شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
قبل السلام… ما هي خطة لبنان؟
بقلم
حسام العيد
نُشر

لنضع جانباً، ولو للحظة، الاعتراضات على اتفاق الإطار، والانقسامات السياسية التي رافقته، والمواقف المتباينة منه. ولنناقش سؤالاً آخر، قد يكون أكثر أهمية من الاتفاق نفسه، لأنه يتعلق بما سيأتي بعده. إذا افترضنا أن لبنان يتجه، عاجلاً أم آجلاً، إلى إنهاء حالة الحرب مع محيطه، وأن المنطقة تسير تدريجياً نحو مرحلة جديدة من العلاقات بين الدول، فهل تملك الدولة اللبنانية تصوراً واضحاً لما تريده من هذه المرحلة؟ وهل بدأ أحد أصلاً بالتفكير في موقع لبنان الاقتصادي والسياسي إذا تبدلت البيئة الإقليمية التي عاش في ظلها منذ عقود؟ ما يلفت الانتباه أن النقاش اللبناني يكاد يقتصر بالكامل على الاتفاقات نفسها؛ على شروطها، وضماناتها، وآليات تنفيذها، والاعتراضات عليها. أما السؤال الذي يفترض أن يسبق كل ذلك، فلا يزال غائباً: ماذا نريد نحن من هذا التحول؟ الدول لا تنظر إلى إنهاء الحروب باعتباره مجرد إنجاز سياسي أو أمني، بل باعتباره لحظة تعيد فيها رسم أولوياتها الاقتصادية، وتحدد موقعها الإقليمي، وتعيد تعريف دورها في محيطها. لذلك، لا تكتفي بالتفاوض على اتفاقات تنهي النزاعات، بل تعمل بالتوازي على إعداد الدراسات، ورسم السيناريوهات، ووضع السياسات التي تسمح بتحويل الاستقرار إلى نمو اقتصادي واستثمارات وفرص عمل ونفوذ إقليمي. أما في لبنان، فلا يبدو أن هذا النقاش قد بدأ أصلاً. لم نسمع عن أي دراسة وطنية تقيم أثر التحول المحتمل على الاقتصاد اللبناني، ولا عن رؤية تحدد القطاعات التي يمكن أن تشكل محركاً للنمو في المرحلة المقبلة، ولا عن نقاش جدي حول الدور الذي يريد لبنان أن يؤديه في شرق المتوسط إذا تبدلت طبيعة العلاقات السياسية في المنطقة. وكأننا نفترض أن أي اتفاق، إذا تحقق، سيقود تلقائياً إلى الازدهار، فيما تثبت تجارب الدول أن الاستقرار لا يصنع التنمية، بل يخلق فقط الظروف التي تسمح بتحقيقها لمن يعرف كيف يستفيد منها. والأهم أن لبنان لا يقف أمام علاقة واحدة، بل أمام احتمال قيام علاقات مختلفة مع دولتين تختلفان جذرياً في بنيتهما الاقتصادية، ما يفرض مقاربتين مختلفتين تماماً. فالعلاقة مع سوريا، إذا استقرت على أسس واضحة تحترم سيادة الدولتين، ستكون علاقة بين اقتصادين يواجهان تحديات متشابهة. كلا البلدين يسعى إلى إعادة بناء اقتصاده، واستعادة الثقة، وتطوير بناه التحتية، وإعادة تنشيط قطاعاته الإنتاجية. وهذا يفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بإعادة تنظيم حركة الترانزيت، وتطوير المعابر الشرعية، وربط شبكات النقل والطاقة، والاستفادة من أي عملية إعادة إعمار مستقبلية ضمن قواعد واضحة تحفظ المصالح اللبنانية وتمنع العودة إلى أنماط التبعية والتدخل التي دفع لبنان ثمنها لعقود. إنها علاقة تقوم، في جوهرها، على البحث عن مجالات للتكامل بين اقتصادين يحاولان النهوض معاً. أما العلاقة مع إسرائيل، فهي تنطلق من واقع مختلف كلياً. فهنا لا نتحدث عن اقتصادين متقاربين، بل عن فجوة كبيرة في حجم الاقتصاد، ومستوى التكنولوجيا، والابتكار، والقدرة الصناعية، والوصول إلى الأسواق العالمية، وجذب الاستثمارات. ومن هنا، يصبح السؤال مختلفاً أيضاً. فالتحدي لا يكمن في حجم التبادل التجاري المباشر، بل في كيفية تموضع لبنان داخل بيئة اقتصادية إقليمية تضم اقتصاداً متقدماً بهذا الحجم. في مثل هذه الحالات، لا تستطيع الدول الصغيرة أن تبني استراتيجيتها على منافسة الاقتصادات الأكبر في المجالات نفسها، بل على تحديد المجالات التي تستطيع فيها خلق قيمة مضافة، سواء في الخدمات، أو التعليم، أو الاقتصاد الرقمي، أو الصناعات الإبداعية، أو التمويل، أو الرعاية الصحية، أو أي قطاع آخر يمنحها دوراً مميزاً داخل المنطقة. وهذا يقود إلى السؤال الذي ينبغي أن يشكل محور أي نقاش وطني في المرحلة المقبلة: ما هو الدور الذي يريد لبنان أن يؤديه في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة؟ فمنذ الاستقلال، لم يختر لبنان هذا الدور بصورة واعية. في مراحل معينة، فرضت عليه الجغرافيا أن يكون مركزاً مالياً، وفي مراحل أخرى فرضت عليه الحروب أن يتحول إلى ساحة صراع، ثم جعلته التحولات الإقليمية يعيش على أدوار مؤقتة فرضتها الظروف أكثر مما نتجت عن قرار وطني. أما إذا كانت المنطقة مقبلة فعلاً على مرحلة مختلفة، فلن يكون ممكناً الاستمرار في انتظار أن تحدد التطورات الخارجية وظيفة لبنان. للمرة الأولى منذ عقود، سيكون على اللبنانيين أن يحددوا بأنفسهم أي اقتصاد يريدون، وأي نموذج تنموي يسعون إليه، وأي موقع يطمحون إلى احتلاله في المنطقة. من هنا، لا يبدو أن ما يحتاجه لبنان هو نقاش إضافي حول بنود الاتفاقات، بقدر ما يحتاج إلى إطلاق ورشة وطنية كبرى تضع تصوراً متكاملاً لمرحلة ما بعد الصراعات. ورشة تبدأ من الاقتصاد قبل السياسة، ومن تحديد هوية لبنان المستقبلية قبل البحث في تفاصيل العلاقات مع الآخرين، لأن الاتفاقات لا تصنع مستقبل الدول، بل تفتح أمامها فرصاً جديدة، فيما يبقى مستقبلها رهناً بقدرتها على استثمار تلك الفرص. وربما تكمن المفارقة في أن لبنان أمضى سنوات طويلة يناقش الحروب، من دون أن يناقش يوماً كيف يريد أن يعيش بعد انتهائها. وإذا كان التحول الإقليمي الذي يلوح في الأفق سيصبح واقعاً، فإن السؤال الحقيقي لن يكون ما إذا كنا مع هذا الاتفاق أو ضده، بل ما إذا كنا نملك، للمرة الأولى، رؤية واضحة للبنان الذي نريد بناءه عندما تتغير المنطقة من حولنا.

خطوة حاسمة إضافية في مواجهة النفوذ الإيراني في لبنان

تُشكّل القمة التي جمعت الرئيسين اللبناني، جوزاف عون، والأمريكي، دونالد ترامب، في واشنطن، محطة أساسية في المسار الذي أطلقته السلطة اللبنانية لاستعادة هيبة الدولة. وفي الخلفية، يبرز هدف إستراتيجي يندرج في إطار التحولات الجارية في المنطقة، وتدعمه الولايات المتحدة بقوة لكونه يستجيب لتطلعاتها الخاصة: وضع حد نهائي للنفوذ الإيراني في لبنان. عملياً، تترجم هذه الخطوة، كما هو معلوم، عبر معالجة ملف السلاح غير الشرعي الخاص بـ"حزب الله"، الذي لا يزال يرفض الاعتراف بسلطة الدولة ويناهض بشدة النهج السياسي الذي يتبعه رئيس الجمهورية. غير أن حسم ملف السلاح غير الشرعي يظل، في نظر اللبنانيين والمجتمع الدولي – باستثناء إيران بطبيعة الحال – شرطًا لا غنى عنه لاستعادة سيادة الدولة. وكان هذا الملف، إلى جانب الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان استنادًا إلى اتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي الموقّع في 26 حزيران الماضي، وبالأخص، دعم للجيش اللبناني، في صلب المحادثات بين ترامب وعون في البيت الأبيض. وقد وصف رئيس الجمهورية اللبنانية لقاءه بنظيره الأمريكي بالممتاز. وكان الأخير قد ذكّر، خلال مؤتمر صحفي سبق القمة، بالخطوط العريضة لسياسة إدارته تجاه الملفين اللبناني والإيراني. وفيما يخص الملف الأول، جدّد دونالد ترامب تأكيد دعمه الكامل للبنان ولنظيره اللبناني "الذي يواجه حزب الله منذ وقت طويل جدًا". وقال إنه يريد "تقديم مساعدة كبيرة" للبنان، "البلد الذي عانى الإجحاف والظلم لزمن طويل"، قبل أن يُشيد بـ"بلد ينتمي إليه العديد من أصدقائه". من جهته، توجّه جوزاف عون بالشكر إلى مُضيفه على هذه "الزيارة التاريخية والإنجاز التاريخي المتمثل بالتوصل إلى اتفاق الإطار وتوقيعه"، علمًا أن آخر زيارة لرئيس لبناني إلى واشنطن تعود إلى عام 2009. وذكّر عون بأن "الهدف النهائي" لهذا المستند يكمن في "إنهاء حالة الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، إلى الأبد". وكان الرئيس اللبناني قد أشار قبل اللقاء إلى أنه يعتزم الطلب من نظيره الأمريكي ممارسة ضغوط على إسرائيل للانسحاب من الجنوب. وعون، الذي تعهّد منذ توليه السلطة بنزع سلاح "حزب الله"، طلب من نظيره الأمريكي تقديم دعم جوهري للجيش اللبناني، وناشده من المكتب البيضاوي "مواصلة دعم" القوات المسلحة الشرعية. وقال جوزاف عون: "من دونها، سينهار كل شيء. نحن لا نريد ذلك، وأعتقد أن الرئيس ترامب لا يرغب في ذلك أيضًا". وهو ما ردّ عليه دونالد ترامب بالتأكيد أن لديه "مشاريع ملموسة جدًا" لدعم الجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يؤدي دورًا محوريًا في إطار عملية نزع سلاح الحزب واستعادة هيبة الدولة. لكن في المقابل، يوضح المدير التنفيذي لـ"معهد واشنطن"، روبيرت ساتلوف، لوكالة "فرانس برس"، أن الرئيس الأمريكي "يرغب بلا شك في الحصول على أدلة جديدة تؤكد جديّة التزامات جوزاف عون" بنزع سلاح الحزب وتحقيق السلام مع إسرائيل. وفي هذا السياق، أفادت قناة "الحدث" بأن الرئيس عون قدّم بالفعل لرئيس البيت الأبيض خطة تتعلق بنزع سلاح "حزب الله"، ما من شأنه أن يؤدي إلى إضعاف النفوذ الإيراني في لبنان بشكل حاسم. أمام وسائل الإعلام، أبدى دونالد ترامب استعداده للحوار مع "حزب الله" "إذا رغب الرئيس [عون] في ذلك"، مؤكدًا: "يمكنني التحدث مع الجميع". كما أشاد بحليف هذا الحزب الموالي لإيران، رئيس مجلس النواب ورئيس حركة "أمل" نبيه بري، مشيرًا إلى أنه "يريد إنهاء الحرب". وإلى جانب الشق السياسي، شكل إعلان ترامب إصدار توجيهاته لإدارته بالترخيص لشركات الطيران الأمريكية لاستئناف رحلاتها المباشرة إلى بيروت، إحدى أبرز النتائج المباشرة لقاء البيت الأبيض. "إيران لم ترَ شيئًا بعد" وفيما يخص الملف الإيراني، جدّد دونالد ترامب تهديداته، مؤكدًا أن "الولايات المتحدة لم تنتهِ بعد" من الجمهورية الإسلامية التي تُضيّق الخناق على مضيق هرمز عبر حلفائها اليمنيّين، الحوثيين. وهؤلاء يفرضون، كما هو معلوم، حصارًا بحريًا على الموانئ السعودية، أكبر مُصدّر للنفط الخام في العالم. وأكد الرئيس الأمريكي أن الأمريكيين "سيتعاملون" مع الحوثيين إذا نفّذوا تهديداتهم، علمًا أن بلاده كانت قد استنفرت سابقًا ضد هذه الجماعة عندما عرقلت حركة الملاحة البحرية خلال حرب غزة، وشنت هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على السفن. وجدد ترامب تأكيده أن الإيرانيين، الذين "لم يروا شيئًا بعد"، يرغبون "بشدة" في عقد لقاء، مستدركًا: "لكن طالما أنهم ليسوا مستعدين للقيام بذلك بنحو بنّاء، فلا نرى جدوى من ذلك". وفي السياق نفسه، يُتوقّع أن يعود وزير الداخلية الإيراني، الذي يزور إسلام أباد في مهمة رسمية، خالي الوفاض، بعدما أبلغ دونالد ترامب الوسيط الباكستاني أنه غير مهتم بالهدنة لمدة عشرة أيام التي اقترحتها طهران. وخلال مؤتمره الصحفي، لوّح الرئيس الأمريكي بتهديد شنّ ضربات ضد "جبل الفأس"، الذي يضم إحدى أكثر منشآت البلاد النووية تحصينًا وسريةً تحت الأرض. الجيش في زوطر الغربية عُقدت قمة عون-ترامب في وقت كانت فيه المرحلة الأولى من اتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي الموقّع في 26 حزيران الماضي تُنفَّذ ميدانيًا في لبنان؛ إذ بدأ الجيش اللبناني انتشاره في بلدة زوطر الغربية التابعة لقضاء النبطية، والتي كانت تحتلها القوات الإسرائيلية. وأعلن الجيش اللبناني، فجر الثلاثاء، بدء انتشاره في هذه البلدة، موضحًا أن العملية تمت بناءً على الاتصالات التي أُجريت مع الخلية المُنشأة بموجب اتفاق الإطار، وهي "مجموعة التنسيق العسكري لأجل لبنان" (MCG4L). لكن بعد لحظات قليلة من بدء الانتشار، عاد التوتر مجددًا بسبب حادثة تُجسّد هشاشة المسار المُعتمَد؛ إذ اتهم الجيش اللبناني القوات الإسرائيلية بفتح النار "بالقرب" من وحداته التي كانت تدخُل زوطر. وحذّرت قيادة الجيش في بيان من أن هذه النيران "تعيق تنفيذ الانتشار في المناطق النموذجية" الثلاث المنسَّقة مع مجموعة التنسيق العسكري، وهي: فرون، وصريفا، وزوطر الغربية. وكان الإسرائيليون قد أبقوا على حضورهم في هذه البلدة الأخيرة فحسب. من جهته، أكد الجيش الإسرائيلي، بحسب ما نقلت هيئة البث "كان"، إطلاق النار، موضحًا أنه اقتصر على عيارات تحذيرية. وبحسب الجيش الإسرائيلي، فإن جنودًا لبنانيين يرافقهم جرافة تجاوزوا الخط المُتفق عليه لهذه المنطقة النموذجية، وكانت الطلقات التحذيرية تهدف إلى إرغامهم على التراجع. وتولّت آلية المراقبة التي تقودها الولايات المتحدة الاطلاع على الحادثة فورًا، بحسب المصدر نفسه. وفي المقابل، دعا الجيش اللبناني أهالي زوطر إلى عدم التوجه إليها طالما أن الهدوء لا يزال هشًّا فيها، لا سيما أنه يعمل على تنظيف البلدة من الصواريخ والذخائر غير المنفجرة. قصف وتفجيرات على الرغم من دخول المرحلة الأولى من اتفاق الإطار حيز التنفيذ، لم تتراجع حدّة العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب البلاد. فقد استمرت عمليات التفجير يوم الثلاثاء، ولا سيما في قضاء بنت جبيل، وكذلك في الخيام، حيث أكد الجيش الإسرائيلي تدمير بنى تحتية لـ"حزب الله". كما أُعيد استهداف مرتفعات تلة علي الطاهر الاستراتيجية في النبطية، فيما دوت الانفجارات في مختلف أرجاء ما يُسمّى "المنطقة الأمنية" التي أنشأتها إسرائيل على حدودها الشمالية مع لبنان، والتي تواصل تحركاتها فيها طالما أنها تعتبر أنه لم يتم القضاء بعد على قدرات "حزب الله". تهديدات إيرانية وفيما يتقدم الملف اللبناني وفق توجهات السلطة اللبنانية المدعومة من الولايات المتحدة، يشهد الملف الإقليمي – ولا سيما المفاوضات الأمريكية-الإيرانية – جمودًا تامًا. وغداة ضربات أمريكية ليليّة جديدة باتت يومية منذ عشرة أيام، توعّد الحرس الثوري الإيراني بهجمات "أكثر عنفًا" ضد المصالح الأمريكية في المنطقة؛ أي في دول الخليج والأردن، في ظل عدم جرأة طهران على ضرب إسرائيل خشية فتح أبواب جهنم عليها وتحمّل عواقب ذلك. وفي هذا السياق، اعترضت البحرين والكويت والأردن مجددًا صواريخ إيرانية يوم الثلاثاء. واتهمت السلطات الكويتية إيران باستهداف بنى تحتية مدنية لليوم الرابع على التوالي، ولا سيما محطات كهرباء وتحلية مياه حيث اندلعت حرائق. وبالموازاة مع ذلك، صَعَّد الحوثيون في اليمن الحصار البحري الذي يفرضونه على السعودية، رداً على الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية. وحذّروا يوم الثلاثاء شركات الشحن البحرية من أنهم سيستهدفون أي سفينة متجهة إلى الموانئ السعودية أو آتية منها، وهو ما يفسر تحذير دونالد ترامب خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع جوزاف عون. وعلى الصعيد الدبلوماسي أخيرًا، استدعت باريس القائم بالأعمال الإيراني إثر الاعتداء على دبلوماسيَّيْن فرنسيَيْن في طهران. وتطالب السلطات الفرنسية بمعاقبة المسؤولين، معلنةً أنه لن يُصار إلى النظر في أي تخفيف للعقوبات الأوروبية طالما واصلت إيران برنامجها النووي وأنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

الخطر الوجودي
بقلم
هشام دبسي
نُشر

مع اعلان استقلال الدولة العِبريّة في 15 ايار/ مايو 1948 اندلعت الحرب العربية - الاسرائيلية الأولى التي سُمّيت بحرب الاستقلال، لكن العرب استعملوا مصطلح النكبة للدلالة عليها فيما تواجه الجيش الاسرائيلي الحديث النشأة والتشكيل مع جيوش مصر وامارة شرق الأردن، والعراق، وسوريا، ولبنان. في جولة القتال الاولى كان ميزان القوى العسكري هشّاً، وغير حاسماً، فقد حشدت القوات العربية نحو 28 الف جندي مع عدد محدود من الطائرات والمدرعات بينما كانت قدرات الجيش الاسرائيلي ونواته الصلبة قوات الهاغاناه ووحدة البالماخ تقارب اربعون الف مقاتل. استمر القتال لمدة شهرين، وتم ترتيب اجراءات الهدنة الأولى في تموز 1948 خلالها نشطت قيادة الجيش الاسرائيلي في توحيد القوى العسكرية للمنظمات اليهودية (الأرغون، اشتيرن)، وانجزت حصريّة القرار وحصريّة السلاح. كما جنّدت عشرات الآلاف من المقاتلين الجدد، واشترت الأسلحة من دولة تشيكوسلوفاكيا، التابعة للاتحاد السوفييتي، وصار عديد الجيش الاسرائيلي يقارب مائة الف جندي، مع عتّاد متطوّر، يضم الطائرات والدبابات والمدفعية، وهذا ما سمح له بالتفوق الاستراتيجي، على مجموع الجيوش العربية، منذ تلك اللحظة ومازال الأمر مستمراً حتى الآن. في هذا السياق، جاء توقيع اتفاقات الهدنة مع مصر وشرق الاردن، وسوريا ولبنان. بمثابة اعتراف واقعي بدولة اسرائيل، اعتراف مصحوب بخطاب سياسي مُضلّل، لكنه يُرضي الجمهور العربي الغاضب وخصوصاً الفلسطيني. منذ تلك اللحظة بادرت دولة إسرائيل للهجوم في حرب السويس 1956، وفي حزيران 1967. وكان قادة الدولة العبرية، على ثقة بأن الأمن القومي الاسرائيلي لا يعتمد على تفوق جيشها وحسب، بل على تموضعها الاستراتيجي في الشرق الاوسط، بما هي نتاج النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة واعتراف الاتّحاد السوفييتي ومعه المعسكر الاشتراكي. الا أن هذا ليس كافياً لوحده، من دون استحضار ذاكرة "الهولوكست" في كل لحظة يتعرّض فيها أي يهودي في العالم او في اسرائيل لأي مساس أو تنمّر لفظي أو عملي، فكيف إذا تعرّض لهجوم مسلح. هذا ما جعل مقولة الخطر الوجودي تتصدر الخطاب السياسي والاعلامي الاسرائيلي، ربطاً بأي تحدي تواجهه الدولة العبرية سواء كان من دول أو منظمات أو أفراد، وسواءً كان من موقع الفعل والمبادرة الاسرائيلية للحرب، او من موقع الدفاع عن النفس. وبهذا تحولت مقولة الخطر الوجودي إلى "ثابت رياضي" يدخل في حل كافة المعادلات، لا يمكن استبعاده او تجاوزه. ولذا يمكن رصد عبارة "الخطر الوجودي" في مقاربات ساسة وجنرالات اسرائيل وكذلك عند مراكز الابحاث وكبار المثقفين لا فرق بينهم وبين الجمهور الاسرائيلي المسكون بالهاجس الوجودي تلقائياً. حتى أن بعض المؤرخين الجدد من الذين كسروا هذا التفكير النمطي، تراجعوا عنه تحت ضغوط مكثفة ومعلومة. إن خبرة الأحداث اللاحقة لهجوم 7 اكتوبر / تشرين الأول 2023، دلت على سرعة الغرب لنجدة اسرائيل، في لحظة اهتزت بها قدرتها العسكرية وفشلت في احتواء هجوم "طوفان الاقصى" المفاجئ بحجمه ونتائجه المباشرة. إذ استطاع التطرف الاسلامي الفلسطيني، كشف معظم عناصر الضعف في المؤسسة العسكرية الاسرائيلية، الأمر الذي جعل قادتها في صدمة اللّايقين وفقدان التوازن، لولا المساهمة المباشرة من جنرالات البنتاغون، في الامساك بعصا القيادة، في الاسبوع الاول لإعادة التوازن للحالة العسكرية والامنية والسياسية باستثناء الحالة النفسية. لقد تطلّب الأمر أكثر من شهر، وتطلّب أيضا اكثر من التدمير الشامل للقطاع، حتى تستقر المؤسسة العسكرية الاسرائيلية على إيقاعها الذي يصدّره رئيس الوزراء نتنياهو ووزير دفاعه کاتس. لقد تجاوز عمر الحدث - الكارثة ألف يوم حتى الآن وتداعيات "طوفان" التطرف الإسلامي السّنّي الفلسطيني تتعاظم على الناس في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما طوفان القدرات العسكرية الاسرائيلية تتعاظم على الشرق الأوسط الكبير بِرُمّتِه. ووصل الامر عند رئيس الوزراء نتنياهو بمخاطبة قادة دول مثل الهند والامارات وغيرها، قائلاً: "أنهم لا يحتاجون للتواصل مع البيت الابيض، إذ يكفي مراجعته هو شخصياً حتى يتحقّق كل شيء!" وعندما نلاحظ الآن خطوط انتشار الجيش الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية، ندرك القفزة الكبيرة التي حققها بفعل عملية 7 / اكتوبر، لكن ما زال الخطر الوجودي هو الاساس في المعادلة الاسرائيلية وله ثلاثة وجوه ينبغي القضاء عليها. ثلاثة وجوه هؤلاء الثلاثة صدرت بحقهم اوامر التحييد، من اجل إزالة خطرهم الوجودي على الدولة والأمة. الوجه الأول هو الدكتور حسام أبو صفية، طبيب الأطفال والاختصاصي بحديثي الولادة، ومدير مشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة. وكان يتلقى الأوامر بمكبّرات الصوت لإخلاء المشفى من الجرحى من اجل تدميرها كلياً. ثم بدأت القذائف تنهار من الجو والبر، لكنه كان يتابع عمله في إنقاذ ارواح البشر وخصوصاً الأطفال منهم، بينما ابنه لم يبلغ العشرين من عمره، قُتل على مدخل المشفى، ودفن الأب ابنه في جوار سور المشفى، وعاد إلى عمله مع الاطفال والجرحى. حتى تم تدمير کامل اجزاء الصرح الطبي، وتم اعتقال الطبيب مع طاقمه في نقل تلفزيوني شاهده العالم بصفته خبر "عاجل" و "مباشر" وتم اعتقاله في ديسمبر/ كانون اول 2024 ومازال في سجنه يلقى تعذيباً منهجياً، من اجل تدمير شخصيته الانسانية وفق شهادات المنظمات الدولية، ومازال محتجزاً حتى اليوم من دون توجيه لائحة اتهام بموجب القانون الاسرائيلي "المقاتلين غير الشرعيين". وما زال التحقيق معه بشُبهة علاقاته مع فصائل مسلّحة لم يصل إلى دليل. لكنه مازال حياً… وما زال يشكل خطراً وجودياً. الوجه الثاني ليست طبيب وليست مجهولة الهوية والانتماء والموقف، ولا تعيش على ارض اسرائيل او فلسطين، إنها الاعلامية اللبنانية آمال خليل التي وثقت احوال شعبها الجنوبي مع زميلتها المصورة زينب فرج في بلدة الطيري حيث تم اغتيالها مرتين، في استهداف الموكب وفي استهداف المنزل الذي احتمت به وفي منع فرق الانقاذ من الوصول اليها. اليس هذا هو الاغتيال الممنهج؟ المصحوب بتصريحات بانهم حذروها مراراً؟ لقد تكبد قطاع الاعلام اللبناني من عملية طوفان الاقصى سبعة وعشرون ضحية حسب ما أعلنت نقابة محرري الصحافة، كما سجّلت أيضاً منظمة الصحة العالمية 137 هجوماً على منشآت ومبانٍ صحية. الوجه الثالث في مثل هذا الشهر الحار، وفي اليوم الثامن منه في عام 1972، كانت بلدة الحازمية في شرق بيروت مسرحاً لانفجار سيارة مفخخة اودت بحياة الرسّام والكاتب ورئيس تحرير مجلّة "الهدف" غسان كنفاني ومعه ابنة شقيقته لميس نجم ولم تبلغ السابعة عشر ربيعاً ولم يتجاوز عمر غسان السادسة والثلاثين وكان قد رسم لوحات لفلسطيني وكتب قصص تُرجمت إلى 17 لغة فضلاً عن افتتاحياته السياسية، وهو القيادي في تنظيم الجبهة الشعبية إلا أنه لم يحمل بندقيّة. منذ ذاك التاريخ تم تصنيف الكاتب والاعلامي والروائي بصفته خطر وجودي واليوم بلغت ضحايا من قُتلوا في هذه الحرب في فلسطين 265 صحفي ومئات الجرحى من الاعلامين وسجّلت المنظمات الدولية انتهاكاً وتدميراً لعشرات المؤسسات الاعلامية. هكذا يتحول الطبيب والصحفي والكاتب إلى اهداف للقتل والاعتقال، بتهمة ممارسة المهنة ليس إلا. وعليه لا ينبغي للأمر أن نسلم به من دون اعداد ملفات قانونية بعيدة عن أي جهة رسمية وتحويلها لقضايا على مستوى کل ضحية حيث لا يمكن الصمت على الادّعاءات الاسرائيلية بما تسميه "الخطر الوجودي"، للإفلات من المسائلة والعقاب، والاستمرار بابتزاز المجتمع الدولي.

زيارة عون إلى واشنطن، ركيزةٌ أساسية في التوجه السيادي للسلطة

قد تُسهم الزيارة الرسمية للرئيس جوزيف عون إلى واشنطن، ولا سيما اللقاء المرتقب في البيت الأبيض مع الرئيس دونالد ترامب، يوم الثلاثاء الواقع في 21 يوليو، في دفع عجلة التوجه السيادي الواضح الذي اتخذه الحكم دفعةً قوية إلى الأمام، بل يمكن القول إنها ينبغي أن تفعل ذلك. وقد تجلّى هذا التوجه - الذي يلتقي مع شعار 14 آذار "لبنان أولاً" - بوضوح جليّ ودون تردد، منذ الثاني من مارس الماضي، حين أقحم حزب الله البلاد من طرف واحد في حرب عبثية جديدة، على الرغم من تحذيرات السلطة، وذلك بهدف وحيد هو دعم النظام الإيراني والانتقام المزعوم لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي الذي لقي حتفه في الساعات الأولى من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، في الثامن والعشرين من فبراير الماضي. ولاستيعاب الأثر الاستراتيجي الفعلي الذي قد تتركه لقاءات واشنطن على مصير لبنان على المديين القريب والمتوسط، لا بد من التراجع خطوة إلى الوراء والنظر من منظور أرحب، لتقييم موضوعي للتحولات الجذرية المتعددة التي شهدتها منطقة المشرق منذ السابع من أكتوبر 2023 المشؤوم، حين أطلقت حركة حماس هجومها الدموي على الأراضي الإسرائيلية انطلاقاً من غزة. شكّلت تلك العملية نقطة انعطاف حاسمة على مستوى المنطقة، إذ كانت الشرارة الأولى لسلسلة طويلة من التطورات الكبرى على الصعيدين السياسي والعسكري، تتالت بوتيرة متسارعة ولا تزال مستمرة حتى اليوم، وكان من أبرز نتائجها الانحدار المتسارع لما يُعرف بمحور الممانعة. بدأ هذا الانحدار من أولى محطاته بتدمير غزة وتفكيك حركة حماس، ثم توالت الأحداث بسرعة؛ من اغتيال حسن نصرالله وتصفية القيادتين السياسية والعسكرية لحزب الله، مما أفضى إلى إضعافه إضعافاً بالغاً، ثم سقوط نظام الأسد الذي حرم الجمهورية الإسلامية من فضائها الاستراتيجي الحيوي، وصولاً إلى تسلّم فريق حاكم جديد في العراق مقاليد الأمور مؤخراً، يخوض معركة شرسة لمواجهة النفوذ الإيراني في البلاد. وقد ترسّخ هذا التوجه الجديد الذي بات يتبلور منذ أسابيع في بغداد، إبان الزيارة الأخيرة التي أداها رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي إلى واشنطن، حيث استقبله الرئيس ترامب الذي أكد دعمه الراسخ للسلطة العراقية الجديدة في صراعها مع النفوذ الإيراني. وتفقد الجمهورية الإسلامية بذلك ساحة حيوية أخرى كانت تُشكّل لها سنداً بالغ الأهمية على أكثر من صعيد. في هذا السياق الإقليمي الشامل الذي تهيمن عليه موجة الانحسار القوي والمتزايد لنظام الملالي، تأتي هذه "الأيام اللبنانية في واشنطن". ومن المرتقب أن تعمل المحادثات التي يجريها الرئيس عون مع وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الأحد، ثم مع الرئيس ترامب يوم الثلاثاء 21، على ترسيخ التوجهات السيادية للسلطة وتكريسها على نطاق واسع، وهي توجهات تنتظم تحديداً في السياق العام لإضعاف التمدد الخارجي لحرس الثورة الإسلامية والحدّ منه، بل والقضاء عليه. والتوجه الذي اتخذه الحكم اللبناني في هذا الشأن مُعلَن صراحةً تحت راية تحرير لبنان من الوصاية الإيرانية. ولم يُفوّت المسؤولون الأمريكيون الفرصة للتشديد على الأهمية الاستراتيجية لهذا التوجه الذي يطبع المشهد في المنطقة، حتى إنهم ذهبوا إلى الحديث عن "تحالف" بين بيروت وبغداد في مواجهة النفوذ الإيراني. وتأكيداً منه على الدعم الأمريكي غير المشروط لاستعادة هيبة السلطة المركزية، دعا روبيو لبنان وسوريا صراحةً إلى الإعلان المشترك عن بيان رسمي يرتكز على احترام سيادة كلا البلدين. كأنه يستبق نتائج زيارة الرئيس عون إلى واشنطن، أكد وزير الخارجية يوم الاثنين أن رئيس الدولة سيتمكن، حين يعود إلى بيروت، من أن يقول للبنانيين إنه هو من نجح، بفضل توجهاته الوطنية، في إعادة البلاد إلى مسار النهوض. وحرص روبيو على التأكيد في هذا الصدد أن واشنطن لا محاور لها في لبنان سوى الرئيس عون والشرعية، وبالتالي لا مكان للنظام الإيراني في هذه المعادلة بأي شكل من الأشكال. انطلاق تطبيق «المناطق التجريبية» انطلاقاً من هذا الالتزام ذاته بإعادة بناء لبنان سيادي وحر، تُوظّف إدارة ترامب ثقلها كاملاً لتطبيق بنود اتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في السادس والعشرين من يونيو الماضي. بدأ تطبيق المناطق التجريبية المنصوص عليها في الاتفاق اللبناني الإسرائيلي مساء الاثنين، ومن المتوقع أن يتواصل يوم الثلاثاء مع انسحاب قوات الدولة العبرية من المنطقة التجريبية الأولى التي تضم قرى فرون وصريفا وزوطر الغربية، حيث يفترض أن ينتشر الجيش اللبناني يوم الثلاثاء، وأن يتحقق، تحت إشراف أمريكي، من خلو المنطقة المعنية من أي وجود ميليشياوي لحزب الله. إذا سارت هذه العملية دون عقبات، فإنها ستُكرّس بلا شك نجاح خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل الذي اختاره المسؤولون لاستهلال مسار الانسحاب الإسرائيلي وحل أزمة جنوب لبنان. وحرصت وزارة الخارجية الأمريكية يوم الاثنين على الإشارة إلى أن انطلاق تطبيق «المناطق التجريبية» جاء نتيجة مباشرة للمباحثات اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة التي جرت قبل أيام في روما. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الرئيس عون وحكومة نواف سلام سلكا هذا الطريق رغم الضغوط والمناورات التي مارسها النظام الإيراني، الذي كان يسعى إلى فرض «حله» الخاص للجنوب كي ينتزع لنفسه حق التحكم بالورقة اللبنانية، بهدف تعزيز موقعه التفاوضي في مواجهة إدارة ترامب... غير أن السلطة وقفت بحزم في وجه هذا النهج الإيراني، مؤكدةً بوضوح لا لبس فيه أن التفاوض باسم لبنان حق حصري للدولة اللبنانية وحدها. العودة إلى «التفاوض» مع طهران؟ بينما يمضي لبنان في طريقه نحو استعادة سيادته، لاح بصيص أمل خافت وخجول في الأفق الإقليمي مساء الاثنين. إذ أشارت معلومات واردة من إسلام آباد إلى وجود مشروع لوقف إطلاق النار لمدة نحو عشرة أيام. وسيُستثمر هذا الهدوء، الذي سيرافقه إتاحة حرية الملاحة في مضيق هرمز، لبحث سبل استئناف المحادثات بين واشنطن وطهران. أي أن المسألة تتعلق في هذه المرحلة بمفاوضات لتمهيد الطريق... نحو مفاوضات حول الملفات الخلافية! مع العلم أن النقاشات مع الجمهورية الإسلامية حول هذه الملفات بالذات (البرنامج النووي، وتخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية...) تمتد منذ أكثر من... عشرين عاماً! فقد انطلقت في مطلع الألفية الثالثة، وأفضت إلى صدور ست قرارات عن مجلس الأمن الدولي بين عامَي 2006 و2010، تطالب إيران بوقف تخصيب اليورانيوم. دون جدوى... وخلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، أعرب النظام الإيراني عن رغبته في إعادة إحياء المحادثات مع الولايات المتحدة، وأوفد وزير داخليته إلى إسلام آباد لهذا الغرض، لبحث سبل استعادة وقف إطلاق النار في الخليج وفقاً لمذكرة التفاهم المبرمة مع واشنطن في يونيو الماضي. وكان من المرتقب أن يؤكد وزير الخارجية الإيراني في بيان يصدر يوم الاثنين على ضرورة «التمسك بمسار التفاوض مع الأمريكيين». بدا هذا التوجه «السلمي» المفاجئ أكثر إثارةً للدهشة في ضوء بيان نُسب في نهاية الأسبوع الماضي إلى المرشد الأعلى الغامض مجتبى خامنئي، جاء فيه أن «التوقيع الذي وضعه دونالد ترامب على مذكرة التفاهم لا قيمة له»، وهو ما يجعل تلك المذكرة -من حيث المبدأ- لاغيةً ضمنياً في نظر طهران، في حين يسعى بعض المسؤولين الإيرانيين إلى إحيائها من جديد... وتجدر الإشارة إلى أن هذا التناقض الصارخ جاء في أعقاب تسع ليالٍ متواصلة من القصف الأمريكي المكثف على مواقع الحرس الثوري وبنيته العسكرية ومستودعات أسلحته وذخائره. اعتداء على دبلوماسيين فرنسيين وعلى أي حال، فبينما يُشدد نظام الملالي على رغبته في استئناف «الحوار» مع الولايات المتحدة، لم يتردد في الوقت ذاته في إطلاق صواريخه وطائراته المسيّرة مساء الاثنين باتجاه الكويت والبحرين والأردن. وفي السياق نفسه، رُصدت الاثنين هجومان جديدان على سفن تعبر مضيق هرمز، فيما أكد الرئيس الإيراني في وقت سابق من اليوم ذاته أن «دور إيران» في مضيق هرمز «غير قابل للتفاوض»! وأوضح مسؤول إيراني رفيع من جهته أن هذا الممر المائي لن يكون مفتوحاً لأي دولة «تتعاون مع الولايات المتحدة»! أما رئيس البرلمان والمفاوض الرئيسي مع واشنطن محمد باقر قاليباف، فقد أدلى بتصريحات بالغة الحدة في حق الأمريكيين، منتقداً نقل الجيش الأمريكي لمعدات عسكرية في حين تدّعي الولايات المتحدة رغبتها في «إنهاء الحرب». وأضاف كاشفاً عن نبرته التصادمية: «إنهم يراهنون على أن ذكاءنا محدود كما هو حجم ذكائهم هم»! وأعلن الحوثيون اليمنيون المدعومون من إيران من جانبهم «حصاراً بحرياً على المملكة العربية السعودية»، وذلك في أعقاب تبادل لإطلاق النار بين الطرفين الأسبوع الماضي. والأشد خطورةً من ذلك كله أن وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو أعلن مساء الاثنين أن دبلوماسيين فرنسيين «احتُجزا دون أي مبرر» في طهران من قِبل الأجهزة الأمنية «لساعات عدة، وخضعا للاستجواب، وتعرض أحدهما للإيذاء الجسدي»! ووصف السيد بارو ما جرى بأنه «عمل تخويفي بالغ الخطورة». إن هذا التراكم السريع من الأفعال العدوانية والتصريحات الاستفزازية في فترة وجيزة يكشف بجلاء عن الحالة الذهنية الحقيقية لمراكز القوى في إيران، وعن الطريقة التي ينظر بها هؤلاء منذ أكثر من عشرين عاماً إلى علاقاتهم مع الغرب والمجتمع الدولي برمته.

الحويّك وإعلاء شأن المرأة اللبنانية (3/4)

لطالما كان إلياس الحويّك قريباً عن معاناة البيئات الريفية التي نشأ في كنفها. ومع ارتقائه سدّة الأسقفية، أدرك ضرورة التحرّك لتأمين التعليم للفتيات المنحدرات من عائلات متواضعة في بيئته الأولى. وتعكس رسائله ومؤلفاته قناعة راسخة لديه بأن تعليم الفتاة هو ركيزة الأسرة وعمادها؛ فتأمين تعليم متين للمرأة هو الضمانة الأساسية لتحصين المستقبل الأخلاقي والمدني والاجتماعي للمجتمع اللبناني بأسره. وفي 15 آب 1895، أسس إلياس الحويّك في مدينة جبيل "جمعية الراهبات المارونيات للعائلة المقدسة"، بالتعاون مع الأم روزالي نصر والأخت ستيفاني كردوش، اللتين استدعاهما من ديرهما في الناصرة بالأراضي المقدسة، بناءً على مشورة رؤسائهما وموافقتهم. كانت الأم روزالي نصر (1840-1899) امرأة ذات شخصية قوية وراهبة متمرسة تولت مناصب ذات مسؤوليات عالية في رهبنتها الأصلية، "راهبات سيدة الناصرة"، ولدى "راهبات الوردية". وشاءت العناية الإلهية أن تلتقي بإلياس الحويّك عندما كان لا يزال أسقفاً، فعرض عليها مشروعه التأسيسي. وبعد حصولها على موافقة بطريرك القدس، كرّست نفسها بالكامل لهذا "العمل"، بمعاونة الأخت ستيفاني كردوش، تلميذتها التي رافقتها من الناصرة. ولم يكن اختيار اسم "العائلة المقدسة" وليد الصدفة، بل عكس هدفاً تربوياً وروحياً؛ إذ كان على الراهبات أن يمثّلن فضائل عائلة الناصرة المقدسة لدعم وحماية الخلية الأسرية ومجتمع مهدد، كان جزء منه انجرف وراء ملذات ما بعد الحرب والحفلات الراقصة وألعاب الميسر. واجهت الرهبنة تحديات مبكرة، أبرزها الموت المأساوي للأم روزالي عام 1899. وقعت هذه الفاجعة في ليلة 22-23 آب 1899، عندما أقدمت فتاة شابة، اعتُبرت "مريضة" واستُبعدت لعدم أهليتها للحياة الرهبانية على قتلها طعناً بالسكين. ففي ليلة مقمرة وحارة، مستغلةً معرفتها بمداخل الدير الصغير، توجهت نحو غرفة الأم في الطابق الأرضي، ودخلتها عبر نافذة مفتوحة، ثم اقتربت من سريرها وطعنتها في قلبها مباشرة، فلم تلبث الأم روزالي أن فارقت الحياة. لكن المطران الحويّك سارع إلى التحرك، وفي 30 آب 1899، أي بعد أسبوع واحد من الوفاة، عيّن المؤسس الأخت ستيفاني كردوش، رفيقة الأم روزالي وابنتها الروحية، رئيسة جديدة للرهبنة. ورغم أنها كانت في مطلع الثلاثينيات من عمرها، إلا أن المسؤولية صقلتها، فاستطاعت الأخت ستيفاني، بحزم لافت، أن تضمن استمرارية الرسالة واستقرارها، بفضل رؤيتها وقناعتها بأن هذا العمل يرعاه التدبير الإلهي. واليوم، لا تزال رهبنة الراهبات المارونيات للعائلة المقدسة رمزاً لهذه الرؤية الرائدة التي تدمج بين الروحانية والتعليم والإنماء الاجتماعي. ويضم الدير الأم للرهبنة في عبرين (البترون) جثمان البطريرك الحويّك، الذي يبدو أنه لم يتحلل إلا ببطء، بالإضافة إلى جانب متحف جميل صُمّم للإحاطة بجميع جوانب شخصية الرجل الذي صاغ روح لبنان. مهندس وبنّاء من جهة أخرى، يُعرف البطريرك الحويّك بمساهمته في هندسة وبناء معالم بارزة، كصرح سيدة لبنان في حريصا، والمقرين البطريركيين في بكركي والديمان، ناهيك عن الدير الأم للرهبنة في عبرين، الذي تمتاز كنيسته بنوافذ من الزجاج المعشق الفاخر التي اختارها بنفسه. ويبدو أن حسه الجمالي قد تنامى لديه من خلال تردده على كنائس المدينة الخالدة (روما) وصروحها. وقد شُيّد صرح حريصا تكريماً لـ "الحبل بلا دنس"، أي العذراء مريم المصونة من "الخطيئة الأصلية". وساهم الآباء اليسوعيون، الذين كانوا يديرون معهد غزير الإكليريكي آنذاك، في تثبيت تمثال برونزي ضخم للعذراء مريم يشرف على خليج جونيه الساحر. ومنذ ذلك الحين، غدت حريصا مزاراً حجّاً وطنياً وعالمياً، يقصده الحجاج من لبنان والشرق الأوسط لطلب شفاعة امرأة يجلّها المسيحيون بوصفها والدة الإله، ويكرّمها المسلمون باعتبارها "أطهر نساء العالمين". كما عمِل البطريرك الحويّك على تحصين المقر البطريركي في بكركي، الذي كان قد خلف مقر الديمان (شمال لبنان) عام 1830، إثر انتقال الثقل الديمغرافي للموارنة نحو وسط جبل لبنان. فقام البطريرك باستبدال المقر البطريركي القديم ببناء جديد. ومنذ ذلك العهد، أصبحت بكركي على ما هي عليه اليوم: المركز الإداري والروحي للكنيسة المارونية، ونقطة استراتيجية لأنشطتها السياسية والدبلوماسية؛ نحو فرنسا وعصبة الأمم في زمن الحويّك، ونحو العالم أجمع اليوم. وكما هو معلوم، أصبحت الديمان، المجاورة للأرز، المقر الصيفي للبطاركة الموارنة. ولم تقتصر إنجازات البطريرك على لبنان فحسب، بل تخطت حدوده لتشمل فرنسا ومصر والقدس وروما؛ لتشهد على اندماج التزامه الروحي مع استراتيجيته السياسية، مرسّخةً سلطة الكنيسة المارونية ومشروع لبنان الحر، التعددي، الحديث والموحد. إقرأ أيضاً: "حب الوطن": الوصية الروحية للبطريرك الحويّك (2/4) البطريرك الحويك، نبي العيش المشترك (1/4)

بين الصفر والواحد
بقلم
منى فياض
نُشر

في نص الكاتالوغ لمعرضHady Sy ، يقدم لنا مشروعه بوصفه بحثًا عن "طريق للتعايش" بين الذكاء العضوي والذكاء التكنولوجي، بين الذاكرة والحساب، بين اليد والخوارزمية. لا يضع هذه العوالم في حالة صراع، بل يقترح إمكان التقاء معياري او اخلاقي، حيث تخدم التكنولوجيا الإنسان وتحفظ كرامته. غير أن الأعمال نفسها، كما تتجلى في القاعة، تبدو أقل اطمئناناً إلى هذا التوازن. فهي لا تنفي إمكان التعايش، لكنها تكشف في الآن ذاته هشاشته. ينطلق هادي سي من لغة الداتا الرقمية، صفر وواحد، في تأسيس المنحوتات، لا يعود الأمر مجازاً نظرياً بل تجربة حسية قاسية: أجساد تمشي، تحمل، تتعب، لكنها مكتوبة بلغة رقمية. هنا تلتقي عبارة الكاتالوغ – "لا يمكن اختزال الإنسان إلى معطى"- مع نقيضها داخل العمل ذاته. فالأجساد رقمية بالفعل، لكنها لا تزال تحتفظ بشيء يقاوم هذا الاختزال: ذاكرة، كرامة، أو ربما مجرد إصرار على الوقوف. بهذا المعنى، لا تقدّم أعمال هادي سي أطروحة جاهزة بقدر ما تفتح هامش توتر: بين ما ينبغي أن يكون (تكنولوجيا في خدمة الإنسان) وما هو كائن (عالم يتزايد فيه اختزال الإنسان إلى بيانات). ومن هذا التوتر بالذات تنبثق قوة هذه الأعمال، لا من حسمها، بل من إبقائها السؤال مفتوحاً. إذا كان نص الكاتالوغ يقترح أفقاً للتعايش، فإن الأعمال نفسها تتوزع على محطات تبدو، للوهلة الأولى، متباعدة، لكنها سرعان ما تنكشف بوصفها حلقات في سردية واحدة عن الإنسان في زمن الاختزال. تبدأ هذه السردية من الأصل: من البذرة، من "الحساء الأول" المُتسعاد كاستعارة لبداية الحياة، لا بوصفها لحظة صفاء، بل كنقطة انطلاق لمسار طويل من التحولات. هنا، لا تظهر الطبيعة كخلفية صامتة، بل كذكاء سابق على الإنسان نفسه، ذكاء متجسد في نمو الأشجار، في جريان الماء، وفي ذلك التنظيم الخفي الذي يحكم الكائنات الحية. غير أن هذا الأصل عبارة عن تكرار، نفس الحجارة تنبني بأشكال مختلفة لتعطي حيوات مختلفة. تكشف منحوتة السلَّم، حيث تصعد الأجساد نحو لا مكان، حيث ستظل معلّقة، بلا أفق واضح. ليس ثمة وصول، ولا عودة، بل استمرارية في العبور. الهجرة هنا لا تُقدَّم كحدث سياسي فحسب، بل كحالة وجودية، كقدرٍ يلازم الإنسان المعاصر، حيث يصبح الطريق ذاته هو الوجهة. في قلب هذا التيه، تتكثف المأساة في أعمال تحيل إلى المجاعة والحرب، كما في العمل الذي يجسّد بشراً مكوّنين من صفر وواحد يحملون صحناً ويمشون فوق الجثث. المفارقة التي تبرز هنا - والتي تلتقطها العين قبل أن يصوغها الفكر - أن هذه الأجساد، رغم اختزالها الرقمي، لا تزال مرفوعة الرأس. غير أن هذا المشهد لا يلبث أن ينقلب على نفسه، حين تتخذ الأشكال ذاتها هيئة جنود ربما فوق نفس الجثث التي تجاورهما. الشكل لا يتغير، لكن المعنى ينقلب: من ضحية إلى جلاد. كأن العنف لا يحتاج إلى أشكال جديدة، بل يعيد استخدام الأشكال ذاتها، مكتفياً بإعادة ترميزها. هنا لا تعود المسألة مجرد انقلاب في الدلالة، بل تكشف عن آلية أعمق للسيطرة، حيث تصبح الأشكال نفسها قابلة لأن تُستعاد في سياقات متناقضة، دون أن تفقد مظهرها الأول. بهذا المعنى، يقترب العمل من عوالم George Orwell، حيث لا تُفرض السلطة من خلال القطيعة، بل عبر قلب المعاني من داخلها، ومن سرديات Haruki Murakami، حيث يتسلل العنف في هيئة مألوفة، شبه يومية، يصعب تمييزها للوهلة الأولى. غير أن ما ينجزه هادي سي هنا لا يمر عبر اللغة أو الحكاية، بل عبر الشكل ذاته، الذي يتحول إلى موقع للتوتر بين دلالات متعارضة، تكشف أن ما نراه ليس دائماً ما يكون. هذا التكرار يجد صداه في أعمال أخرى، مثل cactus، حيث تحضر ذاكرة الهنود الحمر لا كحدث تاريخي مغلق، بل كنموذج يتكرر. فالعالم، كما تقترح هذه الأعمال، لا يتوقف عن إنتاج "آخرين" جدد، يُدفعون إلى الهامش أو إلى الفناء. هكذا تتجاور الأزمنة: الماضي الاستعماري، الحاضر الملتهب، والمستقبل المفتوح على احتمالات مماثلة. وفي امتداد هذا الخط، يحضر سيزيف، لا كشخصية أسطورية معزولة، بل كصورة مكثفة لوضع إنساني عام. حمل الصخرة لا ينتهي، والجهد يتكرر، لا بوصفه عقاباً فردياً، بل كشرط للوجود ذاته. ومع ذلك، لا يخلو هذا العالم من شقوق صغيرة يتسلل منها معنى آخر: وردة، قبلة، أو أثر حب، تقاوم، ولو بشكل هش، منطق القسوة. بهذا تتكشف الثيمات، لا كمجموعة مواضيع منفصلة، بل كشبكة مترابطة: الأصل، التيه، العنف، التكرار، والمقاومة. شبكة تجعل من الإنسان كائناً عالقاً بين ما كان يمكن أن يكون، وما صار إليه بالفعل. إذا كانت هذه الأعمال تُحيل، على مستوى المفهوم، إلى عالم يُختزل فيه الإنسان إلى رقم، فإن قوتها الفعلية تتجلى في الطريقة التي تُصاغ بها مادياً. فالحديد، وبخاصة الفولاذ (Corten)، ليس مجرد مادة، بل لغة قائمة بذاتها. هو مادة قاسية، ثقيلة، تُستخدم عادة في البناء أو في البنى التحتية، أي في ما هو وظيفي وصلب. غير أن هادي سي يعيد توجيه هذه المادة، فيطوّعها، يثنيها، ويمنحها انحناءات تذكّر بالجسد البشري، كأن القساوة نفسها تُجبر على الاعتراف بالهشاشة التي تحملها. هذا التوتر بين الصلابة والانحناء لا يشتغل فقط على مستوى الشكل، بل يعيد إنتاج ما يحدث للإنسان في زمن الحرب: جسد يتعلم أن ينحني، أن يتكيّف، أن يحسب، دون أن يفقد كلياً أثره الإنساني. هنا، لا يكون الحديد نقيض الجسد، بل امتداده المشوّه، أو ترجمته في عالم تحكمه معايير القياس والقوة. هذه المنحوتات ليست فقط تمثيلاَ لعالمنا، بل إعادة تشكيل حسّية له، حيث يمكن رؤية ما يصعب قوله، ولمس ما يُختزل عادة في أرقام. ربما لهذا السبب تترك هذه الأعمال أثراً يدوم. فهي لا تقدّم معنى يُستهلك، بل تجربة تستمر. تجربة تُجبرنا على إعادة النظر فيما نعتبره بديهياً: أن نكون بشراً، أن ننتمي إلى مكان، وأن نعيش في زمن لم يعد واضح الحدود. وفي هذا التردد بالذات، بين ما يُقاس وما يُعاش، بين ما يُحسب وما يُحسّ، يتكشف السؤال الذي لا يمكن تأجيله: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنساناً في عالم يُعاد تعريفه بلغة لا تشبهه تماماً؟