شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
من يحقّ له أن يكتب مانيفستو؟
بقلم
ريتا باروتا
نُشر

هذه المقالة هي الثانية في سلسلة من ثلاث مقالات تتتبع المانيفستو بوصفه شكلًا من أشكال الكتابة والتدخل في العالم. توقفت المقالة الأولى عند حق الإعلان، وعند اللحظة التي يكتسب فيها الكلام سلطة بمجرد دخوله إلى المجال العام. هنا ينتقل السؤال إلى ما يحدث عندما يتجاوز هذا الكلام صاحبه ويبدأ بالتحدث باسم جماعة، قبل أن تعود المقالة الثالثة إلى السؤال الذي بدأ منه هذا المسار كله، وإلى ما يبقى من المانيفستو حين تتغير أشكاله ووظائفه. في نهاية المقالة الأولى وصلنا إلى كلمة تبدو، بحروفها الثلاثة، أصغر من كل التاريخ الذي قاد إليها. فكلمة «نحن» تستطيع أن تحمل معها جماعة كاملة إلى داخل الجملة. ما إن يقول المانيفستو «نحن» حتى يتغير حجم الصوت الذي يتكلم. لم يعد صاحبه يعلن موقفًا يخصه وحده. ثمة آخرون دخلوا معه إلى اللغة، بأجسادهم وتجاربهم ومصالحهم واختلافاتهم، سواء شاركوا في كتابة النص أم وجدوا أنفسهم لاحقًا تحت المظلة التي فتحها لهم. لهذا تبدو الـ”نحن” مناسبة جدًا للمانيفستو. فهذا النوع يحب الأصوات الكبيرة والجماعات التي تظهر فجأة في المجال العام وتطالب بأن تُرى وتُسمع، وتصرخ: نحن العمال، نحن الفنانون، نحن المضطهدون، نحن الذين جئنا لإنهاء القديم أو إعلان الجديد... وحين تُكتب الجملة بكل هذه الثقة، يسهل أن ننسى السؤال الأكثر إحراجًا، ذلك الذي يختبئ داخل الضمير نفسه. من هم أولئك الذين يتحدثون؟ ومن سمح لصوت واحد، أو لعدد قليل من الأصوات، بأن يجمعهم داخل كلمة واحدة؟ في المقالة السابقة رأينا أن المانيفستو يستطيع أن يشارك في صناعة الجماعة التي يدّعي التعبير عنها. وتصبح هذه القدرة أكثر حساسية حين ندخل تاريخ المانيفستوات النسوية، لأن كلمة “النساء” نفسها ستتحول، على امتداد القرن العشرين، من أساس يبدو كافيًا لجمع الأصوات إلى ساحة نزاع حول من يظهر داخلها ومن يختفي. ولهذا لن تكون الرحلة هنا تاريخًا متسلسلًا للمانيفستو النسوي. ما يعنينا هو ما يحدث كلما مدّ ضمير الجمع حدوده قليلًا، ثم سمع صوتًا يأتيه من مكان لم ينتبه إليه. ربما يكون تاريخ المانيفستو، حين ننظر إليه من هذه الزاوية، تاريخًا للاعتراض على كلمة “نحن” بقدر ما هو تاريخ لصناعتها. مينا لوي، حين تتقدم الـ«أنتن» إلى الجملة في سنة 1914، كتبت مينا لوي نصًا حمل ببساطة عنوان Feminist Manifesto، وافتتحته بحكم لا يترك مساحة كبيرة للمجاملة: “الحركة النسوية، بصورتها القائمة، غير كافية”. ثم تتوجه إلى النساء أنفسهن، وتصل إلى المكاسب التي بدأت تتيح لهن دخول المهن والعمل لتسألهن سؤالًا قاسيًا: “هل هذا كل ما تردنه؟”. كانت لوي قد اقتربت من أجواء المستقبلية الإيطالية، وكتبت نصوصًا تتفاعل معها وتسخر منها في آن، فيما كان موضوع النساء وموقعهن في المجتمع يتسلل بقوة إلى أعمالها المبكرة. والمفارقة أن هذا المانيفستو، على الرغم من نبرته التي تبدو مصممة كي تصطدم بجمهورها، بقي غير منشور في زمنه ولم يظهر مطبوعًا إلا سنة 1982. قد يبدو ذلك تفصيلًا غريبًا بالنسبة إلى نص ينتمي إلى شكل يقوم أصلًا على الإعلان. هناك مانيفستو يرفع صوته، فيما يبقى لعقود من دون مجال عام يسمعه. وتزداد المفارقة حين ننتبه إلى الطريقة التي يتكلم بها النص نفسه. فالمستقبلية التي اقتربت منها لوي كانت مولعة بـ”نحن”. يدخل مارينيتي وأصحابه اللغة جماعةً مكتملة الثقة، تعرف ما تحب وما تكره وما الذي تريد إلقاءه خارج التاريخ. أما لوي، وهي تستعمل شيئًا من طاقة المانيفستو ونبرته الآمرة، فتوجّه الكلام إلى النساء أكثر مما تستقر داخل «نحن» نسائية مريحة. يتقدم ضمير المخاطب إلى الواجهة. هناك «أنتن» يُطلب منهن أن يُعدن النظر في ما تعلمنه عن الزواج والعفة والحب والاعتماد الاقتصادي على الرجال، وأن يشككن في وعود المساواة التي يمكن أن تترك البنية القديمة لحياتهن قائمة تحت أسماء جديدة. نبرة النص عنيفة أحيانًا ومزعجة حتى بمقاييس زمننا، وبعض مقترحاته لا تحتاج إلى الدفاع عنها كي ندرك ما تفعله داخل تاريخ المانيفستو. تأخذ لوي الشكل الذي أتقنت الطليعات الذكورية استعماله وتدخله إلى منطقة لم تعد فيها الجماعة التي يخاطبها النص واثقة من أنها جماعة أصلًا. يصبح الفرق بين “أنتن” و”نحن” فرقًا سياسيًا. فأن تقول لنساء أخريات “أنتن” يعني أن مسافة ما ما زالت قائمة بين المتكلمة ومن تخاطبهن، وأن التحرر نفسه لم يتحول بعد إلى هوية مشتركة يمكن الاحتماء بها. المرأة التي يفترض المانيفستو أنه يخاطبها قد تكون زوجة تؤمن بالزواج الذي يهاجمه، أو امرأة ترى في العفة قيمة، أو أخرى لا تجد نفسها أصلًا في صورة التحرر التي تقترحها لوي. وبذلك تضعنا لوي مبكرًا أمام مشكلة سترافق هذه المقالة. حتى الكلام الذي يريد تحرير جماعة يمكن أن يضع نفسه في موقع من يعرف عنها أكثر مما تعرف هي عن نفسها. ربما لهذا تبدو الـ”أنتن” عند لوي أكثر إثارة من أي “نحن” جاهزة. تحضر الجماعة بوصفها احتمالًا وموضوعًا للمخاطبة، فيما يبقى انتماؤها إلى المشروع الذي يقترحه النص شيئًا يحتاج إلى أن يُصنع. فالمانيفستو هنا يخاطب جمهورًا لم يتشكل بعد بوصفه جماعة متجانسة، ويحاول أن يخلق لدى مخاطَباته رغبة في مغادرة المواقع التي عرفن أنفسهن من خلالها. ومرة أخرى نعود إلى السلطة، لكن من باب آخر. فمن يملك حق أن يقول لامرأة إن الصورة التي اختارتها لنفسها ليست حرة بما يكفي؟ ومن يستطيع أن يرسم لها شكل التحرر ثم يطالبها بأن تتعرف إلى نفسها داخله؟ عندما تكاد امرأة واحدة أن تخترع جماعتها في نيويورك سنة 1967، بدأت فاليري سولاناس بتوزيع SCUM Manifesto. كانت تبيع نسخًا منه بنفسها في شوارع غرينتش فيليج، في صورة بعيدة جدًا عن التنظيم الحزبي الذي كلّف ماركس وإنغلز بكتابة برنامجه، أو عن جماعة فنية تدخل صحيفة كبرى كي تعلن اسمها. أمامنا كاتبة شبه منفردة ونص يتكلم كما لو أن وراءه قوة ثورية مستعدة لتغيير المجتمع. يكفي افتتاح النص لنعرف أن سولاناس لم تدخل المانيفستو بحثًا عن الاعتدال. تبدأ بعبارة تكاد تغلق باب التسوية منذ السطر الأول: “الحياة في هذا المجتمع، في أفضل أحوالها، مملّة إلى حد لا يُطاق، ولا يكاد في المجتمع ما يعني النساء”، ثم تمضي مباشرة إلى إسقاط الحكومة، وإلغاء نظام المال، والوصول إلى أتمتة كاملة، وصولًا إلى أكثر مقترحات النص تطرفًا بشأن الرجال. المجتمع الذي تصفه سولاناس فاسد ومستنفد إلى حد يستوجب تغيير النظام السياسي والاقتصادي والعلاقة بين الجنسين من جذورها. ويتقدم الغضب في الصفحات ليصبح طريقة في الاستيلاء على مساحة الكلام ورفض الشروط التي يُفترض أن تدخل المرأة بموجبها إلى المجال العام. المثير أن اسم SCUM يبدو منذ اللحظة الأولى كأنه اسم جماعة. هناك كيان يستطيع القارئ أن يتخيله، ونساء يمكن أن ينتمين إليه، ومشروع يحمل اسمه. لكن كلما اقتربنا من لحظة الكتابة نفسها يصبح من الصعب العثور على الجماعة المستقرة خلف الاسم. سبق النص الجماعة، وتصرف كما لو أن مجرد تسميتها يمنحها وجودًا كافيًا. ومع سولاناس، يملأ صوت فرد واحد الصفحة، مستعينًا بغضب يمنحه اتساعًا يسمح له بأن يتكلم عن النساء والرجال والمجتمع والمستقبل وكأنه يقف في مركز خريطة يستطيع رؤيتها كاملة. ليس من الضروري أن نحسم الجدل القديم حول مقدار السخرية أو الجدية فيSCUM Manifesto كي نرى ما يضيفه إلى سؤالنا. يكفي أن الاسم موجود وأن الصوت يتكلم بثقة كافية كي يبدأ القارئ بتخيّل من يقف وراءه. يتحول غضب سولاناس إلى قوة في ذاته. فالنساء اللواتي طُلب منهن تاريخيًا أن يشرحن ألمهن بلغة معقولة ومهذبة يجدن في المانيفستو مساحة تستطيع فيها المبالغة والعدائية أن تؤديا وظيفة سياسية. لا تطلب سولاناس الإذن لكي تكون مقنعة، ولا تبذل جهدًا كي تبدو جديرة بالقبول داخل نظام الكلام الذي تهاجمه. صوتها يفرض نفسه بحجمه. لكن الحجم لا يحل مشكلة التمثيل. كلما كبر الصوت ازداد عدد الأشخاص الذين قد يجدون أنفسهم موضوعًا لكلامه من دون أن يكونوا شركاء فيه. ومن هذه الزاوية يعيدSCUM طرح السؤال البديهي. هل يستطيع الفرد أن يعلن جماعة إلى الوجود؟ وإذا استطاع، متى يصبح هذا الاختراع مساحة سياسية يلتقي فيها آخرون، ومتى يصبح طريقة لاستعارة أصواتهم؟ حين تُصنع «نحن» في غرفة في نيويورك سنة 1969، أصدرت جماعة ريدستوكينغز (Redstockings) المانيفستو الخاص بها. كان النص ابن لحظة صعود حركة تحرير النساء في الولايات المتحدة، واتخذ موقفًا حادًا يرى النساء جماعة مضطهدة داخل نظام يقوم على سيادة الرجال. صدر المانيفستو باسم الجماعة نفسها، ودعا النساء إلى الاتحاد في صراع مشترك. لكن الـ”نحن” التي تظهر هنا لا تأتي من الصفحة وحدها. كانت تُبنى أيضًا في ممارسة أصبحت مركزية في ذلك الجناح من الحركة النسوية، هي جلسات رفع الوعي (consciousness-raising sessions). كانت النساء يجتمعن في شقق وغرف صغيرة ويتحدثن عن الزواج والجنس والعمل والأمومة والجمال والخوف وتوزيع الأعمال المنزلية، وعن تفاصيل ربما بدت لكل واحدة منهن قبل ذلك جزءًا من قصتها الخاصة. ثم تبدأ القصص بالتشابه، وتظهر أنماط يصعب تجاهلها. امرأة تعتقد أن مشكلتها مع زوجها تخص علاقتها به، فتسمع امرأة أخرى تروي تجربة تشبهها. ثالثة تتحدث عن شعورها بالفشل، ثم تبدأ المجموعة في رؤية الشروط الاجتماعية التي تجعل هذا الفشل يتكرر عند عدد كبير منهن. ما بدا فرديًا يكتسب شكلًا جماعيًا، وما عاشته كل امرأة بوصفه ألمًا خاصًا صار يُقرأ داخل علاقة أوسع بالقوة. هكذا ارتبط رفع الوعي عند ريدستوكينغز بإنتاج معرفة سياسية من الخبرة اليومية نفسها. قد يكون هذا أحد أكثر المشاهد دلالة في تاريخ الـ”نحن”. تتكون الجماعة أثناء الكلام، حين تضع النساء تجاربهن إلى جانب بعضها وتبدأ الأنماط المشتركة بالظهور. لا يعني ذلك أن التجارب متطابقة أو أن الغرفة تحل كل الاختلافات، لكن الـ”نحن” تبدأ بالتشكل حين تكتشف النساء أن ما عُزل طويلًا داخل الحياة الشخصية يرتبط ببنى تتجاوز الفرد. وهنا يصبح الضمير أكثر قوة مما كان عند لوي أو سولاناس. لم تعد هناك كاتبة واحدة تخاطب النساء أو اسم جماعة يكاد النص أن يخترعه. هناك حركة، ونساء يجتمعن، وممارسة تنتج لغة مشتركة، ثم يأتي المانيفستو ليمنح هذه اللغة صيغة عامة. ولهذا كانت عبارة “النساء” قادرة على حمل وزن سياسي هائل في تلك اللحظة. فإذا كانت المعاناة التي ظنت كل واحدة أنها تخصها تتكرر عند الأخريات، يصبح من الممكن فهم النساء كجماعة لها موقع مشترك داخل بنية السلطة. وعندها تستطيع “نحن النساء” أن تحول الشكوى المتفرقة إلى تحليل، والتحليل إلى قدرة على التنظيم. لكن كل نجاح في صناعة “نحن” يخلق سؤالًا حول حدودها. فالخبرة الشخصية التي تدخل الغرفة لا تأتي من فراغ. كل امرأة تدخل معها أيضًا لونها وطبقتها وموقعها الاجتماعي وجنسانيتها وعلاقتها بالعمل والدولة والعائلة. وما يمكن أن يبدو مشتركًا حين نركز على علاقة النساء بالرجال قد يتغير كثيرًا حين تدخل إلى الصورة علاقات أخرى بالقوة. وإذا كانت التجربة مصدرًا للمعرفة السياسية، يصبح من الضروري أن نسأل عن التجارب التي وصلت إلى الغرفة أصلًا، وعن النساء اللواتي امتلكن الوقت والمكان واللغة والحضور كي تصبح تجاربهن جزءًا من تعريف ما تعنيه «تجربة النساء». لكن، أيّ نساء؟ في سنة 1977 ظهر نص لا يحمل كلمة “مانيفستو” في عنوانه أصلًا. حمل اسم The Combahee River Collective Statement، وكتبته جماعة من النسويات السوداوات اللواتي كن يجتمعن منذ 1974 ويعملن سياسيًا داخل مجموعتهن وفي تحالفات مع حركات تقدمية أخرى. ومع ذلك يقوم النص بالكثير مما تعلمنا أن نتوقعه من المانيفستو. يعلن موقعًا، ويسمّي أنظمة القوة التي يريد مواجهتها، ويحدد جماعةً تتكلم، ويقترح فهمًا للعالم قادرًا على توجيه العمل السياسي. منذ البداية تعرّف الجماعة نفسها باعتبارها تجمعًا لنسويات سوداوات. وهذه الصفة الإضافية تغيّر جغرافيا “نحن النساء” كلها. فالنساء السوداوات لا يدخلن التجربة السياسية من موقع واحد يمكن اختزاله في اضطهادهن كنساء. العنصرية والتمييز الجنسي والطبقة والهيمنة الجندرية تعمل معًا في إنتاج شروط حياتهن، ولهذا صاغ بيان كومباهي فهمًا للأنظمة المتشابكة للقمع قبل أن تصبح لغة “التقاطعية” واسعة التداول بالصورة التي نعرفها اليوم. المهم في هذه اللحظة أن السؤال لا يطلب توسيع كلمة «النساء» بإضافة مجموعة نسيناها إلى القائمة. المشكلة تقع في الطريقة التي صُنعت بها الفئة نفسها. فعندما تُقدَّم تجربة بعض النساء باعتبارها التجربة النسائية، يمكن لنساء أخريات أن يظهرن داخل الخطاب بالاسم ويختفين منه في المضمون. حين تقول امرأة سوداء للحركة النسوية إن «نحن النساء» لا تصف تجربتها كاملة، فهي تكشف أن الجماعة التي اعتبرت نفسها شاملة بنت هذا الشمول انطلاقًا من مواقع محددة، ثم نسيت أن تسميها. وفي الوقت نفسه، كان على نساء كومباهي أن يتعاملن مع جماعات أخرى تستطيع أن تقول «نحن السود» فيما يختفي داخلها اضطهاد النساء، أو «نحن اليسار» فيما تتراجع العنصرية واللامساواة الجندرية إلى مرتبة أسئلة ثانوية. هكذا تجد المرأة السوداء نفسها أمام أكثر من ضمير جمع يعدها بالانتماء، ثم يطلب منها في كثير من الأحيان أن تقسّم تجربتها كي تستطيع الدخول إليه. ربما لهذا تبدو مساهمة كومباهي حاسمة في تاريخ الـ”نحن”. فهي لا تستبدل جماعة نقية بأخرى أكثر نقاءً. ما تكشفه هو استحالة البراءة في ضمير الجمع. كل «نحن» تُبنى من مكان، وتحمل تاريخًا، وتضيء بعض العلاقات بالقوة أكثر مما تضيء غيرها. من هنا يمكن أن نقول إن تاريخ المانيفستو هو أيضًا تاريخ اعتراضات على ضمير الجمع. كل مرة ينجح فيها ضمير في جمع أشخاص تحت اسم واحد، يظهر احتمال أن يأتي صوت من داخله ويسأل عن ثمن هذا الجمع. وقد يبدو الاعتراض تهديدًا لوحدة الحركة، لكنه يجبر الجماعة على رؤية ما كانت تعتبره بديهيًا في صورتها عن نفسها. وعندها يصبح السؤال متصلًا بالطريقة التي يمكن بها بناء جمع يعرف أن حدوده ليست طبيعية ولا أبدية، وأن الأشخاص الذين يحملهم اسمه لن يعيشوا بالضرورة علاقات القوة بالطريقة نفسها. ماذا لو لم تحتج “نحن” إلى أصل مشترك؟ حين نشرت دونا هاراواي عام 1985 النص الذي سيُعرف لاحقًا على نطاق واسع باسم A Cyborg Manifesto، كانت تكتب داخل لحظة أصبح فيها البحث عن وحدة نسوية مستقرة أكثر صعوبة. وقد وصفت بنفسها أزمة الهوية السياسية التي عاشتها أجزاء من اليسار والنسوية في الولايات المتحدة، وتوقفت عند إمكان آخر للعمل المشترك يقوم على التحالف و«الألفة» أو التقارب السياسي عوضًا عن البحث المستمر عن هوية واحدة تجمع الجميع. نُشر النص أصلًا في Socialist Review سنة 1985. ان “السايبورغ” عند هاراواي كائن هجين تختلط فيه الحدود التي اعتدنا استعمالها لترتيب العالم، بين الإنسان والآلة، والطبيعي والمصنوع، والجسد والتكنولوجيا. لكن أهميته بالنسبة إلى سؤالنا تظهر في رفضه قصة الأصل النقي أو الجوهراني. غالبًا ما تحب الجماعات السياسية أن تتخيل أن أفرادها كانوا، في مكان عميق من هوياتهم، جماعةً قبل أن تفرقهم السلطة، وكأن التحرر يقتضي إزالة ما حدث لاحقًا كي نعود إلى وحدة أصلية كانت موجودة طوال الوقت. السايبورغ يزعج هذا الخيال، لأنه يبدأ من التركيب، ومن الحدود غير المستقرة، ومن الهوية الجزئية. ومن هنا تأتي واحدة من أجمل إمكانات النص سياسيًا. يستطيع الأشخاص أن يعملوا معًا من دون الحاجة إلى إثبات أنهم متشابهون في الأصل، وأن يبنوا تحالفًا من مواقع مختلفة من دون أن يذيب أحدهم اختلاف الآخر كي تصبح كلمة “نحن” ممكنة. تصف هاراواي هذا الاحتمال في عبارتها الشهيرة “الألفة لا الهوية”، حيث يصبح التحالف ناتجًا عن اختيار سياسي وعلاقات ومصالح ومقاومات مشتركة، فيما تبقى الهويات جزئية ومتناقضة. بالنسبة إلى المانيفستو، تكاد هذه الحركة تقلب تاريخ ضمير الجمع على نفسه. فقد يصبح من الممكن تخيل “نحن” لا تحتاج إلى الادعاء بأنها جسد واحد. وعليه تصبح الجماعة أقرب إلى ترتيب سياسي مؤقت بين ذوات تعرف أنها جزئية، اختارت أن تلتقي حول شيء من دون أن تحول اللقاء إلى قصة عن أصل مشترك أو هوية صافية. تأتي قوة الـ”نحن” هنا من معرفتها بأنها لن تستطيع قول كل شيء عن أعضائها. وهذا لا يجعل السياسة أسهل. فالتحالف يحتاج إلى التفاوض، والاختلاف لا يختفي بمجرد إعلان احترامه، كما أن غياب هوية واحدة لا يلغي تفاوت القوة داخل الجماعة. لكن ما نطلبه من ضمير الجمع يتغير، ويصبح أقرب إلى اتفاق على العمل معًا مع إبقاء الاختلاف ظاهرًا، عوض أن يحمل وعدًا بالتشابه الكامل. فالمشكلة لم تعد في العثور على “نحن” صحيحة نهائيًا تستطيع أن تضم الجميع من دون احتكاك أو اعتراض. ما تكشفه هذه النصوص هو أن ضمير الجمع نفسه ممارسة سياسية، لأنه يجمع أشخاصًا كي يصبح الفعل المشترك ممكنًا، ويرسم في اللحظة نفسها حدود هذا الجمع. والحدود لا تبقى صامتة طويلًا. قد يأتي منها من يقول إن التجربة التي سُمّيت مشتركة لم تكن تجربته، أو يكتشف أفراد الجماعة أن الاسم الذي منحهم قوة في لحظة ما بدأ يخفي اختلافات صار من الضروري رؤيتها. وقد يبقى الاسم ويتغير معناه، أو ينشأ تحالف لا يطلب من أفراده أن يصبحوا نسخًا متشابهة كي يتمكنوا من العمل معًا. ربما تأتي قوة “نحن” السياسية من قدرتها على إبقاء إمكان الفعل المشترك مفتوحًا مع إبقاء الاختلاف ظاهرًا أيضًا. فالاسم الجماعي يصبح أكثر خطورة حين يتحول من مساحة للقاء إلى سلطة تصادر حق أفراده في تعريف أنفسهم. والمانيفستو، بحكم ميله إلى الجمل الكبيرة والإعلانات الواثقة، يجعل هذا التوتر مرئيًا بصورة خاصة. فهو يتكلم كما لو أن شيئًا أصبح واضحًا بما يكفي كي يُعلن، ثم تأتي السياسة من داخل هذا الوضوح نفسه وتفتح الأسئلة من جديد. لهذا يحمل كل “نحن” مانيفستيّ في داخله احتمال ظهور صوت عند حدوده يقول لمن يتحدثون باسمه إنهم لا يتحدثون باسمه. وقد يكون ظهور هذا الصوت واحدًا من الأشياء التي تمنع الجماعة من تحويل وحدتها إلى صمت. لكن هذا يقودنا إلى معضلة أخرى. فقد استطاع المانيفستو أن يغيّر شكله، وأن يسخر من قواعده، وأن يصدر عن فرد أو جماعة، وأن يخاطب “أنتن” أو يتكلم بصوت «نحن»، بل وأن يتخيل تحالفًا لا يحتاج إلى هوية متجانسة. فما الذي يبقي النص مانيفستو أصلًا؟ وهنا نعود في المقالة الثالثة إلى الكتاب الصغير الذي بدأ منه هذا المسار، إلى إيريني باييخو ومانيفستو القراءة، لنسأل ماذا يحدث حين تحمل كلمة «مانيفستو» نصًا يريد أن يعتني بشيء أكثر مما يريد تحطيمه.

مزاد انتخابي
بقلم
هشام دبسي
نُشر

يصنع ثلاثة أقطاب الحياة السياسيّة اليوميّة في اسرائيل، حتى موعد الانتخابات للكنيست السادسة والعشرين في 27 / تشرين الأوّل / اكتوبر القادم، اولهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المتحالف مع أقصى التطرف الصهيوني الديني، ينافسه نفتالي بينيت من اليمين القومي، وقد تحالف مع يائير لبيد الوسطي. اما الثالث القادم من المؤسسة العسكرية رئيس الاركان السابق غادي آيزنكوت ، ربما يكون المنافس الأخطر لِنتنياهو ، إذ أن استطلاعات الرأي المنتظمة تتبدّل باستمرار، لكنّ الثابت الوحيد فيها حتى الآن ، حقيقة عجز أيّاً من الأقطاب الثلاثة عن تحقيق اختراق يسمح بتشكيل الحكومة القادمة. في حين يظهر المشترك في البرامج الانتخابية لهؤلاء الأقطاب، على شكل غياب أي عنوان متصل بحقوق الشعب الفلسطيني ومستقبله في الضفة والقطاع، وتجاهل دور الأحزاب العربية في اسرائيل. مَن يتابع الاتصالات اليومية ، ويراقب الحراك الداخلي في صناعة التحالفات المعلنة منها والسّرّيّة، يستطيع إدراك فظاعة الانتهازية ، وسيادة منطق الابتزاز في العلاقات البينيّة، الحزبيّة و الجماهيريّة ، خاصةً لدى الاحزاب الصغيرة والقوى التي تستثمر على قاعدة أنها تملك ميزة "بيضة القبّان" ، مثل افيغدور ليبرمان الصهيوني - العلماني ، وغيره من ممثلي الأحزاب الدينية التي تزايد على بعضها في التطرف والمطالب. الأمر الذي يجعل فهم طريقة واسلوب تعاملهم مع الفلسطيني، تبدو مفهومة في السياق نفسه من الزاوية الاخلاقية، لطالما أضفنا اليها الحاجز النفسي الذي ولّده هجوم 7 / اكتوبر وكان بمثابة بناء جدار أعلى وأكثر بشاعة من جدار الفصل الاسمنتي. في هذا السياق، يمكن الاستنتاج أن الانتخابات القادمة لا تشبه مثيلاتها، من عدة نواحٍ، لأن نتائجها بالنسبة لنتنياهو هي الحد النهائي لحياته السياسية والشخصية، إمّا في الحكومة وإمّا في السجن، وهذا ما دفعه لبذل المزيد والمزيد من الجهد لإعادة ترتيب بيته الداخلي، على إيقاع ما يدور من حروب في القطاع والضفة و جنوب لبنان والجولان. هكذا صار سفك الدم اللبناني والفلسطيني والسوري وقوداً للعمليّات الانتخابية الراهنة. من جهةٍ أخرى، يقول النائب في الكنيست الحالي تسفي سوكوت من حزب الصهيونية الدينية : “نقتل 100 إمرأة وطفل في ليلةٍ واحدةٍ ، ولا أحد يكترث لِما لا نقتل المزيد إذاً... الآن انتهت عملية نزع الصّفة الانسانيّة عن الفلسطينيّين..” هذا ما جاء في مقال للكاتب جاكي خوري في صحيفة هارتس 2025/5/18. وما يحصل اليوم من هجوم متعدد الأشكال في انحاء الضفة يسمّونه بـ "ثورة المستوطنين"، يستهدف حسم مصير الضفة الغربيّة نهائيّاً لصالح الضم وإنفاذ السيادة الاسرائيليّة عليها. انما يعكس تحوّل الغالبيّة العُظمى من الاسرائيليّين، بعيداً عن نمط الفكر الصهيوني – العلماني – الديمقراطي كما قدّمه سابقاً حزب العمل في لحظة التأسيس. وأنّ الاقطاب الثلاثة لا يجادلون في مضمون كلام النائب سوكوت، حتى عندما يضطر نتنياهو وصف العنف في أبشع أشكاله، على أنه اعمال شغب تضر بسمعة اسرائيل. كما أن الاقطاب الثلاثة لا يختلفون حول إطلاق مشروع الاستيطان في شرق القدس ( 1E ) الا من زوايا شكليّة ، لا تغيّر في مسار الأحداث. وهذا يعني أن الفائز في الانتخابات القادمة لن يخرج عن هذا المسار، وأن خيار حلّ الدولتين مرفوض بالعقل الاسرائيلي العام وسيبقى هدف تحطيم الكيانيّة السياسيّة والاداريّة الفلسطينية. هو الضرورة التي تسمح بإنجاز عملية الضم والتهويد وبسط السيادة على "يهودا والسامرة"، كما يرغبون. الإفتراق الخطير بعد العثور على الطائرات الورقية قرب مستوطنة ناحل عوز ، خلف السياج الأمني المحيط بقطاع غزة، وبعد فحصها، أعلن الجيش الاسرائيلي، أنه لم يجد فيها مواد مشبوهة أو خطرة. ومع ذلك صدرت تهديدات اسرائيلية بالتصعيد، وحدثت اعتقالات لكوادر من حرکة حماس، وشنّ الطيران غارات على مشافٍ و خِيَم راح ضحيّتها مدنيون. بينما تتحدّث الديبلوماسية الاسرائيلية في المحافل الدوليّة حول خطورة التهديد الوجودي للطائرات الورقية وخيطها الرفيع، وغاب عن النقاش كلّ من فارق الحياة من الناس. كما صدر عن المستوى العسكري ما يفيد بأن المرحلة القادمة، ستشهد خططاً عسكريّةً وتفكيراً يستوجب احتلال مدينة غزة مجدّداً للقضاء على ما تبقّى من حركة حماس. بهذا النموذج الغزّي فضلاً عمّا يجري في الضفّة الغربيّة بعد نزع الصفة الانسانيّة عن الفلسطيني نحصل على معادلة انتخابية، يرتفع فيها عدد القتلى والجرحى باستمرار من أجل حصد أصوات الناخبين، ولا ندري ما هي كلفة الدماء اللازمة حتى يحصل حزب من الاحزاب على مقعد إضافي في الكنيست القادمة. ما تقدّم والعالم يشهد يوميّاً بالصوت والصورة ما يدور، يشير إلى نهاية المشروع الصهيوني العلماني – الاشتراكي ، الذي ادّعت دولة اسرائيل بأنّها الواحة الديمقراطيّة في صحراء العرب، وانها مُمثّلة الحضارة الغربية في الشرق الأوسط المتوحّش. كما انتهى الجدل داخل النخب الإسرائيلية الدّاعية للدخول بمرحلة ما بعد الصهيونيّة، والبحث عن حلول تقوم على الاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيّين. إنّ هذه الانتخابات تؤسس لافتراق خطير يتغذّى على الأساطير التوراتية، والطقوس التلموديّة من اجل انتصار فكرة اسرائيل الكبرى على مساحة 27 الف كم 2 وأكثر من ارض فلسطين التاريخيّة وما يمكن احتلاله وضمه مثل الجولان وغيره. وفي هذا السياق الخطير، صدرت المذكرة\الرسالة المفتوحة التي وجهها 102 من الديبلوماسيّين السابقين البريطانيّين والفرنسيّين، إذ تقول: “إنّ فلسطين تُمحى أمام أعيُن العالم” ( 22- آب \ أغسطس الماضي) طالبوا فيها حكومتي بريطانيا وفرنسا بتنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية ، وتعليق التعاون الاقتصادي والعسكري، و اجراءات ملموسة ضد الاستثمار المرتبط بالمستوطنات واستخدام النفوذ السياسي والاقتصادي البريطاني والفرنسي للحفاظ على امكانية قيام دولة فلسطينية.إلّا أنّ استجابة الدّول ليست بالقدر المطلوب. إنّ تحوّل اسرائيل "الديمقراطيّة" لصالح اسرائيل "التوراتيّة" يجعل التّحدّي لمعسكر السّلام الفلسطيني و العربي أكثر تعقيداً، وأكبر من القدرة على حماية الكيانيّة السياسية الفلسطينيّة و يُؤسّس مجدداً لتيار فلسطين التاريخية في مواجهة اسرائيل الكبرى. وبقدر ما كانت ولادة دولة اسرائيل، مهمّة أوروبيّة- أمريكيّة. من الانصاف أن تكون ولادة دولة فلسطين كذلك.

واشنطن وطهران: حرب استنزاف على نار هادئة

هي حرب استنزاف بكل ما للكلمة من معنى، غير أنها غالباً ما تُدار "على نار هادئة"، كما جرى ليل الأحد – الاثنين وفي ساعات الصباح الأولى من مطلع هذا الأسبوع. ففي وقت متأخر من مساء الأحد، أعلن الجيش الأميركي رصد عناصر من ميليشيا "الحرس الثوري الإيراني" (عبر الأقمار الاصطناعية على الأرجح) أثناء إعدادهم منصتَي إطلاق صواريخ كفيلة بنشر ألغام في مضيق هرمز. وبعيد هذا الإعلان، شنّت القوات الأميركية ليلاً غارات على مواضع لـ"الباسداران" في جزيرة لارك، ما أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، بحسب مصادر الحرس الثوري. ورداً على هذه الهجمات، أطلق "الباسداران" عند فجر الاثنين عدداً من الصواريخ الباليستية في اتجاه قاعدتين أميركيتين في الأردن. وأكد الجيش الأردني اعتراض هذه الصواريخ قبل وصولها إلى أهدافها. وفي وقت لاحق من صباح الاثنين، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة اعتراض طائرة مسيّرة في أجوائها. وسادت حالة من الإرباك بوسط النهار حول المنطقة التي استهدفها الطيران الأميركي؛ ففي البدء، نَفَت مصادر أميركية تعرض جزيرة لارك للغارات، مشيرة إلى أن الاستهداف طال جزيرة خرج. غير أن مسؤولاً أميركياً عاد وأكد مساءً أن جزيرة لارك هي التي تعرضت للقصف بالفعل. وفي مطلق الأحوال، قدّم الرئيس دونالد ترامب الاثنين توضيحاً بالغ الأهمية في هذا الشأن، مؤكداً أن "منشأة الطاقة في جزيرة خرج تتحول حالياً إلى ركام". كما أكد ترامب أن الجيش الأميركي سيردّ على الهجمات الصاروخية التي شنّها "الباسداران" عند فجر الاثنين. وأوضح الرئيس: "سيكون هناك ردّ، وسنضربهم بقوة"، ما يوحي بأن الردّ الأميركي قد يأتي ليل الاثنين. وفي هذا الإطار، كشف مسؤول أميركي كبير الاثنين أن ترامب يدرس خطة لتكثيف الغارات الجوية ضد "الباسداران" لمنعهم من زرع الألغام مجدداً في مضيق هرمز. وتجدر الإشارة إلى أن الإدارة الأميركية شددت مؤخراً على أن جيشها أنجز عمليات تطهير الألغام في هرمز، وهو ما يفسر محاولات "الباسداران" إعادة تلغيم المضيق. وفي هذا الملف، أكد الحرس الثوري الاثنين أن أي هجوم أميركي على مواضع إيرانية سيُقابَل بردّ "أقوى بعشر مرات، علماً أنه لا يوجد أي هدف في المنطقة خارج مرمانا". غير أن هذا التهديد قوبل بتلميح معارض من الرئيس الإيراني مساء الاثنين، إذ اعتبر أن أي استئناف للعمليات العسكرية لا يخدم مصلحة إيران. عون في أثينا لبنانياً، أجرى الرئيس جوزاف عون الاثنين زيارة رسمية لأثينا، حيث عقد اجتماعات مع نظيره اليوناني كونستانتينوس تاسولاس ورئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس. وأكد الرئيس تاسولاس بالمناسبة أن المحادثات بين لبنان وإسرائيل ستساعد لبنان على صون استقلاله وتحقيق الازدهار، استكمالاً لتطبيق القرار 1701. ميدانياً، شنّ الطيران الإسرائيلي مساء الاثنين أربع غارات على بلدة المنصوري في قضاء صور.

أم كلثوم، مهندسة أسطورتها (1/2)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر

البعض يمضون حياتهم في الاستسلام لقدرهم، في حين يختار آخرون الإمساك بزمام مصيرهم. غير أن هذه المهمة تغدو أكثر صعوبة حين تتعلق بامرأة تخوض غمار عالم يحكمه الرجال. ومع ذلك... آثرت بعض النساء المواجهة، ونجحن في كسر محظورات عصرهن. وسواء أكانت أدواتهن الفرشاة أم القلم، أم العلم أم الصوت، فقد بصمن قرنهن بجرأة باهرة بلغت أحيانا حد إثارة الفضائح. فمن أرتيميسيا جينتيليسكي (Artemisia Gentileschi) التي تحدت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج ساند التي استبدلت المشد بحرية الكتابة، مروراً بكاميل كلوديل ذات الروح المعذبة، والدقة والعبقرية اللتين تميزت بهما ماري كوري، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العابر للحدود... استطاعت هؤلاء النساء تجاوز الأحكام الاجتماعية المسبقة. وفي سلسلة مقالات، نأخذكم في رحلة عبر الزمن للتعرف إلى هؤلاء المتمردات. تتبوأ أم كلثوم مكانة مرموقة بين الشخصيات النسائية التي صاغت وجه القرن العشرين. لم تكن "كوكب الشرق" مجرد مطربة ذات صوت لا مثيل له، بل كانت، قبل كل شيء، رائدة بكل ما للكلمة من معنى. ففي مجتمع خانق، فرضت فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي حضورها بفضل موهبتها الاستثنائية، وذكائها الاستراتيجي، وإرادتها الصلبة التي لا تلين. الغناء في زيّ صبي ولدت أم كلثوم مع مطلع القرن العشرين في قرية متواضعة بدلتا النيل. وأطلق عليها والدها الشيخ إبراهيم، وهو رجل دين، اسم "أم كلثوم" تيمناً بـإحدى بنات النبي محمد، وهو اسم يشير لغةً إلى ممتلئة الوجه والخدين. ومُنذ سن السادسة، بدأت موهبتها الاستثنائية في الغناء تتبلور وهي تستمع إلى والدها وهو يرنم آيات القرآن الكريم في المناسبات المختلفة بالقرى المجاورة. ولتمكينها من مرافقته، ابتدع والدها حيلة إلباسها زيّ فتى بدوي، إذ كان من غير المقبول إطلاقاً في ذلك الوقت أن تظهر فتاة شابة وتغني أمام الجمهور. منحتها تلك التجربة فرصة لا يُقدَّر بثمن؛ فتجويد القرآن الكريم ليس مجرد شعيرة روحية، بل هو أيضاً انضباط صوتي مكّنها من اكتساب نفس طويل وأداء متمكن، ونطق سليم ومتقن للعربية الفصحى، وهو ما شَكّل لاحقاً أحد أبرز أسلحتها الفنية. كان هذا التجاوز الأول بمثابة الخطوة الأولى في مسيرة حياة كَرّستها بأكملها لتجاوز الحدود. غزو القاهرة عندما وصلت إلى القاهرة في مطلع عشرينيات القرن الماضي، لم تكن أم كلثوم سوى شابة قروية (فلاحة) قادمة من دلتا النيل. وكانت النخبة القاهرية تسخر أحياناً من بساطة أسلوبها، ولهجتها القروية، و ملابسها. ولمواجهة هذا الاستعلاء الطبقي، انخرطت في رحلة عصامية دؤوبة؛ فأحاطت نفسها بالمثقفين، وأقبلت بنهم على قراءة الشعر الكلاسيكي، وصقلت حصيلتها اللغوية، وتعلّمت أصول اللياقة واللغة الفرنسية. وفي غضون سنوات قليلة، قلبت الموازين رأسًا على عقب: أصبح نطقها السليم والفصيح للعربية سلاحها الرئيسي، وفرضت احترامها وإعجابها على النخبة والمثقفين على حد سواء. ولادة "كوكب الشرق" في القاهرة، انغمست أم كلثوم في وسط فني غني، كان حكراً على الرجال. في ذلك الوقت، كانت مهنة الغناء عند النساء (العوالم) تُربط بالخلاعة أو حتى بالبغاء. فبالنسبة لامرأة تنتمي إلى عائلة دينية محافظة كعائلتها، كان الغناء في مسارح وكاباريهات القاهرة يُعدّ عاراً. لكنها، بعيداً من الانصياع لما يُفرض عليها، قررت التحكم بفنها ومسيرتها مطلقاً، وفرض قواعدها الخاصة. صناعة الشخصية في مرحلة مبكرة، ومن دون اللجوء الى مستشارين فنيين، ابتكرت أم كلثوم مفهوم "النجمة البعيدة المنال". فبنت حصناً حول صورتها، وفرضت انضباطاً صارماً على محيطها، واعْتَمَدَت أناقة حازمة، رافضة الخضوع لألاعيب الإغراء السائدة في الوسط الفني. وعلى المسرح، ابتكرت لنفسها حضوراً غير مسبوق، محولة نقاط ضعفها إلى رموز؛ فإثر إصابتها بمرض في العينين (داء باسلدو)، اعتمدت نظارات سوداء حادة زادت من غموضها وهيبتها. أما منديل الحرير الشهير الذي كانت تعبث به بلا انقطاع على المسرح – والذي استخدمته في البداية لتجفيف يديها المتعرقتين من شدة التوتر – فقد تحول إلى علامتها الفارقة. حتى كعكة شعرها المشدودة بصرامة كانت جزءاً من شخصيتها الفنية، تُضفي مزيداً من الهيبة والهالة على حضورها. رؤية استشرافية وسبّاقة لعصرها منذ عام 1934، أدركت أم كلثوم أهمية وسائل الإعلام الحديثة، فكانت أول فنانة توقع عقداً مع الإذاعة الرسمية المصرية الناشئة. وأضحت حفلاتها التي تُبث في الخميس الأول من كل شهر بمثابة طقس جامع يخلو منه الشارع الممتد من المشرق إلى المغرب. كانت أم كلثوم تفاوض على عقودها بنفسها بصرامة فائقة، وسرعان ما أصبحت الفنانة الأعلى أجراً والأكثر احتراماً في مصر. الصرامة الفنية المطلقة كانت أم كلثوم تختار نصوصها بنفسها من كبار شعراء عصرها، أمثال أحمد شوقي وأحمد رامي الذي قيل إنه كان يحبها في السر. وكانت تدفع ملحنيها (ومنهم الشهير رياض السنباطي) إلى أقصى طاقاتهم الإبداعية. وفي عام 1964، تعاونت أم كلثوم مع منافسها الفني، الموسيقار محمد عبد الوهاب، لإنتاج إحدى اشهر أغنياتها: "أنت عمري". وبفضل قدرتها الاستثنائية على الارتجال، كانت الأغنية الواحدة تتجاوز الساعة، وفقاً لتفاعل الجمهور. ولم تكتفِ بالغناء فحسب، بل كانت تقود عازفيها بنفسها. وكانت ترغمهم – وهم نخبة الموسيقيين في مصر – على تجاور قدراتهم حتى الوصول إلى الانسجام التام، إلى درجة أن أحدهم قال: "نحن لا نعزف لأم كلثوم؛ هي ترتجل، ونحن نتبعها". غنت أم كلثوم للحب فأصبحت أيقونة الطرب بلا منازع، وهو حالة من الانتشاء الروحي والموسيقي تشبه في تقنياتها موسيقى البلوز والجاز، وكانت في الوقت ذاته تسيطر على جمهورها بإشارة واحدة من يدها.

العودة إلى لبنان الكبير
بقلم
فادي نون
نُشر

«ما قيمة تبجيل المؤسس إذا كان إرثه يُهدم على أيدي من يدّعون أنهم ورثته؟» أظهرنا في مقال سابق، أثناء التعليق على المثل القائل «الأقربون أولى بالمعروف»، كيف يتأرجح تاريخ لبنان باستمرار بين أنانية طائفية داخلية، تتمثل في الانكفاء إلى الطائفة على حساب الدولة، و«إيثار» أيديولوجي خارجي، يقوم على تفضيل قضايا إقليمية على حساب الوطن. وفي الحالتين، كان مشروع الدولة اللبنانية الديمقراطية القوية والمزدهرة هو الذي يُضحّى به. فلنمضِ أبعد في التحليل. في رسالة نشرتها صحيفة «لوريان لوجور»، كتبت المحامية كارول شلهوب، في معرض حديثها عن هذا التفتت القاتل، عبارات قاسية لكنها بالغة الصواب: «لم يعد الإفلاس اللبناني إقليميًا. إنه سياسي وأخلاقي ومؤسساتي. خضعت الإدارة للزبائنيات، ووُزعت الخدمات العامة كأنها مِنح، وأصبح القانون موضع مساومة تبعًا لموازين القوى (...). الدولة، التي كان يفترض أن تتجاوز الطوائف، تحولت إلى غنيمة تتقاسمها (...) وهنا تحديدًا تكفّ ذكرى إلياس الحويك عن أن تكون مطمئنة، وتصبح اتهامية. يحب الموارنة أن يطلقوا عليه لقب أب لبنان الكبير. يحتفلون باسمه، ويستحضرون إرثه، ويكرّمون مسار تطويبه. لكن ما قيمة تبجيل المؤسس إذا كان إرثه يُهدم على أيدي من يدّعون أنهم ورثته؟ (...) كم من زعيم ماروني أدرك أن حماية المسيحيين لا تعني إضعاف الدولة من أجل الحفاظ على الامتيازات، بل بناء دولة قوية إلى حد لا يعود معه أي مواطن بحاجة إلى حامٍ؟». كيف يمكن إصلاح هذا التشتت وهذه الانكفاءات الهوياتية التي تؤخر ولادة لبنان يتطلع إلى لبنان الكبير الذي أُسس عام 1920؟ على كل طائفة في لبنان أن تعيد النظر في مسارها. وربما يكون من العدل أن يبدأ هذا الفحص التاريخي والسياسي للضمير بالمسيحيين، وبالموارنة تحديدًا، بصفتهم في أصل مشروع لبنان الكبير. فهم كانوا أول الأمناء على رؤية البطريرك الحويك. ومن المعروف ما شعر به البطريرك من أسى، بل من استياء عميق، إزاء غياب الحس المدني لدى الطبقة السياسية في عصره، والنداء اليائس الذي أطلقه من أجل تخليق الحياة العامة في رسالته الأخيرة إلى الأمة: «محبة الوطن». «اكتفاء ذاتي إداري ورعوي» بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، دُعي الموارنة وسائر الكنائس الشرقية الكاثوليكية من قبل البابوات، ولا سيما يوحنا بولس الثاني، إلى العمل بروح الوحدة وبناء لبنان مع الطوائف الإسلامية، ضمن مناخ من الشركة والخدمة. لكن دون جدوى. على الصعيد السياسي، استمرت المصالح نفسها، والمؤامرات نفسها، والحسابات الخاطئة نفسها، إلى أن وصلنا إلى الكارثة التي نعيشها اليوم. أما على الصعيد الديني، وهو المجال الوحيد الذي تملك فيه الكنائس كامل سلطتها، فقد واصلت الكنائس الشرقية مقاومة الدعوات إلى تنسيق عملها الرعوي ومشاريعها وتطلعاتها. وكان الانطباع الدائم أن المبدأ هو «كلٌّ لنفسه»: «قديسونا»، «احتفالاتنا»، «بثّنا»، «مقاعدنا»، «أماكن الشرف الخاصة بنا». وقد امتلك أكثر أبنائها بصيرةً، منذ سنوات، الشجاعة ليوجهوا بهدوء لومًا إلى السيدة الكبرى بين كنائس لبنان، لأنها «تمتعت بامتيازات إنشاء لبنان الكبير عام 1920، من دون أن تتحمل واجباته كاملة؛ وخططت لنفسها لا للوطن الذي أسهمت في تأسيسه؛ وحتى عندما صدر عنها بعض الخير، قامت به بروح الهيمنة لا بروح الخدمة». لقد حان الوقت للخروج من دائرة التحفظ وقول الأمور كما هي. «إذا لم يكن هناك لقاء شخصي مع يسوع المسيح، فسيكون هناك نوع من الإثنية المتخفية بلباس المسيحية»، قال البابا فرنسيس ذات يوم، وربما كان يفكر في الكنائس المستقلة في العالم الأرثوذكسي. فهل ينطبق هذا الحكم أيضًا على كنائس لبنان التي تعيش فوق الأرض نفسها في نوع من الاكتفاء الذاتي الإداري والرعوي؟ ألعاب أدوار وهويات مستعارة ينبغي أن يتسع هذا الاتهام ليشمل مجمل المكونات الطائفية في لبنان الكبير. فبعد قرن أو يكاد على وفاة المؤسس، ما زالت الدولة «غير مكتملة» على نحو مؤلم، بحسب تعبير شلهوب، وما زالت المواطنة تختنق بفعل أبسط أشكال الطائفية. ويعود ذلك، إلى حد كبير، إلى دولة تنازلت عن هويتها وتخلت، خصوصًا، عن تدريس التاريخ. كم من اللبنانيين نشأوا من دون كتاب تاريخ، ومن دون ذاكرة، وبالتالي من دون قاعدة معرفية قادرة على تكوين هويتهم وترسيخها، باستثناء شذرات جُمعت من الحقيقة كما من الخطأ، ومن الذكريات السعيدة كما من الصدمات الطائفية؟ وكم من اللبنانيين، ومن بينهم كاتب هذا المقال، لم يكونوا يعرفون شيئًا عن البطريرك الحويك حتى قبل أربعة أشهر فقط؟ هل كان إنشاء «تربية وطنية» أمرًا زائدًا؟ أم أن التراخي اختلط، مرة أخرى، بالحكمة؟ وينطبق الحكم نفسه على الخدمة العسكرية بوصفها حاضنة للمواطنة، مع العلم أن التربية الوطنية والخدمة العسكرية لا ينبغي أبدًا اعتبارهما منجزتين نهائيتين، بل يجب إعادة بنائهما في كل جيل. «وطن الفرص الضائعة» منذ أبعد ما تسعفنا الذاكرة، جسدت الطوائف اللبنانية هويات مستعارة، تبعًا للإغراءات الخارجية أو للخيال التاريخي. واليوم، كأن معركة كربلاء يعاد تمثيلها في جنوب لبنان. صحيح أن السياسة هي مجال الالتباس بامتياز، لكن الانطباع هو أن تاريخنا لم يكن سوى سلسلة من «إعادات الإنتاج» الكارثية وألعاب الأدوار المدمرة. وكل ذلك لأن الكنائس الخاصة، التي غلب عليها سبات الإكليروسية الأكثر تشددًا، والدولة اللبنانية، التي أذابها أوليغارشيّوها، لم تمتلكا الشجاعة والإرادة السياسية لتدلانا على موضع كنز هويتنا الإنسانية والروحية، وعلى مثال التعددية والحرية والتسامح الذي كان يرفع لبنان إلى الأعلى، من دون أن يملأ جيوبهم. حقًا، كما يقول فيلسوف مسيحي صديق، «لبنان هو بامتياز وطن الفرص الضائعة». ومن بين هذه الفرص، ينبغي ألا ننسى أبدًا الزيارات الليلية للعذراء مريم فوق قبة كنيسة السريان الأرثوذكس في المصيطبة عام 1970. وقد قوبلت هذه الزيارة السماوية بالسخرية من قبل رجال الدين في الكنائس الشرقية الكاثوليكية، مع أنهم كانوا على علم بالظهورات المتزامنة للعذراء في الزيتون بمصر عام 1968، وبالصدى العالمي الذي أحدثته. وكان ذلك أيضًا علامة تحذير أخرى رفضت تلك الكنائس أن توليها أدنى اهتمام. «ما يقوله الروح للكنائس» لكن منذ ذلك الحين، أسهم انتشار تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني، لحسن الحظ، في تنمية حساسية أكبر لدى الإكليروس تجاه «ما يقوله الروح للكنائس». وقد قال هانس-بيتر كولفنباخ (1928-2016)، الرئيس العام السابق للرهبنة اليسوعية: «كثيرًا ما ننسى الفصول الأولى من سفر الرؤيا، حيث ينتقل الرب من كنيسة إلى أخرى، فيثني على ما يجري فيها أو يرفضه، وخصوصًا ليعلن ما هو آتٍ. وهو يواصل مخاطبتنا، ولا سيما في أزمنة الأزمات، أيضًا من خلال صوت والدة الإله والعديد من الشهود الآخرين، الذين لا يتمتعون بوظيفة تعليمية رسمية، لكن لهم سلطة آتية من العلى». وبتطبيق مبدأ «الأقربون أولى بالمعروف»، على كنائس لبنان أن تدرك أخيرًا أنها تملك رافعتين لإنقاذ لبنان، وبالتالي إنقاذ حضورها المسيحي فيه: دعم دولة القانون، بروح الخدمة لا «الهيمنة»، وتحقيق وحدتها الفعلية غير القابلة للمساومة، «كما أرادها المسيح وبالوسائل التي أرادها». ومن خلال توحيد صفوفها، ووضع نفسها في خدمة ثقافة المواطنة اللبنانية، وتجنب أي انكفاء هوياتي، ولو كان ذلك على حساب التخلي عن بعض أدوات النفوذ التي تمتلكها، مثل الإلغاء الجزئي للطائفية في الوظيفة العامة أو في قانون الانتخابات كما ينص اتفاق الطائف، تستطيع الكنائس الشرقية أن تؤدي رسالتها الأسمى: تقريب لبنان من رؤيته التأسيسية، وتحويل التنوع اللبناني إلى قوة لا إلى هشاشة بنيوية. لأن «إن كانت الأغصان قد فسدت، فإن الجذع بذرة مقدسة» (إشعيا 6: 13).

إيران تراهن على الصين، حليفتها في اللحظات الأخيرة

في وقت وعدت فيه الولايات المتحدة إيران بـ«يوم إنزال اقتصادي»، لا يمكن لهذه الاستراتيجية أن تصبح فعّالة بالكامل إلا بتعاون الصين، أكبر مستورد للنفط الإيراني وأكبر مورّد للتكنولوجيات العسكرية إلى نظام الملالي. وبعد ستة أشهر من الحرب في الشرق الأوسط، لدى واشنطن ما يدعو إلى القلق من الغرق في مستنقع هذا النزاع الذي كان من المفترض أن يستمر بضعة أسابيع فقط. وفي ظل تعذّر التوصل إلى حل عسكري سريع وحاسم، اختارت إدارة ترامب خنق النظام الإيراني عبر طرح عقوبات جديدة لا تستهدف طهران مباشرة، بل شركاءها التجاريين، بهدف عزل الاقتصاد الإيراني. وتشمل هذه الخطة الواسعة التي وضعها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عدداً من الكيانات الصينية، وقد دعا بكين إلى الانضمام إليها. قمة شنغهاي بلغت الأمور درجة من الإلحاح جعلت القمة التي تحيي الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون تتحول بالنسبة إلى الإيرانيين إلى اجتماع الفرصة الأخيرة. ومن المقرر أن يجتمع يومي الاثنين والثلاثاء في بيشكيك، عاصمة قرغيزستان، قادة روسيا والصين وإيران والهند، إلى جانب ست دول أخرى من آسيا الوسطى. ومن بين المشاركين فلاديمير بوتين وشي جينبينغ، إضافة إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. وإذا كانت الصين معنية بشكل مباشر بالنظام الجديد للعقوبات الأميركية، فإن بكين رفضت هذه التهديدات، مؤكدة على العكس أنها ستدافع بحزم عن مصالحها وعن تعاونها مع إيران، التي تعدّ أحد أبرز شركائها. ومن شأن هذا التجاذب أن يزيد التوترات بين بكين وواشنطن، عشية الزيارة المرتقبة للزعيم الصيني شي جينبينغ إلى العاصمة الأميركية في أيلول. وقد اعتادت إيران مقاومة العقوبات المفروضة عليها منذ عقود عبر اللجوء إلى شبكات مالية دولية معقدة للالتفاف عليها. وتُعدّ بكين من كبار المشترين للنفط الإيراني. وغالباً ما تسدّد قيمة مشترياتها باليوان الرنمينبي، أي العملة الصينية، ما يسمح لهذه التعاملات بالإفلات من العقوبات الأميركية. كذلك، وحتى إذا بقيت حركة الملاحة في مضيق هرمز مقفلة، تستطيع الصين مواصلة تلقي النفط الخام الإيراني عبر الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية في آسيا الوسطى. الكلفة في مقابل المكاسب وهكذا، صحيح أن المشتريات الصينية تراجعت، لكنها تبقى بالنسبة إلى طهران ما يساعدها على الصمود في وجه خطر الاختناق الاقتصادي الكامل. وبحسب خبراء استطلعت وكالة فرانس برس آراءهم، تستهدف العقوبات الجديدة التي أُعلنت الاثنين بعض الكيانات الصينية المتهمة بمساعدة طهران على الحصول على تكنولوجيات حيوية. غير أن الولايات المتحدة امتنعت حتى الآن عن فرض عقوبات على المؤسسات المالية الكبرى في الصين. وقد أمضت بكين وواشنطن قسماً كبيراً من العام الماضي عالقتين في حرب تجارية متصاعدة، إلى أن أتاح لقاء شي جينبينغ ودونالد ترامب في تشرين الأول 2025 هدنة هشة. وحتى تؤتي حملتها ضد إيران ثمارها، قد تضطر واشنطن إلى «تقديم حوافز» لبكين بغية تشجيع العملاق الآسيوي على الاصطفاف إلى جانبها، وفق ما يرى ليم تاي وي، الأستاذ المتخصص في شؤون شرق آسيا في جامعة سوكا اليابانية، في تصريح نقلته وكالة فرانس برس. وعليه، لن تفكر الصين في التعاون مع الولايات المتحدة إلا «إذا أصبحت كلفة دعم إيران أعلى بكثير من الفوائد الاستراتيجية والاقتصادية» الناجمة عن مواصلة التجارة معها. ترامب يضاعف محاولات صرف الأنظار في هذه الأثناء، يشهد الرئيس دونالد ترامب في واشنطن، عاجزاً عن التدخل، سلسلة من الانتكاسات التي تلقي بظلالها على انتخابات منتصف الولاية المقررة في تشرين الثاني المقبل. إعادة تسمية بحيرة، ومنشورات صادمة على الإنترنت، وتراجع كبير في التواصل مع الصحافة... لم يعد ترامب يريد التحدث عن إيران ولا عن التضخم، وهما الملفان اللذان يثقلان ولايته. وتقبع شعبيته عند أدنى مستوياتها، فيما يخشى الحزب الجمهوري هزيمة قاسية في تشرين الثاني خلال انتخابات ستحدد الجهة التي ستسيطر على الكونغرس، الذي لا تزال الغالبية فيه محافظة حتى الآن. فالسياسي الجمهوري البالغ من العمر 80 عاماً يطبق استراتيجية لطالما لجأ إليها: إحداث ضجيج كبير في محاولة لحجب خلفية سياسية غير مواتية، تتمثل هنا في توالي استطلاعات الرأي السلبية بشأن حصيلة ولايته. وخلال هذا الأسبوع، استحوذ دونالد ترامب مؤقتاً على اهتمام وسائل الإعلام بإعلانه إعادة تسمية بحيرة أونتاريو، الواقعة على الحدود الأميركية الكندية، لتصبح «بحيرة أميركا»، ما أثار غضب كندا. حتى المؤثر المحسوب على اليمين المتشدد مات والش اعتبر الفكرة «غبية سياسياً»، ورأى فيها «هدية» لليسار الأميركي. لكن لا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن سياسة مكافحة الهجرة تبقى من الملفات القليلة التي تسير وفق المسار الذي حدده الرئيس الجمهوري. وتكثف الحكومة تواصلها بشأن حملتها للترحيل الجماعي، التي تُنفذ في ظروف يعتبرها المعارضون الديمقراطيون قاسية في كثير من الأحيان. وقد نشرت وزارة الأمن الداخلي، على سبيل المثال، الخميس مقطع فيديو يظهر صعود مواطنين هايتيين مكبلين إلى طائرة، بعد أن ألغت واشنطن وضعاً قانونياً كان قد أتاح لهم دخول البلاد بصورة شرعية. واعتبر معارضون لدونالد ترامب أن المقطع، الذي رافقته موسيقى، مهين وعنصري. أما في باقي الملفات، فإن الحرب مع إيران استمرت أطول بكثير من الأسابيع القليلة التي كان قد وعد بها ساكن البيت الأبيض، والأهم أن الأميركيين ما زالوا ينتظرون انخفاض كلفة المعيشة كما كان قد تعهّد لهم. «أفضل رئيس» وتراكم حكومته الإجراءات الطارئة مع اقتراب الانتخابات، في مجالات مختلفة: استيراد كميات ضخمة من لحوم الأبقار الأجنبية لخفض الأسعار، وإعادة شراء سندات من الدين الأميركي لطمأنة الأسواق، ومهمة عاجلة لرئيس وكالة الاستخبارات المركزية في محاولة لثني روسيا عن مهاجمة دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، بحسب الصحافة الأميركية. وكان دونالد ترامب، المعروف بولعه باللقاءات المرتجلة مع مجموعات من الصحافيين، قد أصبح أقل حضوراً في مثل هذه المناسبات، أو بات ينهيها بسرعة. ففي بداية ولايته الثانية، كان يعقد بسهولة مؤتمرات صحافية مرتجلة تمتد ساعة كاملة، وأحياناً بشكل يومي. أما الآن، فيفضل منح مقابلات مطولة، كما فعل هذا الأسبوع، لمقدم برامج من أوساط حركة «ماغا»، من دون أن يتعرض لأسئلة محرجة. ومع ذلك، لا يزال الرئيس الجمهوري كثير النشاط على منصته «تروث سوشال»، بأسلوب يقوم على «التصيد» الإلكتروني، أي إطلاق استفزازات مجانية بهدف إثارة ردود فعل واسعة الانتشار. وخلال هذا الأسبوع، نشر «تصنيفاً» لعدد من الرؤساء الأميركيين، ما أثار استياء خصومه. فقد وصف لينكولن وواشنطن بأنهما «جيدان جداً»، وكلينتون بأنه «متوسط»، فيما اعتبر بايدن وأوباما وكارتر «إخفاقات». أما هو، فمن دون مفاجأة، فقد وضع نفسه وحيداً في أعلى القائمة بصفته «أعظم» رئيس.