شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
"الناتو 3.0": صحوة العملاق العثماني وإعادة توازن التحالفات (1/2)

تحوّلت أنقرة، في 8 تموز 2026، إلى مسرحٍ لمنعطفٍ إستراتيجي حاسم في مسار الدفاع الجماعي الأوروبي والأطلسي. فمع انطلاق أعمال القمة التي تستمر 48 ساعة في قصر "بيشتيبي" الرئاسي برئاسة رجب طيب أردوغان، يُرفع الستار رسميّاً عمّا بات يصفه مسؤولون ومحللون بـ"حلف شمال الأطلسي 3.0". ويتجاوز هذا الحدث الإطار البروتوكولي المعتاد، ليعيد توجيه الأولويات المؤسسية للحلف في مواجهة تحديات متعددة، أبرزها الحرب المستمرة في أوكرانيا، والمواجهة الكامنة مع إيران، وخطر الإرهاب المحتمل، فضلًا عن القلق المتنامي من موجات الهجرة. تأتي هذه التحولات في لحظة تتجه فيها السياسة الأميركية نحو إعطاء الأولوية للداخل الأميركي بدلاً من أوروبا والشرق الأوسط. وفي لعبة التوازنات هذه، تبرز تركيا كلاعب محوري قادر على أداء دور الوسيط، وتوسيع حضورها الإقليمي، وإعادة ضبط الأولويات الأمنية الأوروبية والأطلسية. ومن شأن هذه القمة أن تعيد تحديد وسائل الحلف وأهدافه على حد سواء. "الناتو 3.0".. فرصة سانحة للقوة التركية وبات يُنظر اليوم إلى مسار تطور الحلف من منظور ثلاث حقبٍ كبرى: "الناتو 1.0" التي جسّدت مرحلة الحرب الباردة، و"الناتو 2.0" التي تميزت بالتدخلات العسكرية في أعقاب أحداث 11 أيلول (سبتمبر). واليوم، تأتي حقبة "الناتو 3.0" – وهو المصطلح الذي روّج له وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث – لتعيد صياغة الأولويات؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على الالتفات شرقًا نحو السهول الأوكرانية وروسيا، بل يتعداه إلى دمج الجناح الجنوبي للحلف. وهو ما شدّد عليه الأمين العام مارك روته، إذ رأى أن على الحلف أن يعرف كيف يدير، في آن واحد، تهديداً قارياً في الشرق (روسيا) وحالة من عدم الاستقرار الهجين (الإرهاب وأزمات الهجرة) في الجنوب، لا سيما في البحر الأسود والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويُعد هذا التحول انتصاراً دبلوماسياً لأردوغان، الذي نجح في دفع حلفائه إلى الإقرار بأن أمن أوروبا يُصنع عند مضيق البوسفور تماماً كما يُصنع في وارسو. "واجهة" أنقرة التكنولوجية بالنسبة إلى أردوغان، تشكّل هذه القمة، قبل كل شيء، استعراضاً لقوة بلاده في مجال التصنيع العسكري؛ إذ إن التقدم التكنولوجي الذي أحرزته تركيا يعزز ثقلها الجيوسياسي على الساحتين الإقليمية والدولية. وعبر إدراج منتدىً صناعي في جدول أعمال قمة "الناتو"، يُسلط أردوغان الضوء على قدرات 3500 شركة دفاعية تركية. فلم تعد تركيا تلك الدولة التي تكتفي بطلب العتاد العسكري – مثل منظومات الدفاع الجوي أو المقاتلات من الجيل الخامس – بل أصبحت تعرض أيضاً طائراتها المسيّرة من طراز "بيرقدار" (التي أثبتت جدارتها في الميدان الأوكراني)، ومدرعاتها، وأنظمتها الدفاعية الإلكترونية. تُبرز هذه "الواجهة" حقيقةً بدأت تتضح معالمها منذ عقدين: عودة تركيا القوية إلى الواجهة بعد قرنٍ من الأفول. ومع ذلك، فإن انعقاد هذه القمة في أنقرة أثار انتقادات لاذعة من منظمات غير حكومية تنديداً بالقمع الداخلي؛ إذ أُفيد عن تنفيذ أكثر من 200 اعتقال وقائي شمل معارضين وناشطين عشية انطلاق القمة، في خطوة تُذكّر بأن للاستقرار التركي ثمناً سياسياً باهظاً. المطلب التركي برفع القيود تحمل أنقرة إلى هذه القمة شروطاً ومطالب واضحة؛ يأتي في مقدمتها رفع القيود التجارية المفروضة داخل حلف شمال الأطلسي نفسه. إذ لا تزال دول غربية عدة، ومن بينها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، تبقي على حظرٍ فعلي يطال مكونات حيوية وحساسة لا غنى عنها لصناعة الطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع التركية. وهذه العقبات، التي فُرضت في أعقاب شراء تركيا صواريخ "إس-400" الروسية وتنفيذها عمليات عسكرية ضد الأكراد في سوريا، تضيّق الخناق على قطاع التصنيع السيادي في الأناضول. وفي حين يصف أردوغان هذه الإجراءات بالمجحفة، فإن عمالقة الصناعة التركية – مثل شركة "بايكار" المصنّعة للمسيّرات الهجومية ومنها "بيرقدار"، والشركة التركية لصناعات الفضاء (TAI) المنتجة للمقاتلات والمروحيات الهجومية – يجدون أنفسهم في حاجة حيوية لاستيراد محركات ومكونات غربية محددة، للوفاء بدفاتر طلبياتها الضخمة، ولا سيما لإنجاز مقاتلة الجيل الخامس التركية "قآن" (KAAN). الكباش الصناعي: برنامج "سيف" ومنظومة "سامب/تي" يتعلق المطلب التركي الثاني ببرنامج "سيف" (SAFE – مبادرة العمل الأمني من أجل أوروبا). تهدف هذه الآلية المالية التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي استُحدثت في أيار 2025 بميزانية تبلغ 150 مليار يورو، إلى دعم المشتريات الجماعية للأسلحة وتطوير الصناعات العسكرية الأوروبية بحلول عام 2030. وحتى الآن، لا تزال تركيا مستثناة من هذا البرنامج بسبب عدم اصطفافها الصارم خلف السياسة الخارجية الأوروبية؛ وهو استبعاد يصفه أردوغان بالتمييزي قائلاً: "لا يمكن لأوروبا أن تقاسم أعباء الدفاع إذا كانت تستثني ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي من ميزانياتها التكنولوجية". أما الملف الثالث فهو الأكثر تعقيداً، ويتمثل في منظومة الصواريخ الفرنسية-الإيطالية "سامب/تي" (SAMP/T)، وهي منظومة أرض-جو متوسطة المدى. تُعد هذه المنظومة المعادل الأوروبي لصواريخ "باتريوت" الأمريكية، التي فرضت واشنطن قيوداً على بيعها لأنقرة بعد شرائها منظومة "إس-400". وتتميز "سامب/تي" بأنها منظومة مضادة للصواريخ وللطائرات، ذاتية الحركة، متوسطة إلى بعيدة المدى، وتعمل بنظام أتمتة عالٍ ومن الجيل الأحدث. وتسعى تركيا إلى الاستحواذ على تكنولوجيتها لبناء درعها الصاروخية الخاصة، المعروفة باسم "القبة الفولاذية" (Steel Dome). وفي حين أحدثت باريس وروما تحولاً استراتيجياً بفتح الباب أمام مفاوضات التوريد، فإن نقطة الخلاف تظل صناعية وتكنولوجية؛ إذ تطالب أنقرة بنقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك على أراضيها، وترفض الاكتفاء برخصة شراء بسيطة. في المقابل، تتوخى فرنسا وإيطاليا الحذر، وتطالبان بضمانات صارمة بشأن الملكية الفكرية وعدم التداخل مع منظومة "إس-400" الروسية. التناغم بين ترامب وأردوغان في مواجهة فيتو الكونغرس تُشكّل القمة أيضاً مسرحاً لـ "دبلوماسية الصداقة" بين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان؛ إذ لا يخفي الرئيس الأمريكي إعجابه بالزعيم التركي "الصلب". وقد أتاحت هذه العلاقة الشخصية تحريك ملف مقاتلات "إف-35" (F-35)، حيث يمثّل الإعلان الوشيك من جانب ترامب عن إعادة دمج تركيا في هذا البرنامج تحولاً جيوسياسياً بارزاً. فبعد استبعادها منه عام 2019 عقب شرائها صواريخ "إس-400" الروسية، تشهد العلاقات الدبلوماسية مع أنقرة حالياً انفراجة واضحة، يتجلى أحد مؤشراتها في مشروع أمريكي لبيع محركات لمقاتلتها "قآن" (KAAN)، في صفقة تبلغ قيمتها 700 مليون دولار. ومع ذلك، يصرّ الكونغرس الأمريكي على تفعيل الفيتو القانوني الذي يحظر تسليم مقاتلات "إف-35" – رغم سداد ثمنها والمخزّنة في الولايات المتحدة – طالما تملك تركيا التكنولوجيا الروسية لصواريخ "إس-400"، والتي تُصنّف بأنها تهدد تقنية الشبحية للمقاتلة الأمريكية. ولتجاوز هذا المأزق، تدرس واشنطن مقترحاً يقضي بإعادة بيع منظومة "إس-400" التركية إلى طرف ثالث محايد، مثل كوريا الجنوبية. ومن شأن هذا التقارب أن يعيد ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط وأوروبا، وهو ما يفسر المعارضة الشديدة من جانب إسرائيل واليونان، اللتين تضغطان على واشنطن لتعطيل هذه الصفقة. حاجز البحر الأسود أنقرة حارسة المضائق: منذ عام 2022، تحول البحر الأسود إلى مسرح لمواجهة عسكرية مباشرة، مما تسبب في اضطراب ممرات الحبوب والطاقة العالمية. وبصفتها الدولة المضيفة لقمة حلف شمال الأطلسي، تعيد تركيا تأكيد دورها كحارس سيادي لمضيقي البوسفور والدردنيل بموجب اتفاقية مونترو (1936)، وتستخدمها لتقييد وصول السفن الحربية التابعة للدول غير المطلة على البحر الأسود. هذا الموقف يجبر الحلف على إعادة التفكير في وجوده البحري، ويضع أنقرة في موقع "الشرطي" الذي لا غنى عنه في حوض استراتيجي، مغلق و بالغ الحساسية. مجموعة العمل (MCM) والدفاع المشترك في البحر الأسود: في مواجهة العسكرة المتزايدة لشبه جزيرة القرم ونشر منظومات الصواريخ الساحلية الروسية، شكّل "الناتو" قوة ثلاثية – تضم تركيا ورومانيا وبلغاريا – دخلت حيز التنفيذ منذ تموز 2024، وهي "مجموعة العمل لمكافحة الألغام البحرية في البحر الأسود (MCM - Mine Countermeasures Black Sea Task Group). وتتمثل مهمتها الأساسية في تأمين البحر الأسود ضد الألغام العائمة وتخريب البنى التحتية البحرية الحيوية. وتؤدي تركيا دوراً محورياً في هذه المجموعة من خلال تأمين دوريات منتظمة لحماية الجناح الشرقي للحلف، مع الالتزام باتفاقية مونترو، وهو توازن جوهري للحفاظ على الاستقرار وتجنب صدام مفتوح مع موسكو.

ماكرون في دمشق يكرّس عودة سوريا ما بعد الأسد إلى الشرعية الدولية

اتّسمت الزيارة التي بدأها الرئيس إيمانويل ماكرون مساء الاثنين إلى دمشق، برفقة وفد وزاري كبير ورؤساء كبرى الشركات الفرنسية، بأهمية خاصة في السياق الراهن، تتجاوز بكثير البعد التقليدي للزيارات الرسمية الروتينية؛ غير أنها شابها تطور أمني خطير... على المستوى السياسي، كرّست محادثات ماكرون مع الرئيس السوري أحمد الشرع عودة سوريا ما بعد الأسد إلى كنف المجتمع الدولي. عودة سياسية واقتصادية في آن. وأعلن الرئيسان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعدما كانت قد قُطعت على خلفية المجازر التي ارتكبها النظام البعثي بحق السكان خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011. ولا يمكن، من جهة أخرى، إغفال البعد الاقتصادي لهذه الزيارة، لا سيما أنها تعكس تقاطعاً واضحاً في المصالح بين البلدين. ففرنسا تتموضع، عملياً، في موقع متقدم ضمن عملية إعادة الإعمار والتنمية الهائلة التي تحتاج إليها سوريا اليوم بصورة ملحّة بعد عقود من النهج التوجيهي المدمّر. وقد أظهر الرئيس الشرع أنه يدرك ذلك تماماً، داعياً إلى «شراكة اقتصادية مع فرنسا» يراها تمهيداً أو نموذجاً لشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الإطار، شدد الرئيسان على ضرورة أن تعود سوريا «مركزاً للطاقة» في ضوء الظروف الدولية الراهنة. وعلى حسابه الشخصي على منصة «إكس»، لخّص الرئيس ماكرون جوهر زيارته بالقول: «شراكة جديدة بين سوريا وفرنسا، من أجل عهد جديد». إن عودة سوريا هذه إلى كنف الأمم، تحت عنوان تنمية اجتماعية واقتصادية ضرورية، وخصوصاً إقامة دولة مركزية تكون نقيضاً لحكم الميليشيات التابعة لقوة إقليمية مهيمنة، لا تبدو أنها تروق كثيراً لمن يسعون إلى إبقاء منطقة المشرق برمتها في حالة من عدم الاستقرار المزمن والحرب الدائمة، بلا نهاية ولا أفق. وقد تُرجمت إرادة التخريب هذه بتفجيرين مزدوجين بعبوات ناسفة على مقربة مباشرة من مقر إقامة الرئيس ماكرون. وكان سيد الإليزيه قد غادر المنطقة متوجهاً إلى القصر الرئاسي السوري، حيث كان الرئيس الشرع في انتظاره، قبل ربع ساعة من وقوع الانفجارين. وأسفرا، وفق آخر حصيلة، عن مقتل شخص وإصابة نحو ثلاثين آخرين، بينهم أربعة ضباط من الدرك السوري ومساعد وزير السياحة. ولم يؤثر هذا الاعتداء، الذي ندّد به الرئيس جوزاف عون، المنتظر في واشنطن في 21 تموز، والمملكة العربية السعودية، بأي شكل في برنامج الوفد الفرنسي. تصعيد في هرمز هل هو محض صدفة، أم تنسيق محكم؟ لقد تزامن التفجير المزدوج في دمشق مع استئناف الهجمات التي يشنها الحرس الثوري الإيراني ضد السفن التي تعبر مضيق هرمز من دون الامتثال لشروط الباسداران. وقد استهدفت نيران إيرانية، يوم الثلاثاء خلال أربع وعشرين ساعة، ثلاث سفن في هذا الممر البحري، بينها ناقلة غاز قطرية وناقلة نفط سعودية. وردّت قطر بحدة، منددة بعبارات شديدة بما وصفته بأنه «عدوان إيراني غير مقبول»، وداعية الجمهورية الإسلامية إلى وقف أعمالها «العدوانية التي تعرّض الأمن في الخليج للخطر» فوراً. واستدعت وزارة الخارجية القطرية القائم بالأعمال الإيراني للاحتجاج على الهجوم الذي استهدف ناقلة الغاز، والتي قد تكون معرضة للانفجار نتيجة هذا الاعتداء، بحسب بعض المعلومات. وفي وقت متأخر من المساء، وصفت وزارة الخارجية الإيرانية ردّ قطر بأنه «محير» و«مخالف لمبدأ حسن الجوار»! ومن جانبه، شدد مسؤول أميركي رفيع على أن إيران انتهكت بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، مشيراً إلى أن الحرس الثوري هاجم، مساء الثلاثاء، سفينة تجارية ثالثة. وأوضح المسؤول نفسه، في هذا الإطار، أن القوات الأميركية أسقطت عدة طائرات مسيّرة إيرانية فوق مضيق هرمز. ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن، رداً على انتهاك مذكرة التفاهم، غارات جوية ضد مواقع وبنى تحتية عسكرية إيرانية، وما سيكون حجم هذه الغارات ونطاقها... وفي وقت متأخر من المساء، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي قوله إن «الولايات المتحدة لا تقبل بأي شكل من الأشكال سلوك إيران في مضيق هرمز، وسيكون لذلك عواقب»... وهي عواقب أُعلنت بطبيعة الحال بعد قليل: فقد أعلنت وزارة الخزانة إعادة فرض العقوبات الاقتصادية على النفط الإيراني، وحوالى منتصف الليل بتوقيت المشرق، أعلنت القيادة المركزية الأميركية، «سنتكوم»، أنها شنت «ضربات قوية» ضد الجمهورية الإسلامية رداً على الهجمات التي استهدفت سفناً في مضيق هرمز. وتجدر الإشارة، في هذا السياق من التوتر المتصاعد، إلى أن تطورين آخرين عكسا خلال الأيام الأخيرة مناخ التصعيد الذي يبدو أن الباسداران والجناح المتشدد في النظام الإيراني يريدان الانخراط فيه: استئناف الميليشيا اليمنية الموالية لإيران، أي الحوثيين، موقفها العدائي تجاه المملكة العربية السعودية؛ والعداء الحاد، المرفق بعبارات مهينة، الذي أبداه علناً متظاهرون خلال جنازة علي خامنئي تجاه الرئيس ووزير الخارجية الإيرانيين، متهمين إياهما بتبني مواقف مفرطة في المرونة حيال الولايات المتحدة. ويُظهر التيار المسمى متشدداً داخل النظام، بشكل متزايد وواضح، مواقف متقدمة في المواجهة الجارية مع إدارة ترامب. فهل يعكس سلوكه رغبة في نسف مشروع الاتفاق مع واشنطن؟ وفي المقابل، هل سيواصل سيد البيت الأبيض المناورة والرغبة في إعطاء الأولوية للمسار «الدبلوماسي»، على الرغم من التصعيد الذي ينخرط فيه الباسداران، والموقف المتعجرف في كثير من الأحيان، إلى حد الوقاحة، حيال الولايات المتحدة وقادتها؟

مئتان وخمسون عامًا من ارتباط العالم بالفكرة الأميركية

في غضون قرنين ونصف القرن، حققت الولايات المتحدة أشياء مذهلة، ما لم تحققه دولة أخرى في التاريخ الحديث. فقد انتقلت من مستعمرة هامشية على أطراف الإمبراطورية البريطانية إلى القوة الاقتصادية والعسكرية والثقافية الأكثر تأثيراً في العالم. فمن الغرب الأوسط وحقول القمح والذرّة إلى صناعة السيارات، والحاسوب الشخصي، والإنترنت، وهوليوود، والتلفزيون، وموسيقى الجاز والروك، والفنون المعاصرة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والوجبات السريعة والجينز الأزرق، تشكلت منظومة حضارية جعلت من "الفكرة الأميركية" نموذجاً ارتبط به العالم طوال 250 عاماً. لكن التاريخ يعلّم أن العظمة ليست قدراً دائماً. فالإمبراطوريات تصعد ثم تتراجع عندما تعجز عن تجديد أسس قوتها. واليوم تقف الولايات المتحدة أمام سؤال وجودي: هل تستطيع أن تؤسس لقرنين ونصف آخرين من الريادة، أم أنها تدخل مرحلة التراجع التي عرفتها قوى كبرى سبقتها؟ يقدم التاريخ ثلاث تجارب جديرة بالتأمل. فقد امتلكت الإمبراطورية البيزنطية ثروة هائلة وتقدماً علمياً ومستوى مرتفعاً من التعليم، لكنها أضعفت نفسها عندما أغرقت الدولة في الامتيازات للنخب ومنح إعفاءات ضريبية هائلة للأثرياء، ، فانهارت مالياً وتآكلت قدرتها على الحكم. أما إسبانيا، التي تدفقت إليها ثروات العالم الجديد، فقد أهدرت فرصة بناء اقتصاد منتج بسبب تعميق اللامساواة الاجتماعية، ولو استثمرت تلك الموارد بصورة عقلانية لربما شهدت الثورة الصناعية قبل بريطانيا. وفي المقابل، لم يكن تراجع بريطانيا انهياراً مفاجئاً، بل فقداناً تدريجياً لريادتها التكنولوجية في العصر الفيكتوري (المحرك البخاري، وآلات الغزل والنسيج، والسكك الحديدية، والتلغراف)، بعدما انتقلت مراكز الابتكار العلمي والهندسي إلى الولايات المتحدة وألمانيا. ولهذا تبدو مقولة الفيلسوف جورج سانتايانا أكثر راهنية من أي وقت مضى: "من لا يتذكر الماضي محكوم عليه بتكراره". فالدرس المشترك بين هذه التجارب واضح: الدولة التي تضعف مؤسساتها، وتتسع فيها الفجوة الاجتماعية، وتتراجع جامعاتها ومراكزها العلمية، تبدأ تدريجياً بفقدان مكانتها الدولية. هذا يعني أن أمام أمريكا فرصاً أفضل بكثير لتكون مزدهرة في عيد ميلادها الخمسمائة ، إذا حلت هذه المشكلات. ورغم استمرار تفوق الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد، فإن أزمتها الحالية تبدو داخلية أكثر منها خارجية. فقد تراجعت ثقة الأميركيين بمؤسساتهم السياسية والقضائية والإعلامية، وازداد الشعور بأن النظام لم يعد يعمل لمصلحة المواطنين جميعاً. ومن هذه البيئة برز دونالد ترامب مقدماً نفسه باعتباره القادم من خارج المؤسسة السياسية والقادر على "تجفيف المستنقع"، مستفيداً من الغضب الشعبي ومن تصاعد النزعات الشعبوية. بالتوازي، يتعمق الانقسام الاجتماعي والثقافي داخل المجتمع الأميركي، على أسس عرقية ودينية واقتصادية، إلى درجة أصبح معها التوافق حول القضايا الوطنية أكثر صعوبة. صحيح أن واضعي الدستور، في أوراق الفيدرالية، صمموا النظام (1787-1788) ليستوعب التعدد والاختلاف، إلا أن ما كان يمثل ضمانة للحرية تحول تدريجياً إلى استقطاب يهدد قدرة النظام على إنتاج التوافق والاستقرار. كما لو أن فخا عملاقا قد نشأ في المجتمع. هذا يفسر لماذا أميركاعلى وشك التحول نحو اتجاه سلطوي، مجتمع ما بعد العلمية. في جوهر هذه الأزمة يقف سؤال ثقافي وأخلاقي قديم يتعلق بطبيعة الفكرة الأميركية نفسها. فمنذ نشأتها، قامت الولايات المتحدة على توتر دائم بين قيم التنوير والعقلانية من جهة، والإيمان الديني والتقاليد الأخلاقية من جهة أخرى. وقد جسّد هذا الجدل مفكران بارزان. رأى جون ديوي (الواقعية السياسية)، أن الديمقراطية يمكن أن تبني أخلاقها العامة على العقل والتعليم وكرامة الإنسان، وأن الجامعات قادرة على إعداد مواطنين مسؤولين. أما اللاهوتي رينهولد نيبور (البرغماتية)، فكان أكثر تشاؤماً، معتبراً أن الطبيعة البشرية لا تتحرر بسهولة من الأنانية والعنصرية، وأن المجتمع يحتاج دائماً إلى مرجعية أخلاقية تضبط السلطة والمصالح. ورغم اختلافهما، فقد اشترك الاثنان في الإيمان بضرورة وجود منظومة أخلاقية جامعة تحمي المجتمع وتوفر أرضية مشتركة لحل النزاعات السياسية. غير أن هذه الأرضية تعرضت للتآكل مع تصاعد الشعبوية، وتراجع التكلم عن موظفي الدولة والتفكير الأخلاقي لصالح الانفعال الإعلامي، وهيمنة النسبية الأخلاقية التي وصفها آلان بلوم في كتابه "إغلاق العقل الأميركي". وهكذا أصبحت السلطة أكثر ميلاً إلى مهاجمة الصحافة والجامعات والنخب الفكرية، بدلاً من تعزيز دورها بوصفها ركائز للنقاش الديمقراطي. ولم يعد الانقسام الأميركي يقتصر على الاختلاف السياسي، بل أصبح خلافاً حول تعريف الحقيقة نفسها. فلكل معسكر روايته الخاصة للواقع، في ظل تراجع الثقة بالمؤسسات، وضعف الأحزاب التقليدية، وتصاعد نفوذ المال السياسي، وتحول تمويل الحملات الانتخابية من الأحزاب إلى المانحين والمجموعات الضاغطة، بما قلّص قدرة المؤسسات الحزبية على ضبط الحياة السياسية. ولعل من المفارقات أن التاريخ الأميركي نفسه يقدم نموذجاً مغايراً لما يجري اليوم. ففي صيف عام 1754 ارتكب الشاب جورج واشنطن أخطاء عسكرية جسيمة في معركة "جومونفيل غلين"، وأسهم تهوره في إشعال الحرب الفرنسية والهندية. إلا أن تلك الهزيمة شكلت نقطة تحول في شخصيته، إذ تعلم منها الانضباط والحذر والمرونة وضبط النفس، وهي الصفات التي أهلته لاحقاً لقيادة الدولة الجديدة. لقد أثبتت التجربة أن الفشل ليس نقيض القيادة، بل أحد شروط نضجها. أما اليوم، فيرى كثيرون أن الولايات المتحدة تواجه مساراً معاكساً، مع تراجع استقلالية المؤسسات، وإضعاف منظومة الضوابط والتوازنات، وتزايد تدخل السلطة التنفيذية في الاقتصاد والإدارة، بما يعكس نزعة قومية محافظة تعيد تعريف النيوليبرالية بما يخدم سلطة أكثر مركزية. ويتزامن ذلك مع تحولات دولية واسعة، تتسم بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وجذب رؤوس الأموال والمواهب، والتنافس على التكنولوجيا والطاقة، في عالم يتجه نحو تعددية مراكز القوة. فلم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد. فالصين رسخت مكانتها قوةً اقتصادية وتكنولوجية، والاتحاد الأوروبي يحاول الحفاظ على ثقله الاستراتيجي، فيما تسعى روسيا إلى استعادة مناطق نفوذها، وتواصل الهند صعودها كقوة دولية ناشئة. ومع هذا التحول نحو نظام عالمي أكثر تجزئة وتنافساً، لم يعد النفوذ الأميركي أمراً مسلماً به كما كان بعد الحرب العالمية الثانية. بعد مرور 250 عاماً على استقلالها، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك عناصر القوة التي تجعلها قادرة على تجديد دورها العالمي. لكن ذلك لن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بإصلاح مؤسساتها، وتقليص اللامساواة، واستعادة الثقة بالديمقراطية، وإحياء الفكرة الأميركية بوصفها مشروعاً يقوم على الخير العام ، والايمان ، وسيادة القانون . فمصير الأمم لا تحدده ثرواتها أو جيوشها فقط، بل قدرتها الدائمة على مراجعة نفسها قبل أن يعيد التاريخ كتابة نهايتها. لم يرتبط العالم بالولايات المتحدة بوصفها القوة العسكرية الأكبر فحسب، بل ارتبط، قبل ذلك، بفكرة. فمنذ إعلان الاستقلال ، لم يكن المشروع الأميركي مجرد بناء دولة جديدة، بل محاولة لإنتاج نموذج سياسي وثقافي واقتصادي أعاد تعريف الحداثة نفسها. ومن هذه الفكرة انطلقت سلسلة من التحولات التي غيّرت وجه العالم، حتى غدا النفوذ الأميركي في كثير من الأحيان أكثر حضوراً من الحدود الأميركية نفسها .والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال القوة الأولى، بل ما إذا كانت لا تزال تمتلك الشروط الأخلاقية والمؤسسية التي جعلت العالم يؤمن بسحر وجاذبية الفكرة الأميركية. ربما تكمن المشكلة الكبرى اليوم في أن هذه الأرضية تتآكل بسرعة. فقد تحولت السياسة إلى صناعة للمشاعر أكثر منها إدارة للعقل، وغدا الجدل العام أسير الشعبوية، فيما تراجعت مكانة الجامعات، والإعلام، ومؤسسات إنتاج النخبة السياسية( الأحزاب المجوفة)، بوصفها فضاءات لبناء الحقيقة المشتركة. ولم يعد الخلاف بين الأميركيين يدور حول أفضل السياسات، بل حول تعريف الواقع نفسه، وهو أخطر أشكال الانقسام التي يمكن أن تواجهها الديمقراطيات.

الأزمة، الكارثة واهتزاز العالم (5/7)

يقترح هذا البحث رحلةً عبر تمثّلات الأزمة والكارثة، من الكوسمولوجيات القديمة إلى الخبرة المعاشة لاهتزاز العالم. ومن خلال الجمع بين الموروثات اليونانية والكتابية والهندية وفكر يان باتوتشكا، يتساءل عن الطريقة التي تصوّرت بها الحضارات الفوضى والانهيار واللامعكوسية، بل وإمكان الفعل نفسه عندما يبدأ المعنى في التصدّع. يُنشر هذا النص في سبعة فصول متتابعة، ويتبع خيطاً فكرياً بالغ الصعوبة والأهمية في آن واحد: هل الكارثة قطيعة مفاجئة، أم تفككاً بطيئاً للعالم، أم الحقيقة الأعمق لعصرنا؟ وفيما يلي القسم الخامس. من التوهو والبوهو إلى سدوم: نقد “علم السياسة” تعيد الفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين تمثيل الصراع، في تتابعٍ متدفق، بين البنية والانحلال، وبين الخلق والقطيعة. يخرج الإنسان من الجنة: أزمة في الرابطة. يقتل قابيل هابيل: أزمة في الأخوّة. الطوفان: كارثة كونية. بابل: أزمة اللغة والجماعة. وفي كل مرحلة، يظل التوهو والبوهو ذلك الذي يكبته الخلق من دون أن يقضي عليه أبداً. وعندما يظهر إبراهيم، فإنه يدخل إلى هذا التاريخ المفعم بالأزمات. فهو ليس الناجي منها، بل يصبح شاهدها، بل يغدو مَن يتحمّل مسؤوليتها. وأمامه تتكرر الانقسامات العائلية والسياسية، والمجاعة، والعقم، والحرب، والتضحية. غير أن وجه الكارثة الكامل لا يظهر إلا مرة واحدة: في العقاب الإلهي الذي نزل على سدوم وعمورة، وكأن كل التوهو والبوهو الكامن منذ البرشيت يبلغ هناك اشتعاله الأخير، قبل أن ينحصر في رجل واحد، هو إبراهيم، وفي وعدٍ واحد. لقد وُلد العالم من كارثة كامنة في صميم عمل الله نفسه. ويمثل التوهو والبوهو ندبته، أي الأثر الظاهر لذلك الاضطراب الأول الذي احتوته الكلمة الإلهية من دون أن تلغيه نهائياً. فقبل أن يُنطق بالعالم، كان العالم متردداً. ولم تكن الأرض عدماً، بل كانت بلا صورة، مرتجفة، تنتظر الكلمة التي تستدعيها إلى الوجود. لم يخلق الرب العالم من فراغ، بل من رجفة. فالخلق لا يمحو الهاوية، بل يروّضها. وليس التوهو والبوهو هو الشر، بل هو الحقل الذي يختبر فيه الله ذاته خالقاً، فوضى قابلة لأن تُعمَر بالحضور. وهكذا تمتد، بين العدم والوجود، منطقة البداية: هناك ترسم الكلمة الإلهية حدودها، ومن خلال ما يقاومها تُولد الصورة. فالواقع يقاوم الخلق بثقله، والله لا ينفيه، بل يرتبه. ومنذ ذلك الحين، ظل العالم هشاً: ففي كل لحظة يمكن أن ينفرط ويعود إلى فوضاه الأولى. وهكذا ينكشف سر التوهو والبوهو: فالخلق لا يكتمل أبداً، بل يبدأ من جديد مع كل نَفَس. والعالم لا يقوم بقوته الذاتية، بل بأمانة الكلمة التي تحفظه في الوجود. وهكذا يبدأ الكتاب المقدس: “وكانت الأرض خربةً وخاليةً، وعلى وجه الغمر ظلمة” (التكوين 1: 2). ومع اقتراب النص من العقاب المعلن على سدوم وعمورة، لا يذكر التوهو والبوهو صراحة، لكنه يترك ظله يلوح في الأفق: نار وكبريت، انقلاب وجدب. فما يبرز هنا ليس الفوضى ذاتها، بل ذاكرتها؛ وليس الخلق وهو يتفكك، بل العالم وهو يتذكر ما كان عليه قبل أن يُرتَّب. إن إفناء سدوم يعني إحداث ارتداد نحو ما قبل سفر التكوين، نحو ذلك “البدء السابق للخلق” حيث لم يكن النور قد فصل بعد بين الظلمات. أما سهل الأردن، الذي مُجِّد يوماً بوصفه “جنة الرب”، فيخضع لتحول أنطولوجي: فيغدو صحراء من القار، وأرضاً للعقم المطلق. وهنا نشهد فوضى مكتملة. إنه انسحاب الحضور الإلهي، وترك العالم يتداعى. وتعيد سدوم، في صورة معكوسة، تمثيل مفارقة سفر التكوين: فحيث كانت البركة تنظم الحياة، تُقيم الدينونةُ الفراغَ. واستخدام الفعل العبري هفخ ( Hafakh ، “قلب”، “أطاح”، “زلزل”) لوصف سقوط المدينة لا يدل على مجرد خراب أثري، بل على تقويض للنظام الكوني نفسه. فما كانت الكلمة قد نظّمته، أي الانتقال من الفوضى إلى النظام، يعيده الغضب إلى حالة اللاتشكل. ويقف إبراهيم على حافة الهوة، بين كونٍ ما يزال قائماً، وفوضى تعود من جديد. وسؤاله: “أديّان كل الأرض لا يصنع عدلاً؟” ليس مجرد سؤال، بل صرخة ميتافيزيقية: هل يمكن للصانع الأول أن يرضى بأن تعود صنعته إلى التوهو والبوهو؟ إن تدمير مدن السهل ليس سوى إعادة تنشيط للفراغ الأول، و**“إلغاءٍ احتفاليٍّ للخلق”، لا تستطيع تمييزه عن عودة نهائية إلى العدم المطلق إلا صلاة البطريرك. فـسدوم** لا تُدمَّر فحسب، بل تُذاب أنطولوجياً، وتُعاد إلى المسودة الكونية الأولى، إلى الفوضى الأولى، حيث لا يزال النور متردداً في أن يوجد. وينقذ إبراهيم الجنس البشري من فناء كامل، لا بقوة الصلاة وحدها، بل لأنه يذكّر الله بأن العالم لا يقوم إلا على حدٍّ أدنى من الاتساق. “أنظر إلى الأرض، فإذا هي توهو وبوهو، وإلى السماوات فلا نور لها.” (إرميا 4: 23) تلتقي رؤيا النبي إرميا مع رؤيا خراب سدوم. فهنا لم تعد لغة الفوضى الأولى مجرد سردية كوسموغونية، بل غدت النحو ذاته للدينونة: فعندما يفسد الإنسان العهد، تفقد الأرض قوامها، وتغرق من جديد في اللاتمايز الذي كان يسبق اليوم الأول. إن التفكير في الكارثة، والتفكير في الفاجعة، هو الموضع الذي لم تكف فيه التجربة الإنسانية، عبر الفلسفة والأسطورة والدين، عن امتحان نفسها. ثمة رؤيتان تتواجهان وتتجاوبان في آن واحد: إحداهما دورية، ترى في الأزمة والكارثة نبضات تنفس كوني؛ والأخرى خطية، يتجه فيها الزمن نحو غاية ( telos )، وتغدو الإسكاتولوجيا المعبر الحتمي بين الأزمة والاكتمال. وفي هذا النظام الثاني، يحل التاريخ محل الكون: فالنهاية لم تعد بداية جديدة، بل أصبحت كشفاً. ومن ثم، تغدو الإسكاتولوجيا، منذ البدء، سياسية، ويغدو علم السياسة، في عمقه، ليس سوى إسكاتولوجيا مطبقة. ولكي يوجد أي مشروع سياسي، لا بد أن يستحضر تصوره الخاص للكارثة: نهاية ينبغي اتقاؤها، أو فاجعة ينبغي تسميتها. وسواء تعلق الأمر بانهيار الرأسمالية، أو الانهيار البيئي، أو تفكك الهوية الجماعية، فإن السياسي كثيراً ما يقوم على استباق الأسوأ، لا لكي يقبله، بل لكي يمنح نفسه ضرورة الفعل. تكمن مأساة علم السياسة الحديث في سعيه الدائم إلى كبت خلفيته الإسكاتولوجية، أو على الأقل إلى إخفائها. فحين تأسس بوصفه علماً تجريبياً وعقلانياً، مكرساً لتحليل الوقائع والحياد المنهجي، أراد أن يطهّر نفسه من كل غائية. غير أن إريك فوغلين بيّن أن الحداثة لم تُلغِ البنى الفكرية الدينية، بل “أخضعتها للمحايثة” ( immanentized ). [1] فما كان ينتمي إلى الخلاص المتعالي تحوّل إلى مسار تاريخي؛ وأصبحت السياسة بديلاً عن علم الخلاص. ولم تُلغَ الإسكاتولوجيا، بل تُرجمت إلى وعد بالتقدم، أو يوتوبيا للمصالحة، أو أفق لاستقلالية كاملة. أما هانس بلومنبرغ، فقد رأى، رداً على هذا التصور، أن هذه المحايثة لا تمثل فساداً للاهوت، بل إعادة تملك مشروعة له؛ إذ تمنح الحداثة نفسها استقلالاً سردياً خاصاً بها، وتنقل أسطورة النهاية إلى مستوى المشروع الإنساني. غير أن هذا “التوكيد الذاتي” ( Selbstbehauptung ) للعقل، إذ ينكر المقدس الذي انبثق منه، جعل الأسس الرمزية للفعل السياسي غير مرئية. [2] لقد ظل علم السياسة الحديث أسير الطموح إلى نقل امتيازات الخلق من العدم ( creatio ex nihilo )، التي كانت حكراً على الله، إلى الإنسان. وتكمن أهمية التأمل في الكارثي الأول، أي التوهو والبوهو وتجلياته المتكررة، سواء ظهرت ضمناً في قصة سدوم أو صراحة في نبوءة إرميا، في أنه يكشف أن إله العهد القديم لا يخلق من العدم، بل من الفوضى ( ex confusione ). فالخلق ليس انبثاقاً من اللاشيء، بل فعل تمييز، وإقامة نظام داخل مادة سابقة الوجود. ومن ثم، لا تُلغى الفوضى؛ بل تظل المصفوفة الكامنة للكينونة، القابلة دائماً للعودة في صور متعددة: كارثة، أو دينونة، أو فقدان للمعنى. ويقابل التوهو والبوهو الكتابي، في نظام زمني مغاير، مرحلةَ العودة إلى اللامتشكل في الزمن الدوري الهندي: تلك اللحظة التي يذوب فيها الاسم والشكل ( nāma-rūpa ) في المبدأ غير المتعيّن ( avyakta ، أي “اللامتجلّي”). فـالتوهو والبوهو يستحضر الفوضى السابقة للخلق؛ أما البرالايا ( pralaya ) فيشير إلى الفوضى اللاحقة للخلق، أي تلك التي ينطوي إليها العالم عند نهاية كل دورة كونية ( kalpa ). وفي الحالتين، لا يتعلق الأمر بالعدم، بل بحالة حدّية: تزول الصورة، لكنها تظل كامنة بالقوة. في الفكر الكتابي، يمثل التوهو والبوهو اضطراباً ميتافيزيقياً سلبياً: فهو يقف في مواجهة النور والكلمة الخالقة؛ وهو ما يحتويه الله، وينظّمه، ويكبحه. أما في الفكر الهندي، فإن البرالايا والأفياكتا ( avyakta ) يدلان على حالتين من الإمكان الخالص: فالفوضى لا تعارض النظام، بل تمثل وجهه الآخر الذي لا غنى عنه. وهكذا، في كلا التقليدين، لا تكون الفوضى يوماً خارج النظام، بل هي شرطه ذاته. إن التفكير معاً في التوهو والبوهو والبرالايا هو استشعار أن الفوضى ليست حادثاً عارضاً في العالم، بل عمقه نفسه، ذلك الحيّز الذي تتجدد فيه باستمرار إمكانية المعنى. وإذا كانت كل كوسمولوجيا تظل غير قابلة للفصل عن السياسي، فلأنها تنطوي دائماً على طريقة معينة للتموضع إزاء هذا العمق: فالحفاظ على نظام ما هو، في حد ذاته، نوع من التعايش مع أساس يتجاوزه دائماً. غير أن الحداثة أرادت أن تنقض هذا الميثاق الأول. فبفصلها السياسي عن الإسكاتولوجي وعن الكوسمولوجي، وبإذابة الأول في الإدارة، واختزال الثانية إلى قانون الأعداد، نقلت التفكير من سؤال الأصل إلى سؤال السيطرة. وأرادت الحوكمة أن تصبح علم الحساب، ناسيةً أنها وُلدت، في الأصل، من علاقة بالهاوية لا باليقين. لكن حين يبدأ النظام في التفكك، وحين تصبح الأزمة النسيج العادي للعالم، يعود هذا المكبوت الكوني إلى السطح: فيكتشف السياسي من جديد أنه لا يصدر عن إرادة سيادية، بل عن الصدع نفسه، وعن دوار القاع الذي لا قاع له. فماذا لو أن الحداثة السياسية قد أخطأت في فهم طبيعة المأساة؟ وماذا لو أنها أرادت أن تتجاهل عمق اللامتعيّن، واللامحسوم، ذلك الموضع الذي تفقد فيه القرارات نفسها بوصلتها؟ أليس القول إن الأزمة ينبغي أن تُحل، ينطوي سلفاً على سوء فهمٍ لحقيقة أنها لم تعد تنتهي؟ وأنها تمتد بوصفها شرط العالم، ومناخ كل حاضر؟ لعل هذا هو، في النهاية، العلامة الفارقة لكل حداثة: فجوهرها ليس الجِدّة، بل الامتداد؛ إنها تدوم منذ آلاف السنين بوصفها عبوراً بطيئاً داخل كالي يوغا، عصر الحديد الممتد على مقياس الوعي. [1] في كتابه The New Science of Politics (العلم الجديد للسياسة، ترجمة سيلفي كورتين-دينامي، باريس: منشورات سوي، 2000)، يطوّر إريك فوغلين أطروحته المركزية حول “محايثة الإسكاتون” ( immanentization of the eschaton ): فالإيديولوجيات الحديثة، على الرغم من تقديم نفسها بوصفها عقلانية وتاريخية، تعيد إنتاج بُنى الخلاص ذات الأصل الديني، ولكن بعد نقلها إلى التاريخ الإنساني نفسه. وهكذا يتحول وعد الخلاص المتعالي إلى مشروع سياسي للمصالحة الشاملة، أو للتقدم التاريخي، أو للتحرر النهائي. غير أن هذه القراءة تختلف عن مقاربتي كارل شميت وكارل لوفيت. فعند شميت، تظل الحداثة السياسية محكومة بفئات لاهوتية جرت علمنتها، مثل السيادة، والقرار، والاستثناء؛ غير أن تركيزه ينصب قبل كل شيء على الاستمرارية الشكلية بين المفاهيم اللاهوتية والمفاهيم السياسية. أما عند لوفيت، فإن فلسفة التقدم الحديثة تمثل نقلاً دنيوياً للإسكاتولوجيا المسيحية إلى فلسفة التاريخ. أما فوغلين، فيذهب أبعد من ذلك، إذ لا يرى في الحداثة مجرد بقاء للبنى اللاهوتية، بل إعادة إحياء “غنوصية” لوعد الخلاص، حيث يدّعي الإنسان تحقيق داخل التاريخ ما كان ينتمي سابقاً إلى مجال التعالي. ومن ثم، لا تكمن المشكلة في علمنة المفاهيم الدينية فحسب، بل في تحول السياسة نفسها إلى أداة خلاص. ومع ذلك، يميل فوغلين إلى تبني قراءة شديدة الطابع المرضي للغنوصية، بوصفها اضطراباً في الروح وإرادةً لتأليه الذات، تقود، في نظره، إلى الأشكال الحديثة للشمولية. وهكذا تبدو “محايثة الإسكاتون” محاولةً كارثية لتحقيق، داخل التاريخ الإنساني، خلاصٍ كان ينتمي سابقاً إلى التعالي، وذلك على حساب تزييف الواقع وإغلاق الخبرة أمام نظام الكينونة. أما ياكوب تاوبِس، فعلى الرغم من مشاركته فوغلين تشخيصه لاستمرار البنى الإسكاتولوجية في الحداثة، فإنه يرفض اعتبارها مجرد خطأ روحي أو مرض سياسي. ففي كتابه Occidental Eschatology (الإسكاتولوجيا الغربية، ترجمة جيل كوينسا، باريس: منشورات الإيكلا، 2009 [1947])، لا تُفهم الإسكاتولوجيا بوصفها وهماً، بل باعتبارها أحد المحركات العميقة لتاريخ الغرب. وهنا تغدو الرؤيا الأخروية ثورةً للروح على طغيان “العالم كما هو”، وعلى كل محاولة من جانب السياسة لأن تجعل من نفسها نظاماً نهائياً. ومن ثم، يعيد تاوبِس الاعتبار إلى شخصية الثائر، من الرسول بولس إلى كارل ماركس، مروراً بـتوماس مونتسر، بوصفهم حاملين لقوة إسكاتولوجية قوامها الفصل والدينونة، تُبقي شعلة krinein حيّةً في مواجهة انغلاق العالم القائم. وكان تاوبِس يصف نفسه بأنه “عالم آثار للرؤيا الأخروية”، إذ كان اهتمامه أقل انصرافاً إلى استعادة نظام متعالٍ، وأكثر تركيزاً على القوة السلبية للمسيحانية، أي تلك الطاقة الدائمة لزعزعة الاستقرار التي تمنع السياسة من الانغلاق على اكتفائها الذاتي ذي الطابع الوثني. وبينما يسعى فوغلين إلى استعادة تعالٍ منفصل يعيد تنظيم المدينة، يرى تاوبِس في الاندفاعة الثورية استمراراً مشروعاً لأملٍ يستعصي على الاختزال في محدودية السياسة. ومن ثم، فإن سياسةً محرومة من أي أفق إسكاتولوجي قد لا تغدو سوى إدارةٍ للعدم. يُراجع: Jacob Taubes, Occidental Eschatology، ولا سيما القسم الثاني. [2] يرى هانس بلومنبرغ أن الحداثة ورثت أسئلةً وسيطة وإسكاتولوجية، مثل معنى التاريخ أو نهايته، واضطرت إلى الإجابة عنها بوسائل مغايرة، وفي مقدمتها فكرة التقدم. ويولّد هذا الانزياح البنيوي وهماً بصرياً يوحي بوجود استمرارية جوهرية مع الدين. ويطلق بلومنبرغ على هذه الآلية الوظيفية اسم “إعادة شغل المواقع” ( Umbesetzung )، حيث تحتل أنماط التفكير الجديدة المواقع البنيوية التي خلّفها انهيار الإطار اللاهوتي، من دون أن تكون مشتقة منه. انظر: هانس بلومنبرغ، شرعية الأزمنة الحديثة، ترجمة مارك سانيول، وجان لوي شليغل، ودوني ترييرفيلر، باريس: غاليمار، سلسلة «مكتبة الفلسفة»، 1999، ص 71-77. (النص مترجم من اللغة الفرنسية)

الملف الإيراني: الخيار العسكري لا يزال قائماً

انطلق هذا الأسبوع على وقع هدوء حذر، وسط تعليق مؤقت لأبرز ملفات المنطقة الساخنة، بدءاً من احتمالات استئناف المحادثات بين واشنطن وطهران، وصولاً إلى التراجع الإسرائيلي عن "منطقتين نموذجيتين" في جنوب لبنان. ويعود هذا التوقف الموقت، بالدرجة الأولى، إلى مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، والتي تمتد حتى الخميس، بالتزامن مع الترقب القائم لقمة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقررة يومي الثلثاء والأربعاء، 7 و8 تموز، في أنقرة. وتكتسب هذه القمة أهمية استثنائية نظراً لمشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فيها، بعد أشهر من التوتر مع الحلفاء الأوروبيين. وقبيل توجهه إلى تركيا، حرص ترامب على توجيه رسالة حازمة مفادها أنه لن يتراجع خطوة واحدة في الملف الإيراني. وفي مؤتمر صحافي عقده في البيت الأبيض، أعاد رسم أولوياته مجدداً، واضعاً طهران في مرمى تهديداته، إذ قال: "إما أن نتوصل إلى اتفاق، أو ننهي المهمة بالكامل. وإنجاز هذه المهمة لن يكون صعباً، لكني أفضّل خيار الاتفاق، لأنني لا أريد إلحاق الأذى بـ91 مليون إنسان"، مؤكداً بأن الجيش الأميركي قادر على "تدمير الجسور الإيرانية في غضون ساعة واحدة". وتابع الرئيس الأميركي هجومه بالنبرة الوعيدية نفسها: "يمكننا سحق شبكة الطاقة لديهم، وكل تلك المحطات الضخمة التي بنيت هناك، في جزء بسيط من الأمسية. هم يدركون ذلك جيداً. لم يعد لديهم مال اليوم، ونحن لم نمنحهم سنتاً واحداً." ومع ذلك، جدد ترامب التأكيد على أن هدفه ليس "إطاحة النظام في إيران، وإن كان الواقع يعكس ذلك. فالنظام الأول اختفى، والثاني انتهى، وأعتقد أن النظام الثالث سيكون أكثر عقلانية. لكن، دعونا نرى ما سيحدث". كذلك، ذكّر دونالد ترامب بأن واشنطن تعتزم استعادة "الغبار" النووي الإيراني، "أي المواد المخصبة" (اليورانيوم المخصب)، مجدداً تشديده على أن إيران "لا يمكنها حيازة السلاح النووي". ورداً على سؤال حول قضية مضيق هرمز، الذي تسعى طهران للإبقاء عليه تحت سيطرتها، اكتفى الرئيس الأميركي بالإشارة -كإجابة وحيدة- إلى أنه "آلة رائعة لتوليد المال". وكما هو معلوم، ترفض الولايات المتحدة، إلى جانب الدول العربية وأوروبا، أن يخضع هذا الممر المائي الاستراتيجي لسيطرة نظام الملالي. من جهة أخرى، أعرب الرئيس الأميركي عن رغبته في مساعدة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي على إنهاء الحرب المستمرة بينهما منذ أكثر من أربع سنوات، قائلاً: "أعتقد أننا أقرب بكثير إلى اتفاق مما يظنه الناس. الرئيس بوتين يريد لهذه الحرب أن تنتهي، والرئيس زيلينسكي بات هو الآخر يريد لها نهاية الآن. سوف نتوجه إلى قمة الناتو في أنقرة حيث سنناقش هذا الأمر، وأعتقد أننا سننجح في وضع حد لهذه الحرب". ماكرون في دمشق أكد البيت الأبيض أن دونالد ترامب سيلتقي على هامش قمة الناتو فولوديمير زيلينسكي، إضافة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان من المقرر أن يستقبل مساء الإثنين نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويرافقه وفد من رجال الأعمال الفرنسيين. وتُعد هذه الزيارة الأولى لرئيس فرنسي إلى دمشق منذ نحو 17 عاماً؛ إذ بدأت العلاقات بين فرنسا وسوريا في عهد بشار الأسد بالتدهور عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وهو الاغتيال الذي وُجهت فيه أصابع الاتهام إلى دمشق. ولاحقاً، قطعت باريس علاقاتها الدبلوماسية مع النظام السوري في أعقاب حرب عام 2011، إثر هجوم استهدف سفارتها هناك. وفي صلب المحادثات الفرنسية-السورية، يبرز بطبيعة الحال الوضع في المنطقة، وهو الملف الذي سيكون أيضاً محور لقاء مرتقب في واشنطن بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس ترامب. وإذ يظل هذا اللقاء بلا موعد محدد بعد وفقاً للمسؤول الإسرائيلي، فإنه يكتسب أهمية خاصة في وقت تتقدم فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران بصعوبة بالغة، لاسيما وأن ترامب كان قد أظهر في وقت سابق نوعاً من التحفظ حيال فكرة استقبال نتنياهو في البيت الأبيض. هدوء نسبي في لبنان تنسحب التهدئة الدبلوماسية على لبنان، حيث من المتوقع أن يعود قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأميرال براد كوبر، في الأيام المقبلة ليعرض على السلطات اللبنانية مقترحاً لآلية انسحاب إسرائيلي تدريجي، تماشياً مع الترتيبات الأمنية لاتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي الموقّع في واشنطن، وفق ما أفادت قناة "الحدث" الإخبارية. وفي هذا السياق، جدد رئيس الجمهورية جوزاف عون التأكيد على أهمية إعادة انتشار الجيش اللبناني على طول الحدود الجنوبية، مشدداً في الوقت عينه على ضرورة تكثيف الضغوط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي التي لا تزال تحتلها في الجزء الجنوبي من البلاد. وحذر عون، خلال لقاء عبر تقنية الفيديو مع ممثلين عن "المجموعة الأميركية من أجل لبنان (ATFL)، "من أن "استمرار الاحتلال يقوّض شرعية الدولة، ويحول دون انتشار الجيش، ويهدد ركائز سلام عادل ودائم". كما شدد على أنه "لا يمكن أن تكون هناك حرب أهلية في لبنان"، على الرغم من "محاولات البعض تأجيجالتوترات الطائفية"، في إشارة ضمنية إلى "حزب الله". ميدانياً، لا يزال الوضع في لبنان متقلباً؛ إذ يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات التفجير في عدد من بلدات بنت جبيل ومرجعيون والنبطية، بالتزامن مع غارات موضعية. وأدت ضربة استهدفت النبطية الفوقا يوم الإثنين إلى سقوط ثلاث ضحايا: مديرة مدرسة ووالدتها وعاملة المنزل لديهما. إلى ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي العثور على مخازن أسلحة ضخمة في بلدة حداثا، حيث ينفذ عمليات تفجير واسعة ويقدمها كقاعدة عملياتية لـ"حزب الله". وأعلن في هذا الإطار تدمير "عشرات البنى التحتية العسكرية" في البلدة ومصادرة أكثر من 150 قطعة سلاح. كما وجه تحذيراً إلى سكان القرى الحدودية الجنوبية، مذكّراً إياهم بضرورة الامتناع عن استقبال نازحين من البلدات التي تُعتبر معاقل للحزب. وعلى صعيد آخر، أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، والتي زعم فيها أن بعض القرى المسيحية الحدودية طلبت "الضم" إلى إسرائيل لحمايتها من "حزب الله"، موجة استنكار واسعة في البلاد. وسارعت البلديات والمخاتير والفعاليات المحلية في نحو خمس عشرة قرية معنية إلى رفض هذه الادعاءات، منددة بـأخبار "عارية من الصحة تماماً"، ومجددة تمسكها المطلق بسيادة الدولة اللبنانية. حل الحكومة في غزة يُسجل تطور بارز آخر على المستوى الإقليمي، تمثّل في إعلان حركة "حماس" حل حكومتها في قطاع غزة، بعد نحو عشرين عاماً من تولّيها السلطة عام 2007، وذلك بهدف تسهيل نقل المسؤوليات إلى "اللجنة الوطنية لإدارة القطاع"، وهي هيئة مؤلفة من تكنوقراط أُسّست في إطار المباحثات التي سبقت وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025. ويظل هذا التطور، الذي استقبله بعض المحللين بنوع من التشكيك، حدثاً يستوجب المتابعة لما قد يحمله من تغيير في المشهد السياسي الفلسطيني. وتقدّم "حماس" هذا القرار بوصفه وسيلة لـ"حرمان الاحتلال من أي ذريعة" لاستمرار الحرب، مؤكدة في الوقت عينه رغبتها في تسليم الصلاحيات الحكومية إلى اللجنة الجديدة. ومن جانبه، أكد رئيس اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، علي شعث، جاهزية هذه الهيئة لتولي مسؤولياتها فور توفر الإمكانات اللازمة. في المقابل، لا يبدو أن تل أبيب مقتنعة بهذه الخطوة؛ إذ تُصر على تجريد الفصيل الموالي لإيران من السلاح، تماشياً مع ما تنص عليه خطة السلام التي جرت المفاوضات بشأنها برعاية الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، الخطوة بمثابة "خدعة" تهدف إلى التهرب من نزع السلاح، وكتب عبر منصة "إكس": "طالما احتفظت حماس بسلاحها، فإن أي حكومة مدنية ستعمل بالطبع وفقاً لتوجيهات هذه الحركة. إسرائيل تُصر على التنفيذ الكامل لخطة ترامب، والتي تتمثل مبادؤها الأساسية في نزع سلاح حماس وبقية المنظمات الأخرى، فضلاً عن جعل قطاع غزة منطقة منزوعة السلاح بالكامل".

الأرض مقابل السلام
بقلم
فادي نون
نُشر

" الأرض مقابل السلام". هاتان الكلمتان، بعبارتهما القديمة والمتجددة في آن، تختصران جوهر الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي المعقود في واشنطن (23-26 حزيران)، شرط أن نضع مصلحة أبناء القرى المدمرة فوق أي اعتبار آخر؛ وما عدا ذلك ليس سوى تفاصيل. نعم، الأرض مقابل السلام، ولكن ليس أي سلام. إنه السلام الذي يمر حتماً عبر حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية كما نعرفها: ديمقراطية برلمانية، وأرضاً للحرية والتعددية. ويمكن صياغة المعادلة على النحو الآتي: الأرض مقابل سلاح "حزب الله". فخلافاً للانطباع السائد، فإن اتفاق واشنطن هو اتفاق سلام لا صك حرب، ويمكن تطبيقه دون إطلاق رصاصة واحدة. لقد تحدث "حزب الله" عن "حرب أهلية"، ولكن من عساه يريد الحرب الأهلية؟ إن اتفاق واشنطن كفيل باستبدال قوات "الحزب" - التي أنهكتها الضغوط والأعباء إلى حد كبير - بقوات شرعية تابعة للدولة، تمثل مختلف المكونات، وتقتصر وظيفتها الحصرية على الدفاع لا الهجوم. فلبنان لا يملك أي أطماع ترابية في إسرائيل، وكل ما يبتغيه ويطالب به هو احترام حدوده؛ وهو أمر منصوص عليه بوضوح في اتفاق واشنطن... وهناك حصراً. فإيران وإن تمكنت من انتزاع وقف لإطلاق النار – يبقى نسبياً للغاية – في لبنان عبر إطلاق دفعة من الصواريخ الباليستية نحو إسرائيل، إلا أنه من غير الواقعي بتاتاً، بالنظر إلى القوى القائمة، الاعتقاد بأن طهران قادرة أيضاً، عبر لغة التهديد، على فرض انسحاب إسرائيلي كامل من لبنان. وكل ما يمكن أن تفضي إليه هذه الدينامية ليس سوى مزيد من الموت والدمار، مصحوباً بخطر الضم؛ باختصار، إنها حرب الألف عام. هل هو اتفاق استسلام؟ نعم، بالمعنى الضيق للكلمة. ذلك أن اتفاق السلام الذي يفرضه، هو في الأساس مطلبلبناني بقدر ما هو إسرائيلي، لا سيما وأن الفصل الحربي الذي ينهيه قد نشب رغماً عن إرادة الدولة اللبنانية، ونتيجة لقرار إيراني كانت بيروت مناهضة له بشدة. ثم، ما هي القيود الواهية التي قد يفرضها الاتفاق على لبنان؟ أهي حرمانه من امتلاك قدرات نووية؟ أم منعه من بناء سلاح جو عسكري؟ ذلك أن الذين صاغوا اتفاق واشنطن لم يكونوا يرفضون الحرب فحسب، بل كانوا على عداء عميق مع الأيديولوجيا الحربية التي تحرّك "حزب الله"، والتي أوهمت هذا التنظيم بأنها تخوض جهاداً بطولياً في سبيل الله، قبل أن يتكشف هذا القتال عما رأيناه من مجازر ودمار قد يتعذر ترميمه. وفي هذا السياق، كيف لـ"حزب الله" أن يظن للحظة واحدة أن عقيدته السياسية-الدينية يمكن أن تحظى بقبول المسيحيين، ناهيك عن المكونات المجتمعية الأخرى التي يتألف منها لبنان؟ إن لبنان جزء من المجموعة العربية وليس الأمة الإسلامية. وإذا كانت التهدئة مع إسرائيل غريبة عن الأيديولوجيا الإيرانية، فإنها ليست كذلك بالنسبة للعالم العربي، الذي وقع جزء منه بالفعل اتفاقات سلام، في حين يربط الجزء الآخر، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، هذا السلام بقيام دولة فلسطينية. والطائفة المسيحية أبعد ما تكون عن هذه العقلية، كونها دفعَت هي نفسها ثمن هذا النوع من المغامرات إبان الحروب الصليبية. وبالتأكيد، يمكن الجزم بلا تردد بأن الحق في الدفاع عن النفس سيبقى مقدساً، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية أعادت النظر في مفهوم "الحرب العادلة" التي كانت قد أقرتها في الماضي، وذلك بالنظر إلى استحالة توفر شروطها اليوم، في زمن الخوارزميات، والآلات ذاتية التشغيل، والردع النووي. فلم يعد هناك اليوم ما يسمى بأسلحة "تقليدية". وكلنا يعرف الدعابة المنسوبة إلى آينشتاين بشأن الحرب الذرية؛ إذ يُنقل عن هذا الأخير، وهو المناضل من أجل نزع السلاح النووي، تأكيده أنه في حال اندلاع حرب عالمية ثالثة، فإن "الحرب الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة". وعلى العكس من ذلك، فإن الطوائف المسيحية الشرقية، التي دفعَت غالياً ثمن حقبة سلب فلسطين، تطمح اليوم إلى التمتع بحقها في الوصول إلى أماكنها المقدسة: القدس، والناصرة، وبيت لحم، هذه الأماكن التي عاش فيها مخلّصها، وحيث قام من بين الأموات، منتصراً على الموت والعنف. وبهذا المعنى، يمكنها أن تأمل في الإيمان بتلك الكلمة التي تركها لها مخلّصها: "طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض". الأرض لا تنتمي إلى العنيفين، يقول الرب. بل تنتمي إلى رجالٍ تعلموا من الحرب "كراهية الحرب"، على غرار جوزاف عون. وقد سمعناه يتحدث بهذا المعنى خلال مقابلته مع كريستيان أمانبور على شبكة "سي إن إن". وحريّ برئيس الدولة أن يخصص وقتاً عبر الشاشات ليشرح اتفاق واشنطن للشعب اللبناني.