شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الليلة السابعة من الهجمات الأمريكية على المواقع الإيرانية

تعرّضت كلٌّ من البحرين والكويت وقطر والأردن يوم الجمعة لهجمات إيرانية جديدة، جاءت ردًّا على الضربات الأمريكية التي استهدفت الأراضي الإيرانية. وللسادس يوم على التوالي، تدفع دول الخليج الحليفة لواشنطن ثمنًا مباشرًا لهذا التصعيد العسكري. والأضرار التي لحقت بالبنى التحتية المدنية على الجانبين تكشف عن تصاعد جديد في حدة الصراع. في وقت متأخر من مساء الجمعة، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن القوات الأمريكية شنّت، للليلة السابعة على التوالي، سلسلة جديدة من الضربات ضد المواقع والبنى التحتية العسكرية الإيرانية. وبالفعل، أفادت وسائل الإعلام الرسمية للجمهورية الإسلامية، قُبيل منتصف الليل، بوقوع انفجارات عنيفة في عدة مناطق من جنوب إيران، ولا سيما في بندر عباس. وتستهدف القوات الأمريكية بشكل خاص طرق الاتصالات والمواصلات منذ 48 ساعة. في غضون ذلك، تواصل طهران تصعيدها على الصعيد اللفظي. وهدّد محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الأعلى الإيراني، يوم الجمعة، بأن إيران ستدخل في "مرحلة هجوم شامل" إذا استمرت الضربات الأمريكية لأكثر من "يومين أو ثلاثة أيام"، مضيفًا: "لن تكتفي إيران بعد الآن بالرد، ولن يكون أي حدود بمنأى عن ذلك". قيود على شبكة الكهرباء أعلنت السلطات الإيرانية عن أضرار طالت شبكة الكهرباء في جنوب البلاد، كما أشارت إلى تعرّض جسور وميناء ومطار وبنى تحتية للاتصالات ومحطة قطارات لقصف متعمّد. وفي بيان رسمي، حثّت الوزارة المعنية السكان على إطفاء أجهزة التكييف خلال ساعات الذروة "للمساهمة في ضمان استقرار إمداد الكهرباء في المحافظات الجنوبية، التي تعاني حاليًا من موجة حر شديدة وهجمات على منشآت التغذية الكهربائية". وفي الكويت، تعرّضت محطة لتوليد الكهرباء ومحطة لتحلية المياه لهجوم إيراني، وفق ما أعلنته سلطات الإمارة، التي دعت بدورها السكان إلى "ترشيد استهلاك الكهرباء خلال هذه المرحلة الاستثنائية"، في ظل درجات حرارة تبلغ 48 درجة مئوية. ضربات إيرانية على جميع الاتجاهات أعلنت القوات المسلحة في الكويت والأردن والبحرين وقطر، جميعها حلفاء وثيقون للولايات المتحدة، تعرّضها لهجمات جوية في فجر يوم الجمعة. وفي الكويت، أفاد الجيش بسقوط عدد من الجرحى. أما في قطر، الوسيطة في هذا النزاع، فقد أُصيب طفل بشظايا. وأكدت قوات الحرس الثوري أنها استهدفت قاعدة العديد الجوية الأمريكية، مؤكدةً تدمير أنظمة رادار وطائرات عسكرية بهدف "معاقبة المعتدي". وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هدّد هذا الأسبوع بضرب الجسور ومحطات الكهرباء في إيران إذا رفض قادتها العودة إلى طاولة المفاوضات. وحذّر الحرس الثوري، الجناح العقائدي للجمهورية الإسلامية، من أن الضربات "ستتواصل حتى يعود الهدوء إلى الساحل الجنوبي ومضيق هرمز". ترامب «منفتح على المفاوضات» أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن دونالد ترامب "لا يزال منفتحًا على الدبلوماسية في الوقت ذاته". وأضافت أن الإيرانيين "أبلغوا الرئيس بأنهم لا يزالون يرغبون في التوصل إلى اتفاق، ونحن نتحدث معهم، لكن مجددًا، الرئيس لن يسمح لهم بإطلاق النار على السفن في المضيق دون عواقب". وفي مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب ما يقارب خُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، يواصل حركة الملاحة البحرية تراجعها. خط أنابيب عراقي-سوري في واشنطن، أسفرت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن ثمارها الأولى، إذ رحّبت الولايات المتحدة يوم الجمعة باتفاق عراقي-سوري يرمي إلى إعادة تأهيل خط الأنابيب الرابط بين البلدين، المغلق منذ عقود، مما سيُيسّر في نهاية المطاف نقل النفط في ظل التصعيد المتجدد بين إيران وواشنطن. يُفترض أن يربط خط الأنابيب الإنتاج النفطي العراقي بأسواق التصدير المتوسطية وما وراءها، وهو ما يمثّل فرصة ذهبية في وقت شهدت أسعار النفط الخام ارتفاعاً حاداً إبان الإغلاق الكامل لمضيق هرمز. ولا يزال سعر البرميل في مسار تصاعدي، غير أنه يبقى عند نحو 87 دولاراً، بعيداً عن ذروة 126 دولاراً التي بلغها في أوج النزاع. وأفادت الولايات المتحدة بأنها تقود تكتلاً دولياً لتنفيذ الجوانب التقنية والمالية لهذا المشروع، الذي سيبلغ بعد إعادة تأهيله "طاقةً استيعابية أولية لنقل مليوني برميل من النفط الخام يومياً". وكان باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة توتال إينرجيز، قد صرّح الأسبوع الماضي في دمشق، على هامش زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بأن سوريا يمكن أن تصبح "دولة عبور محورية للنفط القادم من العراق نحو المتوسط"، مشيراً إلى ما تتيحه من "مسارات بديلة" عن مضيق هرمز. في جنوب لبنان على صعيد الجبهة اللبنانية، أشارت مصادر دبلوماسية لبنانية نقلاً عن قناة الحدث، إلى أن الجيش الإسرائيلي بات مرتقباً أن يشرع خلال عطلة نهاية الأسبوع في الانسحاب من المناطق التجريبية التي ستتولى الأسلحة اللبنانية مهمة ضبطها، وذلك تطبيقاً للاتفاق الإطاري الموقّع بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو الماضي. على الصعيد الميداني، واصلت القوات الإسرائيلية المتمركزة في الجنوب تدمير البنية التحتية العسكرية التحت أرضية التي شيّدها حزب الله على مدى عقود. وبالتوازي مع ذلك، نفّذ الجيش الإسرائيلي غارات جوية مُركّزة استهدفت أكثر من منطقة في القطاع الجنوبي من البلاد.

"حب الوطن": الوصية الروحية للبطريرك الحويّك (2/4)

تأكيداً على التقاليد المارونية العريقة، دأب البطريرك الحويّك طوال حبريته على توجيه "رسائل" سنوية إلى رعيّته. ولعلّ أكثر هذه الرسائل شهرةً، وبحق، هي تلك التي وجّهها عام 1930 تحت عنوان "محبة الوطن". هذا النص ليس سوى وصيته الروحية؛ ففي خريف العمر – وقد رحل عن ثمانية وثمانين عاماً – يكشف الحويّك في رسالته عن هاجس رعويّ يسكنه تجاه لبنان الذي ساهم في ولادته، في وقتٍ بدا فيه غياب الحسّ الوطني لدى الطبقة الحاكمة قد بلغ مستويات مثيرة للقلق. جاء هذا الكتيّب بمثابة درسٍ شغوف في المواطنة، يستهلّه بمحبة الوطن، ويختمه بتوصيات دقيقة لا تنتهي حول العدالة التوزيعية، التي تُعدّ ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية التي نادى بها البابا لاون الثالث عشر. مستنداً إلى الأصل اللاتيني لكلمة "وطن"، يكتب البطريرك: "لقد أصاب الغربيون إذ اختاروا لفظة Patria المشتقة من الأب (Père) للتعبير عما نسميه في لغتنا الوطن، كأنما حب الإنسان لوطنه هو عينه حبه الطبيعي لوالديه". وعلى هدي تعاليم القديس توما الأكويني، يشدد البطريرك الحويّك على أنه مثلما يترتّب على المرء تكريم والديه، فإن من واجبه أيضاً إظهار التقوى والولاء لوطنه. لكن عند قراءة الرسالة، يتضح جلياً أن دفاع البطريرك المستميت يحاكي آلام مخاض ولادة أمة، في وجدان رجلٍ حريصٍ كل الحرص على تقويم عثرات مرحلة الطفولة للدولة الناشئة، والارتقاء بها نحو المعنى الحقيقي والكامل للخدمة العامة. ما الحاجة التي دعت البطريرك الحويّك إلى توجيه مثل هذا النداء إلى الموارنة، بعد مرور عشر سنوات فقط على ولادة دولة لبنان الكبير؟ ليس من الصعب تكهن الإجابة؛ ففي أمةٍ لا تزال طور التكوين، تخطو خطواتها الأولى في التاريخ خارجةً من مرحلة ما قبل التأسيس، كان هذا الحب بحاجة إلى الفهم والاستيعاب والإنضاج. وانطلاقاً من مقاربات بديهية حول حب الوطن، يسهب البطريرك في تقديم درس طويل وشغوف في المواطنة. وفي هذا السياق، تؤكد الأخت ماري أنطوانيت سعادة، الرئيسة العامة لجمعية الراهبات المارونيات للعائلة المقدسة، قائلة: "من الواضح تماماً أن المسؤولين آنذاك لم يلاقوا تطلعات البطريرك في ترسيخ مفهوم المواطنة". ويكتب البطريرك في رسالته: "إنَّ النظر في حالنا الحاضرة، وما فيها من الانقسامات والمصائب، يملأ النفس غمّاً وكآبة. وكثيراً ما يتردد على الأفواه حديث اليأس من الإصلاح، وذلك يولّد الفتور واللامبالاة، وهي حالة مضادّة لفضيلة محبة الوطن. فإنَّ هذه الفضيلة تستلزم الرغبة الصحيحة في رؤية وطننا أكثر مجداً ومدنيّة، وأشدّ تمسكاً بالله". وطن "أكثر تحضراً" "أكثر تحضراً"... ها هي الكلمة قد قيلت. إذ يركّز البطريرك الحويّك في رسالته على ضرورة إنماء حس المصلحة العامة لدى النخبة اللبنانية. ويناشد الطامحين إلى تولي الوظيفة العامة ألا يقبلوا بمسؤوليات تفوق كفاءاتهم الفعلية. وكأن هذه المناشدات مرآة تعكس، بكل وضوح، التشوهات والعيوب الصادمة التي اعترت الحياة السياسية والاقتصادية في تلك الحقبة التأسيسية. كانديس ريمون: "الرسالة والهوية" لماذا كل هذه الفوضى؟ تكمن الإجابة عن هذا السؤال، جزئياً، في دراسة تعود إلى عام 2013 بعنوان "حياة وموت وقيامة تاريخ لبنان، أو تقلبات طائر الفينيق" للمؤرخة كانديس ريمون (الصادرة عن المعهد الفرنسي للشرق الأدنى - IFPO). وتكتب المؤرخة في دراستها: "في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ومع طرح مسألة الحدود، طوّر دعاة إنشاء الدولة اللبنانية منظومة حجج اقتصادية وتاريخية للحصول على قرار بضمّ أراضٍ طرفية مختلفة إلى متصرفية جبل لبنان (التي كانت تتمتع منذ عام 1861 بوضع السنجق المستقل). وشمل ذلك ضمّ طرابلس وعكار شمالاً، وسهل البقاع شرقاً، وصيدا وجبل عامل جنوباً، والأهم من ذلك بيروت، التي أرادوا جعلها عاصمة للدولة الجديدة. وعندئذٍ، حلّت غائية سلطة الدولة محلَّ بلاغة الكفاح المستمر ضد الاضطهاد؛ وهي الغائية التي تُميّز بين التأريخ الطائفي الماروني والتأريخ اللبناني الماروني؛ إذ يعكس هذا الأخير العلاقة التي تربط الطائفة المارونية بالأرض اللبنانية. فلم تعد الطائفة، بنضالها من أجل الحرية، هي التي تضفي هويتها الخاصة على الأرض التي تحتلها، بل باتت هذه الأرض، بفعل خصائص تضاريسها وطبيعتها الجغرافية، هي التي تفرض رسالة وهوية على قاطنيها. فالتقابل الجغرافي بين الساحل البحري والجبل اللبناني يجد رصيفه في وظيفة مزدوجة للأرض: "لبنان صلة الوصل والتبادل" بين البحر واليابسة وبين الشرق والغرب، و"لبنان الملجأ" بوصفه معقلاً للحرية والاستقلال. ومنذ ذلك الحين، باتت الدولة تضرب جذورها في التجارب السياسية التي وحّدت بين هاتين الرسالتين، في حين تؤسس الأمة انطلاقاً منهما هويتها الخاصة والفريدة". إنَّ هذه السطور تكتسي أهمية بالغة؛ فالتاريخ اللبناني يظل نقطة الضعف في نظامنا التربوي الوطني. إذ إنَّ لبنانيّي عام 1920، تماماً مثل لبنانيّي عام 2026، لم يدركوا تمام الإدراك هذا "الانقلاب المفاهيمي" الذي أشارت إليه كانديس ريمون. ومما لا شك فيه أنَّ رسالة البطريرك الحويّك كانت ترمي إلى الربط بين هذا التحوّل المفصلي وضرورة إرساء منظومة قيم جديدة؛ أي الانتقال من مسؤوليّة المرء تجاه نفسه، إلى مسؤوليّته تجاه نفسه وتجاه الآخرين على حد سواء؛ أو بعبارة أكثر عمقاً وفلسفة، الانتقال بلبنان من مرحلة ما قبل التأسيس إلى دخوله الفعلي في مجرى التاريخ. هذا العبور هو الانتقال من صيغة "لبنان الرسالة" التي أطلقها البابا يوحنا بولس الثاني، إلى صيغة "لبنان المهمة" – استعارةً لصورةٍ يفهمها اللبنانيون جميعاً اليوم. فلبنان الكبير كان في الحقيقة " إرسالاً في مهمة"، وليس "سوقاً للربح" أو "ساحة للتدافع والتكالب"، كما يبدو للأسف أنَّ الكثير من لبنانيّي ذلك الوقت قد عايشوه. إقرأ أيضاً: البطريرك الحويك، نبي العيش المشترك (1/4)

ترامب والرهان على العراق...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

هل يكون حظّ دونالد ترامب مع العراق افضل من حظّه مع إيران؟ يطرح هذا السؤال نفسه بعد الترحيب الكبير للرئيس الأميركي برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في واشنطن. لم يترك ترامب مديحا إلّا واغدقه على الزيدي متجاهلا أن الرجل كان إلى ما قبل فترة قصيرة صاحب مصرف وضع على لائحة العقوبات الأميركية بتهمة تبييض اموال لمصلحة "الحرس الثوري"! استقبل ترامب رئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض في وقت تدور معارك متقطّعة بين الولايات المتحدة وإيران مع تركيز خاص على مضيق هرمز. اكتشف الرئيس الأميركي متأخرا أن مذكرة التفاهم التي وقعها مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لا تعني شيئا. لا تزال هناك هوة كبيرة تفصل بين واشنطن وطهران. كلّ منهما يغني على ليلاه، كل منهما لديه تفسيره الخاص لمذكرة التفاهم التي توصل إليها مع الإيرانيين نائب الرئيس الأميركي جي. دي فانس يرافقه المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ليست معاودة المعارك بين الولايات المتحدة سوى تعبير عن مدى خيبة ترامب من النتائج التي نتجت عن مسار اسلام أباد ومدى فشل دور الوساطة الذي تلعبه باكستان. حسنا، أعاد الزيدي إعادة تأهيل نفسه واستطاع الوصول إلى موقع رئيس الوزراء، وهو الموقع الأهمّ في العراق، بعد الفيتو الذي وضعه الرئيس الأميركي على نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق والشخصية الشيعيّة الأبرز في ما يسمّى "الإطار التنسيقي". إلى الآن، أظهر الزيدي، من خلال الحملة على الفساد التي تشنّها حكومته، مقدارا كبيرا من الجدّية، علما أنّه ينقص هذه الحملة الذهاب كشف الرؤوس الكبيرة التي هي في أساس الفساد. إنّها الرؤوس التي تقف خلف الفساد منذ العام 2003 تاريخ اسقاط الولايات المتحدة لنظام صدّام حسين بكلّ سيئاته، تمهيدا لتسليم هذا البلد المهم إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران. مطلوب من العراق، في ظل حكومة علي الزيدي، فصل مساره عن إيران. لا يبدو ذلك ممكنا، لا لشيء سوى لأن "الحرس الثوري" لا يزال يتحكّم بمفاصل السلطة. يظلّ الدليل الأهمّ على ذلك كلّه وجود "الحشد الشعبي" الذي يضمّ مجموعة من الميليشيات المذهبيّة الموالية لإيران كمركز ثقل في الحياة السياسيّة العراقيّة. عمل "الحشد" على لعب دور أمني لدى تشييع جثمان "المرشد" على خامنئي في كربلاء والنجف بحضور شخصيات كبيرة ذات وزن مثل نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي. أكثر من ذلك أعلن يوم تشييع خامنئي في العراق يوم عطلة رسميّة. عاجلا أم آجلا، سيأتي يوم الاستحقاق العراقي. لا يتعلّق الأمر بمتابعة الحملة على الفساد التي لا يتوقع وصولها إلى ابعد مما وصلت إليه فحسب، بل إلى موضوع السلاح الموجود لدى فصائل "الحشد الشعبي" وميليشيات عراقيّة أخرى تابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني أيضا. خلافا لما يعتقده الرئيس ترامب لن يكون سهلا لا على علي الزيدي ولا على غيره من الزعماء العراقيين التخلص من إيران التي لا تزال تمسك بمفاتيح السلطة في العراق. أي تفسير لدى الزيدي لإطلاق مسيرات في اتجاه الكويت من الأراضي العراقيّة وأي تفسير لاستمرار الاعتداء على القنصلية الكويتية في البصرة في وقت لا تتوقف "الجمهوريّة الإسلاميّة" عن الاعتداء على دول الخليج العربي وعلى الأردن من منطلق أنّ ذلك يشكل ردّا على الهجمات الأميركيّة؟ كانت لافتة شحنة الأسلحة، بينها 150 مسيّرة وصواريخ، التي صادرتها السلطات السوريّة عند الحدود العراقيّة في طريقها إلى بانياس حيث توجد مصفاة للنفط. كانت الأسلحة مرسلة إلى "حزب الله" الذي وصفته السلطات السوريّة بـ"الإرهابي". من وضّب تلك الأسلحة في العراق، بطريقة متقنة، كي ترسل إلى "الحزب" ولبنان عن طريق سوريا؟ هل يكفي تشكيل لجنة تحقيق عراقيّة كي لا يعود في العراق من يتعاطف مع "حزب الله"؟ لا شكّ أن موقف الحكومة العراقيّة من "حزب الله" اللبناني ووضعه على لائحة الإرهاب خطوة في غاية الأهمّية. تبقى في نهاية المطاف حقيقة كبرى تتمثّل في عجز حكومة علي الزيدي، أقلّه إلى الآن، عن قطيعة تامة مع "حزب الله" الذي استطاع خرق أكثر من ميليشيا عراقية تتعاطف معه. لكن، من يدري؟ ربّما تلجأ الحكومة العراقية، عبر موقفها من "حزب الله" اللبناني، إلى ذر الرماد في العيون بدل الذهاب إلى معالجة وضع "حزب الله" العراقي. تحدّث ترامب طويلا عن أهمّية النفط العراقي وما يعنيه بالنسبة إلى الشركات الأميركيّة. يخشى ألّا يكون الرهان على العراق أفضل من الرهان الذي قام به ترامب على إيران وعلى مذكرة التفاهم التي توصل إليها جناح في ادارته مع "الجمهوريّة الإسلاميّة". سيبقى مثل هذا النوع من الأسئلة مطروحا في غياب التغيير الكبير في إيران، وهو تغيير يمكن أن يحصل ويمكن ألّا يحصل، وهو تغيير ستبقى المنطقة، بما في ذلك العراق رهينة له... بوجود علي الزيدي وعدم وجوده.

المنطقة تقف على فوهة بركان
بقلم
LevantTime .
نُشر

لا تزال حدة التوتر تتصاعد في المنطقة، التي باتت تبدو أكثر فأكثر وكأنها تقف على فوهة بركان قد يثور في أي لحظة. فقد رفعت إيران، الخميس، من سقف تهديداتها مجدداً، ولوّحت مرة أخرى بورقة الحوثيين في مواجهة التحذيرات الأميركية. وفي موازاة ذلك، خطا حزب الله في لبنان خطوة إضافية في مواجهة مؤسسات الدولة، بعدما شنّ عدد من نوابه هجوماً عنيفاً على رئيس الجمهورية، اعتراضاً على بدء تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي الجزئي من المناطق التجريبية في جنوب البلاد، وعلى مشروع نزع سلاح الحزب. وقبل ساعات من الخطاب المرتقب للرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمقرر عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بتوقيت غرينتش فجر الجمعة (الرابعة فجراً بتوقيت بيروت)، أعلنت طهران أن جيشها سيستهدف بنى تحتية في مختلف أنحاء المنطقة إذا نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته باستهداف منشآت مدنية إيرانية. وجاء هذا التحذير على لسان المتحدث باسم القيادة العسكرية العليا الإيرانية، الذي نقلت عنه وكالة رويترز قوله إن طهران «لن تسمح بأي تدخل أميركي في مضيق هرمز». وأضاف أن هذه القضية تمثل «خطاً أحمر» بالنسبة للجمهورية الإسلامية، التي تخضع موانئها مجدداً لحصار بحري أميركي منذ أن أغلقت هذا الممر البحري الاستراتيجي. ووفقاً لرويترز، نقلاً عن ثلاثة مصادر، فقد طلبت إيران من جماعة الحوثيين في اليمن الاستعداد لـ«إغلاق طريق النفط في البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب إذا شنت الولايات المتحدة ضربات على البنية التحتية للطاقة في إيران»، الأمر الذي يشكل تهديداً جديداً وخطيراً لإمدادات الطاقة العالمية. وأضافت الوكالة أن الفكرة نوقشت داخل القيادة الإيرانية، وأن الرسالة نُقلت إلى الحوثيين، وفق مصدرين إيرانيين رفيعي المستوى ومصدر إقليمي مطلع على الملف، طلبوا جميعاً عدم الكشف عن هوياتهم. ويبدو أن إيران تسعى إلى استباق خطاب دونالد ترامب، معتمدة على احتمال توسيع رقعة المواجهة مع الولايات المتحدة في حال تعرضها لـ«ضربات معادية». وفي هذا السياق، عادت الجمهورية الإسلامية، التي تتقن استخدام الحروب بالوكالة، إلى توظيف ورقة الحوثيين. وفي هذا الإطار، شنّ زعيم الجماعة اليمنية عبد الملك الحوثي هجوماً حاداً على المملكة العربية السعودية في كلمة متلفزة، مهدداً باستهداف الرياض إذا عادت المملكة إلى مهاجمة مواقع الحوثيين. ووصف الضربة السعودية على مطار صنعاء بأنها «عدوان غير مبرر»، علماً أن جماعته كانت قد بادرت مساء الاثنين إلى إطلاق صواريخ على مطار في جنوب السعودية، ما استدعى رداً سعودياً عنيفاً. وترى وسائل إعلام دولية عدة أن خطاب الرئيس ترامب قد يشكل نقطة تحول في مسار الأزمة، مذكّرة بأن خطابه الأخير في الأول من أبريل/نيسان تضمن إعلانات «مدوية». وكان الرئيس الأميركي قد وصف الخطاب المرتقب بأنه «إعلان كبير جداً». ومن المتوقع أن يتناول ملفات تتعلق بالانتخابات الأميركية المقررة في نوفمبر، إضافة إلى المفاوضات مع إيران التي وصلت حالياً إلى طريق مسدود. أما الوسيط الباكستاني، الذي كان يكثف تنقلاته لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، فيبدو اليوم عاجزاً عن تحقيق أي اختراق. فقد اكتفت إسلام آباد، الخميس، بدعوة واشنطن وطهران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. وجاء هذا النداء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، وهو يعكس في المقام الأول عجز الوساطة الباكستانية عن كبح التصعيد الحالي. ميدانياً، تستمر المواجهة وفق النمط نفسه: إذ تنفذ القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) ضربات متتالية، ولا سيما ليلاً، ضد منشآت إيرانية، فيما ترد الجمهورية الإسلامية باستهداف مواقع أميركية في عدد من دول المنطقة، ولا سيما في الأردن والبحرين والكويت. كما شنت القوات الأميركية، مساء الخميس، غارات على مواقع في محيط بندر عباس المطل على مضيق هرمز. أسلحة لحزب الله في لبنان في موازاة ذلك، تتصاعد حدة التوتر في لبنان، حيث يستعد الجيش اللبناني وإسرائيل لتنفيذ الآلية التي تنص على انسحاب إسرائيلي جزئي من مناطق تجريبية في جنوب البلاد. وهي خطوة يعارضها حزب الله بشدة، إذ لا يزال يرفض الاتفاق الإطاري المبرم بين بيروت وتل أبيب، كما يواصل رفض مبدأ المفاوضات المباشرة بين العاصمتين اللتين تتقاسمان هدفاً واحداً يتمثل في الحد من قدرة الحزب على التأثير وفرض حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. غير أن هذه الخطوة تأتي في ظل مناخ شديد التوتر. فما زال حزب الله يرفض تسليم سلاحه، وهو ما أكده الخميس أحد نوابه، حسن فضل الله، في وقت جدد فيه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال محادثة مع نظيره الأميركي بيت هيغسيث، تأكيد عزم تل أبيب على الإبقاء لفترة طويلة على قواتها في «المناطق الأمنية» التي أقامتها في لبنان وسوريا وقطاع غزة، بهدف حماية حدودها. وفي المقابل، أعلن وزير الداخلية السوري أن السلطات السورية أحبطت، على الحدود السورية-العراقية، محاولة تهريب شاحنة محملة بأسلحة متطورة وصواريخ كانت في طريقها إلى حزب الله، وهو ما عزز، بحسب إسرائيل، مبرراتها للإبقاء على قواتها داخل الأراضي اللبنانية. وأكدت دمشق أن هذه العملية ليست حادثة معزولة، بل تأتي في سياق عمليات متكررة، معتبرة أنها تعزز الاتهامات الموجهة إلى إيران بمواصلة إعادة تسليح أبرز أذرعها العسكرية في المنطقة، رغم الضغوط الدولية. وتأتي هذه التطورات في وقت كان دونالد ترامب قد عاد ليتحدث عن احتمال إسناد دور أكبر إلى سوريا في مواجهة حزب الله. أما الحزب، فقد نفى في بيان مقتضب «ممارسة أي نشاط في سوريا»، مستخدماً عبارات عامة وفضفاضة. وقد صدر البيان بعد الإعلان عن ضبط شحنة الأسلحة، لكنه لم يشر إليها مباشرة، واكتفى بالقول إن هناك «معلومات مفبركة تهدف إلى الإساءة (للحزب) وخدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية». في هذه الأثناء، صعّد نواب حزب الله هجومهم على رئيس الجمهورية جوزاف عون وعلى الاتفاق الإطاري اللبناني-الإسرائيلي، مؤكدين أن «تل أبيب لن تتمكن من فرضه على الرافضين له». كما انتقد حسن فضل الله بشدة قرار السلطات اللبنانية نزع سلاح الحزب، معتبراً أن «هذا السلاح هو الذي يقلق إسرائيل». وفي المقابل، بدأ الجيش اللبناني تعزيز انتشاره في جنوب البلاد، حيث كثف دورياته في نحو عشرة بلدات جنوبية، بينها بنت جبيل التي كانت القوات الإسرائيلية قد دخلتها سابقاً. أما ميدانياً، فتواصل إسرائيل عملياتها العسكرية المحدودة، إذ أسفرت غارة إسرائيلية على النبطية الفوقا عن مقتل شخصين خلال النهار، فيما استمرت، بشكل متقطع، عمليات القصف ونسف المنازل في عدد من المناطق.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (12)

تأتي هذه السلسلة من المقالات لتتيح فهماً أعمق للوضع الراهن على ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو العاطفية التي غالباً ما تجانب الواقع. ويعود للقارئ وحده استخلاص النتائج التي تفرض نفسها . شكلت الأجزاء الأحد عشر السابقة إعادة قراءة للأحداث المتعلقة بتعاظم قوة حزب الله منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى التطبيق المنقوص بشكل فاضح لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الصادر عام 2006. منذ الانسحاب الإسرائيلي الأول في أيار 2000، أبرم رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك إميل لحود (1998-2007) والأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله اتفاقاً جوهرياً قضى بأن تمنح الدولة الغطاء الشرعي للحزب، في مقابل التزام الأخير علناً وبشكل رسمي باحترام المؤسسات الوطنية والامتناع عن استخدام ترسانته العسكرية في الصراعات السياسية الداخلية. غير أن الأيام أثبتت لاحقاً أن هذا التعهد لم يكن واهياً فحسب - إذ تهاوى كلياً في 7 أيار 2008 عندما اجتاح الحزب بيروت بقوة السلاح - بل إن هذا السلاح كان يلقي بكل ثقله على القرار الوطني. وعلى الصعيد العسكري، تُرجم تفاهم "لحود-نصر الله" بتنسيق واسع بين الحزب الموالي لإيران وقادة الأجهزة الأمنية اللبنانية، حيث شَغَلَ المناصبَ الحيوية والأساسية ضباطٌ الموثوقين لدى لحود، وآخرون يحظون برضا "حزب الله" و/أو حليفته حركة "أمل". السيطرة على الجيش في أعقاب الغزو السوري في 13 تشرين الأول 1990، واحتلال قوات نظام الأسد للقصر الجمهوري ووزارة الدفاع، خضع الجيش اللبناني لعملية تطهير ممنهجة وقمع قادته المنظومة الأمنية اللبنانية-السورية المشتركة، بهدف كسر أي نزعة لمقاومة الاحتلال السوري داخل المؤسسة العسكرية. ففي يوم الغزو نفسه، نُفِّذت جرت تصفية أكثر من مئة جندي لبناني، فيما تَعَرَّضَ عشراتٌ آخرون للإهانة والأسر، ونُقِلَ نحو عشرين ضابطاً كبيراً إلى السجون السورية. وشهد العامان التاليان (1991-1992) إعادة هيكلة قسرية للجيش؛ فلوحق الضباط والرتباء المشتبه في مناهضتهم لدمشق أو ولائهم للمعارضة السيادية، وجرى توقيفهم لدى أجهزة الاستخبارات اللبنانية والسورية حيث أُخضِعوا للترهيب، أو أُحيلوا قسراً على التقاعد، أو سِيقوا إلى المحكمة العسكرية بتهمة "النيل من العلاقات مع دولة شقيقة". وفي أقبية الاعتقال السري بوزارة الدفاع في اليرزة، أو في مراكز الاحتجاز السورية المنتشرة على الأراضي اللبنانية كمركز "عنجر"، تعرّض العديد من هؤلاء العسكريين لشتى أنواع التعذيب الممنهج، لينتهي المطاف ببعضهم ضمن قائمة مئات المفقودين اللبنانيين في السجون السورية. ومنذ تعيينه قائداً للجيش اللبناني عام 1990، ثم وصوله إلى سدة الرئاسة الأولى عام 1998، احتفظ إميل لحود بنفوذ حاسم داخل المؤسسة العسكرية مستنداً إلى ولاء ودعم كبار الضباط في المناصب الأساسية؛ إذ كان بصفته رئيساً للجمهورية يوقّع مراسيم ترقياتهم، وله اليد الطولى في تعيينهم في هذه المراكز. وإلى جانب الضباط الموالين للحود، خضع آخرون لنفوذ رئيس مجلس النواب وزعيم حركة "أمل" نبيه بري، الحليف الأساسي لـ"حزب الله"، أو لسياسيين آخرين يدورون في الفلك السوري. عندها، بدأت العقيدة السيادية للجيش - التي ميزته منذ الاستقلال - بالتراجع تدريجياً، لتحل محلها عقيدة أخرى تقبل بمقاسمة السيادة الوطنية مع جيش الاحتلال السوري الذي كان يُنعت بـ"الشقيق"، ومع "حزب الله". وعلى الرغم من أن هذه العقيدة الجديدة واجهت مقاومة في صفوف العسكريين، إلا أنها ظلت سائدة لأكثر من عقدين من الزمن. استهداف القيادات السيادية وتهميشها (1990-2005) منذ عام 1990، جرى تهميش كامل للسياسيين السياديين في العملية السياسية وفي التعيينات داخل مؤسسات الدولة. وفرض النظام الانتخابي القائم منذ عام 1992، والذي أملاه السوريون، إلى جانب ممارسات الترهيب، خياراً واحداً عليهم: إما الخضوع أو الانكفاء. وبموازاة ذلك، دخل "حزب الله" البرلمان عقب انتخابات عام 1992 باثني عشر مقعداً، في وقتٍ غابت فيه القوى السيادية عن الندوة البرلمانية بالكامل. وبدأت حملة الترهيب باغتيال داني شمعون، رئيس حزب الوطنيين الأحرار، بعد أيام قليلة من الاجتياح السوري في تشرين الأول 1990، وتلا ذلك النفي القسري للجنرال ميشال عون (1991) - الذي كان آنذاك مناهضاً للاحتلال السوري والميليشيات غير الشرعية، ومنها "حزب الله"، قبل أن يصطف بعد خمسة عشر عاماً إلى جانب الميليشيا الموالية لإيران. وكان الرئيس الأسبق أمين الجميل (1982-1988) قد اختار النفي الطوعي في فرنسا منذ نهاية ولايته الرئاسية. وبين عامي 1990 و2005، دأبت الوصاية الأمنية اللبنانية-السورية على خنق المعارضة المناهضة لسوريا بشكل ممنهج عبر موجات من الاضطهاد، في عهدي الرئيسين إلياس الهراوي (1989-1998) وإميل لحود (1998-2007). وتجلت سنوات القمع هذه في محطات بارزة، منها اختطاف عضو المكتب السياسي لحزب الكتائب بطرس خوند في 15 أيلول 1992، ثم التفجير الذي لم تُكشف ملابساته ضد كنيسة سيدة النجاة في ذوق مكايل في 27 شباط 1994 (الذي خلف 11 قتيلاً)، والذي اتخذته الحكومة الموالية لسوريا ذريعة مباشرة لحل حزب القوات اللبنانية واعتقال قائده سمير جعجع في 21 نيسان 1994، ليُحكم عليه بالسجن المؤبد ويمضي فيه أكثر من أحد عشر عاماً. وبعد أيام قليلة، في 27 نيسان 1994، استهدف الإرهاب المكتب السياسي لحزب الكتائب في الصيفي، موديًا بحياة أحد كوادره طوني بعقليني. إضافة إلى ذلك، تعرضت الحركات الطالبية للتيار الوطني الحر (الذي أسسه ميشال عون)، والقوات اللبنانية، وحزب الوطنيين الأحرار، والكتائب لمداهمات واعتقالات متكررة، بلغت ذروتها يوم الخميس 7 آب 2001 عندما اعتُقل أكثر من 250 ناشطاً سيادياً بعنف في أعقاب المصالحة التاريخية في الجبل بين البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير، رمز المقاومة المناهضة لسوريا آنذاك، ووليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي. وتُرجمت استراتيجية الترهيب الأمني هذه أيضاً في الإغلاق القسري لمحطة "إم تي في" عام 2002، والتضييق على الصحافيين، وفي مقدمهم جبران تويني. اغتيال رفيق الحريري والانسحاب السوري في أعقاب اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وثورة الأرز التي تلته، انسحبت قوات دمشق في 28 نيسان 2005، ما أتاح عودة ميشال عون من منفاه بعد خمسة عشر يوماً، في 7 أيار 2005، ثم إطلاق سراح سمير جعجع بموجب قانون عفو في تموز 2005. وكان الرئيس أمين الجميل قد عاد من جهته منذ عام 2000. تقاسم السيادة بين الدولة وحزب الله على الرغم من ثورة الأرز والانسحاب السوري عام 2005، ثم الانسحاب الإسرائيلي الثاني عام 2006 تطييقاً للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، واصل الرئيس لحود الإشراف على تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الأجهزة الأمنية اللبنانية والميليشيا الموالية لإيران. وكان الهدف الرئيسي هو تحديد مناطق عمليات الجيش اللبناني لإخلاء الساحة لحزب الله في جنوب لبنان، والضاحية الجنوبية لبيروت، والبقاع الشمالي، وتأمين الخطوط اللوجستية للحزب الموالي لإيران من سوريا. وفضلاً عن ذلك، استهدف هذا التنسيق ملاحقة شبكات التجسس الإسرائيلية. اقرأ أيضاً حول الموضوع نفسه: حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (11) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (10) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (8) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2)

ما بعد نبيه بري
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

منذ أكثر من ثلاثة عقود، ارتبطت السياسة اللبنانية ارتباطاً وثيقاً باسم نبيه بري. فمنذ توليه رئاسة مجلس النواب عام 1992، صمد بري أمام رؤساء جمهورية ورؤساء حكومات وحروب إقليمية وتدخلات دولية وتحولات جيوسياسية عميقة. لم يعد مجرد رئيس للسلطة التشريعية، بل تحوّل إلى أحد المهندسين الرئيسيين للبنان ما بعد الطائف،وبالتحديد ما بعد الاتفاق الثلاثي، والزعيم السياسي الأوحد لحركة أمل. غير أن السياسة تواجه حتماً السؤال الذي يتركه كل زعيم طال بقاؤه في السلطة: ماذا بعد؟ السؤال هنا ليس عمّا إذا كان بري سيرحل غداً أو بعد سنوات؛ فلا شيء يشير إلى أنه على وشك التنحي. بل إن السؤال الاستراتيجي الحقيقي هو ما إذا كان لبنان يُعِدّ فعلاً للانتقال من نظام سياسي محوره الأفراد إلى نظام قائم على المؤسسات. هذا النقاش يتجاوز حركة أمل والطائفة الشيعية بكثير. إنه، بمعنى من المعاني، اختبار لقدرة لبنان نفسه على التطور السياسي الحديث. نهاية حقبة قلّة من السياسيين في الشرق الأوسط حافظوا على نفوذهم لهذه المدة الطويلة كما فعل بري. ولم يكن طول بقائه محض صدفة، إذ أتقن فن الموازنة بين الفرقاء الداخليين مع الحفاظ على علاقات عمل مع دمشق وطهران والرياض وباريس وواشنطن، وكلما اقتضت الحاجة، مع الوسطاء الدوليين. وضمن المشهد السياسي الشيعي في لبنان، برزت تدريجياً معادلة غير مكتوبة: أصبح حزب الله القوة العسكرية والأيديولوجية، بينما وضع بري نفسه في موقع الوجه المؤسسي للمشاركة السياسية الشيعية داخل الدولة اللبنانية. وقد ساهم هذا التقسيم للأدوار في توازن داخلي مستقر نسبياً على مدى عقود، وتدميرا ممنهجا لمنطق الدولة. لكن التاريخ نادراً ما يسمح للمعادلات السياسية بالبقاء إلى الأبد. فالبيئة الإقليمية التي أسندت هذا التوازن تتغيّر. النفوذ الإيراني بات موضع تحدٍّ متزايد. الدول العربية تعيد الانخراط مع لبنان بشروط جديدة. الولايات المتحدة تواصل التشديد على مؤسسات الدولة وإصلاح القطاع الأمني. النقاش حول مستقبل دور حزب الله بات أكثر تواتراً، فيما تتزايد الضغوط على الدولة اللبنانية لاستعادة احتكارها للسلطة الشرعية. في ظل هذه الخلفية، تصبح مسألة الخلافة حتماً جزءاً من نقاش أوسع بكثير. أبعد من الأسماء المتداولة كثيراً ما تختزل النقاشات الإعلامية مسألة الخلافة في تحديد وريث واحد. لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. من بين الأسماء المتداولة بكثرة داخل أوساط حركة أمل، يبرز علي حسن خليل، أحد أقرب المقرّبين سياسياً من بري ووزير المالية السابق. تجربته وقربه من الرئيس بري يجعلانه مرشحاً بديهياً ضمن التراتبية التقليدية للحركة. غير أن العقوبات الدولية وتهم الفساد والاستقطاب السياسي يعقّدان كثيراً من فرصته في الظهور كشخصية وطنية جامعة. اسم آخر يتكرر كثيراً هو جميل حايك، رئيس المكتب السياسي في حركة أمل. يتمتع حايك بخبرة تنظيمية عميقة ومصداقية داخل الهيكل المؤسسي للحزب. لكن القيادة التنظيمية لا تتحول تلقائياً إلى سلطة سياسية على المستوى الوطني. كما يمتلك قياديون بارزون في أمل، مثل قبلان قبلان وهاني قبيسي، خبرة برلمانية وتنظيمية واسعة، لكن لا أحد منهم يبدو، في الوقت الراهن، قادراً على استنساخ مزيج بري الفريد من الشرعية السياسية ومهارات التفاوض والعلاقات الإقليمية والسلطة المؤسسية. وهذا وحده يشير إلى أن لبنان لن يشهد على الأرجح ظهور "نبيه بري آخر". هل يمكن أن تأتي القيادة من خارج أمل؟ الاحتمال الأكثر إثارة للاهتمام هو أن السياسة الشيعية في مرحلة ما بعد بري قد لا تبقى محصورة داخل التراتبية التقليدية لحركة أمل. كثيراً ما يُذكر اسم اللواء المتقاعد عباس إبراهيم، المدير العام السابق للأمن العام، بسبب خصوصية سيرته. فقد بنى خلال مسيرته الأمنية شبكة علاقات واسعة عبر الطيف السياسي اللبناني، مع حفاظه في الوقت نفسه على قنوات تواصل مع حكومات عربية وعواصم غربية وجهات إقليمية فاعلة. وخلافاً للسياسيين التقليديين، تقوم سمعته على إدارة الأزمات والتفاوض على الرهائن والدبلوماسية الاستخبارية والحوار البراغماتي. ويبقى غير مؤكد ما إذا كانت مثل هذه المؤهلات قادرة على التحول إلى زعامة سياسية، إذ إن الخبرة الأمنية لا تُنتج تلقائياً شرعية انتخابية. لكن في المراحل الانتقالية، غالباً ما تلجأ الدول إلى شخصيات توافقية قادرة على الجمع بين الفرقاء المتنافسين. اسم آخر يُطرح أحياناً هو النائب جميل السيد. يحاول السيد إظهار صورة الاستقلالية عن البنى الحزبية التقليدية رغم خلفيته الأمنية الطويلة. وقد أكسبه انتقاده للنخب السياسية التقليدية أنصاراً يبحثون عن خطاب بديل داخل الطائفة الشيعية. غير أنه يبقى أيضاً من أكثر الشخصيات العامة إثارة للجدل في لبنان. فأسلوبه السياسي التصادمي قد يحمّس أنصاره في الوقت الذي يجعل فيه تحقيق الإجماع الوطني وتاريخه أكثر صعوبة. لا يمثّل عباس إبراهيم ولا جميل السيد حالياً مشروع خلافة واضحاً. لكن أهميتهما تكمن في كونهما يوضحان أن الفصل المقبل قد لا يُكتب حصراً داخل الإطار التنظيمي لحركة أمل. السؤال الحقيقي مؤسساتي إن التركيز حصراً على الشخصيات يُغفل التحول الأكبر الجاري فعلاً. فالأنظمة السياسية الحديثة لا تسأل مَن يرث الزعيم، بل تسأل ما إذا كانت المؤسسات قادرة على إنتاج قيادة جديدة. وهنا يكمن التحدي الأكبر أمام لبنان. فلعقود، ظلت الأحزاب السياسية عبر مختلف الطوائف تدور إلى حد كبير حول السلطة الفردية بدل الآليات الديمقراطية الداخلية. وغالباً ما تُحدَّد عمليات انتقال القيادة بالنفوذ الشخصي أو الشبكات العائلية أو الظروف السياسية الاستثنائية، بدل مسارات مؤسسية شفافة. وحركة أمل ليست استثناءً في هذا الصدد. والفرصة الحقيقية التي تحملها مرحلة ما بعد بري تكمن في تحويل أمل من حركة مرتبطة بزعيم تاريخي واحد إلى حزب سياسي مؤسساتي كامل، تحكمه انتخابات داخلية وتجديد للقيادة ونقاش في السياسات ومساءلة. مثل هذا التحول من شأنه أن يعزز الحركة لا أن يضعفها. فالمؤسسات القوية تنجو بعد رحيل الزعماء. أما الأنظمة السياسية القائمة حصراً على الشخصيات، فنادراً ما تنجو. اختبار للطائفة الشيعية في لبنان تقف الطائفة الشيعية نفسها اليوم أمام فرصة تاريخية مهمة. فلعقود، هيمنت على تمثيلها منظمتان كبريان تشكّلت شرعيتهما في سياق الحرب و"المقاومة"والصراع الإقليمي. لكن السنوات المقبلة قد تتطلب مفردات سياسية مختلفة. التعافي الاقتصادي. بناء الدولة. الإصلاح المؤسسي. الاستثمار الأجنبي. استقلالية القضاء. التحديث الإداري. هذه الأولويات تتطلب قيادة سياسية قادرة على الحكم لا على التعبئة فحسب. وسيُحكم على الجيل المقبل من القادة الشيعة، في نهاية المطاف، بمقدار أقل استناداً إلى أرصدة زمن الحرب، وبمقدار أكبر استناداً إلى قدرتهم على إعادة بناء الدولة اللبنانية. ما بعد بري في نهاية المطاف، لا ينبغي قياس المستقبل بما إذا كان أحد سيخلف نبيه بري بطريقة وضع اليد على مؤسسات الدولة، حتى الوصول إلى البطالة المقنعة التي خلقها من التوظيف العشوائي. لن يفعل أحد ذلك. والسؤال الأكثر جوهرية هو ما إذا كان بإمكان لبنان أن يتحرر أخيراً من إدمانه المزمن على الزعماء الذين لا يمكن الاستغناء عنهم. فإذا انحصر النقاش بعد بري حصراً في اختيار "رجل قوي" آخر، فإن لبنان سيكرر ببساطة الثقافة السياسية نفسها تحت اسم مختلف. أما إذا شجّع الانتقال على أحزاب أقوى، وآليات شفافة لاختيار القيادة، وحوكمة مؤسسية، وتعددية سياسية أوسع داخل الطائفة الشيعية، فإن رحيل بري - أياً كان موعده - قد لا يكون بداية لعدم الاستقرار، بل بداية للنضج السياسي. لبنان لا يحتاج إلى رجل آخر لا غنى عنه. إنه يحتاج إلى مؤسسات لا غنى عنها. وهذا، أكثر من أي معركة خلافة، ما سيحدد الفصل السياسي المقبل للبلاد.