شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
أيام لبنانية في واشنطن، عون في وزارة الخارجية الأمريكية

وصل الرئيس اللبناني جوزيف عون السبت إلى واشنطن، حيث سيلتقي الثلاثاء بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وعلى الصعيد الإقليمي، كثّفت الولايات المتحدة خلال الأسبوع المنصرم ضرباتها على مواقع الحرس الثوري الإيراني وبنيته التحتية، فردّ الأخير بشنّ هجمات على دول الخليج (!)، فيما عادت الميليشيا اليمنية الحوثية الموالية لإيران إلى المشهد من جديد. في نهاية هذا الأسبوع، تركّزت الأنظار على الصعيد اللبناني نحو آفاق الزيارة (المنتظرة منذ أمد بعيد) التي يؤدّيها الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن. فقد وصل رئيس الجمهورية السبت إلى العاصمة الفيدرالية مرفوقاً بقرينته ومستشاريه، وعقد بعد ظهر الأحد (بتوقيت بيروت) اجتماعاً في وزارة الخارجية الأمريكية مع وزير الخارجية ماركو روبيو. وسيلتقي عدداً من المسؤولين الأمريكيين قبل موعده المرتقب الثلاثاء مع الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض. استمر اجتماع الرئيس جوزيف عون بوزير الخارجية ساعةً ونصف الساعة، وأكد رئيس الجمهورية خلاله أهمية الإسراع في تحديد المناطق التجريبية التي ينبغي على الجيش الإسرائيلي الانسحاب منها، تمهيداً لانتشار الجيش اللبناني فيها. وجدّد روبيو التزام الولايات المتحدة بالعمل على تطبيق مضمون الإطار الاتفاقي المبرم بين لبنان وإسرائيل، كما أثنى على الجهود التي يبذلها الرئيس عون وحكومة سلام لاستعادة سيادة الدولة اللبنانية وتفكيك ميليشيا حزب الله. في هذا السياق، أشارت مصادر نقلتها قناة الحدث الأحد إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى إرساء «تحالف بين لبنان والعراق بهدف تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة»… وعلى أي حال، تكتسب هذه الزيارة الرسمية لرئيس لبناني إلى الولايات المتحدة، وهي الأولى منذ سنوات طويلة، أهمية استثنائية في ظل المستجدات الراهنة، ليس فحسب على الصعيد الداخلي، بل وبصورة أخص على المستوى الإقليمي. الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة التي عُقدت هذا الأسبوع في روما سجّلت تقدماً فعلياً على صعيد البدء في تطبيق الإطار الاتفاقي الموقّع في السادس والعشرين من يونيو بواشنطن. وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد أعلن الثلاثاء من القدس أن الإسرائيليين «مستعدون للمضي قُدُماً» في تنفيذ المناطق التجريبية في جنوب لبنان. وقد وصف السفارة الأمريكية في لبنان يوم الأربعاء جلسات التفاوض الممتدة على يومين في روما بين المفاوضين اللبنانيين والإسرائيليين بأنها «مثمرة وإيجابية». غير أن الشيطان يكمن في التفاصيل، إذ كان من المقرر مناقشتها الجمعة في إطار مشاورات تقنية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. إلا أن هذا اللقاء أُجّل، إذ يصرّ لبنان على أن تكون المناطق التجريبية قرىً يحتلها الإسرائيليون بوضوح، في حين تطالب تل أبيب بضمانات إضافية تتعلق بالتدمير المنهجي لكامل البنية التحتية لحزب الله في المناطق التي ستُسلَّم للجيش اللبناني، وقد تقدّم الإسرائيليون بمطالب في هذا الشأن إلى الجانب الأمريكي. وفي كل الأحوال، لا يقتصر وضع «الغموض» على اللبنانيين وحدهم. فالعلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس ترامب ليست في أحسن أحوالها؛ إذ نقلت وسائل إعلام إسرائيلية هذا الأسبوع معلومات تفيد بأن نتنياهو يعتزم زيارة واشنطن قريباً للقاء رئيس البيت الأبيض، إلا أن الجانب الأمريكي نفى حصوله على موعد مؤكّد. بل أكثر من ذلك، تتصاعد الضغوط الأمريكية على نتنياهو، وفقاً لما أوردته وسيلة الإعلام Axios ، الذي كشف أن الرئيس ترامب طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي، خلال اتصال هاتفي جرى الخميس، إعادة انتشار جيشه في سوريا ولبنان. التصعيد في إيران على الأرض في جنوب لبنان، لم يعد حزب الله إلى المعارك حتى الآن، وإن كان ذلك لا يبدو سوى هدنة قصيرة الأمد. فبحسب تصريحات قياداته، فإن الميليشيا الموالية لإيران «لا تنوي العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الثاني من مارس». والمعنى واضح: لن يتحمل حزب الله الهجمات الإسرائيلية إلى أجل غير مسمى دون أن يرد عليها، في حين لم تتوقف الغارات وتفجير الأنفاق والبنية التحتية للميليشيا. ومما يعزز ذلك أن القوات المسلحة السورية ضبطت هذا الأسبوع شحنة كبيرة من الطائرات المسيّرة قادمة من إيران، كانت في طريقها إلى حزب الله. يبدو الحزب الشيعي في هذا السياق مُنهَكاً أكثر من أي وقت مضى، إذ بات جمهوره الشعبي إما نازحاً أو محاصراً في قرى غير صالحة للسكن. فضلاً عن ذلك، تتوالى جنازات المقاتلين عشرات المرات في قرى الجنوب منذ الهدوء النسبي الذي أعقب آخر وقف لإطلاق النار. غير أنه لا يمكن استبعاد أن يجرّ حزب الله قاعدته الشعبية ولبنان مجدداً إلى نزاع جديد، إذا وجدت إيران نفسها مرة أخرى في قلب تصعيد كبير. فالضربات الأمريكية على إيران تواصلت دون هوادة طوال الأسبوع، ولا شيء يلوح في الأفق يوقفها، لا سيما أن الجيش الأمريكي نشر 50 ألف جندي في المنطقة وأرسل تعزيزات جوية قادمة من أوروبا. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام هذا الأسبوع، أبلغ الرئيس ترامب الكونغرس في العاشر من يوليو باستئناف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، واصفاً إياها بأنها «ضربات دفاعية» و«محدودة النطاق»، وأنها جرى التخطيط لها بما يكفل تقليص الضحايا المدنيين إلى أدنى حد ممكن. وبما أن هذا الإخطار جاء بعد انقطاع ناجم عن وقف لإطلاق النار وتوقيع مذكرة تفاهم مع الجانب الإيراني في يونيو، فيمكن اعتبار التصعيد الراهن نزاعاً جديداً، مما يمنح الرئيس الأمريكي 60 يوماً من حرية التصرف قبل أن يضطر إلى استئذان الكونغرس، وفق ما تشير إليه التحليلات. أما على الجانب الإيراني، فيبدو أن الحرس الثوري بات يُمسك بزمام العمليات بشكل واضح. وحتى تصريحات كبار المفاوضين، رئيس البرلمان محمد قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، اكتسبت حدة أشد، وإن كانا يتراجعان أمام أصوات المتشددين. وعليه، بادرت إيران يوم الجمعة إلى الإعلان عن تعليق مذكرة التفاهم المبرمة مع الولايات المتحدة. الخلافات داخل النظام الإيراني في خضم هذا السياق، تتكاثر الشائعات عن انقسامات عميقة داخل النظام الإيراني، ولا سيما أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي لا يزال أشد غموضاً من أي وقت مضى، مما أفضى إلى نسب رسائل إليه دون إمكانية التحقق من مصدرها الفعلي. وآخر هذه الرسائل يتضمن تهديدات موجهة إلى الأمريكيين، يَعِدهم فيها السبت «بدرس لن ينسوه أبداً». أما طرفة الأسبوع، فتمثلت في تصريح «مصدر إيراني» لوكالة تاس الروسية يوم السبت، أفاد فيه بأن خامنئي لا ينوي الظهور علنياً حتى تنتهي الحرب مع الأمريكيين (!)، وأنه سيكتفي بإجراء اتصال هاتفي أو لقاء… مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في الوقت الراهن، يتولى الحرس الثوري الإيراني إصدار البيانات المتعلقة بالضربات التي تستهدف دول الخليج، وتشمل الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين، وأخيراً الأردن. وباتت هذه الدول تتعرض يومياً للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، على غرار السفن التي تعبر مضيق هرمز. وتطال الضربات الأمريكية داخل إيران، والضربات الإيرانية على الدول المجاورة، أهدافاً مدنية بشكل متزايد، لا سيما البنية التحتية للطاقة. وقد ندّدت دول الخليج السبت بهذه الضربات الإيرانية، واصفةً إياها بـ"جرائم الحرب". يبدو أن إيران تُبقي حزب الله بعيداً عن المواجهة في الوقت الحالي، في حين تسعى إلى استدراج الحوثيين اليمنيين إلى المعركة، مستخدمةً ورقة ضغط محتملة تتمثل في إغلاق ممر بحري آخر وهو مضيق باب المندب، إذا ما استُهدفت البنى التحتية الإيرانية على نطاق واسع. وقد شهد هذا السياق حادثةً يوم الاثنين، إذ ضربت الحكومة اليمنية الشرعية مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين، بهدف استهداف طائرة قادمة من إيران كان على متنها ركاب شاركوا في تشييع جنازة علي خامنئي. وردّ الحوثيون بضرب مطار في المملكة العربية السعودية. غير أن الجبهة الحوثية لم تشتعل بعد بالمعنى الحقيقي للكلمة. زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن على خلفية هذا المشهد القاتم، ثمة بعض المؤشرات الإيجابية التي تلوح في الأفق. فمن جهة، لم يُغلق الأمريكيون الباب كلياً أمام المفاوضات، كما أكد ذلك الرئيس ترامب مراراً خلال هذا الأسبوع، مُوحياً برغبته في إجراء محادثات "في خضم الأزمة" بدلاً من الانزلاق إلى حرب مفتوحة. وبطبيعة الحال، يصبح أي تصعيد في مثل هذه الظروف أشد خطورة. ففي ليلة السبت، لقي جنديان أمريكيان حتفهما في ضربة إيرانية على الأردن، مما يعني أن الأمور باتت تقترب بشكل مقلق من نقطة اللاعودة. ومن جهة أخرى، يبدو الإيرانيون رغم مواقفهم المتهورة حريصين على تفادي السيناريو الأكثر قتامة، وهو ما قد يفسّر امتناعهم حتى الآن عن توجيه أي هجوم ضد إسرائيل منذ استئناف الأعمال العدائية. وليس ذلك لغياب الرغبة الإسرائيلية في الانخراط بالمواجهة؛ إذ كشفت تسريبات إعلامية مساء السبت عن طلب إسرائيلي للمشاركة في الضربات على إيران، وهو طلب كان الأمريكيون قد رفضوه. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الرئيس ترامب عاد هذا الأسبوع للمطالبة بالموقف ذاته الذي طرحه على الرئيس السوري أحمد الشرع، وهو التدخل في لبنان ضد حزب الله. وهذه التصريحات لم تترجم حتى الآن إلى إجراءات فعلية، لكن يبقى السؤال: إلى متى يستطيع الرئيس الشرع الصمود أمام الضغوط الأمريكية؟ تبقى العراق هي المحور الأبرز في الأحداث خلال الأيام الأخيرة. فقد استقبل الرئيس ترامب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي العيداني استقبالاً رسمياً حافلاً في البيت الأبيض هذا الأسبوع، وأُبرمت بين الطرفين اتفاقيات مربحة عديدة في أعقاب هذا اللقاء. كما أشارت التقارير الإعلامية في الوقت ذاته إلى رغبة عراقية في فرض قيود مصرفية على الميليشيات الخاضعة لعقوبات وزارة الخزانة الأمريكية، ولا سيما حزب الله. ويبدو أن العراق يسعى في المرحلة الراهنة إلى المناورة بذكاء بين القوتين، مستجيباً للضغوط الأمريكية بالحد الأدنى المطلوب، مع تجنّب استفزاز إيران وميليشياتها الموالية لها، بما فيها تلك النشطة على الأراضي العراقية.

الحرب في أوكرانيا: فشل أولى جهود السلام 2/5
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

لا تزال الحرب في أوكرانيا تتصدر نقاشاً واسعاً تُغذّيه، من بين أمور أخرى، القصف شبه اليومي الذي يستهدف من الجانبين مراكز حيوية، وتحديداً العاصمتان الروسية والأوكرانية. لفهم الأبعاد المختلفة لهذا الصراع العتيق فهماً أعمق، لا بدّ من العودة إلى مقدمات هذه الحرب وجذورها، واستعراض دوافع وتطلعات الأطراف المعنية كافة، ولا سيما الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا بما يشمل جميع دول حلف الناتو باستثناء تركيا)، مع استحضار بدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى سلام، أو على أقل تقدير إلى مفاوضات، مع الإشارة إلى أن المسؤوليات في هذا السياق متشعبة ومتعددة. لاستيعاب خفايا وتداعيات مختلف جوانب الحرب في أوكرانيا، ثمة تساؤلات جوهرية ينبغي طرحها منذ البداية: ماذا تمثّل روسيا وأوكرانيا بالنسبة للغرب؟ وما هي التداعيات الفعلية المحتملة لانتصار حاسم لأحد الطرفين؟ وبالتبعية، ما هي التبعات التي ستترتب على ذلك بالنسبة للغرب والشرق الأوسط؟ في سلسلة من خمس مقالات، يعرض متعاوننا جان-باتريك دايرا، نائب الأميرال في البحرية الفرنسية، رؤيته وتحليله للمسألة. جان-باتريك دايرا، نائب أميرال (متقاعد) في اليوم ذاته الذي شنّت فيه روسيا غزوها لأوكرانيا، في 22 فبراير 2022، رفع كثير من الفرنسيين والأوروبيين الأعلام الأوكرانية (حتى في جزر الأزور!)، وتطوّع بعضهم لاستقبال اللاجئين بل لتعليمهم لغة البلد المضيف. وكان من المثير للاهتمام أن نسأل هؤلاء الذين أظهروا موقفاً سياسياً صريحاً: أين تقع أوكرانيا على الخريطة؟ وما الذي جرى خلال السنوات العشر الأخيرة (2013-2022) بين أوروبا وأوكرانيا وروسيا؟ غير أن طرح مثل هذه الأسئلة بات أمراً غير مقبول في فرنسا بعينها. الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد أيام قليلة من الغزو الروسي، تقدّمت أوكرانيا رسمياً بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. في 17 يونيو 2022، أوصت المفوضية الأوروبية بمنح أوكرانيا وضع البلد المرشح. لماذا؟ وبأي هدف؟ لن يعلم أحد بالجواب القاطع على الإطلاق. في 23 يونيو 2022، قرر رؤساء الدول والحكومات في الدول الأعضاء السبع والعشرين، المجتمعون في المجلس الأوروبي، بالإجماع منحَ أوكرانيا وضعَ البلد المرشح الرسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. في 14 ديسمبر 2023، قرر المجلس الأوروبي فتح مفاوضات الانضمام، وفي 25 يونيو 2024 انطلقت هذه المفاوضات رسمياً. أيّ موظف أو موظفة في شركة كبرى لم يكن يتمنى حصوله على ترقية تُغيّر وضعه الوظيفي بهذه السرعة المذهلة؟ لم يعد الأمر يتعلق بالسلّم الاجتماعي، ولا حتى بالمصعد الاجتماعي، بل بصاروخ فضائي اجتماعي حقيقي! لنقارن ذلك بأوضاع الدول المرشحة الأخرى التي لم تنضم بعد إلى الاتحاد الأوروبي. تواريخ انطلاق مسار المفاوضات: تركيا 1999؛ مقدونيا 2005؛ الجبل الأسود 2010؛ صربيا 2012؛ ألبانيا 2014؛ مولدوفا 2022؛ البوسنة والهرسك 2022؛ جورجيا 2023. وقد تقدّم كوسوفو بطلب انضمام عام 2022 لكنه لم يحصل بعد على وضع المرشح الرسمي. فلماذا كل هذه العجلة؟ أولم يكن بالإمكان دعم أوكرانيا دون أن يُفرش لها هذا البساط الأحمر الموعد بالكثير، الموعد بأكثر من اللازم؟ والأقل ما يمكن قوله إن الدول المرشحة لا تُعامَل بالمعيار ذاته. فأوكرانيا بلد كان يعاني فساداً واسعاً ولا يزال. إذ يضعها مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة "الشفافية الدولية" في المرتبة 142 عالمياً عام 2014، ثم المرتبة 116 عام 2022 (وتتقارب مؤشرات روسيا مع هذه الأرقام). وفي حين تصفها وسائل الإعلام الغربية بأنها دولة فاسدة حين يتعلق الأمر بروسيا، يُسدل الستار تماماً على فساد أوكرانيا. مشروع السلام برعاية تركية في ربيع عام 2022، لم يكن السلام بعيد المنال. كان الباب موارباً منذ بداية الحرب. أدّت تركيا دوراً دبلوماسياً بارزاً، وإن لم تُفلح في التوصل إلى اتفاق سلام دائم. كانت تركيا تحتل موقعاً متميزاً: فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وتجمعها علاقات وطيدة بأوكرانيا (بيع الطائرات المسيّرة والتعاون العسكري)، فضلاً عن علاقاتها المتينة مع روسيا على الصعيدين الجيوسياسي (في سوريا) والاقتصادي. وكانت تركيا من النادرين من الدول القادرة على التحدث في آنٍ واحد مع موسكو وكييف. وقد استضافت المفاوضات السلمية الرئيسية في مارس 2022، وأسهمت في إبرام اتفاقية تصدير الحبوب. مفاوضات مارس 2022 استضافت تركيا لقاءً بين وزيري الخارجية الروسي والأوكراني في أنطاليا بتاريخ 10 مارس 2022، ثم مفاوضات أوسع نطاقاً بين الوفدين الروسي والأوكراني في إسطنبول بتاريخ 29 مارس 2022، تضمّنت: منح أوكرانيا وضع الحياد (بالتخلي عن طموح الانضمام إلى الناتو). ضمانات أمنية تقدّمها عدة دول مقابل هذا الحياد. انسحاب القوات الروسية من بعض المناطق. تأجيل التفاوض حول وضع شبه جزيرة القرم. تُظهر أبحاث المؤرخين والباحثين أن مسودة اتفاق كانت قائمة، غير أن مسائل جوهرية عديدة ظلّت معلّقة دون حلّ، لا سيما وضع الأراضي المحتلة، والضمانات الأمنية، والجدول الزمني للانسحابات العسكرية، وحجم الجيش الأوكراني المستقبلي. دفعت الانتصارات العسكرية الأوكرانية حول كييف القادةَ الأوكرانيين إلى الاعتقاد بأن بإمكانهم انتزاع موقف أفضل على أرض المعركة. في المقابل، تمسّكت روسيا بمطالب عدّها الأوكرانيون غير مقبولة. دور بوريس جونسون يُقال إن بوريس جونسون ثنى أوكرانيا عن إبرام اتفاق. هذا الادعاء لا يزال موضع جدل، بيد أنه تسرّب بوضوح عبر صحف عديدة ومحللين موثوقين وذوي دراية. ولم ينفِ جونسون ذلك. ويُعدّ دوره في إفشال مفاوضات السلام بين أوكرانيا وروسيا، التي جرت بوساطة تركية في ربيع 2022، من أكثر المسائل إثارةً للجدل في سياق هذه الحرب. في التاسع من أبريل 2022، توجّه بوريس جونسون إلى كييف. واستناداً إلى مصادر مجهولة الهوية نقلها موقع "أوكرانسكا برافدا" الأوكراني، فقد أوصل رسالتين رئيسيتين: الأولى أن فلاديمير بوتين لا ينبغي اعتباره شريكاً موثوقاً في التفاوض، والثانية أن القوى الغربية غير مستعدة لضمان أي اتفاق يُبرم مع روسيا وفق الشروط التي كانت مطروحة آنذاك. انطلق من هذه الرواية الادعاءُ بأن جونسون أفسد الاتفاق المرتقب. وقد أعلن صراحةً تشككه في إمكانية التفاوض مع بوتين، وروّج لمواصلة الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا. ولا يوجد دليل قاطع يُثبت أن اتفاق سلام نهائياً كان على وشك التوقيع وأنه أُجهض بسبب تدخّله وحده. ومع ذلك، تبدّل موقف زيلينسكي تبدّلاً جذرياً. مزايا البلدين ماذا يمكن لهذين البلدين أن يقدّما لأوروبا؟ تمتلك أوكرانيا بعضاً من أكثر الأراضي الزراعية إنتاجيةً في العالم، إذ تزرع القمح والذرة والشعير وعباد الشمس والكانولا. كما تزخر بموارد معدنية ضخمة، بعضها لا غنى عنه لتطوير التقنيات الحديثة، كالحديد والمنغنيز والتيتانيوم واليورانيوم والجرافيت والليثيوم. وتضم صناعات متطورة في قطاعات الحديد والصلب والمعادن، فضلاً عن صناعة السكك الحديدية والطيران والفضاء وبناء السفن. علاوةً على ذلك، تتمتع بطاقة إنتاجية نووية كبيرة، واحتياطيات من الغاز الطبيعي، وشبكة واسعة من خطوط الأنابيب التي تربط روسيا بأوروبا. وتكتسب أوكرانيا أهمية استراتيجية بالغة كونها تشكّل جسراً يصل أوروبا بروسيا، ولها واجهة على البحر الأسود الذي يُعدّ محوراً حيوياً لتصدير الحبوب وذا ثقل عسكري لا يُستهان به. أما روسيا، فتحوز ثروات طبيعية هائلة من نفط وغاز طبيعي، إلى جانب موارد معدنية وفيرة تشمل الفحم والنيكل والبلاديوم والبلاتين والذهب والألماس والنحاس والألومنيوم. وبالإضافة إلى امتلاكها أوسع رقعة غابات في العالم، تتمتع بقطاع زراعي يُشكّل ورقة تصديرية رابحة، لا سيما في مجال القمح والشعير والزيوت النباتية. المقال التالي الحرب في أوكرانيا: أخطاء روسيا الاستراتيجية والتخبط الغربي (3/5) اقرأ أيضاً حول الموضوع ذاته كيف اختار الغرب أوكرانيا (1/5)

النزاع الإيراني: التصعيد الكلامي يضاف إلى العمليات العسكرية

تتجه الأوضاع في إيران نحو مزيد من التصعيد، وعلى جميع المستويات، سواء على الصعيد السياسي والإعلامي أو على مستوى العمليات العسكرية. فالجيش الأميركي يواصل هجماته على المراكز الحيوية وطرق الإمداد التابعة للحرس الثوري، فيما يردّ الأخير، كعادته، بقصف ليس إسرائيل، بل الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج. وشملت هجمات الحرس الثوري خلال الأيام الأخيرة الأردن، حيث قُتل جنديان أميركيان وأصيب أربعة آخرون، فيما لا يزال جندي سابع في عداد المفقودين، أثناء مشاركتهم في عمليات الدفاع الجوي الرامية إلى اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة. ويبرر الحرس الثوري هجماته على الدول العربية بالقول إن هدفه هو استهداف القواعد الأميركية الموجودة فيها. غير أن الوقائع تدحض هذا التبرير، إذ إن القصف الإيراني استهدف خلال اليومين الماضيين، ولا سيما في الكويت، محطةً لتوليد الكهرباء ومركزاً لتحلية مياه البحر. وفي موازاة ذلك، رُصد خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية جسر جوي أميركي لنقل عشرات طائرات التزود بالوقود جواً، إلى جانب مقاتلات من طراز F-16 وF-35، من أوروبا إلى إسرائيل. وكانت هذه الطائرات قد أُعيد نشرها في أوروبا عقب توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، لكنها عادت خلال اليومين الماضيين إلى الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، يواصل الجيش الأميركي تعزيز الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (Centcom) السبت أن خمس سفن تجارية حاولت الالتفاف على هذا الحصار أُجبرت على العودة. ويزداد تأثير هذا الحصار قسوة بعدما ترافق هذه المرة مع تدمير الجيش الأميركي لطرق مواصلات برية، شملت سبعة جسور وخطوطاً للسكك الحديدية، ولا سيما في منطقة بندر عباس. رسالة جديدة منسوبة إلى خامنئي ويترافق هذا التصعيد العسكري، منذ نهاية الأسبوع، مع تصعيد خطابي خطير. ففي رسالة مكتوبة نُسبت إلى المرشد الأعلى الغامض، مجتبى خامنئي، من دون إمكانية التحقق من صحتها، هدّد الولايات المتحدة بـ«تلقينها درساً لن تنساه» إذا واصلت هجماتها على إيران. كما جاء في الرسالة أن «التوقيع الذي وضعه دونالد ترامب على مذكرة التفاهم لا قيمة له». وتتقاطع هذه العبارة مع تصريح أدلى به السبت مسؤول إيراني رفيع أكد فيه أنه «إذا استمرت الهجمات الأميركية خلال اليومين أو الثلاثة المقبلة، فإن إيران ستنتقل من المرحلة الدفاعية إلى المرحلة الهجومية»، مضيفاً أن طهران قررت «تعليق جميع التزاماتها المنصوص عليها في مذكرة التفاهم». وعلى الصعيد السياسي، يلفت الانتباه أن الرسالة المنسوبة إلى خامنئي تدعو المسؤولين الإيرانيين إلى الحد من خلافاتهم الداخلية، كما تحثّ المواطنين على التخفيف من انتقاد السلطة. ويأتي هذا النداء المزدوج في وقت باتت فيه المؤشرات على وجود انقسامات بين الجناح المتشدد والتيار الموصوف بـ«البراغماتي» داخل النظام تظهر إلى العلن، وتنقلها مصادر أميركية وباكستانية. عون في واشنطن وفي ظل هذا التوتر الإقليمي المتصاعد، بدأ الرئيس جوزيف عون السبت زيارة رسمية تستمر عدة أيام إلى واشنطن. ومن المقرر أن يعقد الأحد اجتماعاً مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، على أن يستقبله الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض يوم الثلاثاء 21 يوليو، حيث سيبحث الجانبان سبل تنفيذ بنود الاتفاق الإطاري الموقع مع إسرائيل في 26 يونيو الماضي. وسيركز اللقاء بصورة خاصة على الوضع في جنوب لبنان، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي غاراته الموجهة وعمليات نسف البنى التحتية التابعة لحزب الله.

"المناطق التجريبية": تخريب جيوسياسي في جنوب لبنان

أدخل الاتفاق الإطاري الثلاثي، الذي جرى التفاوض عليه برعاية الولايات المتحدة ووُقِّع في واشنطن، آلية طموحة لنزع الطابع العسكري عن جنوب لبنان، تتمثل في إنشاء «مناطق تجريبية». وتشمل المرحلة الأولى من هذا المشروع ست قرى رئيسية موزعة على ضفتي نهر الليطاني، هي: زوطر الغربية شمال النهر، وفرون، والغندورية، والقلعوية، وبرج قلاوية جنوبه. وبموجب هذه الآلية، يتولى الجيش اللبناني مهمة الانتشار، وبسط السيطرة الكاملة، وضمان خلو هذه المناطق بالكامل من أسلحة الميليشيات. وفي المقابل، يفترض أن تنفذ قوات الاحتلال الإسرائيلي انسحاباً تدريجياً. غير أن هذه التجربة الأمنية المحلية تبدو، رغم ما تمثله من بارقة أمل، طموحاً جيوسياسياً يفوق الواقع. فالمشروع يتعرض لتخريب بنيوي، عالقاً بين المقاومة الداخلية لحزب الله، والتشدد الإسرائيلي، والاستراتيجية الإقليمية الشاملة لإيران. الفيتو البنيوي والمقاومة الداخلية لحزب الله يبقى الرفض المطلق لحزب الله تسليم سلاحه العقبة الوطنية الأكثر إلحاحاً أمام تنفيذ المناطق التجريبية. فقد وصف الحزب علناً الاتفاق الإطاري بأنه فشل، محذراً صراحة من أن أي محاولة لنزع سلاحه بالقوة من قبل الدولة في هذه القرى قد تشعل حرباً أهلية مدمرة. كما اتهم نواب لبنانيون المفاوضين في بيروت بالاستسلام للمطالب الأميركية والإسرائيلية على حساب الوحدة الوطنية. ورغم أن الجيش اللبناني بدأ بالفعل تعزيز وجوده الميداني عبر إقامة حواجز وتنفيذ دوريات حول قرى غير محتلة مثل صريفا وفرون، فإنه يعمل في ظل قيود عملياتية هائلة. وقد اضطر الرئيس جوزاف عون إلى مراعاة التحفظات الكبيرة التي أبداها كل من حركة أمل وحزب الله. فالجيش لا يستطيع تفكيك شبكات إطلاق الصواريخ تحت الأرض والبنى العسكرية المدفونة في أودية الليطاني من دون المخاطرة بمواجهة مباشرة ودامية مع الحزب. ويؤكد حزب الله أن قبوله بتسليم جزء من ترسانته في الغندورية أو زوطر الغربية سيشكل سابقة تمس بجوهر هويته بوصفه «حركة مقاومة». التشدد الإسرائيلي والتوسع الاستراتيجي في المقابل، تعمل إسرائيل على عرقلة المشروع التجريبي من خلال التأخير التكتيكي وفرض مطالب ميدانية متشددة. فقد أُرجئت اجتماعات التنسيق العسكري، التي كان يفترض أن تضع الخرائط والجداول الزمنية للانسحاب، بصورة مفاجئة نتيجة خلافات عميقة حول الحدود الدقيقة للمناطق المشمولة. وتتهم الوفود اللبنانية إسرائيل بالسعي إلى توسيع نطاق المناطق التجريبية ليشمل قرى لا يحتلها الجيش الإسرائيلي فعلياً، إضافة إلى أراض تقع شمال نهر الليطاني. كما أعادت إسرائيل التأكيد على أن قواتها لن تنسحب من «منطقة الأمن» الجديدة، التي يبلغ عمقها عشرة كيلومترات، قبل تفكيك حزب الله بالكامل. ويخلق ترسيخ هذا «الخط الأحمر» الذي تفرضه تل أبيب مأزقاً حقيقياً: فإسرائيل ترفض الانسحاب ما دامت المنطقة تضم أسلحة، فيما لا يستطيع الجيش اللبناني دخولها بأمان لنزع السلاح طالما بقيت القوات الإسرائيلية متمركزة فيها. إلى جانب ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة، عبر التدمير المنهجي للأحياء وتنفيذ غارات جوية دقيقة. وتشير هذه الضغوط المستمرة إلى أن تل أبيب تسعى إلى الحفاظ على سيطرة أمنية طويلة الأمد، بدلاً من نقل سلطة فعلية إلى الحكومة اللبنانية. القيد الإقليمي الذي تفرضه إيران ترتبط المناطق التجريبية أيضاً بمآلات العلاقة الإقليمية بين واشنطن وطهران. فالشرق الأوسط يشهد حالياً مواجهات عسكرية عنيفة بين الولايات المتحدة وإيران، تتجسد في ضربات أميركية استهدفت بنى تحتية إيرانية، وتوترات بحرية متصاعدة في مضيق هرمز. ولا تنظر إيران إلى جنوب لبنان باعتباره مجرد ملف حدودي، بل تعتبره جبهة جيوسياسية متقدمة. وقد شدد حزب الله بوضوح على أن أي وقف فعلي للأعمال القتالية أو أي انسحاب لا يمكن أن يتحقق إلا بقرار مباشر من طهران. وفي الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، فإن قبول حزب الله بنزع سلاحه داخل المناطق التجريبية سيؤدي إلى إضعاف أهم عنصر ردع تمتلكه إيران في مواجهة إسرائيل، في وقت بلغت فيه الضغوط الأميركية على الجمهورية الإسلامية ذروتها. ومن هنا، تعمل طهران على توجيه حلفائها في بيروت إلى إبطاء تنفيذ اتفاق واشنطن، بما يضمن بقاء لبنان ضمن محور النفوذ الإيراني. مهمة الفرصة الأخيرة لجوزاف عون في البيت الأبيض في ظل هذا الانسداد الداخلي والإقليمي، يتوجه الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن لعقد اجتماع حاسم مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وتعد هذه الزيارة الأولى لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ سنوات، وهدفها إنقاذ الاتفاق الإطاري المتعثر وضمان استمرار مشروع المناطق التجريبية. غير أن الرئيسين يدخلان هذه المفاوضات بأجندتين متعارضتين تماماً. فمن الجانب اللبناني، يطالب الرئيس جوزاف عون الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف غاراتها الجوية وتنفيذ انسحابات يمكن التحقق منها. كما يسعى إلى الحصول على دعم أميركي واسع للجيش اللبناني، مالياً ولوجستياً، ويرجح أن يطلب أيضاً تزويده بطائرات مسيّرة متطورة ومنظومات استشعار حدودية للحد من تهريب الأسلحة عبر الحدود اللبنانية ـ السورية. أما من الجانب الأميركي، فيطالب الرئيس دونالد ترامب بأدلة ملموسة وقابلة للتحقق تثبت استعداد بيروت لنزع سلاح حزب الله. كما تدفع إدارته نحو إعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني عبر تفكيك الشبكات المالية غير الرسمية المرتبطة بالحزب، بهدف إخراج لبنان نهائياً من المدار الجيوسياسي الإيراني. ويواجه الرهان الدبلوماسي للرئيس جوزاف عون تحديات كبيرة. ويشير محللون إلى أن الرئيس اللبناني لا يمتلك سوى هامش محدود جداً من النفوذ الفعلي على الأرض. وفي حين تضغط واشنطن لعقد لقاء مباشر بين جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تواصل بيروت رفض أي مفاوضات ثلاثية ما دامت القوات الإسرائيلية تحتل أي جزء من الأراضي اللبنانية. وفي المحصلة، لا يمكن للمناطق التجريبية في زوطر الغربية وصريفا أن تستمر باعتبارها مجرد ترتيبات عسكرية تقنية. فمن دون تهدئة إقليمية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران، تترافق مع تسوية سياسية داخلية قابلة للتنفيذ في بيروت، سيبقى انتشار الجيش اللبناني مهمة شديدة الصعوبة. وفي ظل الحصار الذي تفرضه ترسانة حزب الله، والتمدد الدفاعي الإسرائيلي، وحرب الوكالة التي تخوضها إيران، ستظل المناطق التجريبية أمام اختبار بالغ القسوة.

هل من خيانة وطنية ارتكبت في السادس والعشرين من حزيران الماضي؟

عندما تراجعنا أمام نيران العدو، وعندما اجتاح الخصم مدننا، وسوّى بلداتٍ كثيرة بالأرض، وشرّد أبناء وطننا من ديارهم، وعندما أثبت أنه قادر على التقدم مرارًا وتكرارًا حتى يطوّق عاصمتنا، وفوق كل ذلك، عندما استجار دعاة الحرب، وقد أنهكتهم المعارك، بطلب وقف إطلاق النار، فمن البديهي ألا نتشدّد على طاولة المفاوضات، وأن نُضطر إلى تقديم تنازلات بشأن بعض المبادئ، مثل السيادة الوطنية ووحدة الأراضي. ففرنسا المهزومة اضطرت سنة 1871 إلى التنازل عن الألزاس واللورين للإمبراطورية الألمانية. كما أُجبرت ألمانيا، عند توقيع معاهدة فرساي عام 1919، على قبول جملة من التدابير المهينة، من بينها نزع السلاح من منطقة الراين وخفض عديد جيشها إلى مئة ألف جندي. فهل حقق حزب الله نصرًا ساحقًا على إسرائيل؟ على حدّ علمي... لا. لا جدوى من التباهي لمجرد كسب هدنة مؤقتة، ولا من التضحية في معركة دفاعية خاسرة لتحسين موقع إيران التفاوضي مع واشنطن. ألا يكفي سقوط أكثر من أربعة آلاف لبناني لكي تُمنح طهران هامشًا أوسع للمناورة الدبلوماسية. والحق يقال أننا مُنينا بهزيمة نكراء على أرض المعركة، وعلى اللبنانيين، مهما اختلفت انتماءاتهم، أن يعترفوا بذلك وأن يستخلصوا العبر. فلو كانت قواتنا قد سيطرت على المطلة أو نهاريا أو حيفا، ولو تقدمت حتى أصبحت تهدد المفاعل النووي في ديمونا، لكان من الطبيعي أن نفرض شروطنا على إسرائيل. وعندئذ، لو أرادت الدولة اليهودية استعادة وحدة أراضيها، لكان عليها أن تتنازل عن بعض مكونات سيادتها. لكن الواقع جاء معاكسًا تمامًا. ومن ثم، فإن توجيه اللوم إلى الوفد اللبناني لأنه يسعى إلى تحرير الأراضي اللبنانية مقابل نزع سلاح حزب الله الموالي لإيران*، ليس سوى مزايدة رخيصة. مزايدة رابحة... لكنها خبيثة قد تعمي العاطفة أبصار أكثر الناس بصيرة. ومن هنا جاءت ردود فعل بعض «الباحثين المشاركين» والمراقبين السياسيين، أولئك الذين تقمّصوا دور حماة وحدة الأراضي، فور الإعلان عن الاتفاق الإطاري في واشنطن يوم السادس والعشرين من حزيران الماضي. فقد سارع هؤلاء السياديون المتأخرون إلى اتهام الدولة اللبنانية بالاستسلام، وراحوا، على غرار قيافا في أسبوع الآلام، يمزقون ثيابهم ويصرخون: «خيانة!». غير أن هذه الحملة تخفي لعبة غير بريئة، لا تليق بمن يزعمون الوطنية. فإذا كان الثنائي الشيعي ومن يدور في فلكه يسعون إلى نسف الاتفاق الثلاثي، فذلك لأنهم يريدون إحالة الملف اللبناني إلى طهران، وإدراجه ضمن مفاوضات أوسع قد يخوضها أطراف الصراع في الخليج العربي، سواء في إسلام آباد أو في مكان آخر، كإحدى المدن السويسرية. وما يزيد الأمر سخرية أن أشد المعارضين لاتفاق السادس والعشرين من حزيران يزعمون أن همّهم الوحيد هو الدفاع عن السيادة الوطنية ومبادئها غير القابلة للمساومة. لنتعلّم من أبي عمار منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يكن حافظ الأسد يعتبر المسيحي اللبناني، المتمرّد على سلطته، هدفه الأول، بل كان الفلسطيني هو الخصم الذي ينبغي القضاء عليه. فقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية عدوه الأول، قبل الجبهة اللبنانية أو القوات اللبنانية. وفي إطار إعادة رسم خريطة المشرق، واحتمال انعقاد مؤتمر دوليل تسوية النزاع العربي–الإسرائيلي، كان طاغية دمشق يرفض أن تفلت منه «الورقة الفلسطينية». ففي نظره، لم يكن الفلسطينيون سوى «سوريين جنوبيين»، وهو وحده صاحب الحق في تقرير مصيرهم. غير أن ياسر عرفات أراد أن يبقى سيد قراره، وخاض مع الأسد لعبة شدّ الحبال. وتنقل أبو عمار بين الأردن ولبنان ثم تونس، لكنه رفض التخلي عن صلاحياته، وانتهى به الأمر إلى توقيع اتفاق أوسلو باسم شعبه. فلم يكن مستعدًا لأن يدع ضابطًا انقلابيًا من القرداحة، ذي شرعية مشكوك فيها، يتحدث باسم أمته المشردة. فهل سنتخلى نحن عن «الورقة اللبنانية»؟ إننا، نحن اللبنانيين، في وضع مماثل. فهل سنسلّم الورقة اللبنانية إلى إيران لتعزيز موقعها على طاولة المفاوضات مع دونالد ترامب؟ أيهما أكثر انسجامًا مع السيادة: أن نواجه الخصم الإسرائيلي مباشرة في واشنطن أو روما، أم أن نهدي "ورقتنا" إلى دولة الملالي، بحجة أنها أقدر منا على الدفاع عن مصالحنا الوطنية؟ فلنتذكر أنه مع سقوط نظام آل الأسد الأب والابن، ابتسم القدر للبنان، وتمكن، وإن بصمت، من استعادة ورقته التي كانت دمشق قد صادرتها. وإذ بنا اليوم امام ميليشيا تدين بالولاء لإيران تحاول وتحاول، بكل وقاحة، أن تُلحق لبنان بطهران، وأن تجعل منه مجرد بند على جدول أعمال مفاوضات تُدار حصريًا بين الإيرانيين والأميركيين. إن الورقة اللبنانية ليست للبيع، ولا للتفويض، ولا للإلحاق بأوامر عاصمة تقوم على ضفاف الخليج الأخميني. ولأقولها بصراحة: إن الورقة اللبنانية لم تجلب يومًا الحظ لقراصنة السياسة. * للتذكير، فإن الاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في السادس والعشرين من حزيران الماضي يهدف، في نهاية المطاف، إلى تحرير الأراضي اللبنانية من كل احتلال، سواء كان إسرائيليًا أم إيرانيًا. فهل يُلام لأنه اختار تحقيق هذا الهدف على مراحل؟ فلننتظر ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية في روما، حيث تلتقي الوفود.

سلمان رشدي ونهاية ظاهرة ترامب
بقلم
يقظان التقي
نُشر

مجموعة سلمان رشدي "الساعة الحادية عشرة " (The Eleventh Hour)، هي ليست رواية واحدة بالمعنى التقليدي، بل خماسية قصصية صدرت بعد محاولة اغتياله عام 2022، وتُعد من أكثر أعماله تأملًا في الشيخوخة والموت والهوية والحرية. وهي ليست مجرد زمن، بل علامة (Sign) فهي ترمز إلى حضارة تشعر بأنها بلغت لحظة الاختبار الأخير لتصاعد الشعبوية، وتراجع قيم الديمقراطية، والعنف ضد الكلمة الحرة، واضطراب الهوية في عالم العولمة. بهذا المعنى، تتحول الساعة الحادية عشرة إلى استعارة للحظة حضارية، لا للحظة فردية فقط. فبعد عامين من كتابه "السكين” (Le Couteau)، الذي عاد فيه للحديث عن محاولة الاغتيال التي تعرض لها، يمثل الكتاب الجديد عودة من خلال قصص تطاردها حتمية مرور الزمن في العهد الجديد. فالساعة الحادية عشرة، هي الساعة التي تسبق غروب الشمس. وفي اللغة العاميّة، تشير إلى اللحظة الأخيرة للقيام بشيء ما قبل فوات الأوان. وفي القصة الأولى من القصص الخمس التي يتألف منها الكتاب، تُستخدم هذه العبارة كاستعارة للمرحلة العمرية الثالثة التي وصل إليها "جونيور" و"سينيور"، وهما جاران وأخوة تقريباً، لا ينفصلان ومع ذلك لا يطيق أحدهما الآخر. كانا في الحادية والثمانين من عمرهما. وإذا كان العمر المديد هو شفقٌ يوشك أن ينتهي عند منتصف الليل، فقد كانا قد دخلا بالفعل في ساعتهما الحادية عشرة. يقول جونيو "تبدو بمظهر مروع، كما تفعل كل صباح. تبدو كرجل لا ينتظر سوى الموت". فيرد سينيور، وهو يهز رأسه بجدية، متمسكاً بتقاليدهما الشخصية، "على الأقل مظهري أفضل من مظهر رجل لا يزال ينتظر الحياة". كان سينيور، الذي عمل مديراً في شركة سكك حديدية وأستاذاً للرياضيات ومغنياً لترانيم "الفيدا" حول تاريخ مرور الزمن، قد عاش حياة حافلة، على عكس جونيور الذي لم تخبئ له الحياة سوى خيبات الأمل. ومع ذلك، توحدهما مرارة واحدة، نابعة من الندم على العيش بشكل مكثف أو غير كافٍ. لم يكن الموت والحياة سوى شرفتين متجاورتين. ويمكن قراءة القصة الأخيرة في المجموعة، "الرجل العجوز في الساحة"، كدفاع وتوضيح للنزاع في المجتمعات، أو "الجدل" الذي يثمن حرية كل فرد في التفكير بشكل مختلف. ويبدو أنه لا شيء يجمع الناس سوى السجال في حد ذاته كشكلٍ من أشكال التعبير الفني في عصر "نعم"، حيث كل نقاش يُعتبر غير قانوني حين لا يحظى في جميع الظروف على الموافقة مهما كان مثيراً للسخرية. من خلال هذه الحكاية الرمزية، يدين سلمان رشدي نزعة التبسيط العالمية "نحن لسنا مخلوقات ميلودرامية"، وذلك قبل أن يختتم مجموعته القصصية باستنتاج مرير مفاده أن "الكلمات تخذلنا". لكن هذا الكتاب هو دليل على أن الكلمات لم تخذل رشدي، ولا الفكاهة التي تميز رُواته، وهم شهود على تخبط شخصيات غير راضية عن مصيرها. وهكذا، في القصة القصيرة المعنونة "موسيقية كاهاني"، ينفصل زوجان بعد إنجاب طفلة، حيث يقرر الأب الرحيل للعيش على القمر، ليس قمر الأرض، بل مجتمع تجريبي يأمل فيه أن يجد معنى لحياته من خلال تقديم الحساء لأتباع ما يبدو أنه أبناء طائفنه، المجانين الآخرين في وقت يستمر الناس في العيش كأشخاص منكوبين على كوكب الأرض. إن قصص "الساعة الحادية عشرة"، سواء كُتبت بأسلوب باروكي أو بأسلوب بسيط، تمزج بين الخيال والحزن الذي يضفي على هذه القراءة طابعاً مشابهاً لكتاب "مدينة النصر" (2023)، أو "كيشوت" (2020)، أو "المنزل الذهبي" (2018). كما تشكل هذه القصص خاتمة المقطع الأخير من مقطوعة أو حركة موسيقية لأعماله، كما اقترح النقاد الأنجلوسكسونيون في رواية جامعة غامضة ومبهمة ستكون مستوحاة من "الجبل السحري" لتوماس مان و"القلعة" لكافكا، وهما "كتابان عظيمان عن عوالم مصغرة غريبة من نفس النوع الذي يحلم به رشدي، المثقف السياسي الملتزم والكاتب الأنجلو-أميريكي. هذا يجعل يجعل الأدب أكثر أشكال الفن تفاعلية. هذا لا يشبه آلية الذكاء الاصطناعي، التي "خلقت ديانات جديدة" ، تتغذى على شيء تم إنشاؤه بالفعل، ولا يمكنها خلق شيء لم يسبق لأحد أن خلقه، كما أن افتقارها إلى حس الفكاهة هو أحد عيوبها الأخرى وتتسبب بما يكفي من المشاكل. يعترف رشدي في حديث أجرته معه" لو بوان" بالعجز عن فعل أي شيئ ، ويواسي نفسه في مغامرة الخيال تلك، هو الرجل المخلص لقناعاته يعلم أن الإنسانية في خطر، وبأن خطوط الصدم والانقسامات في العالم عميقة، ووحده النص الأدبي هو الملاذ للمصالحة في" الأماكن التي لا نموت فيها". فالناس اليوم واثقون جداً مما هو عليه أي شيء، بينما الأدب هو مملكة الشك والتساؤل بما فيه الكفاية . ما قد ينسحب على الاستقطاب الحالي في نقاش يعكس حالة الرفض القوي من الجمهور تجاه ما تفعله إدارة ترامب في الحرب، هذا ليس كل ما يحاول فعله على الإطلاق!. يضيف رشدي في حديثه للمجلة الفرنسية، "لا أعتقد حتى أنه يعرف حقاً ما يحاول فعله، إذا كان مهتماً بصدق بتغيير النظام في إيران وعودة الديمقراطية إلى إيران، فسيكون ذلك جيداً، لكن هل يجد في ذلك أي مصلحة؟ نحن أمام حالة رئيس أمريكي مجنون قليلاً يشن حرباً ضد نظام ثيوقراطي فاشي، وأنا لست في صف أحد، باستثناء صف الشعب الإيراني، الذي لا تتم استشارته بشيئ. ومع ذلك، الجميع اليوم مطالبون باختيار معسكر بين خطابات متنافسة تسعى إلى السحق أكثر من الإقناع. أرفض الكارثة. فالعالم يمكن أن يتغير بطريقة أخرى مثل ما حدث للتو في المجر مع فيكتور اوربان، وفي أمريكا، تهب أيضاً رياح التغيير. لن نعرف ما يحدث حقاً قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني / نوفمبر، لكننا نلاحظ رفضاً قوياً من الجمهور تجاه إدارة ترامب.. إن نهاية ظاهرة ترامب قد تؤدي إلى سقوط أحجار دومينو أخرى، لكن لنكن حذرين، فأنا نبي سيء جدا." هي رمزية بشكل مباشر، حين يتحدث رشدي عن العالم الذي نعيش فيه، حيث أصبحت الانقسامات عميقة في المكان الذي وصلنا إليه. وهنا ، يمكن رصد التقارب بين الكاتب سلمان رشدي والمفكر الراحل إدغار موران، رغم اختلاف مجالاتهما (الأدب مقابل الفلسفة وعلم الاجتماع). ويكمن هذا التقارب في "فلسفة الهوية المركبة" و"رفض التنميط". كان موران تساؤلاً جوهرياً "هل نستطيع أن نكون هؤلاء جميعاً في وقت واحد؟"، مؤكداً أن الهوية "مركبة ومتعددة". بينما يمثل رشدي تجسيداً حياً لهذا المفهوم في أعماله مثل "أطفال منتصف الليل" أو "آيات شيطانية" وفي سيرته الذاتية، حيث يرفض أن يُحصر في هوية دينية أو قومية واحدة. والخيال الأدبي يجسد هذا التعقيد في شخصيات تعيش التعددية في أبهى صورها، التي يحبذها بدوره الكاتب ريجيس دوبريه. ليست الساعة الحادية عشرة لحظة النهاية، بل لحظة الامتحان الأخير؛ ففيها لا تُختبر قوة الدول بقدر ما تُختبر قدرتها على إنتاج معنى جديد للنظام الدولي. والحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط فقط، بل تغيّر اللغة التي تُفسَّر بها القوة، والشرعية، والهوية.وكل حرب كبرى تنتج علاماتٍ أكثر مما تنتج انتصارات. وما يبدو في الميدان حدثًا عسكريًا، يتحول في الخطاب إلى رمز يعيد تشكيل الوعي الجمعي، اسمًا للحظة التي ينهار فيها معنى قديم، قبل أن يستقر معنى جديد من نوع التذمر من الجغرافيا والتاريخ وخطوط الصدع، في مقابل الرغبة بالعيش على القمر!