شعار Levant Time
العودة إلى المقال
نافذة على الكارثة

من يحقّ له أن يكتب مانيفستو؟

من يحقّ له أن يقول «نحن»؟ (2)

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ريتا باروتا
نُشر سبتمبر 1, 2026 - 20:32

هذه المقالة هي الثانية في سلسلة من ثلاث مقالات تتتبع المانيفستو بوصفه شكلًا من أشكال الكتابة والتدخل في العالم. توقفت المقالة الأولى عند حق الإعلان، وعند اللحظة التي يكتسب فيها الكلام سلطة بمجرد دخوله إلى المجال العام. هنا ينتقل السؤال إلى ما يحدث عندما يتجاوز هذا الكلام صاحبه ويبدأ بالتحدث باسم جماعة، قبل أن تعود المقالة الثالثة إلى السؤال الذي بدأ منه هذا المسار كله، وإلى ما يبقى من المانيفستو حين تتغير أشكاله ووظائفه.

في نهاية المقالة الأولى وصلنا إلى كلمة تبدو، بحروفها الثلاثة، أصغر من كل التاريخ الذي قاد إليها.

فكلمة «نحن» تستطيع أن تحمل معها جماعة كاملة إلى داخل الجملة. ما إن يقول المانيفستو «نحن» حتى يتغير حجم الصوت الذي يتكلم. لم يعد صاحبه يعلن موقفًا يخصه وحده. ثمة آخرون دخلوا معه إلى اللغة، بأجسادهم وتجاربهم ومصالحهم واختلافاتهم، سواء شاركوا في كتابة النص أم وجدوا أنفسهم لاحقًا تحت المظلة التي فتحها لهم.

لهذا تبدو الـ”نحن” مناسبة جدًا للمانيفستو. فهذا النوع يحب الأصوات الكبيرة والجماعات التي تظهر فجأة في المجال العام وتطالب بأن تُرى وتُسمع، وتصرخ: نحن العمال، نحن الفنانون، نحن المضطهدون، نحن الذين جئنا لإنهاء القديم أو إعلان الجديد...

وحين تُكتب الجملة بكل هذه الثقة، يسهل أن ننسى السؤال الأكثر إحراجًا، ذلك الذي يختبئ داخل الضمير نفسه. من هم أولئك الذين يتحدثون؟ ومن سمح لصوت واحد، أو لعدد قليل من الأصوات، بأن يجمعهم داخل كلمة واحدة؟

في المقالة السابقة رأينا أن المانيفستو يستطيع أن يشارك في صناعة الجماعة التي يدّعي التعبير عنها. وتصبح هذه القدرة أكثر حساسية حين ندخل تاريخ المانيفستوات النسوية، لأن كلمة “النساء” نفسها ستتحول، على امتداد القرن العشرين، من أساس يبدو كافيًا لجمع الأصوات إلى ساحة نزاع حول من يظهر داخلها ومن يختفي.

ولهذا لن تكون الرحلة هنا تاريخًا متسلسلًا للمانيفستو النسوي. ما يعنينا هو ما يحدث كلما مدّ ضمير الجمع حدوده قليلًا، ثم سمع صوتًا يأتيه من مكان لم ينتبه إليه.

ربما يكون تاريخ المانيفستو، حين ننظر إليه من هذه الزاوية، تاريخًا للاعتراض على كلمة “نحن” بقدر ما هو تاريخ لصناعتها.

مينا لوي، حين تتقدم الـ«أنتن» إلى الجملة

في سنة 1914، كتبت مينا لوي نصًا حمل ببساطة عنوان Feminist Manifesto، وافتتحته بحكم لا يترك مساحة كبيرة للمجاملة: “الحركة النسوية، بصورتها القائمة، غير كافية”.

ثم تتوجه إلى النساء أنفسهن، وتصل إلى المكاسب التي بدأت تتيح لهن دخول المهن والعمل لتسألهن سؤالًا قاسيًا: “هل هذا كل ما تردنه؟”.

كانت لوي قد اقتربت من أجواء المستقبلية الإيطالية، وكتبت نصوصًا تتفاعل معها وتسخر منها في آن، فيما كان موضوع النساء وموقعهن في المجتمع يتسلل بقوة إلى أعمالها المبكرة. والمفارقة أن هذا المانيفستو، على الرغم من نبرته التي تبدو مصممة كي تصطدم بجمهورها، بقي غير منشور في زمنه ولم يظهر مطبوعًا إلا سنة 1982.

قد يبدو ذلك تفصيلًا غريبًا بالنسبة إلى نص ينتمي إلى شكل يقوم أصلًا على الإعلان. هناك مانيفستو يرفع صوته، فيما يبقى لعقود من دون مجال عام يسمعه. وتزداد المفارقة حين ننتبه إلى الطريقة التي يتكلم بها النص نفسه.

فالمستقبلية التي اقتربت منها لوي كانت مولعة بـ”نحن”. يدخل مارينيتي وأصحابه اللغة جماعةً مكتملة الثقة، تعرف ما تحب وما تكره وما الذي تريد إلقاءه خارج التاريخ. أما لوي، وهي تستعمل شيئًا من طاقة المانيفستو ونبرته الآمرة، فتوجّه الكلام إلى النساء أكثر مما تستقر داخل «نحن» نسائية مريحة.

يتقدم ضمير المخاطب إلى الواجهة. هناك «أنتن» يُطلب منهن أن يُعدن النظر في ما تعلمنه عن الزواج والعفة والحب والاعتماد الاقتصادي على الرجال، وأن يشككن في وعود المساواة التي يمكن أن تترك البنية القديمة لحياتهن قائمة تحت أسماء جديدة. نبرة النص عنيفة أحيانًا ومزعجة حتى بمقاييس زمننا، وبعض مقترحاته لا تحتاج إلى الدفاع عنها كي ندرك ما تفعله داخل تاريخ المانيفستو. تأخذ لوي الشكل الذي أتقنت الطليعات الذكورية استعماله وتدخله إلى منطقة لم تعد فيها الجماعة التي يخاطبها النص واثقة من أنها جماعة أصلًا.

يصبح الفرق بين “أنتن” و”نحن” فرقًا سياسيًا. فأن تقول لنساء أخريات “أنتن” يعني أن مسافة ما ما زالت قائمة بين المتكلمة ومن تخاطبهن، وأن التحرر نفسه لم يتحول بعد إلى هوية مشتركة يمكن الاحتماء بها. المرأة التي يفترض المانيفستو أنه يخاطبها قد تكون زوجة تؤمن بالزواج الذي يهاجمه، أو امرأة ترى في العفة قيمة، أو أخرى لا تجد نفسها أصلًا في صورة التحرر التي تقترحها لوي.

وبذلك تضعنا لوي مبكرًا أمام مشكلة سترافق هذه المقالة. حتى الكلام الذي يريد تحرير جماعة يمكن أن يضع نفسه في موقع من يعرف عنها أكثر مما تعرف هي عن نفسها.

ربما لهذا تبدو الـ”أنتن” عند لوي أكثر إثارة من أي “نحن” جاهزة. تحضر الجماعة بوصفها احتمالًا وموضوعًا للمخاطبة، فيما يبقى انتماؤها إلى المشروع الذي يقترحه النص شيئًا يحتاج إلى أن يُصنع. فالمانيفستو هنا يخاطب جمهورًا لم يتشكل بعد بوصفه جماعة متجانسة، ويحاول أن يخلق لدى مخاطَباته رغبة في مغادرة المواقع التي عرفن أنفسهن من خلالها.

ومرة أخرى نعود إلى السلطة، لكن من باب آخر. فمن يملك حق أن يقول لامرأة إن الصورة التي اختارتها لنفسها ليست حرة بما يكفي؟ ومن يستطيع أن يرسم لها شكل التحرر ثم يطالبها بأن تتعرف إلى نفسها داخله؟

عندما تكاد امرأة واحدة أن تخترع جماعتها

في نيويورك سنة 1967، بدأت فاليري سولاناس بتوزيع SCUM Manifesto. كانت تبيع نسخًا منه بنفسها في شوارع غرينتش فيليج، في صورة بعيدة جدًا عن التنظيم الحزبي الذي كلّف ماركس وإنغلز بكتابة برنامجه، أو عن جماعة فنية تدخل صحيفة كبرى كي تعلن اسمها. أمامنا كاتبة شبه منفردة ونص يتكلم كما لو أن وراءه قوة ثورية مستعدة لتغيير المجتمع.

يكفي افتتاح النص لنعرف أن سولاناس لم تدخل المانيفستو بحثًا عن الاعتدال. تبدأ بعبارة تكاد تغلق باب التسوية منذ السطر الأول: “الحياة في هذا المجتمع، في أفضل أحوالها، مملّة إلى حد لا يُطاق، ولا يكاد في المجتمع ما يعني النساء”، ثم تمضي مباشرة إلى إسقاط الحكومة، وإلغاء نظام المال، والوصول إلى أتمتة كاملة، وصولًا إلى أكثر مقترحات النص تطرفًا بشأن الرجال.

المجتمع الذي تصفه سولاناس فاسد ومستنفد إلى حد يستوجب تغيير النظام السياسي والاقتصادي والعلاقة بين الجنسين من جذورها. ويتقدم الغضب في الصفحات ليصبح طريقة في الاستيلاء على مساحة الكلام ورفض الشروط التي يُفترض أن تدخل المرأة بموجبها إلى المجال العام.

المثير أن اسم SCUM يبدو منذ اللحظة الأولى كأنه اسم جماعة. هناك كيان يستطيع القارئ أن يتخيله، ونساء يمكن أن ينتمين إليه، ومشروع يحمل اسمه. لكن كلما اقتربنا من لحظة الكتابة نفسها يصبح من الصعب العثور على الجماعة المستقرة خلف الاسم. سبق النص الجماعة، وتصرف كما لو أن مجرد تسميتها يمنحها وجودًا كافيًا.

ومع سولاناس، يملأ صوت فرد واحد الصفحة، مستعينًا بغضب يمنحه اتساعًا يسمح له بأن يتكلم عن النساء والرجال والمجتمع والمستقبل وكأنه يقف في مركز خريطة يستطيع رؤيتها كاملة.

ليس من الضروري أن نحسم الجدل القديم حول مقدار السخرية أو الجدية فيSCUM Manifesto كي نرى ما يضيفه إلى سؤالنا. يكفي أن الاسم موجود وأن الصوت يتكلم بثقة كافية كي يبدأ القارئ بتخيّل من يقف وراءه.

يتحول غضب سولاناس إلى قوة في ذاته. فالنساء اللواتي طُلب منهن تاريخيًا أن يشرحن ألمهن بلغة معقولة ومهذبة يجدن في المانيفستو مساحة تستطيع فيها المبالغة والعدائية أن تؤديا وظيفة سياسية. لا تطلب سولاناس الإذن لكي تكون مقنعة، ولا تبذل جهدًا كي تبدو جديرة بالقبول داخل نظام الكلام الذي تهاجمه. صوتها يفرض نفسه بحجمه.

لكن الحجم لا يحل مشكلة التمثيل. كلما كبر الصوت ازداد عدد الأشخاص الذين قد يجدون أنفسهم موضوعًا لكلامه من دون أن يكونوا شركاء فيه. ومن هذه الزاوية يعيدSCUM طرح السؤال البديهي. هل يستطيع الفرد أن يعلن جماعة إلى الوجود؟ وإذا استطاع، متى يصبح هذا الاختراع مساحة سياسية يلتقي فيها آخرون، ومتى يصبح طريقة لاستعارة أصواتهم؟

SCUM manifesto inside picture

حين تُصنع «نحن» في غرفة

في نيويورك سنة 1969، أصدرت جماعة ريدستوكينغز (Redstockings) المانيفستو الخاص بها. كان النص ابن لحظة صعود حركة تحرير النساء في الولايات المتحدة، واتخذ موقفًا حادًا يرى النساء جماعة مضطهدة داخل نظام يقوم على سيادة الرجال. صدر المانيفستو باسم الجماعة نفسها، ودعا النساء إلى الاتحاد في صراع مشترك.

لكن الـ”نحن” التي تظهر هنا لا تأتي من الصفحة وحدها. كانت تُبنى أيضًا في ممارسة أصبحت مركزية في ذلك الجناح من الحركة النسوية، هي جلسات رفع الوعي (consciousness-raising sessions).

كانت النساء يجتمعن في شقق وغرف صغيرة ويتحدثن عن الزواج والجنس والعمل والأمومة والجمال والخوف وتوزيع الأعمال المنزلية، وعن تفاصيل ربما بدت لكل واحدة منهن قبل ذلك جزءًا من قصتها الخاصة. ثم تبدأ القصص بالتشابه، وتظهر أنماط يصعب تجاهلها.

امرأة تعتقد أن مشكلتها مع زوجها تخص علاقتها به، فتسمع امرأة أخرى تروي تجربة تشبهها. ثالثة تتحدث عن شعورها بالفشل، ثم تبدأ المجموعة في رؤية الشروط الاجتماعية التي تجعل هذا الفشل يتكرر عند عدد كبير منهن. ما بدا فرديًا يكتسب شكلًا جماعيًا، وما عاشته كل امرأة بوصفه ألمًا خاصًا صار يُقرأ داخل علاقة أوسع بالقوة. هكذا ارتبط رفع الوعي عند ريدستوكينغز بإنتاج معرفة سياسية من الخبرة اليومية نفسها.

قد يكون هذا أحد أكثر المشاهد دلالة في تاريخ الـ”نحن”. تتكون الجماعة أثناء الكلام، حين تضع النساء تجاربهن إلى جانب بعضها وتبدأ الأنماط المشتركة بالظهور. لا يعني ذلك أن التجارب متطابقة أو أن الغرفة تحل كل الاختلافات، لكن الـ”نحن” تبدأ بالتشكل حين تكتشف النساء أن ما عُزل طويلًا داخل الحياة الشخصية يرتبط ببنى تتجاوز الفرد.

وهنا يصبح الضمير أكثر قوة مما كان عند لوي أو سولاناس. لم تعد هناك كاتبة واحدة تخاطب النساء أو اسم جماعة يكاد النص أن يخترعه. هناك حركة، ونساء يجتمعن، وممارسة تنتج لغة مشتركة، ثم يأتي المانيفستو ليمنح هذه اللغة صيغة عامة.

ولهذا كانت عبارة “النساء” قادرة على حمل وزن سياسي هائل في تلك اللحظة. فإذا كانت المعاناة التي ظنت كل واحدة أنها تخصها تتكرر عند الأخريات، يصبح من الممكن فهم النساء كجماعة لها موقع مشترك داخل بنية السلطة. وعندها تستطيع “نحن النساء” أن تحول الشكوى المتفرقة إلى تحليل، والتحليل إلى قدرة على التنظيم.

لكن كل نجاح في صناعة “نحن” يخلق سؤالًا حول حدودها.

فالخبرة الشخصية التي تدخل الغرفة لا تأتي من فراغ. كل امرأة تدخل معها أيضًا لونها وطبقتها وموقعها الاجتماعي وجنسانيتها وعلاقتها بالعمل والدولة والعائلة. وما يمكن أن يبدو مشتركًا حين نركز على علاقة النساء بالرجال قد يتغير كثيرًا حين تدخل إلى الصورة علاقات أخرى بالقوة.

وإذا كانت التجربة مصدرًا للمعرفة السياسية، يصبح من الضروري أن نسأل عن التجارب التي وصلت إلى الغرفة أصلًا، وعن النساء اللواتي امتلكن الوقت والمكان واللغة والحضور كي تصبح تجاربهن جزءًا من تعريف ما تعنيه «تجربة النساء».

لكن، أيّ نساء؟

في سنة 1977 ظهر نص لا يحمل كلمة “مانيفستو” في عنوانه أصلًا. حمل اسم The Combahee River Collective Statement، وكتبته جماعة من النسويات السوداوات اللواتي كن يجتمعن منذ 1974 ويعملن سياسيًا داخل مجموعتهن وفي تحالفات مع حركات تقدمية أخرى. ومع ذلك يقوم النص بالكثير مما تعلمنا أن نتوقعه من المانيفستو. يعلن موقعًا، ويسمّي أنظمة القوة التي يريد مواجهتها، ويحدد جماعةً تتكلم، ويقترح فهمًا للعالم قادرًا على توجيه العمل السياسي.

منذ البداية تعرّف الجماعة نفسها باعتبارها تجمعًا لنسويات سوداوات. وهذه الصفة الإضافية تغيّر جغرافيا “نحن النساء” كلها.

فالنساء السوداوات لا يدخلن التجربة السياسية من موقع واحد يمكن اختزاله في اضطهادهن كنساء. العنصرية والتمييز الجنسي والطبقة والهيمنة الجندرية تعمل معًا في إنتاج شروط حياتهن، ولهذا صاغ بيان كومباهي فهمًا للأنظمة المتشابكة للقمع قبل أن تصبح لغة “التقاطعية” واسعة التداول بالصورة التي نعرفها اليوم.

المهم في هذه اللحظة أن السؤال لا يطلب توسيع كلمة «النساء» بإضافة مجموعة نسيناها إلى القائمة. المشكلة تقع في الطريقة التي صُنعت بها الفئة نفسها. فعندما تُقدَّم تجربة بعض النساء باعتبارها التجربة النسائية، يمكن لنساء أخريات أن يظهرن داخل الخطاب بالاسم ويختفين منه في المضمون.

حين تقول امرأة سوداء للحركة النسوية إن «نحن النساء» لا تصف تجربتها كاملة، فهي تكشف أن الجماعة التي اعتبرت نفسها شاملة بنت هذا الشمول انطلاقًا من مواقع محددة، ثم نسيت أن تسميها.

وفي الوقت نفسه، كان على نساء كومباهي أن يتعاملن مع جماعات أخرى تستطيع أن تقول «نحن السود» فيما يختفي داخلها اضطهاد النساء، أو «نحن اليسار» فيما تتراجع العنصرية واللامساواة الجندرية إلى مرتبة أسئلة ثانوية. هكذا تجد المرأة السوداء نفسها أمام أكثر من ضمير جمع يعدها بالانتماء، ثم يطلب منها في كثير من الأحيان أن تقسّم تجربتها كي تستطيع الدخول إليه. ربما لهذا تبدو مساهمة كومباهي حاسمة في تاريخ الـ”نحن”. فهي لا تستبدل جماعة نقية بأخرى أكثر نقاءً. ما تكشفه هو استحالة البراءة في ضمير الجمع. كل «نحن» تُبنى من مكان، وتحمل تاريخًا، وتضيء بعض العلاقات بالقوة أكثر مما تضيء غيرها.

من هنا يمكن أن نقول إن تاريخ المانيفستو هو أيضًا تاريخ اعتراضات على ضمير الجمع.

كل مرة ينجح فيها ضمير في جمع أشخاص تحت اسم واحد، يظهر احتمال أن يأتي صوت من داخله ويسأل عن ثمن هذا الجمع. وقد يبدو الاعتراض تهديدًا لوحدة الحركة، لكنه يجبر الجماعة على رؤية ما كانت تعتبره بديهيًا في صورتها عن نفسها.

وعندها يصبح السؤال متصلًا بالطريقة التي يمكن بها بناء جمع يعرف أن حدوده ليست طبيعية ولا أبدية، وأن الأشخاص الذين يحملهم اسمه لن يعيشوا بالضرورة علاقات القوة بالطريقة نفسها.

ماذا لو لم تحتج “نحن” إلى أصل مشترك؟

حين نشرت دونا هاراواي عام 1985 النص الذي سيُعرف لاحقًا على نطاق واسع باسم A Cyborg Manifesto، كانت تكتب داخل لحظة أصبح فيها البحث عن وحدة نسوية مستقرة أكثر صعوبة. وقد وصفت بنفسها أزمة الهوية السياسية التي عاشتها أجزاء من اليسار والنسوية في الولايات المتحدة، وتوقفت عند إمكان آخر للعمل المشترك يقوم على التحالف و«الألفة» أو التقارب السياسي عوضًا عن البحث المستمر عن هوية واحدة تجمع الجميع. نُشر النص أصلًا في Socialist Review سنة 1985.

ان “السايبورغ” عند هاراواي كائن هجين تختلط فيه الحدود التي اعتدنا استعمالها لترتيب العالم، بين الإنسان والآلة، والطبيعي والمصنوع، والجسد والتكنولوجيا. لكن أهميته بالنسبة إلى سؤالنا تظهر في رفضه قصة الأصل النقي أو الجوهراني.

غالبًا ما تحب الجماعات السياسية أن تتخيل أن أفرادها كانوا، في مكان عميق من هوياتهم، جماعةً قبل أن تفرقهم السلطة، وكأن التحرر يقتضي إزالة ما حدث لاحقًا كي نعود إلى وحدة أصلية كانت موجودة طوال الوقت. السايبورغ يزعج هذا الخيال، لأنه يبدأ من التركيب، ومن الحدود غير المستقرة، ومن الهوية الجزئية.

ومن هنا تأتي واحدة من أجمل إمكانات النص سياسيًا. يستطيع الأشخاص أن يعملوا معًا من دون الحاجة إلى إثبات أنهم متشابهون في الأصل، وأن يبنوا تحالفًا من مواقع مختلفة من دون أن يذيب أحدهم اختلاف الآخر كي تصبح كلمة “نحن” ممكنة.

تصف هاراواي هذا الاحتمال في عبارتها الشهيرة “الألفة لا الهوية”، حيث يصبح التحالف ناتجًا عن اختيار سياسي وعلاقات ومصالح ومقاومات مشتركة، فيما تبقى الهويات جزئية ومتناقضة.

بالنسبة إلى المانيفستو، تكاد هذه الحركة تقلب تاريخ ضمير الجمع على نفسه. فقد يصبح من الممكن تخيل “نحن” لا تحتاج إلى الادعاء بأنها جسد واحد.

وعليه تصبح الجماعة أقرب إلى ترتيب سياسي مؤقت بين ذوات تعرف أنها جزئية، اختارت أن تلتقي حول شيء من دون أن تحول اللقاء إلى قصة عن أصل مشترك أو هوية صافية. تأتي قوة الـ”نحن” هنا من معرفتها بأنها لن تستطيع قول كل شيء عن أعضائها.

وهذا لا يجعل السياسة أسهل. فالتحالف يحتاج إلى التفاوض، والاختلاف لا يختفي بمجرد إعلان احترامه، كما أن غياب هوية واحدة لا يلغي تفاوت القوة داخل الجماعة. لكن ما نطلبه من ضمير الجمع يتغير، ويصبح أقرب إلى اتفاق على العمل معًا مع إبقاء الاختلاف ظاهرًا، عوض أن يحمل وعدًا بالتشابه الكامل.

cyborg manifesto inside picture

فالمشكلة لم تعد في العثور على “نحن” صحيحة نهائيًا تستطيع أن تضم الجميع من دون احتكاك أو اعتراض. ما تكشفه هذه النصوص هو أن ضمير الجمع نفسه ممارسة سياسية، لأنه يجمع أشخاصًا كي يصبح الفعل المشترك ممكنًا، ويرسم في اللحظة نفسها حدود هذا الجمع.

والحدود لا تبقى صامتة طويلًا. قد يأتي منها من يقول إن التجربة التي سُمّيت مشتركة لم تكن تجربته، أو يكتشف أفراد الجماعة أن الاسم الذي منحهم قوة في لحظة ما بدأ يخفي اختلافات صار من الضروري رؤيتها. وقد يبقى الاسم ويتغير معناه، أو ينشأ تحالف لا يطلب من أفراده أن يصبحوا نسخًا متشابهة كي يتمكنوا من العمل معًا.

ربما تأتي قوة “نحن” السياسية من قدرتها على إبقاء إمكان الفعل المشترك مفتوحًا مع إبقاء الاختلاف ظاهرًا أيضًا. فالاسم الجماعي يصبح أكثر خطورة حين يتحول من مساحة للقاء إلى سلطة تصادر حق أفراده في تعريف أنفسهم.

والمانيفستو، بحكم ميله إلى الجمل الكبيرة والإعلانات الواثقة، يجعل هذا التوتر مرئيًا بصورة خاصة. فهو يتكلم كما لو أن شيئًا أصبح واضحًا بما يكفي كي يُعلن، ثم تأتي السياسة من داخل هذا الوضوح نفسه وتفتح الأسئلة من جديد.

لهذا يحمل كل “نحن” مانيفستيّ في داخله احتمال ظهور صوت عند حدوده يقول لمن يتحدثون باسمه إنهم لا يتحدثون باسمه. وقد يكون ظهور هذا الصوت واحدًا من الأشياء التي تمنع الجماعة من تحويل وحدتها إلى صمت.

لكن هذا يقودنا إلى معضلة أخرى. فقد استطاع المانيفستو أن يغيّر شكله، وأن يسخر من قواعده، وأن يصدر عن فرد أو جماعة، وأن يخاطب “أنتن” أو يتكلم بصوت «نحن»، بل وأن يتخيل تحالفًا لا يحتاج إلى هوية متجانسة. فما الذي يبقي النص مانيفستو أصلًا؟

وهنا نعود في المقالة الثالثة إلى الكتاب الصغير الذي بدأ منه هذا المسار، إلى إيريني باييخو ومانيفستو القراءة، لنسأل ماذا يحدث حين تحمل كلمة «مانيفستو» نصًا يريد أن يعتني بشيء أكثر مما يريد تحطيمه.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل