك مستدام لدى النظام السوري الجديد تجاه لبنان الذي كان حافظ الأسد يتعاطى معه تحت شعار "شعب واحد في بلدين" أو "وحدة المسارين"؟ من الواضح أنّ كلّ خطوة قام بها وزير الخارجيّة السوري كانت مدروسة بدقّة، بما في ذلك زيارته لطرابلس التي أراد أحمد الشرع من خلالها إظهار مدى شعبيته في المدن السنّية اللبنانيّة. كان الشرع يعرف، من خلال زيارة الشيباني للبنان، أنّه تحت مراقبة عربيّة ودوليّة وأنّ عليه مراعاة اللبنانيين وحساسياتهم تجاه سوريا إلى أبعد حدود. في النهاية، ليس سرّا أنّ النظام السوري البائد، حليف "حزب الله"، لعب دورا في التنكيل بكل الطوائف اللبنانيّة، خصوصا بالسنّة والمسيحيين. لم يعد يعر أهمّية كبيرة للدروز منذ إغتال كمال جنبلاط في العام 1977 في رسالة فهم وليد كمال جنبلاط ابعادها جيّدا. لا حاجة إلى تعداد الشخصيات السنّية التي لعب نظام آل الأسد دورا في التخلص منها، من المفتي حسن خالد... إلى رفيق الحريري. لا حاجة أيضا إلى التذكير باغتيال رئيسين للجمهورية هما بشير الجميّل ورينيه معوّض ولا إلى كلّ الممارسات السورية التي صبّت في منع لبنان من توقيع اتفاق 17 أيار مع إسرائيل في العام 1983... الأكيد أن في الإمكان الحديث بإيجابيّة عن زيارة وزير الخارجية السوري للبنان باعتبارها زيارة ذات طابع مختلف تعكس تغييرا كبيرا في سوريا. لكنّ ما لا يمكن تجاهله أنّ العالم لن يقتنع بحصول تغيير حقيقي في سوريا إلّا إذا كان هذا التغيير في سوريا نفسها. لا معنى للإنفتاح على مسيحيي لبنان في غياب انفتاح في العمق على مسيحيي سوريا. ما يتعلّق بالمسيحيين اللبنانيين ينطبق أيضا على دروز سوريا الذين ما زالوا يعانون من نتائج الصدامات الأخيرة مع مجموعات مسلّحة محليّة ارادت تدجينهم بدعم من النظام الجديد. الأهم من ذلك كلّه أن حكومة أحمد الشرع تعمل حاليا على تغيير طبيعة المجتمع السوري بما يتماشى مع القيم التي فرضتها "هيئة تحرير الشام" والفصائل التي تحالفت معها في سنوات سيطرتها على إدلب. تعمل على ذلك بهدوء من دون ضجيج. على سبيل المثال، وليس الحصر، جرى تمرير قوانين تمنع استيراد الات الموسيقية، كذلك استيراد الكحول... لا يمكن إلّا الترحيب بالسياسة السوريّة المختلفة تجاه لبنان، لكنّه لا يمكن تجاهل أنّه لن يكون واردا الحديث عن تغيير حقيقي في سوريا من دون نظام جديد يعمل على بناء مجتمع متماسك بعيدا عن كلّ أنواع التزمت. في النهاية، إن الإمتحان الحقيقي لأحمد الشرع واسعد الشيباني سيكون في داخل سوريا وليس في لبنان. المفترض أن تتحوّل سوريا، في ضوء التخلّص من النظام العلوي (نظام آل الأسد)، إلى دولة متصالحة مع نفسها ومع كلّ فئات الشعب السوري ومكوناته، من سنّة ومسيحيين ودروز وعلويين واسماعيليين. عندما يحصل مثل هذا التطور، المطلوب أن يشمل الأكراد أيضا، سيصدّق اللبنانيون أن تغييرا في العمق حصل في سوريا وأن علاقات طبيعية ستقوم بين البلدين...

اتفاق الاطار والضغط الإيراني على لبنان

كتب احد الباحثين في علم البيوفيزيكس ما يلي:" لا أقرأ القوة من خلال السياسة وحدها؛ أقرأها أيضاً من خلال المادة. ففي المختبر نتعلّم حقيقة يعرفها الناس من حياتهم اليومية: الضغط لا يؤثّر في كل الأجسام بالطريقة نفسها. اضغط على الزجاج، فقد يتحطّم. اضغط على المطاط، فينحني. اضغط على نسيج حي، فقد يمتصّ الضغط، ويتكيّف، ويُرمّم نفسه. القوة نفسها قد تدمّر بنية، وقد تقوّي أخرى. الفارق ليس في الضغط وحده، بل في البنية الداخلية التي تتلقّاه. من هنا تصبح قراءة إسرائيل والولايات المتحدة لإيران، وللشرق عموماً قاصرة. فإسرائيل، مثل كل قوة تتعالى بتفوّقها التكنولوجي، تفترض أن التاريخ يمكن هندسته بالضغط: اضرب أكثر، اقتل أكثر، شدّد العقوبات، عمّق العزلة، وسيتقلص العدو. لكنها قراءة ميكانيكية للمجتمعات البشرية؛ تتخيّل الأمم كأنها أشياء جامدة: اضغط عليها بما يكفي فتنكسر. لكن بعض الدول لا تنهار تحت الضغط، ولا تخرج منه سليمة أيضاً. هي تُعيد امتصاصه، وتكييفه، وتوزيعه، بحيث يتحوّل من أزمة خارجية إلى توازن داخلي هشّ، ومن مواجهة دولية إلى كلفة اجتماعية ممتدة. فإيران، رغم أزماتها، لم تُترجم الضغوط إلى انهيار، بل إلى تكيّف: امتصّت الضغط، وحوّلته إلى زمن، والزمن إلى قوة تفاوضية. وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر حساسية: ليس هل ينجح الضغط أم يفشل، بل أين يذهب أثره؟ ومن يتحمّل نتيجته؟ في الحالة الإيرانية، لا يمكن إنكار أن الدولة استطاعت على مدى سنوات طويلة أن تتعايش مع مستويات مرتفعة من الضغط الخارجي: عقوبات اقتصادية قاسية، عزلة سياسية، توترات أمنية إقليمية، وضغوط متراكمة على أكثر من مستوى. هذا النوع من "الاستمرارية تحت الضغط" يُقدَّم عادة بوصفه دليل قوة. لكن هذا الاستنتاج وحده لا يكفي لفهم الصورة الكاملة. فإلى جانب قدرة الدولة على الاستمرار، هناك مؤشرات متراكمة داخل المجتمع الإيراني تشير إلى كلفة عميقة: تآكل في الطبقة الوسطى، تراجع في القدرة الشرائية، اختلالات اجتماعية متزايدة، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع. هذه ليست تفاصيل اقتصادية فقط، بل مؤشرات على انتقال الضغط من مستوى النظام الدولي إلى داخل البنية الاجتماعية نفسها. بمعنى أدق، الضغط لم يُلغَ، بل تغيّر مكانه. علينا أن نتذكر هنا ان الشعب الايراني حاول الثورة على سياسات نظامه الدكتاتوري – الديني، لكنه قوبل ببطش وحشي تعامل مع الشعب كما يتعامل مع عدو غازٍ. وهذا هو جوهر المسألة: الأنظمة الديكتاتورية التي تمتلك أدوات ضبط قوية لا "توقف" الضغط، بل تعيد توزيعه. جزء منه يُمتص في مؤسسات الدولة، وجزء يُنقل إلى المجتمع عبر الاقتصاد والمعيشة اليومية، دون حساب تكلفته على الشعب، وجزء ثالث يُدار خارج الحدود عبر النفوذ الإقليمي وأدوات التأثير غير المباشر. بهذا المعنى، يصبح ما يُسمّى "الصمود" ظاهرة مركّبة: إنه ليس "صموداً" بالمعنى البطولي الذي يُسوّق له، لأنه ليس فقط قدرة على مواجهة الخارج، بل إدارة للكلفة داخلياً وخارجياً: من يدفع، ومن يقرّر. لكن هذه القدرة، مهما بدت فعّالة على المدى القصير، تحمل سؤالاً أخلاقياً وسياسياً لا يمكن تجاهله: هل الاستقرار الظاهر يعكس قوة الدولة، أم قدرة النظام على البقاء عبر توزيع العبء بطريقة غير متكافئة داخل المجتمع؟ هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما ننتقل من التحليل المجرد إلى الجغرافيا السياسية المباشرة. لقد أعادت إيران تدوير الضغط عبر ساحات إقليمية ترتبط بها بشكل مباشر أو غير مباشر. في هذا السياق، لا يمكن فهم موقع لبنان بمعزل عن هذه الديناميات. لبنان لم يكن يوماً مجرد متلقٍ سلبي للتطورات الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه لم يكن قادراً على تحييد نفسه عنها. هشاشة بنيته الداخلية، تعقيد نظامه السياسي، وانكشافه الاقتصادي، جعلته عرضة لأن يكون ساحة تتقاطع فيها ضغوط لا يملك أدوات التحكم بها بالكامل. استغلته إيران ليصبح ساحة نفوذ لها، تُستخدم لتخفيف العبء عنها أو إعادة موازنته. لكن ما يُدار كصراع أو توازن خارج لبنان، يُترجم داخله على شكل كلفة سياسية واقتصادية واجتماعية مباشرة فادحة. وهنا يصبح النقاش حول "اتفاق الإطار" أكثر من مجرد تفصيل دبلوماسي أو تفاهم ظرفي. إنه اختبار لطبيعة موقع لبنان نفسه: هل يبقى ضمن دائرة إعادة إنتاج التوازنات الإقليمية، أم يعمل على الانتقال - ولو تدريجياً - إلى موقع الدولة التي تملك قرارها السياسي؟ لقد استغلت إيران لبنان طويلاً وجعلته ساحة وموطئ قدم على المتوسط. ففي كل مرة كانت تشعر فيها بالخطر، كان لبنان ساحتها المفضلة لإبعاد هذا الخطر عنها. وكان حزب الله جاهزاً للتلبية: من حرب "لو كنت أعلم" في 2006 ، الى حماية حكم بشار الاسد عام 2012، ناهيك عن حرب الاسناد 2003، وخصوصاً حرب الثأر لخامنئي عام 2026، التي جلبت خراباً غير مسبوق على لبنان. والآن يرفض حزب الله، ومن خلفه نبيه بري، اتفاق الاطار، كي يترك لبنان ساحة وورقة تُفاوض بها إيران لتقوية أوراقها. ومن يدفع الثمن لبنان عموماً، والشيعة خصوصاً، لكي تحتفظ إيران بنفوذها في لبنان. استعادة المعنى الفعلي للسيادة تعني رفض هذا الاستخدام، وتثبيت أن قرار السلم والحرب وإدارة المخاطر يجب أن تعود إلى مؤسسات الدولة وحدها، لا إلى ترتيبات موازية تفرض على المجتمع أكلافاً لا يحتملها. من هنا، يصبح النقاش حول "اتفاق الإطار" اختباراً حقيقياً، لا تفصيلاً تقنياً. فإما أن يُفهم كخطوة - ولو ناقصة - نحو إعادة تثبيت الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة للقرار، أو يُجهض تحت ذرائع إقليمية، ليبقى لبنان في موقعه القديم: ساحة تدار فيها مصالح الآخرين بدل ان يكون دولة سيدة تدير سياساتها بنفسها. لا يمكن التعامل مع ما يجري كـ"تبادل ضغوط" مشروع بين أطراف متكافئة، بل كمساس مباشر بسيادة دولة وحقوق مجتمعها. استخدام لبنان كساحة لتصفية حسابات أو كأداة ضغط في صراعات إقليمية ليس موقفاً سيادياً، ولا خياراً طبيعياً ولا حقاً بديهياً لأي جهة خارجية أو داخلية، بل هو انتقاص من حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم، والقبول الضمني باستمرار استخدام لبنان كأداة، لا كدولة. النتيجة ليست نظرية: كلفة بشرية متكررة، استنزاف اقتصادي مزمن، تعطّل في مؤسسات الدولة، وإضعاف لقدرتها على حماية مواطنيها. تمتد هذه الكلفة إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة: بنية تحتية تتآكل، تعليم يتراجع، وفرص أجيال تُقايَض بحسابات لا تشارك في صنعها. هنا لا يكفي توصيف "إعادة توزيع الضغط". المسألة هي تحميل كلفة غير عادلة على بلد هشّ، بما يحوّله من دولة يُفترض أن تدير مصالحها إلى ساحة تُدار فيها مصالح الآخرين. وأي خطاب يقدّم ذلك كـ"صمود" يتجاهل سؤالاً أساسياً: من يدفع الثمن، وبأي تفويض؟ استعادة المعنى الفعلي للسيادة تعني رفض هذا الاستخدام، وتثبيت أن قرار السلم والحرب وإدارة المخاطر يجب أن يعود إلى مؤسسات الدولة وحدها، لا إلى ترتيبات موازية تفرض على المجتمع كلفاً لا يحتملها. في النهاية، المشكلة ليست في أن بعض الدول تتحمّل الضغط أكثر من غيرها، بل في أن هذا التحمل يُبنى أحياناً على نقل الكلفة إلى أماكن أضعف. وهنا يسقط أي ادعاء أخلاقي أو سياسي. الضغط ليس اختبار قوة فقط… بل اختبار عدالة. وفي الحالة اللبنانية، الظلم واضح: بلد يدفع ثمن صراعات لا يقرّرها، ومجتمع يُطلب منه أن يتحمّل ما فوق طاقته، وينكرون عليه حق رفضه. هذا خلل قاتل يجب أن يتوقف.

صفحة جديدة في العلاقات بين لبنان وسوريا؟

طبعت الأحداث اللبنانية يوم الخميس، 2 تموز 2026، حدثٌ بارز تمثّل في الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى بيروت. وقد التقى خلالها جلّ المسؤولين السياسيين والروحيين، وقادة الأحزاب الكبرى... باستثناء "حزب الله". ولكلّ من عاصر "زمن الوصاية السورية" (أو الاحتلال كما يفضّل البعض تسميته)، فإنّ هذه الزيارة لا يمكن إدراجها في خانة اللقاءات العادية، وينطبق الأمر نفسه على المواقف التي واكبتها؛ ولا سيما تصريح رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي أكّد "التمسّك بالعلاقات الأخوية" المبنية على "التنسيق والتعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية" لكلا البلدين. ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، عزل هذه الزيارة عن سياقها العام؛ إذ تأتي في توقيت تزايدت فيه، في الآونة الأخيرة، التهديدات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكانية اللجوء إلى القوات السورية لنزع سلاح "حزب الله"... وهو ما نفته دمشق بشكل قاطع وتكراراً، وتحديداً على لسان رئيسها أحمد الشرع. وبناءً على ذلك، فإنّ حضور الوزير السوري يهدف إلى طمأنة القادة اللبنانيين بهذا الشأن. كذلك، لا يمكن إغفال الاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان وإسرائيل يوم الجمعة الماضي في واشنطن؛ وهو مسار لم يشمل أي دولة عربية، وعكس رغبة السلطة اللبنانية في فصل الملف اللبناني بشكل قاطع عن الملفات الإقليمية الأخرى. والأرجح أنّ السلطة السورية الجديدة تريد جسّ النبض بغية فهم معالمه. أما من حيث الشكل والمضمون، فقد تركت زيارة وزير الخارجية السوري أصداءً إيجابية جداً في الأوساط اللبنانية. ونقل الشيباني إلى الرئيس عون دعوة للقيام بزيارة رسمية إلى سوريا. كما توالتالتصريحات التي تؤكد احترام أمن كلا البلدين وسيادتهما. وكرر الوزير السوري في مناسبات عدة أن الرغبة السورية تكمن في تعزيز التعاون بين البلدين. وفي هذا السياق، وُقِّع اتفاق بين الشيباني ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام لإنشاء لجنة مشتركة تهدف إلى تعزيز هذا التعاون على المستويات كافة، "في إطار احترام المصالح المشتركة"، وفق ما شدد عليه سلام. لقاءات مع مروحة واسعة من الشخصيات قد يكون سرد جميع الشخصيات التي التقاها الوزير السوري خلال زيارته الرسمية أمراً يبعث على الملل، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن باقة الشخصيات التي زارها الوزير السوري كانت لافتة، ولا سيما أن هذه اللقاءات جرت في يوم واحد، وشملت على وجه الخصوص (مع استبعاد "حزب الله"): الرئيس جوزاف عون، رئيس الوزراء نواف سلام، رئيس مجلس النواب نبيه بري، البطريرك الماروني بشارة الراعي، مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، رئيس حزب الكتائب سامي الجميل، نائب رئيس الوزراء طارق متري، ووزير الخارجية جو راجي. ولم يأتِ الوزير السوري على ذكر "حزب الله" إلا في ختام لقائه مع بري، عندما أكد "بقاءه منفتحاً" على لقاء مع الحزب "إذا اقتضت مصلحة البلدين ذلك". ويُذكر في هذا السياق أن "حزب الله" أدى دوراً محورياً في دعم النظام السابق في دمشق، وانخرط منذ عام 2011 في معارك ضد المجموعات التي انبثقت عنها السلطة الجديدة في سوريا. كما اندلعت اشتباكات على الحدود في مناسبات عدة، منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، بين مجموعات مقربة من الحزب الموالي لإيران والقوات السورية الجديدة. يُشار إلى أنه في الوقت الذي كان فيه السيد الشيباني يواصل جولته في بيروت، هزّ العاصمة السورية دمشق يوم الخميس، قرابة الساعة الثالثة بعد الظهر، تفجير استهدف مقهى في قلب المدينة، وأسفر عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل وإصابة 22 آخرين، بحسب وزارة الصحة السورية. وأعطت السلطات السورية توصيفاً أولياً للعبوة الناسفة، واصفةً إياها بأنها "بدائية الصنع". وأوضحت وكالة "فرانس برس" أن هذا الاعتداء هو الأكثر دموية منذ التفجير الذي استهدف كنيسة في حزيران 2025، والذي أوقع آنذاك 25 قتيلاً، وكان تنظيم "الدولة الإسلامية" الإرهابي قد تبنى ذلك الهجوم. تحالف أم لا ضد اتفاق واشنطن؟ وفي لبنان أيضاً، لا يزال توقيع الاتفاق الإطاري في واشنطن يوم الجمعة الماضي بين اللبنانيين والإسرائيليين يثير عاصفة من الردود. إلّا أنّ المعلومات المسرّبة حول إمكان تشكيل تحالف رباعي لإسقاطه في البرلمان – يجمع كتل بري وجنبلاط والتيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل و"حزب الله" – بدأت تتهاوى. وغداة زيارة باسيل لبري الأربعاء، والتي ساهمت في تغذية التكهنات، جاءت المفاجأة من جانب جنبلاط يوم الخميس؛ إذ صرّح لصحيفة "لوريان لو جور" الناطقة بالفرنسية بأنه "لن يكون جزءاً من تحالف لإسقاط الاتفاق الإطاري"، وإن عاد ووصف النص بأنه "دعسة ناقصة" من الدولة ومطالباً بمراجعته. وجدد جنبلاط انتقاداته على هامش زيارة الوزير السوري لمنزله في بيروت، مستخدماً عبارات حملت شيئاً من الغموض، حيث قال إنه "يفضل علاقة متوازنة مع سوريا على اتفاق قد يكون أسوأ من اتفاق 17 أيار"، في إشارة إلى الاتفاق المبرم بين لبنان وإسرائيل عام 1983، والذي انتهى به المطاف إلى الإلغاء تحت تأثير نظام حافظ الأسد. وأمام هذا الموقف الملتبس (على أقل تقدير) لجنبلاط، والموقف المعادي لـ"حزب الله" (حيث وصف النائب حسن فضل الله النص مجدداً بأنه "صك استسلام")، شهد يوم الخميس تحركاً لافتاً لعدد من الأحزاب السيادية دعماً لمسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وجهود عون وسلام. وفي مقابلة صحفية، اعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية أن النص يشكّل السبيل الوحيد الممكن لضمان الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، فضلاً عن نزع سلاح "حزب الله" وعودة السيادة اللبنانية الحقيقية. وفي هذا السياق، يُشار إلى أن رئيس حزب الكتائب سامي الجميل ورئيس حركة الاستقلال ميشال معوض، زارا الرئيس عون في قصر بعبدا على رأس وفدين موسعين، حيث جددا دعمهما لرئيس الدولة. كما يُسجّل أيضاً موقفاً أعلنه بري في مقابلة مع صحيفة محلية يوم الخميس، أبدى فيها "استعداده" للسير في تسوية بشأن هذا الاتفاق الإطاري إذا توافرت الرغبة في ذلك. فهل هي بداية انعطافة بالمعنى السياسي للكلمة؟ المفاوضات مؤجلة إلى ما بعد الجنازة على جبهة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، يبدو جلياً أن هذا المسار قد أُرجئ إلى الفترة التي ستلي جنازة المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، الذي قُتل في ضربة إسرائيلية في بداية الحرب في 28 شباط. ومن المتوقع أن تستمر هذه الجنازة المنتظرة منذ فترة طويلة (إذ كان مقرراً إجراؤها في آذار) أياماً عدة، وستشكل بلا شك فرصة يغتنمها نظام طهران لإحياء مشاعر الانتماء لدى مؤيديه للجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، فإن التوترات بين الجانبين الأمريكي والإيراني لا تزال ملموسة. فبينما يواصل النظام الإيراني المطالبة بالسيطرة على مضيق هرمز، أظهر الأمريكيون يوم الخميس موقفاً حازماً، مؤكدين أن الوضع في المضيق يجب أن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، أي مفتوحاً أمام الجميع، وفق ما جاء في تصريحات نقلتها قناة "الحدث". وختاماً، يُشار إلى انعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي يوم الخميس حول الحرب في الشرق الأوسط، بناءً على طلب البحرين. وتزامن ذلك مع تقديم سفير إيران لدى الأمم المتحدة شكوى ضد التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع الإسرائيلي، والتي وصف فيها المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بأنه "هدف للتصفية".

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (3/7)

يتتبع هذا البحث تجليات الأزمة والكارثة، منذ الكوسمولوجيات القديمة وصولاً إلى التجربة المعيشة لعالمٍ يتعرض للاهتزاز. ومن خلال إقامة حوار بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفلسفة يان باتوتشكا، يتساءل عن الكيفية التي تصورت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللاعودة، بل وحتى إمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى بالتزعزع. ويُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، متتبعاً خيطاً فكرياً دقيقاً، لكنه أساسي: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفكك بطيء للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي الجزء الثالث. الكالي يوغا، أو الكارثة الممتدة في هذا المنظور، لا يشكل السياسي مجالاً مستقلاً للقرار السيادي، بل يمثل لحظة انتقالية ضمن نظام دوري تتزامن فيه عمليتا الهدم وإعادة التشكل. فالسلطة، بعيداً عن أن توقف مجرى الكون، تندرج في داخله بوصفها أحد تجليات الفوضى وتجاوزها. غير أن الملحمتين، على أهميتهما البالغة، لا تكفيان وحدهما لاستنفاد التصور الهندي للكارثة. فلا بد من إلحاقهما بالثقل العقدي والكوسمولوجي الذي تمثله البورانات (Purāṇa)، إذ تمد هذه النصوص الحدس الملحمي وتمنحه بعداً نسقياً شاملاً. فهي تقيم بنيةً متكاملة للزمن الدوري، حيث تغدو الكوسمولوجيا، في آنٍ واحد، أسطورةً ولاهوتاً وميتافيزيقا للتكرار. ومنذ القرن التاسع عشر، أفضى احتكاك الهند بالحداثة الاستعمارية إلى إعادة تقييم عميقة للهندوسية. فقد شن عدد من المصلحين، وفي مقدمتهم مؤسسو البراهمو ساماج (Brahmo Samaj) والآريا ساماج (Ārya Samaj)، حملة فكرية على البورانات، وعدّوها مسؤولة عن الخرافة، وعبادة الأصنام، والتأخر الروحي الذي أصاب البلاد. [1] ودعا رامموهان روي، مؤسس البراهمو ساماج، إلى العودة إلى التوحيد العقلاني الذي تجسده الأوبانيشاد (Upaniṣad)، في مقابل ما رآه من تضخم طقوسي وتعددية آلهة في البورانات. أما سوامي داياناندا ساراسواتي، مؤسس الآريا ساماج، فقد ذهب أبعد من ذلك، مطالباً بالعودة الكاملة إلى الفيدا (Veda)، إذ رأى أن الديانة الفيدية، السابقة على كل بناء أسطوري بوراني، وحدها تجسد الحقيقة الأصلية للهند. وهكذا، فإن «نزع البورانية» عن الهندوسية كان يعني عقلنتها وتنقيتها، وإعادة إدراجها ضمن أفق يتوافق مع العلم، والأخلاق، والإصلاح الحديث. غير أن البورانية وجدت نفسها محاصرة من جهتين معاً: فقد طعن فيها الإصلاحيون باسم العقل، بينما ضيّق عليها التقليديون باسم النظام والطقس. فقد ادعى السناتانيون، المدافعون عن الساناتانا دارما، أي «الشريعة الأزلية»، أنهم يحفظون التقليد، غير أن أرثوذكسيتهم سعت، في الواقع، إلى تثبيت الدين داخل قانون جامد وشديد الطقوسية، مما همّش المرونة السردية والرمزية التي تميز الخطاب البوراني. [2] ومن دون أن يرفضوا البورانات صراحة، عملوا على تحييد قوتها الكوسمولوجية، مختزلين إياها إلى مجرد نصوص شعائرية، بدلاً من كونها حواضن للمعنى والصيرورة. وهكذا، مالت رؤيتهم للإخلاص للتقليد إلى تجميد عالم هرمي، تصبح فيه إعادة إنتاج الطقس أهم من الخيال الميثوبوييتي. وبين هذين القطبين، أُسكت ما يمكن تسميته «الفكر البوراني»، بما يحمله من مخيال مرن لدورات الزمن (اليوغا Yuga) والانحلالات (البرالايا Pralaya) والانبعاثات (سرشتي Sṛṣṭi). ومع ذلك، فقد كان يحمل حكمةً في الزمن والصيرورة ذات عمق ميتافيزيقي استثنائي: رؤيةً للكارثة لا بوصفها قطيعة، بل باعتبارها حضوراً كامناً لـالكالي يوغا في النسيج ذاته للزمن. وقد حاول مفكرون مثل أوروبيندو غوش وأناندا كوماراسوامي وسارفيبالي راداكريشنان إعادة الاعتبار إلى هذا الحدس، في مواجهة الساماجيين والسناتانيين معاً. فعادت البورانات، على أيديهم، لتغدو ميتافيزيقا للزمن، ونحوًا للصيرورة الكونية، وشعريةً للنظام والفوضى. [3] وإنصاف الإرث البوراني يعني الاعتراف بالمخيال بوصفه نمطاً من أنماط التفكير، قادراً على وصل الإنسان بالإيقاع الكوني لـالساناتانا دارما؛ لا باعتباره بقايا ماضٍ ينبغي تجاوزه، بل بوصفه ذكاءً رمزياً للعالم، تغدو فيه الكارثة، لا حادثاً عارضاً، بل الجوهر الكامن للزمن الحي. يُعلَن الكالي يوغا في خاتمة المهابهارتا مع وفاة كريشنا، ويُعد التعبير الأكمل عن الرؤية البورانية للزمن. فهذا العصر، الذي يبدأ مباشرة بعد رحيل الإله (نحو سنة 3102 قبل الميلاد)، هو عصر الحديد، عصر الفوضى الأخلاقية، والانحلال الروحي، وانحسار الدارما. فلا يبقى من العدل والحقيقة والفضيلة سوى بقايا ضئيلة، مجرد ظلال لقوتها الأولى، فيما تغدو الجشع والكذب والعنف المبادئ الحاكمة للعالم. ويحدد سوريا سيدهانتا (Sūrya Siddhānta)، وهو من أهم مؤلفات الفلك الهندي القديم، بداية هذا العصر عند لحظة وفاة كريشنا نفسها، بينما تمنحه التقاليد البورانية زمناً يمتد 432 ألف سنة بشرية: وحدة زمنية على مقياس الكون، تتلاشى فيها تواريخ البشر داخل نَفَس براهما. [4] ومن هذا المنظور، لا يدل الكالي يوغا على دمارٍ لحظي للعالم، بل على كارثة ممتدة، حالة دائمة من أزمة النظام الكوني. فالصلة بين الإنسان والإلهي تتفكك شيئاً فشيئاً، وتغدو الكارثة حالةً أنطولوجية، أي التعبير عن الانحلال البطيء للدارما، من دون أي إمكان قريب لاستعادتها. [5] إن وفاة كريشنا لا تضع نهايةً للعالم، بل تفتتح زمن الضياع الجذري، عصراً يخلو من أي خلاص وشيك، ويطغى عليه اختلاط القيم، وغياب التعالي، وانسحاب المعنى. فالكالي يوغا هو زمن الكارثة، لا لأن كارثةً فجائية حلّت بالعالم، بل لأن الفوضى نفسها أصبحت زمناً ممتداً، ولأن تآكلاً بطيئاً ومتواصلاً أخذ يذيب أسس الدارما، ممهداً لـالبرالايا (Pralaya) الكبرى، أي الانحلال الأخير، ومُعِدّاً، من خلال انهياره ذاته، لميلاد دورة كونية جديدة. والكالي يوغا هو أيضاً زمن الحزن الجوهري. فمهما فعل الإنسان، يبقى هناك حزنٌ يقيم في الخلفية، حجابٌ أنطولوجي يخيم على قلب العالم. وهذا الحزن ليس انفعالاً نفسياً ولا حكماً أخلاقياً؛ إنه أسبق من الغبطة عند سبينوزا، وأقدم من القلق عند هايدغر؛ إنه النغمة الأساسية للعصر المظلم. يبدأ حُزناً، ثم يتحول إلى تنكر، وكبت، وإنكار. إنه يظل كامناً في كل شيء، ويتوارى خلف صخب العالم، ويختبئ في تدفق الرغبات، لكنه لا يزول أبداً. والكالي يوغا هو كذلك زمن الازدواجية. فالحزن فيه حقيقي، لكنه مخذول دائماً بتحولاته الخاصة؛ والإخلاص يصبح مستحيلاً، لأنه ما إن يُعاش حتى يُعاد استثماره داخل لعبة محاكياته. وهكذا يعيش العالم في نسيان ألمه الخاص: نسيان يتجدد باستمرار، ويفشل باستمرار، ومع ذلك يظل ضرورةً لا غنى عنها. وهو، أخيراً، زمن التردد بين خلاصين: الخلاص الفردي الباطني، الذي يُطلب عبر البهاكتي (Bhakti) ومعرفة الذات (آتما-جنانا Ātma-jñāna)، والخلاص الكوني، المنتظر في نزول آخر التجليات الإلهية، كالكي (Kalki)، الذي يختتم الدورة ويعيد الدارما إلى العالم. وهكذا، يتفتح في قلب الفوضى انتظار مزدوج: انتظار الصحوة الداخلية، وانتظار التجدد الكوني. ومن ثم، يغدو الكالي يوغا، بما يحمله من حزن وازدواجية، مسرحاً للوعي الساقط، لكنه في الوقت نفسه رحم الرجاء: ذلك الفاصل الزمني الذي ينسحب فيه الإلهي، لا ليغيب، بل لكي يعود. وفي الكالي يوغا، لا يبقى الدارما، بوصفه مبدأ التوازن والعدالة والنظام الكوني، إلا في صورة بقايا. فالعالم لا ينهار بفعل كارثة واحدة، بل يتفكك ببطء، من خلال تآكلٍ متواصل للتناغم. وكلما اقتربت لحظة الانحلال النهائي، بدا أنها تتحقق وتؤجل نفسها في آنٍ واحد. فالكارثة تُعلن عن نفسها باستمرار، لكنها لا تكتمل أبداً. لا نهاية رؤيوية للعالم، بل دوام نهاية لا تنتهي. وتجد هذه الرؤية صدىً لافتاً عند هسيود في نظريته عن العصور الخمسة للبشرية، كما عرضها في كتاب الأعمال والأيام. فبعد العصر الذهبي، عصر العدالة والقرب من الآلهة، تمثل كل مرحلة لاحقة، الفضي، فالبرونزي، فعصر الأبطال، ثم الحديدي، تدهوراً تدريجياً في حال الإنسان: تصدعاً للنظام الكوني، وفساداً أخلاقياً، ونسياناً للفضيلة. [6] ويقابل عصر الحديد، وهو الأخير والأكثر بؤساً، الكالي يوغا مباشرة: ذلك الزمن الذي تتفكك فيه الروابط الاجتماعية، وتسود فيه الحيلة والعنف والطمع، ويعيش فيه الإنسان، بحسب تعبير هسيود، «بلا حياء ولا عدالة». [7] وفي كلتا الرؤيتين، لا تكون الكارثة قطيعةً فجائية، بل مساراً لا رجعة فيه من الانحدار. فالعالم يبتعد عن الإلهي لا عبر دمار عنيف، بل من خلال التآكل البطيء للمقياس، وضعف الحقيقة، واهتراء الرابطة الكونية. فإذا كان هسيود يتحدث عن ضياع ديكي (Dikē)، أي العدالة الإلهية، فإن التقليد الهندوسي يتحدث عن انحسار الدارما. غير أن اختلافاً جوهرياً يفصل بين الرؤيتين. فعند هسيود، الزمن خطي وتراجيدي، والسقوط يبدو نهائياً، من غير خلاص أو عودة. أما في الفكر الهندي، فإن الكالي يوغا ليس سوى مرحلة من الدورة، يعقبها حتماً رجوع الساتيا يوغا (Satya Yuga)، عصر الذهب. فالظلمة تمهد للنور، والانحدار يهيئ للولادة الجديدة. وهكذا، يقدم هسيود كارثةً أخلاقية بلا تجدد، بينما تتصور الهندوسية البورانية كارثةً كونية مولِّدة للتجدد؛ حيث تتماهى النهاية والبداية في نَفَس الزمن ذاته. يقترب العالم من الانحلال، لكن، في اللحظة نفسها التي تبدو فيها الكارثة على وشك الاكتمال، تتبدد من جديد. وحقيقتها هي حقيقة شفق دائم، يظل فيه الدمار محتوماً ومؤجلاً في آنٍ واحد. غير أن هذا التأجيل نفسه ليس إلا سقوطاً متواصلاً للحجب، وانطواءً للزمن على ذاته. فالزمن يتراجع وينكمش، حتى يظهر كالكي، لا بوصفه انتقالاً تدريجياً، ولا انبعاثاً لما بعد نهاية العالم، بل قفزةً، واقتحاماً للإلهي في مادة أنهكها الإنهاك، كبرق يشق ليل عالم يحتضر. إن كالكي لا يدمر العالم، بل يحول الانحلال إلى بداية جديدة. فهو، في نهاية المطاف، تجلٍّ لـفيشنو لا لـشيفا: مبدأ الحفظ والاستمرار في الكون، الذي يأتي لا ليفني العالم، بل ليعيد تناغمه مع الإيقاع الحي لـالدارما. [1] حول إعادة قراءة الهندوسية في سياق الحداثة الاستعمارية ونقد التقاليد البورانية، يُراجع: Brian A. Hatcher، Hinduism in the Modern World (London: Routledge، 2015)، وكذلك David N. Lorenzen، Who Invented Hinduism? Essays on Religion in History (New Delhi: Yoda Press، 2006)، حيث يحلّل المؤلفان الكيفية التي جرى بها بناء مفهوم «الهندوسية» في القرن التاسع عشر بوصفه فئة دينية أُعيدت صياغتها وعقلنتها في سياق الحداثة. [2] حول نشأة التيار السناتاني والدفاع عن الساناتانا دارما بوصفه محاولة لإضفاء طابع معياري ثابت على التقليد الهندوسي في مواجهة الإصلاحات الحداثية، يُراجع: Kenneth W. Jones، Socio-Religious Reform Movements in British India (Cambridge: Cambridge University Press، 1989). [3] حول إعادة القراءة الحداثية والميتافيزيقية الجديدة للتقاليد البورانية والملحمية في مواجهة الإصلاحات الدينية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ولا سيما السجالات بين الحركات الإصلاحية، مثل الآريا ساماج، والمدافعين عن الأرثوذكسية السناتانية، يُراجع، بحسب التسلسل الزمني: Aurobindo Ghose، The Life Divine (1914–1919) و Essays on the Gita (1922)، حيث تتبلور قراءة تطورية وكوسمولوجية للزمن الهندوسي؛ وAnanda K. Coomaraswamy، The Dance of Śiva (1918–1924)، الذي يعيد تأويل البورانات بوصفها تعبيراً رمزياً عن الإيقاع الكوني للخلق والانحلال؛ وSarvepalli Radhakrishnan، Indian Philosophy (1923–1927)، إلى جانب The Hindu View of Life (1926)، حيث تُقرأ التقاليد البورانية بوصفها تعبيرات فلسفية عن ميتافيزيقا الصيرورة. وعلى الرغم من اختلاف منطلقاتهم الفكرية، فقد أسهم هؤلاء جميعاً في نقل البورانات من مرتبة النصوص الأسطورية والدينية إلى أفق قراءة تأملية للزمن، والنظام، والفوضى الكونية. [4] يُراجع: Alain Daniélou، Les Mythes et les dieux de l’Inde (Paris: Flammarion، 1992 [الأصل الإنجليزي 1991])، وكذلك Shiva et Dionysos (Paris: Fayard، 1979). [5] من هذا المنظور، لا يُفهم الكالي يوغا بوصفه حدثاً أخروياً منفرداً، بل باعتباره تعمقاً مستمراً للمسافة الفاصلة بين النظام الكوني (الدارما) والشرط الإنساني، بما يلتقي مع بعض حدوس شيلينغ حول الكارثة بوصفها كامنة في الزمن ذاته. فالعلاقة بين الإنسان والإلهي لا تنقطع دفعة واحدة، وإنما تتفكك تدريجياً عبر التآكل البطيء للشروط التي يقوم عليها النظام نفسه. وهكذا، تكف الكارثة عن أن تكون حدثاً يمكن تحديده، لتغدو بنيةً للصيرورة، ونمطاً ممتداً من أنماط التاريخ، حيث لا يعرف تفكك الدارما عتبةً حاسمةً لاستعادةٍ فورية. وحول هذا الحوار بين التصورات الهندية للزمن الدوري والفلسفة التأملية الألمانية، يُراجع: Friedrich Wilhelm Joseph Schelling، Die Weltalter (Les Âges du monde) ، ترجمة فرنسية: Jean-François Courtine وEmmanuel Martineau (Paris: Aubier، سلسلة «Bibliothèque philosophique»، 1992)، ولا سيما المقاطع المخصصة للانشطار الداخلي للمطلق وتزمين الأصل الأول. [6] حول التدهور التدريجي لعصور المعادن وانهيار النظام الكوني، يُراجع: Georges Dumézil، Heur et malheur du guerrier (Paris: PUF، 1969). ويبيّن دوميزيل أن عصر الأبطال يمثل استثناءً يونانياً داخل بنية انحدار تقترب، في ما عدا ذلك، من التصورات الهندية الإيرانية. [7] هسيود، الأعمال والأيام، ترجمة Paul Mazon، باريس، Les Belles Lettres، سلسلة «CUF»، الأبيات 106–201؛ النسخة الرقمية، المكتبة الوطنية الفرنسية (Gallica)، تاريخ الاطلاع: 14 أيار/مايو 2026. ( النص مترجم من اللغة الفرنسية )