شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حلف مكة: استجابة للتحديات الإقليمية (1/4)

يشرح هذا المقال الأول من سلسلة من أربعة مقالات مخصصة لـ«ميثاق مكة» كيف قطعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تدريجيًا شوطًا استراتيجيًا كبيرًا بتوقيعها، في 7 أغسطس/آب 2026، اتفاقًا للدفاع المشترك. وقد وُلد هذا الميثاق في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتآكل الضمانات الأمنية الأميركية، وقد يكرّس نشوء هندسة أمنية جديدة أكثر استقلالية في قلب العالم السنّي. ولا شك في أن مكة تشكّل مكانًا بالغ الرمزية لتوقيع ميثاق من هذا النوع. ففي 7 أغسطس/آب 2026، تحوّل قصر الصفا إلى مسرح لحدث قد تكون له تداعيات تعيد رسم الخريطة الجيوسياسية الإقليمية والآسيوية. ففي هذا القصر المطل على الكعبة، أبرم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تحالفًا سرعان ما أُطلق عليه اسم «ميثاق مكة». ويتجاوز اختيار هذا المكان المقدس مجرد البعد الرمزي الديني. فمن خلال الاتفاق، من حيث المبدأ، على توحيد جزء من قدراتها العسكرية في قلب مهد الإسلام، توجّه أنقرة والرياض وإسلام آباد رسالة سياسية واضحة مفادها أن هذا التحالف يسعى إلى تجاوز المسافات الجغرافية والاختلافات الإثنية ليطرح نفسه ضامنًا جديدًا لاستقرار العالم السنّي. وبعد ثلاثة أسابيع على توقيعه، يبدو معاهدة الدفاع المتبادل أكثر بكثير من مجرد إعلان نوايا دبلوماسي أو اتفاق تقليدي للتعاون العسكري. فالاجتماع الثلاثي الأخير في إسطنبول وإنشاء أمانة عامة دائمة يعكسان إرادة واضحة في مأسسة هذا التحالف. وينص الميثاق على آلية ملزمة للدفاع المشترك، مستوحاة من مبدأ المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، بحيث يُعتبر أي اعتداء مسلح على أحد الأطراف الموقعة اعتداءً على الدول الثلاث. وقد وُلد هذا الالتزام من الحاجة الملحّة إلى مواجهة الأزمات التي ما زالت تهز عام 2026. فمنذ فبراير/شباط، أدّى التصعيد العسكري الذي تشارك فيه الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى زيادة هشاشة الشرق الأوسط وممراته البحرية الرئيسية، ما دفع القوى الإقليمية إلى إعادة النظر في عقائدها الأمنية التقليدية والاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية. ويأتي هذا التحول في سياق عالمي يشهد تغيرات عميقة، ولا سيما مع الانتشار السريع للتكنولوجيات العسكرية الجديدة التي لم تعد حكرًا على القوى الكبرى. الانتقال إلى التنفيذ: إنشاء أمانة عامة في 31 أغسطس/آب، عُقدت في إسطنبول قمة ثلاثية جمعت وزراء الدفاع والخارجية ورؤساء أركان الجيوش التركية والباكستانية والسعودية، في أول اجتماع من هذا المستوى منذ توقيع الميثاق. وخلال هذا الاجتماع، خطت الدول الثلاث خطوة حاسمة نحو تحويل تحالفها إلى إطار عملي. وفي سبيل مأسسة الاتفاق والتأكيد على الرغبة في جعله أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي، أعلن كبار المسؤولين في الدول الثلاث رسميًا إنشاء أمانة عامة دائمة مقرها الرياض. وسيُعيّن أول أمين عام، وهو من الجنسية الباكستانية، لولاية مدتها ثلاث سنوات. وستتمثل مهمته خصوصًا في تنسيق القدرات المتوافقة تشغيليًا للقوات المسلحة التابعة للدول الثلاث. وبالتوازي، ستُطلق تحركات دبلوماسية لتأكيد الطابع الدفاعي البحت للتحالف أمام القوى الدولية. ومن بين الإجراءات العملية التي تم اعتمادها، آليات تهدف إلى تعزيز مكافحة الإرهاب، وتطوير الإنتاج المشترك للأسلحة، وتسهيل نقل التكنولوجيا العسكرية، وتعزيز قدرة جماعية مشتركة على الردع. أولى خطوات توحيد القدرات العسكرية أكدت باكستان نشر قوة تقليدية قوامها 8 آلاف جندي في المملكة العربية السعودية ضمن إطار منظومة الأمن الجماعي الجديدة التي أرسى قواعدها ميثاق مكة. ويضاف هؤلاء الجنود إلى عدة آلاف من العسكريين الباكستانيين المتمركزين أصلًا في المملكة منذ عقود، بموجب بروتوكولات ثنائية سابقة للمساعدة والتدريب. ولا تزال الأعداد الدقيقة لهذه القوة العسكرية التاريخية الدائمة سرية بحسب وزارتي الدفاع في البلدين. غير أن الانتشار الجديد يمثل تطورًا مهمًا في الوضعية الدفاعية للكتلة، إذ يهدف إلى تعزيز قدرتها على الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية بواسطة وسائل تقليدية حصراً. وفي المقابل، تحتفظ باكستان بالسيطرة السيادية الحصرية على ترسانتها النووية. ويستبعد الاتفاق أي توسيع لمظلتها النووية لتشمل أعضاء الميثاق الآخرين، كما يستبعد دمج قواتها الاستراتيجية ضمن قيادة مشتركة. وتضم القوة الباكستانية المنتشرة قدرات للدفاع الجوي والدعم التكتيكي. وتشمل سربًا من 16 مقاتلة أسرع من الصوت من طراز JF-17 Thunder، وهي طائرة طُورت بصورة مشتركة بين باكستان والصين، ومتمركزة في قاعدة الملك عبد العزيز الجوية في الظهران، في قلب الممر الرئيسي للطاقة في المملكة وبالقرب من منشآت مهمة تابعة لشركة أرامكو السعودية. وتتولى هذه الطائرات مهمات الدفاع الجوي والمراقبة في مواجهة التهديدات التي قد تشكلها الصواريخ أو الطائرات المسيّرة الإيرانية أو تلك الصادرة عن جهات أخرى. وإلى جانب هذه القوة الجوية، نشرت إسلام آباد أيضًا في منطقة الظهران سربين من طائرات الاستطلاع والهجوم المسيّرة، إضافة إلى بطارية من منظومات الصواريخ أرض-جو HQ-9 بعيدة ومتوسطة المدى، مولتها الرياض ويتولى تشغيلها طاقم باكستاني. ومنذ ربيع 2026، نشرت باكستان كذلك في الأراضي السعودية سربين من طائرات المراقبة المسيّرة Shahpar-II وShahpar-III، المرتبطة بمنظومات الدفاع الجوي HQ-9، إضافة إلى طائرات انتحارية مسيّرة بعيدة المدى من بينها D-248. ويُعد HQ-9، أو «الراية الحمراء-9»، منظومة دفاع جوي طورتها الصين، وقادرة على التعامل مع أهداف بعيدة ومتوسطة المدى وعلى ارتفاعات مختلفة. وهي تنتمي إلى الفئة العامة نفسها التي تضم منظومات S-300 وS-400 الروسية ومنظومات الدفاع الجوي الغربية بعيدة المدى. وتعتمد المنظومة على عدة أنواع من الرادارات المخصصة للمراقبة على الارتفاعات العالية والمنخفضة، واكتساب الأهداف وتوجيه الصواريخ. وتعمل الوحدات الباكستانية بالتنسيق مع القوات السعودية لمراقبة أجواء المملكة في الوقت الحقيقي وتعزيز الحماية من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد تُضاف تدريجيًا قدرات أخرى إلى هذه الإمكانات التي جرى توحيدها، بما قد يحوّل ميثاق مكة إلى بنية عسكرية أكثر تكاملًا، قادرة على الرد سريعًا على أي اعتداء يستهدف أحد أعضائها. ومن خلال الجمع بين القدرات المالية الخليجية والخبرة التكنولوجية والصناعية التركية، والصناعات الدفاعية للدول الثلاث، والقوة العسكرية الباكستانية، قد يغيّر هذا التحالف بصورة عميقة موازين القوى الجيوسياسية في المنطقة. وتتمثل طموحاته في تقليص الاعتماد على القوى من خارج المنطقة، مع بناء قدرة ردع موثوقة في مواجهة التوترات المستمرة في الشرق الأوسط. غير أن ثمة ملاحظتين أساسيتين لا بد من إبدائهما. الأولى أن الدول الثلاث الموقعة لا تزال، بدرجات متفاوتة، حليفة للولايات المتحدة، التي يبقى دعمها ضروريًا لكل واحدة منها. وبالتالي، لا يعني الميثاق بالضرورة قطيعة مع واشنطن، بل يعكس بالأحرى سعيًا إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية. أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالمصالح الخاصة لكل عضو، والتي قد تكون متباينة أو حتى متعارضة في بعض الأحيان. فباكستان، على سبيل المثال، لديها نزاع ثقيل مع الهند، وقد اقتربت القوتان النوويتان في مناسبات عدة من مواجهة واسعة. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما موقف ميثاق مكة إذا اندلع نزاع بين إسلام آباد ونيودلهي؟ أما تركيا، فلا تواجه في الوقت الراهن تهديدًا عسكريًا مباشرًا لأراضيها. لكن دعمها لحركة حماس، التي تنظر إليها الرياض بكثير من الحذر، وانخراطها المتزايد في آسيا الوسطى، ووجودها في قبرص وليبيا، ونزاعها التاريخي مع اليونان، فضلًا عن وجودها العسكري في قطر، كلها ملفات قد تضع شريكيها يومًا ما في موقف حرج. ومن هنا تحديدًا، ستُختبر الصلابة الحقيقية لميثاق مكة من خلال قدرته على إدارة هذه المصالح المتباينة أحيانًا. (يتبع)

وصية حسن الرفاعي
بقلم
LevantTime .
نُشر

تلقّت “Levant Time” من عائلة الوزير والنائب السابق الراحل حسن الرفاعي، الذي توفي في 3 أيلول 2025، البيان الآتي، وتنشره كاملاً: في الذكرى الأولى لرحيل حسن الرفاعي، الذي أمضى جلّ حياته مدافعاً عن لبنان الكبير، وفي وقت يكثر فيه الحديث عن ضرورة تعديل النظام السياسي اللبناني، يبدو من المهم استعادة بعض أقوال الرجل ومواقفه من اتفاق الطائف والتعديلات الدستورية التي انبثقت عنه. 1. الطائف اتفاق سوري أميركي تحت خيمة عربية، وبكلام أكثره لبناني. (1989) 2. إن “إصلاحات” الطائف، إن طُبّقت، فهي مصيبة؛ وإن لم تُطبّق، فهي كارثة. (1989) 3. نقل اتفاق الطائف الحكم في لبنان من صراع حكم الرأسين إلى حرب رؤوس متعددة تشلّ الحكم وتلغي ممارسته، في ظل غموض في الصلاحيات وتشابك فيما بينها. لذلك دعا حسن الرفاعي، قبل إقرار اتفاق الطائف، إلى إعادة النظر فيه، لئلا نورّث الأجيال أسوأ الأنظمة. (1989-1990) 4. وقع اتفاق الطائف سنة 1989 تحت ضغط حروب الداخل والقصف السوري. وأي تعديل جديد للدستور لا يجوز أن يتم في ظروف مماثلة، تحت ضغط نزاعات الداخل أو حرب الخارج. 5. إن مندرجات وثيقة الوفاق الوطني (“الطائف”) التي لم تتجسد رسمياً في مواد دستورية لا قيمة قانونية أو دستورية ملزمة لها، بل تبقى مجرد توصيات. 6. غير صحيح أن السلطة الإجرائية كانت في يد رئيس الجمهورية وأن اتفاق الطائف انتزعها منه. فقد قامت ممارسات رئيس الجمهورية، منذ سنة 1943، على تجاوز أعراف النظام الديمقراطي البرلماني. 7. “حيث تكون المسؤولية تكون السلطة” (ليون دوغي). وبما أن رئيس الجمهورية ليس مسؤولاً سياسياً (المادة 60 من الدستور)، فإن المسؤولية تقع على الحكومة، رئيساً ووزراء، الذين يسقطون إذا فقدوا ثقة مجلس النواب أو تحت ضغط الشارع. 8. استرضى رؤساء الحكومات قبل الطائف رؤساء الجمهورية الذين مارسوا صلاحيات ليست لهم. لم يربح رؤساء الجمهورية بذلك، بل خسر لبنان. ومن تنازل عن صلاحياته خسر أيضاً، وخسر لبنان معه. (1988) 9. لا تعريف قانوني لعبارة “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، التي نصت عليها الفقرة “ي” من مقدمة الدستور، والتي أصبحت اليوم ذريعة لبدعة “ميثاقية” زائفة ومختلقة من أساسها. 10. إن حصرية السلاح في يد الدولة هي أساس قيام أي دولة، ولا حاجة إلى العودة إلى مندرجات اتفاق الطائف لتبرير هذه الحصرية. 11. لا مجال، اليوم ولا في المدى القريب، للبحث في إلغاء الطائفية السياسية. 12. أُضيف مجلس الشيوخ في اتفاق الطائف إرضاءً للطائفة الدرزية، غير أن إنشاءه من شأنه أن يعرقل عملية التشريع ولا فائدة منه. (1989) 13. لا يمكن البحث في اللامركزية الإدارية قبل قيام دولة مركزية قوية، وإلا تفتت الوطن إلى كانتونات متناحرة. (1981) 14. يحتاج نظامنا الجمهوري الديمقراطي البرلماني، كي يستقيم، إلى قانون انتخاب يشبه الشعب اللبناني: دوائر صغرى ونظام أكثري، بسبب غياب الأحزاب السياسية الحقيقية. 15. سمحت ولاية الأربع سنوات الثابتة لرئاسة مجلس النواب بخروج رئيس المجلس عن حياده، كما سمحت بدعة «الميثاقية» بتدخله في عمل السلطة التنفيذية. 16. لم تأتِ التعديلات الدستورية على ذكر اللامركزية، في حين نصت الفقرة “ز” من مقدمة الدستور على أن “الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام”. وهذا يعني أن التخلف عن إنماء المناطق يهدد استقرار الوطن. (1968-1981) 17. لم يفرض الطائف حكومات وحدة وطنية تجمع كل الأطراف، كما لم يفرض ديمقراطية توافقية تتطلب إجماع الأضداد وتضرب الحياة الديمقراطية الصحيحة. 18. إن أبوة “الثلث المعطل” في دستور الطائف تعود إلى فريق لبناني أراد تعطيل قرارات مجلس الوزراء التي لا ترضي رئيس الجمهورية. 19. نصت المادة 95 من دستور الطائف على أن إلغاء طائفية الوظيفة في الفئات الوظيفية ما دون الأولى يجب أن يراعي “مقتضيات الوفاق الوطني”، وهي عبارة مبهمة سمحت بتعطيل “المرحلة الانتقالية” التي نصت عليها المادة نفسها. 20. يقوم “الثلث المعطل” على أربعة مرتكزات: نصاب جلسات مجلس الوزراء، الذي يتطلب حضور ثلثي الوزراء؛ القرارات الأساسية، التي تحتاج إلى موافقة ثلثي الوزراء؛ اعتبار الحكومة مستقيلة باستقالة ثلث الوزراء زائد واحد؛ إقالة الوزير، التي يقررها ثلثا الوزراء، لا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللذان عيّناه. 21. منذ ما قبل سنة 1943، كانت غالبية السياسيين تابعة لدول أجنبية وتأتمر بسفاراتها، ما استجلب تدخل الخارج في كل شؤوننا الوطنية. ولا يزال الأمر كذلك حتى اليوم. 22. استخلص حسن الرفاعي، بعد خمسة وسبعين عاماً من الحياة العامة، أن العلة في رجال السياسة، وأن الحل برجال الدولة الذين يفتقدهم الوطن اليوم. (2018)

إيران - الولايات المتحدة: ضربات وردود انتقامية وحرب ناقلات النفط

منذ الضربات الأميركية على إيران مساء الثلاثاء، وهي الأولى منذ نحو شهر، بلغ التوتر ذروته بين الطرفين، إذ واصلت إيران بالفعل ضرباتها خلال ليل الثلاثاء ونهار الأربعاء ضد دول مجاورة، كما تفعل عادةً كلما تعرضت لهجوم. وقالت الأردن إنها أسقطت عدة طائرات مسيّرة. وفي الكويت، اندلع حريق إثر هجوم بطائرة مسيّرة، فيما أعلن الإيرانيون أنفسهم أنهم استهدفوا قاعدتي الظفرة والمنهاد في الإمارات العربية المتحدة. وفي وقت لاحق من اليوم، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه قصف أهدافاً أميركية في أربيل، في إقليم كردستان العراق. أما الولايات المتحدة، التي لم تكن قد نفذت حتى بعد الظهر ضربات جديدة، فقد دعت رعاياها مجدداً الأربعاء إلى توخي الحذر في المنطقة. إلا أن الضربات الأميركية التي نُفذت مساء اليوم السابق وخلال الليل خلفت آثاراً واضحة. فقد أعلنت إيران مقتل ما لا يقل عن أحد عشر شخصاً جراء هذه الضربات، بينهم أربعة خلال حفل زفاف في جنوب شرق البلاد، حيث أصيب نحو خمسين شخصاً، وسبعة آخرون في منطقة خوزستان غرب البلاد، في هجمات صاروخية أسفرت أيضاً عن إصابة ثمانية أشخاص. من جهتهم، أقرّ الحرس الثوري بمقتل أربعة من عناصره في هذه الضربات، إضافة إلى ثلاثة من عناصر الباسيج، وهي القوة المعروفة بدورها في شرطة الأخلاق. ووصفت وزارة الخارجية الإيرانية الهجمات بأنها «جريمة حرب». أما الجيش الأميركي، فرغم عدم تعليقه على الحادثة تحديداً، فقد اكتفى بالتأكيد أنه «لا يستهدف المدنيين أبداً». لكن الموقف الأكثر حدة جاء من رئيس البرلمان والمفاوض الرئيسي مع الأميركيين خلال محادثات إسلام آباد، محمد باقر قاليباف. ففي عودة لافتة إلى قاموس السنوات الأولى من الثورة الإسلامية، وصف القائد السابق في الحرس الثوري الولايات المتحدة بـ«الشيطان الأكبر» بسبب الهجوم الذي استهدف حفل الزفاف الثلاثاء، مذكّراً بضربات أخرى، من بينها استهداف مدرسة ميناب في اليوم الأول من الحرب، والذي أدى إلى مقتل عشرات التلميذات الصغيرات. ولم يخلُ كلامه من رسالة إلى الإسرائيليين أيضاً، إذ قال إن هذا «الشيطان الأكبر» يحمي «شيطاناً أصغر». أما الإسرائيليون، ورغم أنهم غير مشاركين في هذه الضربات الجديدة على إيران، فقد دخلوا على الخط الأربعاء. إذ لمح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى أن لدى إسرائيل معلومات تفيد بأن إيران قد تكون مستعدة لمهاجمة أراضيها، مؤكداً أن الطائرات المقاتلة جاهزة للإقلاع عند أول هجوم إيراني. «التدخلات الخارجية» في خطاب شي وفي كل الأحوال، بلغت الحرب الكلامية ذروتها. ففي حين حذر الحرس الثوري مهاجميه من أنه يعتمد «استراتيجية جديدة» هدفها «تحطيم أسس العدو»، استخدم مسؤول أميركي، نقل عنه موقع «أكسيوس»، عبارة جديدة لوصف ما آلت إليه الحرب في الشرق الأوسط: ناقلة نفط مقابل ناقلة نفط. وفي هذا السياق، استهدفت القوات المسلحة الأميركية الأربعاء ناقلة نفط إيرانية، بعد اندلاع حريق في سفينتين إثر اصطدامهما بألغام. فمضيق هرمز لا يزال في قلب هذا الصراع. أما الرئيس الأميركي، الذي يبدو أنه يزداد ولعاً بإعادة تسمية الأماكن، فقد اقترح إطلاق اسم «مضيق ترامب» عليه... وفي الأثناء، وبينما تراوح الدبلوماسية مكانها، استقطبت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر الأربعاء اهتماماً واسعاً، حيث استقبله نظيره عبد الفتاح السيسي بحفاوة كبيرة. وكان شي، الذي سبق أن دافع عن علاقات بلاده مع الجمهورية الإسلامية، قد تطرق إلى النزاع خلال الزيارة، داعياً إلى التصدي لـ«التدخلات الخارجية» في المنطقة، في إشارة شبه صريحة إلى الولايات المتحدة. كما دعا الرئيسان الصيني والمصري إلى «حلول دبلوماسية»، وأعرب شي أيضاً عن استعداد بلاده للمساهمة في ضمان أمن الملاحة في المنطقة. توقيف أحد ضباط الأسد في لبنان وعلى جبهة أخرى من هذه الحرب، في جنوب لبنان، لا تهدأ الهجمات الإسرائيلية، ولا سيما في محيط تلة علي الطاهر الاستراتيجية. ومرة جديدة، برر الجيش الإسرائيلي الأربعاء ضرباته بهجوم بطائرات مسيّرة مفخخة نسبه إلى حزب الله، وقد قُتل أحد عناصر الحزب، فيما واصل الأخير التزام الصمت كما يفعل منذ عدة أسابيع. وشهد لبنان الأربعاء حدثاً آخر يعكس التقارب بين المسؤولين اللبنانيين ونظرائهم السوريين، كما يؤشر إلى تراجع نفوذ المحور الإيراني في البلاد. فقد أوقفت السلطات اللبنانية عقيداً سابقاً في نظام بشار الأسد المخلوع، وفق ما أفاد به مسؤول قضائي لبناني لوكالة فرانس برس. وكان الرجل، بحسب المصدر، يخطط من بيروت لمؤامرات ضد السلطات السورية الحالية. كما ضُبطت أسلحة بحوزته وبحوزة شركائه. أما في الأراضي الفلسطينية، فلا تبدو الأوضاع في طريقها إلى التحسن، فيما تزداد التصريحات الإسرائيلية تحرراً من أي تحفظ مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر. فقد اقترح وزير الدفاع إخراج كامل سكان غزة من القطاع، مؤكداً أن الإسرائيليين «منظمون جيداً للقيام بذلك». وفي ما بدا كأنه صدى لهذه التصريحات، أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن جيشه «لن ينسحب» من غزة.

عقوبة الإعدام والتباس الجغرافيا السياسية في الموت

يخطو لبنان خطوة مهمة باتجاه صون حق الفرد في الحياة بإلغاء عقوبة الإعدام، في وقت تعيش المنطقة على أخبار الحرب والموت والدمار، واقعاً يبدو كأنه إعدام جماعي للإنسان. وإلغاء عقوبة الإعدام ليس مجرد تعديل قانوني أو إجراء تشريعي، إنه فعل حقوقي يضع الحق في الحياة في مرتبة أعلى من حق الدولة في العقاب، وينتصر للفرد في مواجهة سلطة الموت. ومن هذه الزاوية، فإن التحاق لبنان بهذا المسار يكتسب دلالة تتجاوز النص القانوني نفسه في تعزيز حماية الشخص. فيصبح إلغاء الإعدام اعترافاً بأن الدولة لا ينبغي أن تكون قاتلاً باسم القانون، في حين أن الحروب والصراعات والانهيارات السياسية والاجتماعية تجعل الموت ممارسة يومية خارج القانون وداخله. هنا تبرز قيمة الخطوة اللبنانية، بعد وقف فعلي لتنفيذ أحكام الإعدام منذ عام 2004، وفي منطقة نادراً ما تُحترم فيها حقوق الإنسان. وقد وصف وزير العدل اللبناني عادل نصار إلغاء العقوبة بأنه «رسالة جوهرية لصالح الحقوق الأساسية». ومن بين دول جامعة الدول العربية، ألغت جيبوتي عقوبة الإعدام من قانون عقوباتها في عام 1995، لكنها تقع في القرن الأفريقي. أما في الشرق الأوسط، فقد ألغت إسرائيل عقوبة الإعدام للجرائم العادية عام 1954، مع الإبقاء عليها في عدد من الجرائم الاستثنائية، من بينها الخيانة في زمن الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والجرائم ضد الشعب اليهودي. وفي مارس/ آذار الماضي، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يفرض عقوبة الإعدام على مرتكبي بعض جرائم القتل المصنفة إرهابية من سكان الضفة الغربية، باستثناء المواطنين الإسرائيليين والمقيمين في إسرائيل، مع إمكان استبدالها بالسجن المؤبد في ظروف خاصة يحددها القضاء العسكري. وقد رعاه اليمين المتطرف، بعد أن أعادت حرب ما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 الزخم السياسي إلى الدعوات لتوسيع استخدام عقوبة الإعدام. وبهذا يصبح تطبيقه عملياً موجهاً بصورة أساسية إلى الفلسطينيين الخاضعين للمحاكم العسكرية. وقد انتقدت منظمات حقوق الإنسان الدولية والإسرائيلية هذا التوجه باعتباره يكرس نظام عدالة من طبقتين. إنها ليست فلسفة الانتصار لحقوق الإنسان فقط، بل تأكيد على أن حياة الإنسان لا تفقد قيمتها بسبب الجريمة، ولا بسبب انتمائه، ولا بسبب موقعه السياسي أو الطائفي أو الجغرافي والإثني. وفي منطقة يُختزل فيها الإنسان كثيراً إلى رقم في حصيلة الضحايا بالآلاف، يصبح الدفاع عن حق الفرد في الحياة موقفاً سياسياً بامتياز. لكن المفارقة أن إلغاء عقوبة الإعدام يأتي في بيئة إقليمية يُمارس فيها الموت على نطاق واسع، بحيث يبدو الانتقال من الإعدام الفردي الذي تنفذه الدولة بحكم قضائي إلى الإعدام الجماعي الذي تنتجه الحروب والعنف أحد أكثر التناقضات تعبيراً عن أزمة الشرق الأوسط العنيف. لذلك، لا ينبغي النظر إلى إلغاء عقوبة الإعدام باعتباره نهاية النقاش، بل بداية لسؤال أكبر: كيف يمكن تحويل الحق في الحياة من مبدأ قانوني يحمي الفرد أمام الدولة إلى قيمة سياسية وأخلاقية تحمي الإنسان أمام الحرب والعنف والاستبداد وانهيار الدولة؟ إنها حالة التباس الجغرافيا السياسية في الموت. في سوريا، صدرت أحكام إعدام غيابية على الرئيس السابق بشار الأسد، بتهمة القتل العمد والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية، من بين تهم أخرى مرتبطة بالحرب التي شنها على شعبه طوال ما يقارب أربعة عشر عاماً. ومعه، صدرت أحكام بحق أركان من نظامه المتورطين في القتل الجماعي والتهجير وتعذيب المساجين، في سياق انتقال سياسي شديد الالتباس، حيث يختلط مفهوم العدالة بمقتضيات الانتقام السياسي وتصفية الحسابات. وفي إسرائيل، يأخذ الموت شكلاً آخر، إذ يُمارَس العنف في سياقات توصف بالإرهاب، ويتحول قتل الإنسان الفلسطيني إلى أداة في الصراع الوجودي والأمني. هذا يجعل الفكرة أكثر تركيباً، فالموت والإعدام يأخذان أشكالاً مختلفة، أي إن الموت نفسه يتحول إلى أداة سياسية. لكن الإنسان يبقى في النهاية هو الحلقة الأضعف. فبينما يتقدم لبنان باتجاه إلغاء العقوبة، تجري حوله وعلى أرضه عمليات قتل وإعدام وتفجيرات خارج منطق سيادة الدولة والقانون، أو تحت عناوين سياسية وأمنية مختلفة، في حين أن المبدأ الحضاري يفترض أن لا أحد يملك هذا الحق بصورة مطلقة. لكن ماذا تعني العدالة في زمن الحرب والاضطرابات؟ وأي نوع من المساءلة يمكن تحقيقه حقاً بينما لا تزال الجرائم والتسويات السياسية والمالية مستمرة؟ مع ذلك، يفتح إلغاء العقوبة آفاقاً جديدة للعدالة. ويمكن للبنان الآن أن يجدد طلب تسليم إيغور غريتشوشكين، وهو مواطن روسي قبرصي كان مشغّلاً لسفينة «روسوس» التي نقلت نترات الأمونيوم المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت في آب/ أغسطس 2020. وكانت محكمة بلغارية قد رفضت طلب تسليمه بعدما اعتبرت أن الضمانات اللبنانية بعدم تعريضه لعقوبة الإعدام غير كافية. ومع إلغاء العقوبة، زال أحد أبرز العوائق القانونية أمام تجديد طلب التسليم. وعلى أمل أن تكون مثالاً إقليمياً، يدرس لبنان أيضاً ما إذا كان سيرفض تسليم مسؤولين من النظام السابق إلى سوريا للمحاكمة أمام محاكم لا تزال تصدر أحكاماً بالإعدام، إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً مع حجم التدخلات الخارجية. من هنا، لا يعود إلغاء عقوبة الإعدام مجرد مسألة جزائية، بل يصبح موقفاً منطقياً في مواجهة ثقافة سياسية تجعل الموت وسيلة لإعادة إنتاج السلطة أو تصفية الخصوم. فالفرق بين الإعدام والعنف السياسي ليس دائماً في النتيجة، بل في الجهة التي تمنح نفسها الشرعية لارتكابه. يُلغى الإعدام في القانون، بينما يعيش في جغرافيا سياسية يُمارَس فيها بأشكال أخرى. فإلغاء الإعدام فعل ديمقراطي وقانوني من حيث المبدأ، ويندرج أيضاً في باب الرحمة في غالبية الديانات السماوية. لكنه لم يعد كافياً لكي نسمّيه وحده فعلاً ديمقراطياً، ولا يُقاس فقط بما تفعله الدولة داخل قاعة البرلمان أو المحكمة التي تستبدل الحكم بالمؤبد، بل بقدرتها على حماية الحياة خارجها أيضاً. ثم إن الديمقراطية ليست فقط أن تمنع الدولة إعدام فرد بحكم قضائي، بل أن تؤسس شروطاً سياسية واجتماعية واقتصادية تجعل حياة الإنسان مصونة في الواقع من الحرب والفقر والمجاعة والانفجار والانهيار والنزوح. لذلك لم يعد التحدي محصوراً في إلغاء الإعدام، وإنما في إلغاء الشروط التي تجعل الموت عادياً، متكرراً، ومقبولاً كأنه جزء طبيعي من الحياة السياسية. في نزاعات القرن الأفريقي، وفي حروب الشرق الأوسط وأوكرانيا، وفي الإعدامات الجماعية أو المتزايدة في إيران، تتسع المسافة بين الحق القانوني في الحياة وبين واقع الإنسان. وهنا تتكشف أزمة الدولة نفسها. وما قيمة الاعتراف بحق الإنسان في الحياة إذا كانت السياسة عاجزة عن حمايته من كل أشكال القتل السياسي والحربي والاجتماعي والاقتصادي؟ لم يعد الموت استثناءً في هذه الجغرافيا. إنه حاضر في الحرب، والإرهاب، والمجاعة، والفقر، والنزوح، والانهيار الاقتصادي، في مجتمعات مفتوحة قابلة للاستباحة. وهنا، يصبح الدفاع عن الحياة أكثر من دفاع عن حق قانوني، يصبح دفاعاً عن إمكانية أن يعيش الإنسان حياة عادية، بلا حرب، بلا خوف، بلا جوع، وبلا انتظار دائم للموت حين يغادر بلده هرباً، فيجد نفسه أمام البحر، والحدود، ومراكز الاحتجاز، والسجون، أو الشرائط الشائكة التي تتحرك معه من عاصمة إلى أخرى. ومن هنا تصبح الهجرة نفسها جزءاً من السؤال الديمقراطي. فالإنسان الذي يغادر بلده بحثاً عن الحياة يفترض أن يدخل فضاءً أكثر أمناً، لكنه قد يجد نفسه في نظام من الحدود المغلقة، والاحتجاز، والترحيل، والاستغلال. يصبح حق الإنسان في الحياة معلقاً بين دولتين، دولة دفعته إلى الرحيل، ودولة لا تريد استقباله. لم يعد الموت استثناءً. إنه الحرب والإعدام والإرهاب والمجاعة والفقر والانهيار، والحرائق والفيضانات. حتى الذين يهربون من الموت لا يخرجون بالضرورة من جغرافيته. قد ينتقلون من حرب إلى بحر، ومن بحر إلى حدود، ومن حدود إلى مركز احتجاز، ومن مركز احتجاز إلى سجن آخر، كما في حالات نقل سجناء إسلاميين متشددين من ألمانيا جواً إلى السجون السورية حيث تعرضوا للتعذيب. وكأن السجون لم تعد دائماً أماكن ثابتة؛ أصبحت مسارات متحركة، تتبدل فيها الجغرافيا ولا تتبدل حالة الإنسان. ولذلك لم تعد القضية مجرد إلغاء عقوبة الإعدام. القضية هي استعادة الحياة الطبيعية نفسها، أن يستطيع الإنسان أن يعيش، وأن يتحرك، وأن يعبر الحدود، وأن يختلف، وأن يحتج وينتفض، من دون أن يتحول كل ذلك إلى طريق محتمل للموت.

أم كلثوم، مهندسة أسطورتها (2/2)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر

البعض يمضون حياتهم في الاستسلام لقدرهم، في حين يختار آخرون الإمساك بزمام مصيرهم. غير أن هذه المهمة تغدو أكثر صعوبة حين تتعلق بامرأة تخوض غمار عالم يحكمه الرجال. ومع ذلك... آثرت بعض النساء المواجهة، ونجحن في كسر محظورات عصرهن. وسواء أكانت أدواتهن الفرشاة أم القلم، أم العلم أم الصوت، فقد بصمن قرنهن بجرأة باهرة بلغت أحيانا حد إثارة الفضائح. فمن أرتيميسيا جينتيليسكي (Artemisia Gentileschi) التي تحدت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج ساند التي استبدلت المشد بحرية الكتابة، مروراً بكاميل كلوديل ذات الروح المعذبة، والدقة والعبقرية اللتين تميزت بهما ماري كوري، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العابر للحدود... استطاعت هؤلاء النساء تجاوز الأحكام الاجتماعية المسبقة. وفي سلسلة مقالات، نأخذكم في رحلة عبر الزمن للتعرف إلى هؤلاء المتمردات. حرصت أم كلثوم على وضع حد صارم بين مسيرتها الفنية وحياتها الخاصة، مما جعلها عرضة لموجات من الشائعات المغرضة. تزوجت للمرة الأولى عندما كان عليها مغادرة قرية نشأتها والانتقال إلى القاهرة، غير أن ذلك الزواج كان إجراء شكلياً بحتاً يهدف إلى تمكينها من السفر إلى العاصمة، إذ لم يكن يُسمح للمرأة العزباء في ذلك الوقت بالسفر بمفردها. وبالفعل، وقع الطلاق فور وصولها إلى القاهرة. وفي عام 1954، تزوجت مجدداً، وهذه المرة بشكل فعلي، من الدكتور حسن الحفناوي الذي كان لها سنداً كبيراً طوال حياتها، ولا سيما عندما واجهت المحن المرضية. لم يرزقا أطفالاً، وفي واقعة نادرة في ذلك العصر، كانت أم كلثوم هي صاحبة "العصمة"، أي حق إيقاع الطلاق، وهو حق يُمنح في الفقه الإسلامي للزوج مبدئياً. الهرم الرابع لم تكتفِ أم كلثوم بالاستحواذ على القلوب عبر الموسيقى فحسب، بل من خلال التزامها الوطني أيضاً. مع ذلك، كانت علاقتها بـ"الضباط الأحرار"، ومن بينهم جمال عبد الناصر، شائكة في البداية عقب انقلاب عام 1952. فبعدما أطاح الضباط بالملك فاروق، اعتُبرت أم كلثوم رمزاً من رموز العهد البائد، ومُنعت أغانيها من الإذاعة. ولم تَعُد إلى الأثير إلا بعد تدخل شخصي وحاسم من عبد الناصر، الذي يُنقل أنه خاطب الضباط الأحرار بغضب قائلاً: "هل جننتم؟ أتريدون أن تنقلب مصر علينا؟" ومنذ ذلك الحين، أضحت أم كلثوم صوت مصر الحديثة والوحدة العربية، تتحدث من موقع الند للند مع الرؤساء والملوك، مدعومة من عبد الناصر الذي رأى فيها صديقة وفية وحليفاً سياسياً لا يُقدّر بثمن. صدمة عام 1967 عقب هزيمة مصر في حرب الأيام الستة عام 1967، انطلقت أم كلثوم في جولة عالمية واسعة، وتبرعت بإيراداتها كاملة للحكومة المصرية لإعادة بناء الجيش. ويُحكى أنها طلبت من برونو كوكايتريكس مليوني فرنك مقابل حفلها في مسرح "الأولمبيا" (وهو مبلغ يفوق ما كانت تتقاضاه إيديث بياف آنذاك). وعندما سألها عن عدد الأغنيات التي ستؤديها، أصابته إجابتها المقتضبة بالذهول: "أغنيتان أو ثلاث!". استمر الحفل حتى الرابعة صباحاً، بحضور نخبة الغناء الفرنسي وجماهير تقاطرت من أنحاء الشرق الأوسط، كان من بينهم يهود من أصول شرقية يعتمرون "الكيباه". التحرر عن طريق التميز لم يقتصر تمرد أم كلثوم على المسرح فحسب، بل امتد إلى كواليس السلطة. فبرفضها الانصياع للدور المنوط بنساء بيئتها، شقت مساراً غير مسبوق. وعند وفاتها عام 1975، حظيت بجنازة مهيبة تليق برؤساء الدول؛ إذ غصت شوارع القاهرة بالملايين الذين خرجوا لوداع أيقونتهم المحبوبة. يُقال إن جنازتها طغت على جنازة صديق عمرها جمال عبد الناصر، الذي رحل قبلها بسنوات. لم تسمح أم كلثوم للعواصف يوماً بأن تكسرها؛ فمع كل محنة، كانت تعيد ضبط استراتيجيتها، محولة نقاط ضعفها، وظروف بلدها، إلى فرص. وظلت إلى الأبد كوكب هذا الشرق المليء بالتناقضات والمفعم بالسحر. وفي المحصلة، يظل هناك سؤال قائم: هل يمكن للمرء أن يغني للحب بكل هذا الإحساس دون أن يكون قد اختبره في أعماق وجدانه؟ تحت قناع المرأة القوية الذي أتقنت ارتداءه، هل عرفت من غنّت للحب طوال حياتها لوعة الهوى؟ لمن كانت تتوجه وهي تشدو: "أنت عمري اللي ابتدى بنورك صباحه"؟ هل كانت امرأة عاشقة تغني من جوارحها، أم مجرد مؤدية استثنائية تكفي موهبتها لسحر الملايين؟ ذاك هو السؤال الأبدي، الذي لا جواب عنه، حول العلاقة بين الواقع وموهبة كبار الفنانين...

تهديدات وضربات أمريكية واسعة النطاق تهزّ إيران

شنّت الولايات المتحدة، مساء الثلاثاء، ضربات واسعة ضد إيران للمرة الثانية خلال أيام قليلة، فيما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في هذا السياق أنها «بدأت عمليات ضد أهداف تابعة للحرس الثوري الإسلامي». وذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حد التهديد بهجوم مقبل أشد تدميراً، إذ كتب على منصته «تروث سوشال»: «إذا ردّت إيران، هذه الدولة المفلسة، على هذا الهجوم المبرر تماماً، فستتعرّض لضربة جديدة، أقسى بكثير». ورغم التحذير الأميركي، أعلنت طهران بدورها عن رد «حاسم»، مهددة المصالح الأميركية بصورة مباشرة: «تتعرض القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة للاستهداف بصواريخ ومسيّرات إيرانية». وبدأت الضربات الأميركية بعد وقت قصير من دعوة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى استئناف المسار الدبلوماسي المتعثر حالياً. وطالب الولايات المتحدة باحترام تسوية وُقعت في يونيو قبل أن تنهار سريعاً، قائلاً: «إذا عادت الولايات المتحدة إلى التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم (...)، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستتخذ فوراً إجراءات متبادلة». لكن الرئيس ترامب سارع إلى الرد عبر قناة «فوكس نيوز»، قائلاً إن «الاتفاق مع الإيرانيين لا يساوي حتى ثمن الورق الذي كُتب عليه»، قبل أن يضيف: «لقد منحناهم فرصاً كثيرة». وكان الرئيس الإيراني يتحدث خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، بآسيا الوسطى، والتي شارك فيها أيضاً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ، وهما من أبرز حلفاء الجمهورية الإسلامية، فيما تشتبه واشنطن في خرقهما الحظر الاقتصادي والعسكري المفروض على طهران. الوكالة الدولية للطاقة الذرية تكشف الأنشطة النووية السرية لنظام الأسد وفي سياق آخر، كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أمس، في تقرير سري، أن السلطات السورية في عهد الأسد كانت تقوم بأنشطة نووية غير معلنة. وأشارت الوكالة إلى أن المنشآت التي تم اكتشافها في دير الزور، في سوريا، «تتوافق مع منشآت مفاعل نووي»، مؤكدة أن هذه الأنشطة التي جرت في عهد نظام بشار الأسد لم يُعلن عنها قط. وكان مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد زاروا الشهر الماضي موقعين، أحدهما في دير الزور، والآخر في موقع ثانٍ مرتبط بمواد نووية حددتها السلطات السورية الجديدة. وإلى جانب «المفاعل النووي الذي كان قيد الإنشاء»، رصدت الوكالة منشأة لتصنيع الوقود النووي المخصص للمفاعل، فضلاً عن موقع للتخزين ونفايات من اليورانيوم. وفي 18 أغسطس، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية والسلطات السورية قد أعلنتا اكتشاف «بضعة أطنان من المواد النووية» في موقع «غير معلن»، وُصف بأنه «إرث من النظام السابق»، وكانت سلطات دمشق قد أبلغت عنه في يوليو. وفي تقريرها الذي تم الاطلاع عليه الثلاثاء، قالت الوكالة إنها عثرت على نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي، بينها 55 طناً على شكل قضبان وقود، فيما تتألف الكمية المتبقية من نفايات. وكانت إسرائيل قد أقرت عام 2018 بأنها قصفت الموقع قبل أحد عشر عاماً، مؤكدة أنها استهدفت مفاعلاً نووياً كان قيد الإنشاء. وفي عام 2008، أي بعد أقل من عام على الغارة، اتهم مسؤولون أميركيون سوريا بالسعي إلى بناء مفاعل نووي سري بمساعدة كوريا الشمالية، مشيرين إلى أن إسرائيل دمرته خلال الغارة. مستشارون أوروبيون للجيش اللبناني على الصعيد المحلي، من المقرر أن يطلق الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر المقبلة مهمة لتدريب الجيش اللبناني، من دون أن تحل محل مهمة الأمم المتحدة القائمة حالياً، وفق ما أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، الثلاثاء. وقالت في ختام اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في ويكلو قرب دبلن: «ناقش الوزراء خططنا لإطلاق مهمة جديدة للاتحاد الأوروبي تهدف إلى تقديم المشورة وتدريب القوات المسلحة في البلاد، ولا سيما في مجال أمن الحدود والأمن البحري». إسرائيل تحت تهديد عقوبات بريطانية وفي سياق متصل، أعلنت المملكة المتحدة، الثلاثاء، أنها ستتخذ خلال الأسابيع المقبلة إجراءات رداً على هجمات المستوطنين «المروعة» في الضفة الغربية المحتلة، وهي قضية تثير استياء متزايداً في الدول الأوروبية. ومن جانبها، حذرت إسرائيل من أنها سترد. وبالتوازي مع الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة رداً على هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر 2023، تصاعدت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون خلال السنوات الثلاث الماضية. وندد وزير الخارجية البريطاني الجديد إد ميليباند، المنحدر هو نفسه من عائلة يهودية، بـ«أعمال إرهاب مروعة للغاية يرتكبها المستوطنون»، متعهداً بالكشف قريباً عن «حزمة شاملة من الإجراءات». وأثارت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية، وهي أرض يحتلها الجيش الإسرائيلي منذ عام 1967، انتقادات حادة من الدول الأوروبية، وكذلك من الولايات المتحدة، الحليف الوثيق لإسرائيل.