شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
تحت المظلّة..؟
بقلم
هشام دبسي
نُشر

وصل الوفد الاخير لحركة حماس إلى القاهرة في مطلع الشهر الجاري حاملاً ردود الحركة على أسئلة "میلادينوف" و مقترحاته دائمة التعديل. لم يرأس الوفد هذه المرة خليل الحيّة إلا أنه أرسل موقفاً متشدّداً و ثابتاً بشأن بند حَصريّة السلاح على أن يتم هذا الأمر تدريجياً وفق جدول زمني مرتبط [بِمَسار سياسي واضح بشأن تقرير الفلسطينيّين لمصيرهم وضمان حق سيادتهم] ، ومن جهة اخرى طالب [بصرف جميع المستحقّات للموظفين الّذين كانوا يعملون في حكومتها عبر "لجنة إدارة غزّة"] صحف 2\7 ، والسّعي لعدم إقصاء دورها في المرحلة الانتقاليّة. أمّا المواقف الاسرائيليّة ما زالت ترفض أي صيغة تسمح ببقاء جَناح عسكري لحماس بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. بين التصلّب الاسرائيلي والتشدّد الحمساوي، ما زال عمل "لجنة الادارة" مُتَوَقّف واجتماعاتها تُعْقَد في العريش أو قبرص ، لكن ليس في القطاع المُحتَلّ حيث لا تسمح لها حكومة اسرائيل. تَقاسُم وظيفي حالة تشظّي القطاع إلى منطقتين تترسّخ، في شرقه مسرح عمليّات الجيش الاسرائيلي، وفي غربه غالبية السكان تحت حكم جهاز أمن حماس وشرطتها و الناس يعيشون في بقايا الخِيَم وبقايا البيوت المُدَمَّرَة و بقايا الطّعام والماء والدواء. وفي هذا الجزء تمارس حركة حماس السيطرة والتَحَكّم وجِباية الضرائب وادارة العمليات التجاريّة مع حفنة من التّجار لا يقلّون بأساً بتجارتهم عن بأس أمن حركة حماس في علاقته بالناس. وفي كلّ مرّة نتحدّث فيها عن السلاح و حصريّته في القطاع يجب أن نذكر أنّ إدارة ترمب والوسيط التركي والقَطَري توصّلوا إلى ضرورة بقاء سلاح حماس حتى يتم الانتهاء من المرحلة الانتقالية. لذا لدينا مُعادلة بسيطة: اسرائيل تقول لا لسلاح حماس، و حماس تتشدّد في مطالبها بشأن حصرية السلاح إلى درجة طلب ضمانات مستقبليّة جماعيّة و فرديّة بينما المندوب السامي لمجلس السلام نيقولاي ميلادينوف يعمل مثل المكّوك لخياطة إتّفاق يُرضي اسرائيل وحماس معاً. وفق هذه المعادلة المُستعصِيَة، و حسب تعلیمات الادارة الأميركية، وموافقة اسرائيل فإنّ لجنة إدارة غزّة يجب أن تبدأ عملها في الجزء الشرقي وتحت رقابة جيش الاحتلال مباشرةً، علماً أن هذا الأمر لا يوجد له سقف زمني للتنفيذ. والخلاصة هي أن حكم حماس سيستمر في الجزء الغربي، في إزدواجية سلطات لا يمكن فهمها وقراءتها إلا بصفتها تقاسُماً وظيفيًّأ بين الطرفين، ما يؤدي إلى تعاظم مصائب الناس نتيجة الجمود و اللّاحل، بينما الامن الغذائي والمائي والدوائي ينهار بشكلٍ متسارِعٍ، حيثُ يفتك المرض والجوع والعطش بشعب غزة. وهو يعاني وصاية مجلس السلام و احتلال الجيش الاسرائيلي و حكم حماس معاً. إنّ مجلس الامن الدولي باصداره القرار الخاص بتشكيل "مجلس السلام" في 17-11-2025 لم يمنح الرئيس دونالد ترمب الوصاية والولاية على الفلسطينيّين، وإنّما لوقف حرب الابادة التي صارت تضُرّ بمصلحة اسرائيل وصورتها، ومن أجل الترخيص لنشر قوّة دوليّة تساعد على عبور الشعب الغزّي معاناته من الابادة الموصوفة. لقد مضى الشهر الثامن على تشكيل "مجلس السلام" ومازالت المفاوضات تراوح في تنفيذ البند الأول من أصل عشرين بندًا نصّت عليه مبادرة ترمب. خطوط حمراء الجولة التفاوضية الأخيرة هي الخامسة من دون أي تقدم يُذكر، حيث تتقاطع الخطوط الحمراء من موقع التّضاد الشامل بين اسرائيل وحركة حماس حول حصريّة السلاح و مستقبل الحكم في قطاع غزة وبانتظار التغيير في السلطة الفلسطينيّة بعد الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة المقرّرة في نهاية هذا العام. وفي كل مرة تفشل العملية التفاوضية تتقدم الديبلوماسيّة المصريّة، بمقترحات جديدة من أجل استمرار المفاوضات، حتى لا تترك لاسرائيل حريّة التنصّل من الالتزامات الدولية، ولمنعها من فرض أمر واقع جديد في قطاع غزة يؤثر على الأمن القومي المصري تأثيرًا استراتيجيًّا من خلال تحويل الحدود الفلسطينيّة - المصريّة، إلى حدود اسرائيليّة – مصريّة، فضلاً عن ما يستتبع ذلك من تجاوز على معاهدة السلام المصرية – الاسرائيلية. من هذا المنظور للجغرافية السياسية، تدفع الدبلوماسية المصرية بدور السلطة الوطنية للأمام وتأمين حضورها السياسي والمادي، وقد نجحت في إحياء “معاهدة المعابر" وإعادة الحضور الفلسطيني الرسمي بمشارکة اوروبية، و بالاتفاق أيضاً على ادخال خمسة عشر الف شرطيًا على ثلاثِ دفعات لتأمين حياة الناس في القطاع لاحقاً، بالإضافة للمشاركة الرمزيّة لمدينة دير البلح في انتخابات البلديات منذ أشهرٍ قليلة مضت. لهذا، مازالت القاهرة حريصة كل الحرص على منع فشل المفاوضات، كما يرغب نتنياهو و جنرالاته.و لتحقيق هذا الهدف، تستخدم القاهرة وسائل المرونة والصلابة معاً مع كافّة الاطراف، بما فيها الطرف الاسرائيلي. حيث تراقب القاهرة من خلال دورها مع دول الوساطة الاربعة "الباكستان، السعودية، وتركيا" تطوّر حركة الصراع بين واشنطن و طهران و تل ابیب والاحتمالات المفتوحة حتى الآن على امكانية العودة مجدّداً إلى مستويات من العنف قابلة للانفجار، مهما تكن مضبوطة. إذ تحتمل العمليات السياسيّة والانتخابيّة المقبلة في الولايات المتّحدة واسرائيل إلى ظهور نتائج لا تُساعد على نجاح عمليّة سلام واسعة دُوَليّة واقليميّة. في الوقت نفسه، تتحرّك السياسات التّركيّة والقَطَريّة بديناميّة مختلفة، تسعى من خلالها لبناء علاقة جديدة بين حركة حماس وادارة البيت الأبيض، إنطلاقاً من خبرتهم الطويلة مع قوى الاسلام السياسي المتطرّف وخاصّةً مع حركة الطالبان الأفغانيّة، تلك التجربة العزيزة على قلب عضو المكتب السياسي لحماس خالد مشعل من كثرة ما اعتبرها بتصريحاته، نموذجاً مرجعياً، يسمح تقليده بإعادة انتاج الحركة ودمجها في النظام السياسي الفلسطيني مجدّداً. ولولا مرونة الادارات الاميركية السابقة والحالية، لما تشدّدت قيادة حماس في مطالبها التفاوضية، حيث رهانها على نجاح مساعي انقرة والدوحة في اعادة تسويق دورها في الحالة الفلسطينيّة، الأمر الذي يُمَكّن البيت الابيض من فرض شروطه على حماس والسلطة الفلسطينيّة معاً، لخفض سقف المطالب الوطنيّة التي يقبل بها الشعب الفلسطيني، وهذه لعبة مستمرّة منذ تمكين حُكومة شارون عام 2007 لحركة حماس في انقلابها على الشرعيّة الفلسطينيّة. فإذا كانت اللعبة مضمونة النتائج... لماذا لا تتكرّر؟ قطرة ماء بينما تستمر اسرائیل في منع دخول المساعدات الإنسانية تتفاقم أزمة الماء النظيف، حيث يحتاج القطاع يوميًّا إلى ١٤٠ الف لتر مكعّب لحاجات الشرب والمشافي والطعام بينما تُبلغ الأمم المتّحِدة بصوتٍ عالٍ عن انهيار الأمن المائي لكن حركة حماس لا تُظهر من جانبها مواقف أو سلوك يدل على اكتراثها بالناس لأن السلاح عندها أهم من قطرة الماء..!

هدنة وجيزة وسط التوترات والانقسامات الداخلية

يعطي الأسبوع المنصرم انطباعًا غامضًا بأن النار لا تزال تحت الرماد. فالتوترات مستمرة بين الأميركيين والإيرانيين، وهي تنفجر إلى العلن داخل نظام الملالي نفسه، فيما تتواصل في لبنان الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار من دون أن تستدعي، حتى الآن، ردًا من حزب الله. طبعت الأسبوع المنصرم أيام من الترقب، كأنها وقت ميت. فقد كان أقل زخمًا بالأحداث من الأسابيع التي تعاقبت منذ بداية الحرب في إيران وفتح الجبهة اللبنانية الموازية، لكنه يبقى مع ذلك أسبوعًا بالغ الدلالة. ذلك أن التصدعات بدأت تظهر هنا وهناك، ليس فقط في مذكرة التفاهم الموقعة بين الأميركيين والإيرانيين، بل أيضًا داخل النظام الإيراني نفسه. شكّل مضيق هرمز هذا الأسبوع نقطة خلاف بين إيران وبقية العالم. فإصرار طهران على اعتبار أن إدارة المضيق يجب أن تكون بيد النظام، وإطلاق النار على السفن التي تعبر الممر من دون نيل موافقته، جلبا على الملالي إدانات من مختلف الجهات. ويوم الخميس، وبطلب من البحرين، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة لمناقشة هذه المسألة، وكانت الكلمات التي ألقاها ممثلو الدول، ولا سيما السفير الأميركي، شديدة اللهجة في توبيخ الإيرانيين على مواقفهم وأفعالهم. ويوم الجمعة، وجه قادة حلف شمال الأطلسي، كما فعل الاتحاد الأوروبي قبلهم خلال الأسبوع، انتقادات قاسية إلى نظام طهران، رافضين أي رسوم تُفرض على السفن بحجة «الخدمات المقدمة». والأهم من ذلك أن الأنظار اتجهت إلى الكلمات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم السبت، في مناسبة الاحتفالات بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. فقد قال أمام الحشد: «لقد ضربناهم بقوة كبيرة، إنهم يقتلون أنفسهم من أجل إبرام صفقة معنا، لكننا سنمنحهم أسبوعًا من أجل جنازة مرشدهم الأعلى خامنئي، من باب اللطف». هل يعني هذا التصريح أنه بدأ يفقد صبره؟ في كل الأحوال، لن تُستأنف المفاوضات في هذا الملف إلا بعد التاسع من يوليو، موعد انتهاء أيام الحداد. ويبدو واضحًا أن الأميركيين يريدون أيضًا ترك هذه المرحلة من كأس العالم لكرة القدم تمر، وهي البطولة التي تُقام جزئيًا على أراضيهم. استعراض قوة وانقسامات تُعد جنازة علي خامنئي وأفراد من عائلته، الذين قتلوا معه في الضربة الإسرائيلية-الأميركية في 28 فبراير 2026، والتي أشعلت الحرب في الشرق الأوسط، إحدى المحطات الأساسية لهذا الأسبوع، ومن المفترض أن تمتد مراسمها على مدى أيام عدة، وصولًا إلى الدفن في التاسع من يوليو. وقد بدأت هذه المراسم تكريمًا للزعيم الراحل، وليس من المؤكد أن ذلك مجرد مصادفة في التوقيت، في الرابع من يوليو، يوم الاستقلال الأميركي. بالنسبة إلى نظام الملالي، يتعلق الأمر، كما هو متوقع، باستعراض قوة وبفرصة لإعادة تأكيد تماسك النظام. إلا أن الأمر لم يكن كذلك حتى الآن. صحيح أن استعراض القوة نجح. فقد احتشد مئات آلاف الإيرانيين الموالين للنظام لتوديع الزعيم الديني والسياسي الذي حكم هذا البلد الشاسع بقبضة من حديد لأكثر من ثلاثة عقود. بكاء وصراخ ولطم... كل مظاهر الحزن العلنية والإصرار على المضي في طريق «المعلّم» كانت حاضرة. كما حضر ممثلون رسميون عن عدد من الدول الحليفة، مثل باكستان. ورغم العلاقات المضطربة مؤخرًا بين الدولة اللبنانية وإيران، أوفدت بيروت وزير الدفاع ميشال منسّى لتمثيلها. ومن دون مفاجأة، انحنى وفد كبير من حزب الله، دامعًا، أمام نعش آية الله. غير أن ما كان يُفترض أن يكون لحظة وحدة هائلة حول شخصية جامعة رحلت، كشف في نهاية المطاف عن شروخ متزايدة، ليس فقط بين المحافظين والإصلاحيين، وهو أمر متوقع في إيران، بل داخل الجناح المحافظ نفسه في النظام. وبحسب عدة وسائل إعلام، من بينها مقال في صحيفة نيويورك تايمز وتقرير لقناة العربية، فإن المؤشرات تظهر بوضوح أن الوحدة التي يعرضها القادة الإيرانيون ليست سوى واجهة. فبينما يواصل الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد قاليباف الدفاع عن الاتفاق مع الأميركيين، تتساءل أصوات محافظة أخرى كيف يمكن لمثل هذه المفاوضات أن تجري فيما واشنطن، مع حلفائها، هي المسؤولة عن اغتيال المرشد الأعلى. صراع على السلطة شهد هذا الأسبوع أيضًا مقابلة تلفزيونية مع قاليباف كان يشرح خلالها تفاصيل الاتفاق مع واشنطن، قبل أن تُقطع فجأة على شاشة التلفزيون الرسمي الذي يديره تيار متشدد، ما أثار غضب كبير المفاوضين. وفي العراق، وبينما كان يشارك في التحضيرات للمراسم التكريمية لخامنئي في هذا البلد الذي يضم عددًا كبيرًا من الشيعة والمؤيدين، تعرّض وزير الخارجية عباس عراقجي لصيحات استهجان من إيرانيين يلومونه على دوره في المفاوضات مع الولايات المتحدة. وتوضح مقالة نيويورك تايمز أن هذه الانقسامات لا تتركز فقط على الاتفاق مع الولايات المتحدة، بل تعكس أيضًا، وقبل كل شيء، صراعًا داخليًا على السلطة. وهو أيضًا صراع لكسب ود المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر حتى الآن علنًا، رغم معلومات عن تصميمه على المشاركة في جنازة والده وأفراد عائلته. ولا يزال غيابه يغذي أكثر الشائعات جنونًا حول وضعه الصحي، إذ يقال إنه أصيب بجروح خطيرة في الضربة نفسها التي قتلت والده، وحول قدرته على قيادة البلاد. كما تميز هذا الأسبوع بكشف نيويورك تايمز وواشنطن بوست عن نية مفترضة لدى الدولة العبرية لتصفية أبرز المفاوضين الإيرانيين، قاليباف وعراقجي، خلال المفاوضات مع الأميركيين. وبحسب الصحيفتين الأميركيتين، كانت واشنطن قلقة إلى حد كبير من فقدان هذين المحاورين، إلى درجة أنها طلبت من دول في المنطقة تحذير طهران من هذا الخطر. ومن دون مفاجأة، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لينفي هذه الاتهامات. تفجيرات في جنوب لبنان إذا كان الاتفاق الأولي الموقع بين الأميركيين والإيرانيين لا يزال يقسم الصفوف في طهران، فإن الاتفاق الإطار الموقع بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في 22 يونيو في واشنطن يثير بدوره انتقادات في بيروت. ولا يزال الثنائي الشيعي يعلن معارضته للوثيقة التي تنص على إنشاء مناطق نموذجية يفترض أن تنسحب منها القوات الإسرائيلية لتحل محلها الجيش اللبناني. وفي مواجهة انتقادات الثنائي حزب الله-أمل، يزداد إظهار القوى السيادية دعمها لرئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذين امتلكا الشجاعة السياسية لاختيار طريق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. ويركز المعترضون على الاتفاق الإطار بشكل أساسي على أحد بنوده، وهو البند رقم 13، لتبرير موقفهم. فهذا البند ينص على ألا يتقدم لبنان أو إسرائيل بشكاوى أمام الهيئات الدولية ضد البلد الآخر بشأن جرائم حرب محتملة. وحزب الله، الذي طالما عطّل وندّد بتدخلات العدالة الدولية والوطنية، كما في المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري عام 2005 أو في انفجار مرفأ بيروت عام 2020، يقدم نفسه فجأة كمدافع متحمس عن اللجوء إلى المحاكم الدولية. أما الأصوات المؤيدة للنص فتعتبر أن وجود مثل هذا البند أمر مألوف في مفاوضات جارية. صحيح أن الوثيقة ليست مثالية، لكن كما شدد الرئيس عون أكثر من مرة هذا الأسبوع، فإن هذا الاتفاق الإطار يعكس إرادة لبنان في التفاوض باسمه، مع العلم أن السلطة لا يمكنها في أي حال التخلي عن متر مربع واحد من الأراضي الوطنية. ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أنه بعد الهزائم المتلاحقة التي مُني بها حزب الله أمام إسرائيل في حربي 2023 و2026، يجد لبنان الرسمي نفسه أمام خيارات محدودة لاستعادة الأراضي التي خسرها. أما في جانب الثنائي الشيعي، فإن الوحدة المعلنة تصطدم بـ«تباينات» في المواقف. ففي حين يرفض حزب الله من دون أي لبس مسار المفاوضات المباشرة هذا، يبدو أن رئيس حركة أمل ورئيس مجلس النواب نبيه بري يراوح بين التصعيد والتهدئة. وفي أحد تصريحاته هذا الأسبوع، قال إنه مستعد للتسوية في هذا المجال. وعلى أي حال، فقد فشل مشروع تشكيل ائتلاف رباعي لإسقاط الاتفاق الإطار في البرلمان، يضم حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي. فإذا كانت زيارة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إلى بري هذا الأسبوع قد غذت الشائعات في هذا الصدد، فإن تصريح الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، أطفأ آمال الذين يراهنون على هذا الاحتمال. فمع أنه انتقد الاتفاق الإطار، أكد جنبلاط أنه لن يكون، في حال حصول ذلك، جزءًا من ائتلاف كهذا. ميدانيًا، لا يزال الوضع متوترًا في الجنوب، من دون أن يشبه حربًا مفتوحة. وتواصل القوات الإسرائيلية هجماتها وعمليات اغتيال كوادر من حزب الله، إضافة إلى تفجير المنازل والأنفاق. أما الحزب الشيعي، فيلتزم إلى حد بعيد بوقف إطلاق النار الذي يعتبره نتيجة للموقف الذي اتخذته إيران قبل توقيع الاتفاق الإطار في واشنطن. وتبقى هذه الهدنة أكثر هشاشة من أي وقت مضى. الشيباني في بيروت الحدث الآخر البارز هذا الأسبوع كان زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، يوم الخميس. وهي زيارة تبدو كأنها تفتح صفحة جديدة بين البلدين، في ظل تاريخ معقد إلى حد كبير. وقد عكست التصريحات إرادة احترام متبادل لسيادة كل بلد، وإقامة علاقات ندية في مجالات مختلفة، ولا سيما على المستوى التجاري. وأفضت هذه الزيارة إلى توقيع اتفاق بين الشيباني ونواف سلام ينص على إنشاء لجنة ثنائية للتعاون. وزير الخارجية السوري، الذي التقى جميع الأطراف باستثناء حزب الله، وزار طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني ذات الغالبية السنية، طمأن على الأرجح المسؤولين اللبنانيين إلى أن بلاده لن تتدخل في ملف نزع سلاح الميليشيا الشيعية اللبنانية، كما طالب الرئيس ترامب مرارًا. مصادفة في التوقيت؟ فقد هزّ العاصمة السورية دمشق، يوم الخميس، انفجار قوي ذو طبيعة إرهابية في مقهى قرب قصر العدل، ما أسفر عن سقوط ما لا يقل عن 9 قتلى وعدد كبير من الجرحى. ولم تتبنَّ أي جهة الاعتداء الذي نُفذ بعبوة ناسفة «مصنّعة يدويًا»، بحسب السلطات السورية، لكنه يحمل بصمات تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي.

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (4/7)

يقترح هذا البحث رحلةً عبر تمثّلات الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى الخبرة المعاشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الطريقة التي تصوّرت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللامعكوسية، بل وإمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى في التصدّع. يُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، ويتبع خيطاً فكرياً بالغ الصعوبة والأهمية في آن واحد: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفككاً بطيئاً للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي القسم الرابع. من الدورة إلى اللامعكوسية إن التمييز بين الأزمة والكارثة، أو الفصل بين الكارثة الكونية والكارثة التاريخية أو الفردية، يُعدّ في الحقيقة من المستحيلات، أو بالأحرى من اللامفكَّر فيه، داخل الفكر الهندي التقليدي. ففي هذا الفكر لا يقف الكوني في مواجهة التاريخي، بل يتجلّى من خلاله. فالكارثة ليست استثناء الزمن، بل حقيقته الأشدّ حميمية. أما الفصل بين الأزمة والكارثة، وكذلك نزع الطابع الكوني عن الكارثة تدريجياً، فهو ثمرة مسار طويل خاص بتاريخ الفكر الغربي. وقد نشأ من تداخل الإرثين اليوناني الروماني واليهودي المسيحي، ثم من إعادة تشكيلهما في العصر الحديث. ففي التقليد اليهودي المسيحي تحديداً استقرّت، بأوضح صورها، فكرةُ الكارثة بوصفها حدثاً مطلقاً. فالطوفان في سفر التكوين، ورؤيا يوحنا، ويوم الدينونة، جميعها ترسم البنية الزمنية نفسها: زمنٌ خطّي موجَّه، له بداية ونهاية لا رجعة عنها؛ وحدثٌ أخير لا يعيد تنظيم العالم فحسب، بل يغلقه ليفتتح نظاماً آخر، هو نظام الخلاص والفداء. [1] ومن ثمّ، سيكون من التبسيط القول إن اليهودية والمسيحية تفصلان بين الكارثة الأرضية والكارثة الكونية. فهما تُبقيان العلاقة بينهما قائمة، ولكن ضمن تراتبية جديدة يحكمها اقتصاد الزمن ذي الاتجاه الواحد. ولم يعد الخراب الأرضي يُفهم باعتباره لحظة من لحظات الدورة الكونية الكبرى، بل غدا علامةً أو مؤشراً أو تمهيداً لكارثة نهائية شاملة. وهنا تُحدث خطّية الزمن تحوّلاً حاسماً: إذ يُحمَّل الشر والحرب والدمار معنى غائياً، فلا يعودان ينتميان إلى دورية الطبيعة، بل إلى دراما التاريخ. ويمثّل هذا التحول قطيعة عميقة مع الكوسمولوجيات القديمة، وأكثر من ذلك مع الرؤى الدهرمية في الهند. ففي هذه الأخيرة، تظلّ انقطاعات العالم، من حروب وأوبئة وانهيارات، مندرجةً سلفاً في نظام دوري. فهي لا تقطع الانسجام الكوني، بل تشكّل نبضه الداخلي، وتنفّسه. أما الكارثة الإنسانية فلا تُفهم أبداً بوصفها حدثاً نهائياً، بل باعتبارها تعديلاً ضرورياً وعابراً داخل توازن أوسع. فلا وجود لأي قطيعة أنطولوجية بين المستوى الأرضي والنظام الكوني، إذ إن كليهما يشاركان في حركة الصيرورة نفسها (سامسارا)، أي حركة الخلق (سريشتي) والانحلال (برالايا). وعلى النقيض من ذلك، تتحول الكارثة الأرضية، في التقليد اليهودي المسيحي، إلى حدث تاريخي، فيما تصبح الكارثة الكونية حدثاً نهائياً. فالأولى تترجم الخطيئة إلى لغة الزمن، والثانية تحلّ الزمن نفسه في مطلق الوحي. وما يجري هنا ليس مجرد الفصل بينهما، بل وضعهما في حالة توتر داخل زمن موجَّه يمتلك بدايةً وتاريخاً ونهاية. وهكذا تكفّ الكارثة عن أن تكون تنفّس الكون، لتغدو اكتمال التاريخ. وهكذا تتبلور، في السلالة الكلاسيكية للفكر الغربي، سواء في صيغته اليونانية المسيحية أو الحديثة، بنيةٌ إسكاتولوجية للتفكير: فالأزمة تستدعي الكارثة باعتبارها خاتمتها، بينما تغدو الكارثة، بدلاً من أن تنتمي إلى الإيقاع اللامتناهي للصيرورة، نقطة الانقطاع واختتام الزمن. أما الفكر الهندي، فعلى العكس، فقد ظلّ ينظر إلى الكارثة لا باعتبارها انحلالاً نهائياً، بل باعتبارها لحظةً من لحظات التجدد، ومرحلةً غسقية من دورةٍ كُتب لها أن تولد من جديد. وفي المنظور الإسكاتولوجي، يتخذ الزمن هيئة خطّ موجَّه: بداية، وتطوّر، واكتمال، ثم نهاية. وضمن هذا الإطار، لا تعود الأزمة والكارثة مجرد صورتين من صور الاضطراب، بل درجتين مختلفتين من الشدة، كلتاهما مرتبطتان بأفق نهائي. وتظهر الأزمة بوصفها لحظة توتر داخل مسار التاريخ، ونقطة قرار لا تزال مندمجة في استمرارية العالم. أما الكارثة، فتميل إلى أن تُفهم باعتبارها اقتحاماً للنهاية، لا لنظام بعينه فحسب، بل ربما لنظام العالم نفسه. وهكذا، كثيراً ما تُفهم العلاقة بينهما ضمن منطق إسكاتولوجي: فتصبح الأزمة عتبة، بينما تغدو الكارثة إما الصورة الاستباقية للنهاية، وإما تحققها الفعلي. إن كون العلاقة بين الأزمة والكارثة، في التقليد الغربي، تُبنى غالباً على مصفوفة إسكاتولوجية، يعني أن هاتين الفئتين تظلان دائماً أسيرتي تصورٍ للزمن بوصفه زمناً موجهاً، حيث يتوقف معنى الحاضر على أفق النهاية. ويعني ذلك أيضاً أن كل إسكاتولوجيا هي، بصورة مباشرة، ذات بعد سياسي، لأنها تنتج تراتبيةً للأزمنة، وتقرأ الأزمات بوصفها علامات، وتوجّه الفعل في ضوء نهاية مفترضة. فالإسكاتولوجيا ليست السياسة ذاتها، لكنها ترسم حدود ما يمكن التفكير فيه سياسياً. وتشتق كلمة الكارثة، من الناحية الاشتقاقية، من اللفظة اليونانية katastrophē ، وهي لفظة تنتمي إلى التراجيديا اليونانية، وتعني «الانقلاب الأخير»، أو لحظة الانفراج النهائي التي لا رجعة فيها. وهي لا تدلّ على مجرد اختلال في التوازن، بل على تدمير أو انهيار نظامٍ من أنظمة العالم، يُنظر إليه غالباً باعتباره شاملاً، غير قابل للإصلاح، أو على الأقل غير قابل للعكس، كما في الحروب العالمية، والإبادات الجماعية، والانهيارات البيئية. ورغم أن الكارثي يبدو، للوهلة الأولى، منتمياً إلى سجلٍّ مكاني يتمثل في الانهيار والخراب وتفكك الأشكال، في مقابل الزمن القراري الذي يميز الأزمة، فإنه يشكل، على نحوٍ مفارق، شرط إمكان حدسٍ متوسطي، ثم غربي، للزمن نفسه. فالذي تُدخله الكارثة ليس مجرد انقطاع داخل العالم، بل تحوّلاً في معنى الصيرورة ذاتها؛ إنها تَسِم الزمن بسمة اللامعكوسية. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الزمن يبدو مجرد تكرارٍ دوري أو عودةٍ للتشكيلات نفسها، بل أصبح انكشافاً على خسارة لا يمكن امتصاصها بالكامل. حتى تعاقب الفصول، وإن كان يحافظ على مظهر الدورة، يبدو هو الآخر موسوماً بهذه العلامة التي لا رجعة فيها: فالعودة لا تعيد الشيء نفسه على نحوٍ مطابق. وكل بداية جديدة تحمل أثر تبدّلٍ ما، وكأن التكرار نفسه يظل خاضعاً لزمنٍ أعمق، زمن التآكل، والفناء، واستحالة الرجوع. ولعل المخيال اليوناني، ولا سيما الهوميري، هو أول من جسّد هذه المفارقة بين العودة واللامعكوسية. فـالأوديسة تقوم تحديداً عند تلك العتبة التي يلتقي فيها حلم العودة الكاملة بوعي الزمن الذي لا رجعة فيه. لقد مثّلت الهوميرية، على الدوام، تحدياً لفكرة اللامعكوسية. فتجربة أوديسيوس، أو أوليس، تقع عند تقاطع الممكن الرجوع إليه والمستحيل استعادته؛ فالعمل كله ينتظم حول إمكان العودة واستحالتها في آنٍ معاً. وتجسّد الأوديسة منطق العودة: العودة إلى إيثاكا، واستعادة البيت، وإعادة تثبيت الملك، ثم الاعتراف الأخير. ومن هذه الزاوية، تبدو ما تزال منتمية إلى مخيال متوسطي قديم، ظلّ يرى أن النظام المفقود يمكن استعادته. وهكذا تبدو رحلة أوليس قوساً مقدّراً له أن يُغلق؛ فهي تُدخل في الأسطورة إمكان إصلاح التاريخ. غير أن هذه العودة، في مستوى أعمق، تحمل بالفعل ختم اللامعكوسية. فـأوليس لا يعود أبداً إلى العالم نفسه: لقد دُمّرت طروادة، ومات رفاقه، ومرّ الزمن على إيثاكا، وهو نفسه تبدّل بفعل التجربة، حتى غدا عاجزاً عن التطابق مع ماضيه. ومن ثم، فإن النوستوس ( nostos ) اليوناني [2] لا يعني استعادةً كاملةً للمطابق، بل يمثل عودةً مشوبة بالخسارة، وبقاءً أكثر مما يمثل رجوعاً حقيقياً إلى ما كان. فما تزال الأوديسة تحتفظ بالبنية الدائرية للعودة، غير أن هذه الدائرة باتت مشقوقةً بزمنٍ لا رجعة فيه. وحتى حين يستعيد البطل بيته، يبقى شيء ما قد تحطم إلى الأبد: استمرارية الزمن، وبراءة الرحيل، وإمكان البداية من جديد كما كانت. وفي هذا الضوء، تبدو عودة أوليس نقطة التحول بين نظامين رمزيين: فهي ما تزال تنتمي إلى حضارة الدورة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن زمن التبدل، حيث تحمل كل عودة أثر ما لا يمكن جبره. ولعل الأوديسة تمثل، عندئذ، المحاولة الأخيرة لحضارة متوسطية لإنقاذ أسطورة العودة في عالم بدأ الزمن فيه ينغلق على اللامعكوسية. ولهذا يحتل البحر مكانةً مركزية: فهو فضاء الضياع والتحول، والمجال السائل الذي تصطدم فيه حركة العودة باستحالتها الخاصة، حيث يصبح التيه الحقيقة العميقة للرحلة. وقد رأى إيمانويل ليفيناس، في إعادة قراءته لشخصية أوليس، أن هذا التوتر يمثل أحد الانقسامات الجوهرية بين الفكر اليوناني والفكر الكتابي. ففي الكلية واللامتناهي، كما في نصوص أخرى، يقابل بين مصير أوديسيوس ومصير إبراهيم: من جهة، فكر العودة؛ ومن جهة أخرى، مغامرة الرحيل بلا رجعة، والانفتاح على الغيرية. [3] يرى ليفيناس أن أوليس يجسّد البنية العميقة للفكر اليوناني: أن يرحل، وأن يلاقي الغرابة، لكنه يعود دائماً إلى موطنه. فكل التفاف يظل، في نهاية المطاف، قابلاً لأن يُعاد إدراجه في هوية الـ«هو نفسه». فالوحوش، والجزر، والإغراءات، والغرباء، جميعهم يشكّلون محطات في مسار يعيد، على نحوٍ مفارق، كلَّ غيرية إلى دائرة الألفة. فالغيرية تُعاش لكي تُستعاد في النهاية، وتتحول إلى تجربة لـ«الهو نفسه». أما إبراهيم، فيجسد بنية مختلفة جذرياً. فهو يغادر أرضه، وبيته، ونسبه، من دون أي وعد بالعودة. وحركته ليست حركة دائرة، بل حركة انفتاح. إنه يعرّض نفسه للمجهول عبر قطيعة نهائية مع الأصل. وهكذا تصبح التجربة الكتابية تجربة اللاعودة: فالمعنى لم يعد ينبثق من الاستعادة، بل من الوعد والمسؤولية. وتأخذ هذه المقابلة، عند ليفيناس، شكل التمييز بين نظامين في العلاقة بالزمن: العودة والخروج. فـأوليس يجسد الدائرية وإعادة التملك، أي اقتصاد «الهو نفسه»؛ أما إبراهيم فيجسد الرحيل الذي لا يعقبه استرداد، ولا تناظر الغيرية التي تصبح هي نفسها قانوناً. الأول متجذر في الكلية، والثاني يفتح الطريق نحو اللامتناهي. وفي هذا المنظور، تتوزع الأزمة والكارثة وفق هذين النظامين الرمزيين. فعالم أوليس هو عالم الأزمة: اختلال مؤقت في النظام، ولحظة تعليق تمهّد للعودة إلى الحالة الطبيعية. وحتى أقسى المحن، من فقدان وغرق وتيه، لا تكسر أبداً بنية المعنى؛ إذ يُفترض بها أن تُتجاوز وأن يُعاد استيعابها ضمن منطق النوستوس ( nostos ). ومن هذا المنطلق، ليست الأزمة سوى اضطراب مؤقت يصيب «الهو نفسه». أما عالم إبراهيم، فينتمي إلى نظام مغاير تماماً: نظام الكارثة بوصفها تجربةً للامعكوسية. فالكارثة هنا ليست انهياراً مدوياً، بل قطيعة أنطولوجية في العلاقة مع «الهو نفسه». إنها تعني الخروج الجذري من الدائرة، واستحالة العودة إلى الأصل. ومن خلال هذا التحول، يعيد ليفيناس تعريف الكارثة: فهي لم تعد حدثاً مدمراً، بل أصبحت بنية اللاعودة الأخلاقية، والشرط الذي يجعل الانفتاح على الآخر ممكناً. فما تزال الأزمة تنتمي إلى مجال السيطرة وإعادة توليد المعنى؛ أما الكارثة فتنتمي إلى مجال التجرّد والمسؤولية. وهكذا، بين أوليس وإبراهيم، يتجلى الانتقال من حضارة العودة إلى حضارة اللامعكوسية، ومن الزمن الدوري إلى الزمن الموجَّه. فالأولى تبحث، عبر الأزمة، عن إمكان استعادة النظام؛ أما الثانية، فترى في الكارثة شرطاً لمعنى لم يعد ينغلق على ذاته. مع أوليس، ما يزال العالم قادراً على استعادة نفسه؛ أما مع إبراهيم، فإنه يتحرر بانفتاحه على اللامتناهي. ويظهر إبراهيم، بحسب السرد الكتابي، في الفصل الثاني عشر من سفر التكوين. أما الفصول الأحد عشر السابقة (التكوين 1-11)، فتنتمي إلى ما يمكن تسميته «ما قبل التاريخ الكتابي»: فهي تسرد بدايات العالم، ومعصية آدم وحواء، وقتل هابيل، وفساد البشرية قبل الطوفان، وإعادة البناء حول نوح، ثم تشتت البشر عند بابل. إنها، إلى حدٍّ ما، سلسلة من الغرقات. سلسلة من الكوارث التي ليست سوى ولادات أخفقت الواحدة تلو الأخرى. بل إن السرد الكتابي نفسه يفتتح بكارثة كامنة: التوهو والبوهو، ذلك اللاتعيّن الأصلي، فوضى ليست مجرد مادة خام بلا شكل، بل عالمٌ منكوب منذ الأصل، عالم ينبغي للكلمة الخالقة أن تحتويه وأن تمنحه نظاماً. وقبل الخلق نفسه، هناك برشيت ( Bereshit )، أي «في البدء»، تلك اللحظة الواقعة بين حالتين، حيث تكون الكارثة كامنة منذ الأصل، وتظل الفوضى تطالب بالنظام الذي يقيمه الله من دون أن يمحوها محواً كاملاً. [1] كارل لوفيت، التاريخ والخلاص:الافتراضات اللاهوتية لفلسفة التاريخ، باريس، غاليمار، سلسلة «مكتبة الفلسفة»، 2002. [2] تشير كلمة نوستوس ( νόστος ) في اليونانية القديمة، قبل كل شيء، إلى العودة إلى الوطن بعد غياب طويل. وفي الأدب اليوناني، ولا سيما في الأوديسة لهوميروس، تدل على الطريق الشاق الذي يستعيد عبره البطل أرضه وبيته وأهله بعد سنوات من التيه. [3] انظر: إيمانويل ليفيناس، الكلية واللامتناهي، باريس، Le Livre de Poche / Biblio Essais، 1990، ص 17-19 (المقدمة)، وص 46-48 (بداية القسم الأول). (النص مترجم من اللغة الفرنسية)

 حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (11)

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهمٍ أفضل للوضع الراهن على الساحة اللبنانية في ضوء الماضي، بعيدًا من الخطابات الانفعالية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تتجاهل الوقائع، تاركةً للقارئ استخلاص الخلاصات التي تفرض نفسها. وقد تناولت الأجزاء العشرة السابقة إعادة قراءة للأحداث المتصلة بتصاعد قوة حزب الله منذ اتفاق الطائف، مرورًا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في أيار/مايو 2000، وصولًا إلى حرب 2006 وتداعياتها. أمرَت حكومة فؤاد السنيورة، في 16 آب/أغسطس 2006، بنشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان، وهو المعروف بتسميته الدولية بـ«القوات المسلحة اللبنانية»، وكان يقوده آنذاك العماد ميشال سليمان. وقد بدأ هذا الانتشار، وهو الأول منذ عام 1968، فورًا فجر 17 آب/أغسطس، عبر عبور نهر الليطاني بواسطة جسور معدنية عسكرية وأخرى موقتة، بعدما دُمّرت الجسور الثابتة بفعل القصف الإسرائيلي. وعلى الرغم من أنّ القوات المسلحة اللبنانية كانت أقل تجهيزًا بكثير مما هي عليه اليوم، وكان عدد جنودها أدنى بكثير، فإن هذا الانتشار السريع شكّل منعطفًا تاريخيًا، إذ أعاد، للمرة الأولى منذ عام 1968، الحضور العسكري للدولة إلى جنوب الليطاني، وهي المنطقة التي كان حزب الله يسيطر عليها منذ عام 2000. وقد أقرّ مجلس الوزراء العملية في 7 آب/أغسطس، وأُدرجت في إطار القرار 1701، على أن يبلغ عديد القوات اللبنانية المنتشرة حدًا أقصى قدره 15000 جندي، بدعم من اليونيفيل التي عُزّزت بدورها وارتفع عدد أفرادها من 4000 إلى 15000 عنصر. تفاصيل الانتشار نشرت القوات المسلحة اللبنانية سريعًا قوة أولية قوامها 9500 جندي في الأسابيع الأولى، جنوب الليطاني. وبسبب نقص العسكريين، جرى استدعاء 5000 من الاحتياط لسدّ النقص في العديد. وتألّفت القوات المنتشرة من أربعة ألوية مشاة، ولا سيما الألوية السادس والعاشر والحادي عشر والثاني عشر، معززة ومدعومة في المرحلة الأولى بفوج المغاوير، وأفواج مستقلة، ومفارز من فوج الهندسة. وشملت مرحلة المناورة التي افتتحت الانتشار تأمينًا تدريجيًا للطرق الرئيسية والمدن الأساسية، ولا سيما مرجعيون وصور والنبطية وبنت جبيل، وفق جدول زمني ضاغط. وقد نُفّذ عبور الليطاني والتمركز التكتيكي الأول في 17 آب/أغسطس، ثم تواصلت السيطرة التدريجية على أبرز عقد المواصلات حتى نهاية آب/أغسطس. وأُنجز الانتشار رسميًا في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2006، بالتزامن مع الانسحاب شبه الكامل للقوات الإسرائيلية، باستثناء القطاع المتنازع عليه في الغجر، وهو في الواقع قرية سورية من الجولان المحتل، وسكانها إما سوريون أو عديمو الجنسية لا يملكون هوية، وقد وسّعوا قريتهم بصورة غير قانونية منذ عام 1975 داخل الأراضي اللبنانية. كان هذا الانسحاب الإسرائيلي الثاني بعد انسحاب عام 2000. وعلى المستوى البنيوي، أنشأ الجيش اللبناني قيادة مخصصة للمنطقة الواقعة جنوب الليطاني، لم تكن موجودة قبل آب/أغسطس 2006. وقد اتخذ مركز قيادتها بدايةً في صور، ثم نُقل إلى ثكنة مرجعيون، لتتولى التخطيط التكتيكي واللوجستي وسلسلة القيادة المحلية. وجرى التعاون العملياتي بتنسيق وثيق مع اليونيفيل، إذ كان تموضع القوات المسلحة اللبنانية في النقاط المحددة يتم تباعًا، مع تحقق قوات حفظ السلام من الانسحاب الإسرائيلي من تلك النقاط. وكانت المهمات اللوجستية والأمنية مكثفة: فقد نشرت وحدات الهندسة جسور «بايلي» قدّمها لها المملكة المتحدة لعبور الليطاني، ونفذت عمليات إزالة الألغام من الطرق، وعالجت الذخائر غير المنفجرة، وأمّنت المداخل، فيما أقيمت عشرات الحواجز الثابتة والمتحركة على مختلف الطرق المؤدية إلى الجنوب لمراقبة حركة المركبات والأشخاص. وكان الهدف السياسي والعملياتي المعلن واضحًا: استعادة سيادة الدولة اللبنانية على المنطقة وتأكيدها، ومنع أي سلطة موازية، والقيام، وفقًا للمهمة الموكلة، بمصادرة الأسلحة غير الشرعية أو الظاهرة جنوب الليطاني. أثارت هذه المهمة آمالًا كبيرة، لكنها كانت تنذر أيضًا بتوترات متوقعة على الأرض بشأن وضع سلاح حزب الله والتنفيذ الفعلي لحصرية السلاح بيد الدولة. التسوية بين الدولة والحزب ودور إميل لحود منذ تسعينيات القرن الماضي، حين كان قائدًا للجيش، ثم رئيسًا للجمهورية في عام 2006، أدّى إميل لحود دورًا محوريًا في تحصين ترسانة حزب الله، بوصفه الضامن المؤسسي والعسكري والقانوني الأبرز لعدم نزع سلاحه، جاعلًا من ترسانته غير الشرعية، أيًا تكن المقاربة، عنصرًا يُقدَّم على أنه مكمّل للقدرات المحدودة المزعومة للقوات المسلحة اللبنانية. فمنذ أن أقرّ مجلس الأمن الدولي القرار 1559 عام 2004، مطالبًا بنزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية، بما فيها الميليشيا الموالية لإيران، أقام إميل لحود غطاءً مؤسسيًا يحول دون أي تطبيق يستهدف حزب الله. ومستفيدًا من ولايته الرئاسية التي مُدّدت بفعل الإملاء السوري وحده، استخدم إميل لحود، أمام استحالة إيجاد وضع قانوني لحزب الله، منبره ليعلن أن القرار لا ينطبق على الحزب الموالي لإيران، واصفًا إياه بـ«حركة تحرير وطني» و«مقاومة»، لا بميليشيا، مانحًا إياه بذلك قدرًا من الشرعية. وقد عطّل هذا التموضع محاولات إدارية وعسكرية لحصر أسلحة الحزب أو مصادرتها، ومنع أي تنفيذ قسري لنزع سلاحه. وخلال حرب تموز/يوليو 2006 والمداولات الحكومية حول القرار 1701، برز لحود مدافعًا متشددًا عن المصالح الاستراتيجية لحزب الله في قمة الدولة، على الرغم من أن الحكومة القائمة آنذاك كانت تاريخية: فقد كانت أول حكومة تُشكَّل بعد انتهاء ثلاثين عامًا من الاحتلال السوري للبنان، كما كانت أول حكومة تضم وزراء من حزب الله إلى جانب وزراء مناهضين لسوريا، باعتبارها حكومة وحدة وطنية. وكان رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، المنتمي إلى ائتلاف 14 آذار السيادي، الذي كان يملك غالبية الوزراء الأربعة والعشرين. كما ضمّت الحكومة خمسة وزراء من ائتلاف حزب الله وحركة أمل برئاسة نبيه بري، إلى جانب وزراء آخرين قريبين من إميل لحود. وخلال الجلسات المتوترة لمجلس الوزراء في آب/أغسطس 2006، في وقت كان فيه فريق الأكثرية الحكومية يسعى إلى الحصول على تفويض واضح للجيش كي يصادر السلاح جنوب الليطاني، وضع لحود خطًا أحمر مطلقًا. وتحت ضغطه، الذي نقله الوزراء القريبون منه والوزراء الخمسة التابعون لائتلاف حزب الله - أمل، أقرّت الحكومة تسوية عملياتية حملت عنوان «عقيدة اللامرئية». وبموجب هذه العقيدة، كان يمكن للجيش أن ينتشر في الجنوب، ولكن من دون القيام بتفتيش منهجي للممتلكات الخاصة، ولا بنزع قسري للسلاح ما دامت الأسلحة غير ظاهرة في العلن. وقد أدى ذلك عمليًا إلى إجهاض تطبيق القرار 1701 منذ البداية، وزرع بذور النزاع المقبل. وبصفته رئيسًا للجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة اللبنانية، حرص لحود على ألا تتضمن الأوامر الموجهة إلى قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، أي مهمة لمصادرة مخابئ السلاح، ضامنًا بذلك بقاء البنية العسكرية لحزب الله، التي كانت غالبًا تحت الأرض أو مخفية، على حالها. وبقوة الدعم السوري، الذي ظل مؤثرًا في لبنان على الرغم من انسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية، وفّر إميل لحود لحزب الله «مظلة دولتيّة» شملت ليس فقط حماية سياسية، بل أيضًا غطاءً خطابيًا. وقد استخدم لحود قدرته على التعطيل المؤسسي بما أتاح للحزب الموالي لإيران أن يحافظ، في مرحلة أولى، ثم خلال العقد التالي، على ترسانته وأن يعززها ويوسعها، من دون أن يخشى تدخل الجهاز الأمني اللبناني. وكان من نتائج هذه الاستراتيجية ترسيخ دور حزب الله على المدى الطويل، تحت غطاء خطاب الدفاع الوطني والحفاظ على الترسانة غير الشرعية، التي باتت تُصوَّر كعنصر مقبول، إن لم يكن مشروعًا، في المشهد الاستراتيجي اللبناني. اقرأ أيضاً حول الموضوع نفسه: حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (10) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2)

إيران: معطيات بالغة الأهمية حول النووي وتأثير الحصار البحري (1/2)

يكاد لبنان والمنطقة أن يكونا في حالة «استراحة». فقد أشار الرئيس دونالد ترامب، في مطلع نهاية هذا الأسبوع، إلى أنه منح إيران مهلة أسبوع، كبادرة حسن نية خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، الذي قُتل في القصف الأميركي-الإسرائيلي الكثيف الذي شكّل شرارة الحرب التي أُطلقت ضد النظام الإيراني في 28 شباط الماضي. وتنتهي هذه الاستراحة في 11 تموز المقبل، وهو الموعد الذي أُعلن السبت لاستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران، والتي ستُعقد في إسلام آباد. وعلى جدول الأعمال: العقوبات، والأموال الإيرانية المجمّدة، والملف النووي. وتأتي إعادة إطلاق هذه المفاوضات في وقت تعزز فيه مؤشرات عدة حال عدم اليقين حيال إمكان التوصل إلى نتيجة بنّاءة في مسار «المفاوضات» الذي بدأ مع مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية. ومن بين هذه المؤشرات، التي قد تصبّ في غير مصلحة النظام الإيراني: تطور ملفي لبنان ومضيق هرمز، ولا سيما بروز خطابات رسمية متقاربة في لبنان وسوريا والعراق، تميل إلى تأكيد أن المنطقة بأسرها تدخل مرحلة جديدة من تاريخها، في قطيعة تامة مع المشروع الأيديولوجي الخميني. أما في ما يتعلق بالساحة اللبنانية أولاً، فقد أفادت معلومات نقلتها صحيفة نداء الوطن اللبنانية، القريبة من الأوساط السيادية، بوجود قرار أميركي بحلّ «الميكانيزم»، أي لجنة مراقبة وقف إطلاق النار التي شُكلت عقب اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024، تمهيداً لإنشاء لجنة أمنية ثلاثية لبنانية-أميركية-إسرائيلية، يرأسها ضابط أميركي رفيع، هو الرئيس السابق لـ«الميكانيزم» الجنرال جوزف كليرفيلد، الذي باشر مهمته بالفعل عبر محادثات أجراها هذا الأسبوع مع القادة الإسرائيليين، لبحث الترتيبات العملية لنشر الجيش اللبناني في «المنطقتين النموذجيتين» المنصوص عليهما في الاتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في واشنطن، برعاية وزير الخارجية ماركو روبيو. ومن شأن إطلاق الدينامية المنصوص عليها في هذا الاتفاق الإطار أن يقطع، من دون شك، الطريق أمام الجهود اليائسة للجمهورية الإسلامية للتشبث بالورقة اللبنانية. معطيات حول تأثير الحصار البحري الأميركي أما في ملف مضيق هرمز، فإن الطموحات الهيمنية للحرس الثوري، الذي يصرّ على فرض سيطرته على هذا الممر البحري، تصطدم بتقاطع المواقف الأميركية والأوروبية في هذا المجال. وعموماً، يرفض المجتمع الدولي فرض أي رسم عبور على السفن التي تستخدم المضيق. والسبت، جدّد القادة الفرنسيون والبريطانيون استعدادهم لإنشاء قوة متعددة الجنسيات لضمان حرية الملاحة البحرية في هرمز. وفي هذا الإطار، أشاد مسؤول بريطاني رفيع بموقف سلطنة عُمان، التي أعلنت استعدادها لضمان أمن السفن على طول الممر المحاذي لسواحلها. وتحاول الجمهورية الإسلامية، منذ بداية هذه الحرب، استغلال قدرتها على التعطيل في مضيق هرمز لإظهار أنها قادرة على احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة، إذا لم تؤخذ في الاعتبار إرادتها بفرض سيطرتها الكاملة على هذه المنطقة. غير أن معلومات نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في نهاية هذا الأسبوع تشير إلى أن ابتزاز الحرس الثوري عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز له حدود في السياق الراهن. فقد ذكرت الصحيفة الأميركية، نقلاً عن أربعة مسؤولين إيرانيين رفيعين، أن الرئيس الإيراني وحاكم البنك المركزي الإيراني كانا قد أبلغا المرشد الأعلى، قبل توقيع مذكرة التفاهم مع واشنطن، بأن الحصار البحري الأميركي شلّ إلى حدّ بعيد الاقتصاد الإيراني برمته. وأضافا أن احتياطات البلاد من المواد الغذائية الأساسية والأدوية ستنفد في نهاية شهر آب بسبب الحصار. وبحسب هذه المعلومات، فإن الرئيس الإيراني هدد بالاستقالة إذا لم يمنح النظام الضوء الأخضر للتوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن استمرار الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحصار «يهدد استقرار البلاد»، وأن «الحكومة لم تعد قادرة على إدارة الوضع». وعقب هذه الخطوة المزدوجة والعاجلة من الرئيس وحاكم البنك المركزي، يكون المرشد الأعلى قد أعطى أخيراً الضوء الأخضر لمسار المفاوضات مع واشنطن. ولا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الفاعلية المثبتة للحصار البحري الذي فرضته إدارة ترامب، والخطر الكبير الذي يمكن أن يشكله على الاقتصاد الإيراني في المدى القصير، يؤديان إلى موازنة واحتواء، إلى حد ما، الابتزاز الذي يلجأ إليه الحرس الثوري لفرض سيادته على مضيق هرمز. وهكذا، فإن ورقة السيطرة على هذا الممر البحري، التي يؤكد الحرس الثوري أنه لا يزال يمسك بها، قد تنقلب على النظام نفسه. تقرير مقلق حول نشاط نووي إيراني وبموازاة خطر العودة إلى الحصار البحري، الذي قد تلجأ إليه واشنطن مجدداً في حال تعثر المفاوضات الثنائية، قد يواجه النظام الإيراني قريباً مصدراً آخر للتوتر والنزاع على صلة بالملف النووي. فقد أفاد موقع «الجنوبية» اللبناني، القريب من المعارضة الشيعية والمناهض للمشروع الخميني، بأن مركز أبحاث أميركياً مرموقاً، مقره واشنطن، ويتابع عن كثب تطور البرنامج النووي الإيراني، وهو «معهد العلوم والأمن الدولي» (ISIS)، تحدث عن نشاط مستمر ومثير للقلق في موقع نووي مهم تحت الأرض، أُنشئ في عمق جبل صخري. وهذا الموقع السري الشديد التحصين، الذي يُرجح أنه يضم منشآت وبنى تحتية واسعة تحت الأرض، ولا سيما لتخصيب اليورانيوم، لم يخضع يوماً لرقابة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويُعرف هذا الموقع باسم «جبل الفأس»، وقد أُنشئ في عمق سلسلة جبال زاغروس الصخرية، على بعد نحو كيلومتر واحد من مركز تخصيب اليورانيوم في نطنز. وتشير شبكة فوكس نيوز الأميركية إلى أن استمرار النشاط داخل هذا الموقع «يثير شكوكاً جدية حول مدى التزام إيران بتعهداتها» المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الموقعة مع واشنطن. وتنص إحدى بنود هذه الوثيقة على تجميد أي نشاط نووي خلال فترة المفاوضات الممتدة على ستين يوماً. وإذا ثبت فعلاً أن الأعمال متواصلة في مركز «جبل الفأس»، كما يؤكد أحد خبراء معهد العلوم والأمن الدولي، فإن ذلك سيشكل انتهاكاً خطيراً لمذكرة التفاهم... والأهم أنه سيكون مؤشراً واضحاً إلى انعدام الجدية والمصداقية في الالتزامات التي قطعها نظام الملالي. المقال المقبل: ثلاث خطابات لنموذج واحد

نبيه بري... كفى إبتزازاً!
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

في كل محطة مفصلية يمر بها لبنان، يعود الخطاب نفسه: التهديد بإسقاط الحكومة، والتحذير من الانهيار، ورفع سقف المواجهة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل يستطيع نبيه بري إسقاط الحكومة؟ بل أصبح: ماذا بعد إسقاطها؟ ما هو المشروع البديل؟ وما هي الرؤية التي يحملها للبنان؟ وكيف سيخرج البلد من أزمته إذا دخل مرة جديدة في دوامة الفراغ السياسي والمؤسساتي؟ إذا كان الاعتراض على الاتفاق الإطاري نابعًا من حرص حقيقي على السيادة، فليتفضل أصحاب هذا الاعتراض ويقدموا بديلًا واضحًا وقابلًا للتنفيذ. أما الاكتفاء بشعار “إسقاط الحكومة” من دون خريطة طريق، فلا يقدم للبنانيين سوى مزيد من المجهول. لكن السؤال الأكبر هو: هل المشكلة هي الحكومة وحدها؟ إذا كانت الحكومة، بحسب هذا المنطق، قد فقدت شرعيتها السياسية، فماذا عن مجلس النواب الذي انبثقت منه؟ وإذا كان الحل هو إسقاط السلطة التنفيذية، فلماذا لا يذهب أصحاب هذا الطرح إلى النهاية ويطالبون بحل المجلس النيابي أيضًا والعودة إلى الشعب عبر انتخابات نيابية مبكرة؟ وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: هل يضمن نبيه بري عودته رئيسًا للمجلس النيابي إذا جرت انتخابات جديدة؟ وهل يضمن الثنائي الشيعي أن تبقى موازين القوى كما هي داخل المجلس؟ وإذا كان الجواب غير محسوم، فمن حق اللبنانيين أن يتساءلوا: هل الهدف إنقاذ لبنان فعلًا، أم الحفاظ على موازين قوة قائمة منذ سنوات؟ الديمقراطية لا تُمارس بانتقائية. فمن يطالب بتغيير الحكومة يجب أن يكون مستعدًا لإعادة تكوين السلطة كلها، وأن يحتكم إلى صناديق الاقتراع، لا أن يختار أي المؤسسات يجب أن تتغير وأيها يجب أن تبقى بمنأى عن أي مساءلة. لقد أثبتت التجارب أن سياسة التعطيل لم تبنِ دولة، بل ساهمت في إضعافها. وكلما اقترب لبنان من فرصة لإعادة بناء مؤسساته، ارتفعت لغة التهديد والوعيد، وكأن المطلوب إبقاء البلاد رهينة ميزان القوى لا حكم الدستور. الأخطر في هذا الخطاب أنه يضع اللبنانيين أمام معادلة واحدة: إما الرضوخ للشروط السياسية التي يفرضها الثنائي، وإما إسقاط الحكومة والدخول في أزمة جديدة. وهذا لم يعد يُقرأ كمعارضة سياسية طبيعية، بل كوسيلة ضغط دائمة على الدولة ومؤسساتها، يدفع اللبنانيون وحدهم ثمنها. في الأنظمة الديمقراطية، تُعارض الحكومات داخل المؤسسات، وتُسقط عندما تتوافر أكثرية دستورية وبرنامج بديل واضح، لا عندما يتحول التعطيل إلى وسيلة حكم، ولا عندما يصبح الفراغ أداة تفاوض. إذا كان الرئيس نبيه بري يرفض الاتفاق، فهذا حقه السياسي. وإذا كان يريد إسقاط الحكومة، فهذا أيضًا حق يكفله الدستور إذا توافرت شروطه. لكن من حق اللبنانيين، في المقابل، أن يسألوه: ماذا بعد؟ من سيشكل الحكومة الجديدة؟ بأي أكثرية؟ وما هو برنامجها؟ وكيف ستنقذ الاقتصاد؟ وكيف ستعيد إعمار الجنوب؟ وكيف ستستعيد ثقة المجتمعين العربي والدولي؟ أما إذا كان الهدف مجرد امتلاك ورقة ضغط إضافية لفرض شروط سياسية، فإن اللبنانيين لم يعودوا قادرين على تحمل هذا النهج. فقد دفعوا أثمانًا باهظة نتيجة تعطيل المؤسسات، وانهيار الاقتصاد، وعزل لبنان عن محيطه، ولم يعد مقبولًا أن يبقى مستقبلهم رهينة حسابات القوى السياسية. لقد آن الأوان للخروج من منطق “إما ما نريد أو لا دولة”. فالدولة ليست ملكًا لأحد، والحكومة ليست غنيمة، والمجلس النيابي ليس حكرًا على أحد، والشرعية لا تتجدد إلا بإرادة الناس. إذا كان هناك من يؤمن فعلًا بالديمقراطية، فليقبل بالاحتكام إليها كاملة، لا مجتزأة. وليقبل بأن الشعب هو من يقرر من يحكم، ومن يرأس المجلس، ومن يبقى في السلطة ومن يغادرها. أما سياسة التهديد بإسقاط الحكومة كلما تبدلت الظروف، مع رفض أي نقاش حول إعادة تكوين السلطة بأكملها، فلم تعد تقنع اللبنانيين. لقد سئموا الابتزاز السياسي، وسئموا تعطيل الدولة، وسئموا أن يكون مستقبلهم ورقة تفاوض في صراع لا ينتهي. لبنان اليوم يحتاج إلى رجال دولة يبنون المؤسسات، لا إلى سياسيين يلوّحون بإسقاطها كلما تعارضت قراراتها مع مصالحهم.