شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حفظ القضية ضد رياض سلامة: سيادة القانون في مواجهة الشائعات

بقلم أنطوان منسى* أصدرت غرفة الاتهام في بيروت قبل أيام قراراً بمنع المحاكمة لصالح الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، وذلك في الملف المفتوح إثر الشكوى التي تقدّم بها رجل الأعمال طلال أبو غزالة في يونيو 2021. وكان أبو غزالة قد اتّهمه بإصدار تعاميم تُعدّل النظام الاقتصادي الليبرالي، وبإخفاء الحقيقة عن الوضع الفعلي للمصارف، والتواطؤ معها للاستيلاء على أموال المودعين. وبقرارها الصادر في 14 يوليو 2026، رأت غرفة الاتهام أن الأركان القانونية للجريمة المنسوبة إلى الحاكم السابق لم تكتمل. فطبّقت مبادئ القانون الجنائي بموضوعية واستقلالية، وأعادت الملف إلى سياقه القانوني الصرف، ووضعت حداً للملاحقات القضائية بحقه. ويُرحَّب بهذا القرار باعتباره نموذجاً صارخاً على دور القضاء، الذي لا يجوز أن يُوجَّه بالانطباعات ولا بضغط الرأي العام، بل بالقانون والأدلة وحدها. ويُجسّد هذا القرار كذلك قدرة القضاء اللبناني، على الرغم من الأزمات التي يعصف بها البلاد، على إرساء سيادة القانون والمبادئ الجوهرية للعدالة. وبمعزل عن هذه القضية بحد ذاتها، يُبعد القرار شبح سابقة قانونية كانت ستؤدي إلى المساواة بين الجرائم الواقعة على الأموال -كالسرقة وخيانة الأمانة والاختلاس والاحتيال- وبين الانتهاكات الدستورية، من دون سند قانوني ومخالفةً للمبادئ الأساسية في القانون الجنائي. في القانون، لا يُعدّ قرار منع المحاكمة تبرئةً عاطفية ولا موقفاً سياسياً. فهو قرار قضائي يضع حداً للملاحقة حين تكون الأدلة غير كافية أو حين لا تثبت الأركان القانونية للجريمة. وهو يمثّل إحدى الضمانات الأساسية لمنظومة العدالة الحديثة. غير أن المعالجة الإعلامية لهذه القضية تُثير تساؤلات جدية. ففي عام 2021، حين كُشف عن الاتهامات، حظيت بتغطية إعلامية واسعة النطاق؛ إذ سلّطت محطات التلفزيون والصحف والمواقع الإخبارية الضوء على القضية، وتصدّرت العناوين الكبرى المشهد، مما أذكى نقاشاً أفضى في أحيان كثيرة إلى إدانة رياض سلامة مسبقاً. وأغفل كثيرون وقتها أن قرينة البراءة مبدأ أصيل لا يجوز نقضه إلا بحكم قضائي بات. أما اليوم، وقد خلص القضاء إلى منع المحاكمة لعدم توافر الأركان القانونية للجريمة، فيبدو الصدى الإعلامي أكثر خفوتاً بكثير. كأن القرارات التي تُعيد الحقائق إلى نصابها أقل إثارة للاهتمام من الاتهامات نفسها. وهذا التباين يُلقي بظلاله على دور وسائل الإعلام؛ فبعضها أعطى الاتهامات حيّزاً واسعاً، لكنه منح القرار القضائي الذي أسقطها مساحةً أضيق بكثير. كأن الخبر لا يكتسب قيمته إلا من خلال الفضيحة، فيما تتراجع إلى الهامش القرارات القضائية التي تُعيد الحقوق إلى أصحابها. والحال أن العدالة لا تُقاس بحجم الاتهامات، بل بقوة الأدلة واحترام قواعد القانون. وقرار غرفة الاتهام في بيروت يُذكّر بأن سيادة القانون يجب أن تعلو دائماً على الإشاعات، وأن كرامة الإنسان لا يجوز أن تُرهَن بأحكام إعلامية تسبق أحكام المحاكم. وثمة سؤال يبقى معلّقاً في الأذهان: إلى أي حدٍّ يستطيع الشخص استعادة سمعته بعد تبرئته، حين تكون الإدانة الإعلامية قد رسّخت صورةً سلبية راسخة في الوجدان العام؟ إن العدالة لا تبلغ معناها الكامل إلا إذا حظيت قرارات منع المحاكمة والبراءة بحضور إعلامي موازٍ لذلك الذي تحظى به الاتهامات. لأن الحقيقة تستحق من الصدى ما تستحقه الشكوك، والإنصاف يستحق من الاهتمام ما تستحقه الفضيحة. * الرئيس المؤسس لجمعية رجال الأعمال اللبنانيين في فرنسا (HALFA)

استعادة الدولة اللبنانية
بقلم
جاك مشعلاني
نُشر

للمرة الأولى منذ عام 2009، يعبر رئيس لبناني هذا الأسبوع أبواب البيت الأبيض، لا بصفته طالب دعم يسعى إلى تذكير واشنطن بوجوده، بل حاملاً مشروعاً متكاملاً. فقد جلس الرئيس جوزاف عون، يوم الثلاثاء، قبالة دونالد ترامب وسلّمه مقترحاً خطياً يتضمن خارطة طريق لتفكيك ترسانة حزب الله، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، مقابل انسحاب إسرائيل من الأراضي التي لا تزال قواتها تحتلها في جنوب لبنان. أما ترامب، فقد اعتمد نبرة بدت أقرب إلى الأبوة. فقال للصحافيين: «نشعر بإيجابية كبيرة تجاه لبنان»، مضيفاً أن هذا البلد «تعرض لمعاملة سيئة جداً» وأنه يستحق أن «يُعامل بالاحترام الذي يليق به». وفي الجملة نفسها، أقرّ بأن «هناك مشكلة اسمها حزب الله»، وكأنه اختصر، بهذه العبارة، مأساة لبنان وفرصته في آن واحد. قد يكون من السهل النظر إلى هذه الزيارة باعتبارها مجرد رمز مغلف بالمضمون، أو عملية علاقات عامة لرئيس يسعى إلى إظهار أن بيروت استعادت أصدقاءها في واشنطن أمام الناخبين اللبنانيين والدول الخليجية المانحة. وقد يكون من السهل أيضاً اعتبارها فصلاً جديداً في السجل الطويل للمبعوثين الأميركيين والاتفاقات الإطارية التي وعدت بالكثير ولم تحقق إلا القليل. إلا أن هذه القراءة تغفل ما هو جديد بالفعل، وما هو على المحك فعلاً. فللمرة الأولى منذ عقود، تتقدم الدولة اللبنانية نفسها إلى طاولة التفاوض، لا ميليشيا، ولا راعٍ خارجي، ولا زعيم حرب طائفي، حاملة خطة صاغتها بنفسها. ونجاح هذه الخطة أو فشلها سيحدد ما إذا كان لبنان سيمضي الجيل المقبل دولةً ذات سيادة، أم سيبقى، كما كان طوال خمسين عاماً، ساحةً تؤجر لحروب الآخرين. رئيس بلا ميليشيا... لكنه يملك جيشاً إن السيرة الذاتية لجوزاف عون نفسها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشهد الذي يتكشف اليوم في واشنطن. فقد انتُخب رئيساً للجمهورية في التاسع من كانون الثاني/يناير 2025، منهياً فراغاً رئاسياً شلّ البلاد لأكثر من عامين، بعدما أخفق مجلس النواب في اثنتي عشرة جلسة متتالية في انتخاب رئيس للدولة. وصل إلى قصر بعبدا لا بصفته زعيماً حزبياً أو وريثاً لعائلة سياسية، بل قائداً سابقاً للجيش اللبناني، في اختيار جاء إلى حد كبير نتيجة ضغوط دبلوماسية مكثفة مارستها كل من واشنطن والرياض، اللتين رأتا فيه شخصية نادرة تحظى بثقة مختلف مكونات المجتمع اللبناني، ولم تتلوث بصراعات الميليشيات التي أفرغت الدولة اللبنانية من مضمونها منذ الحرب الأهلية. وكان انتخابه، بحد ذاته، دليلاً على تراجع نفوذ حزب الله. فالحزب، الذي خرج مثقلاً بخمسة عشر شهراً من الحرب مع إسرائيل، وفقد أمينه العام حسن نصر الله وقسماً كبيراً من قيادته، فيما انشغلت إيران، راعيته الإقليمية، بأزماتها الخاصة، لم يعد قادراً، كما فعل طوال عامين، على تعطيل انتخاب رئيس لا يسيطر عليه بالكامل. ويكتسب هذا السياق أهمية بالغة لفهم ما جرى هذا الأسبوع. فجوزاف عون لم يذهب إلى واشنطن وسيطاً يتنقل بين حزب الله وإسرائيل، بل ذهب بصفته رئيساً منتخباً لدولة تحاول، للمرة الأولى منذ جيلين، أن تتصرف كدولة بالفعل، من خلال التأكيد على احتكارها الحصري لاستخدام القوة المشروعة، وهو مبدأ بديهي في تعريف الدولة، لكنه غاب عن لبنان طوال نحو خمسين عاماً إلى درجة أن غيابه أصبح أمراً مسلماً به. واليوم، باتت إعادة تأكيد هذا المبدأ حدثاً استثنائياً يشكل المحور الأساسي للحياة السياسية اللبنانية. الاتفاق الإطاري الثلاثي... والبنود غير المعلنة للسيادة لم تأتِ هذه الزيارة من فراغ. ففي السادس والعشرين من حزيران/يونيو، وبعد خمسة جولات من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة برعاية واشنطن، وقع ممثلو لبنان وإسرائيل ما بات يعرف بـ«الاتفاق الإطاري الثلاثي»، وهو أول اتفاق، أياً كانت طبيعته، بين البلدين منذ اتفاق السلام القصير العمر عام 1983، الذي انهار بعد أقل من عام على توقيعه تحت ضغط سوريا والانقسامات الداخلية اللبنانية. وقد وقع سفيرا البلدين في واشنطن الاتفاق بحضور وزيرالخارجية الأميركي ماركو روبيو. ويتضمن الاتفاق أربعة عشر بنداً، ويلتزم الطرفان، «بدعم كامل من الولايات المتحدة»، بالعمل على إنهاء حالة الصراع بينهما، وضمان سيادة كل منهما وأمنه، والسير، على المدى البعيد، نحو تطبيع العلاقات. وقد حرص المسؤولون اللبنانيون، إدراكاً منهم لحساسية كلمة «التطبيع» في الداخل اللبناني، على تقديم الاتفاق بوصفه إطاراً للأمن والسيادة، لا معاهدة سلام. إلا أن منطقه يقود، في نهاية المطاف، إلى اتجاه واحد. غير أن ما ينبغي أن يسترعي انتباه بيروت ليس العناوين، بل الآليات التي يتضمنها الاتفاق، لأنها تكشف في الوقت نفسه عن وعوده وحدوده. فالوثيقة لا تُلزم إسرائيل بالانسحاب من الشريط الحدودي الذي لا تزال تحتله منذ وقف إطلاق النار الذي أنهى حرب تشرين الثاني/نوفمبر 2024. وبدلاً من ذلك، تستحدث ما يسمى «المناطق النموذجية»، وهي منطقتان محدودتان: الأولى تقع جنوب نهر الليطاني ولكن خارج المنطقة الأمنية الإسرائيلية الأولى، والثانية عبارة عن شريط صغير شمال الليطاني داخل تلك المنطقة. وبموجب هذه الآلية، تنسحب القوات الإسرائيلية من هذه المناطق مقابل انتشار موثّق للجيش اللبناني، وتفكيك أي بنية عسكرية تابعة لحزب الله داخلها. وفي إحدى هذه المناطق النموذجية، وهي بلدة زوطر الغربية، دخلت وحدات الجيش اللبناني في اليوم نفسه الذي التقى فيه جوزاف عون دونالد ترامب، إلى جانب بلدتي فرون وصريفا المشمولتين بالمرحلة الأولى من الخطة. وكانت الرسالة، التي صيغت بعناية، واضحة: عندما تقول الدولة إنها ستتحرك، فإنها تتحرك فعلاً، والجيش وحده، لا أي فصيل مسلح، هو أداتها في ذلك. هذه هي الخطة التي حملها جوزاف عون إلى المكتب البيضاوي: عرضٌ يهدف إلى تسريع هذا النموذج وتوسيعه، مدعوماً بمقترح خطي يقضي بتفكيك ما تبقى من ترسانة حزب الله، مقابل أن يمارس دونالد ترامب ضغوطاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتوسيع الانسحاب الإسرائيلي إلى ما بعد «المناطق النموذجية» الرمزية، وتنفيذ بنود وقف إطلاق النار بالكامل كما تم الاتفاق عليها أساساً. وقد صرّح ترامب بأنه سيكون مستعداً للتواصل مباشرة مع حزب الله إذا طلب منه عون ذلك. ومهما تكن القيمة العملية لهذا العرض، فإنه يعكس إدارة أميركية تبدو أكثر انخراطاً في تحقيق الاستقرار في لبنان مما كانت عليه منذ عهد الرئيس جورج دبليو بوش. الخط الأحمر لنتنياهو... ولماذا لا ينبغي أن يحدد شروط لبنان إذا كان لطموحات الدولة اللبنانية سقف، فهو يُرسم حالياً في اسرائيل. فخلال زيارة إلى القوات الإسرائيلية المتمركزة في الشريط المحتل جنوب لبنان، قبل أسابيع من زيارة عون إلى واشنطن، لم يترك بنيامين نتنياهو مجالاً لأي التباس، إذ أكد أن القوات الإسرائيلية «لن تغادر جنوب لبنان ما دامت التهديدات قائمة»، وهي صيغة تربط الانسحاب، لا بجدول زمني ولا بسيادة لبنان، وإنما بالتقدير الأحادي الجانب لإسرائيل بشأن اللحظة التي تعتبر فيها أن حزب الله قد جُرّد من سلاحه بما فيه الكفاية. وفي الوقت نفسه، واصل نتنياهو إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ ضربات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية، وهي ضربات تعتبرها بيروت انتهاكاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار. كما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل ما بات يعرف بـ«التلال الخمس»، وهي مرتفعات تقع داخل الأراضي اللبنانية، ويستشهد بها حزب الله، ومعه بصورة متزايدة الحكومة اللبنانية نفسها، بوصفها الدليل الأكثر وضوحاً على أن إسرائيل، لا حزب الله، هي التي تنتهك اليوم جوهر الاتفاق الذي أنهى حرب تشرين الثاني/نوفمبر 2024. ويستحق هذا الواقع التوقف عنده، لأنه يكشف عن اختلال واضح في التوازن الذي يقوم عليه مشروع نزع السلاح برمته. فالدولة اللبنانية مطالبة بتنفيذ مهمة ملموسة وقابلة للتحقق ومحددة المراحل، تتمثل في جمع وتدمير ترسانة ضخمة راكمها فاعل مسلح غير تابع للدولة على مدى أربعة عقود، وذلك ضمن جدول زمني سياسي واضح. أما الالتزام المقابل المفروض على إسرائيل، أي الانسحاب، فيظل رهناً بتقييم إسرائيلي ذاتي للتهديد، قابل للمراجعة إلى ما لا نهاية، ولا يخضع لأي معيار موضوعي. وقد كانت منظمة العفو الدولية واضحة في تقييمها لهذا الاتفاق، إذ اعتبرت أنه «يخذل ضحايا جرائم الحرب»، لأنه لا يتضمن أي آلية للمساءلة بشأن استمرار الضربات الإسرائيلية التي تطال المدنيين اللبنانيين، في الوقت الذي يفرض فيه نزعاً أحادياً للسلاح على الجانب اللبناني. غير أن كل ذلك لا يشكل حجة ضد نزع السلاح، بل على العكس تماماً. إنه يشكل حجة قوية لكي تطالب الدولة اللبنانية، ومعها أصدقاؤها في الخارج، بأن تُطبَّق التزامات الاتفاق الإطاري بصورة متبادلة، وأن يُستخدم النفوذ الذي تملكه واشنطن على نتنياهو، والذي أظهر ترامب هذا الأسبوع استعداده لتفعيله، من أجل تحقيق انسحاب إسرائيل من «التلال الخمس»، ووقف الضربات داخل الأراضي اللبنانية، لا الاكتفاء بمطالبة بيروت بالوفاء بالمواعيد المحددة لنزع السلاح. أما العبارة التي استخدمها جوزاف عون أمام المسؤولين الأميركيين، حين قال إن ترامب وحده يملك النفوذ الكافي للتأثير في نتنياهو، فلم تكن مجرد صياغة دبلوماسية. لقد كانت توصيفاً دقيقاً لموضع القوة الحقيقي في هذه المعادلة، ومطالبة غير مباشرة لواشنطن باستخدام هذا النفوذ. رفض حزب الله... والأرض التي بدأت تهتز تحت أقدامه لم يكن مفاجئاً أن يرفض حزب الله كل ذلك. ففي الأيام التي سبقت مغادرة جوزاف عون إلى واشنطن، ألقى الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، واحداً من أكثر خطاباته حدة، واصفاً الاتفاق الإطاري الموقع في حزيران بأنه «باطل ولاغٍ»، و«اتفاق إذلال»، و«وثيقة كُتبت بالكامل لمصلحة إسرائيل». كما دعا الرئيس عون إلى التخلي عنه نهائياً، وحصر أي اتصالات بمفاوضات غير مباشرة، مؤكداً أن «الأولوية هي لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي». غير أن هذه الصيغة تقلب تماماً ترتيب الأولويات الذي اعتمدته الحكومة اللبنانية، إذ تجعل نزع السلاح مشروطاً بانسحاب إسرائيلي قد يؤجَّل إلى أجل غير مسمى، وهو ما يمنح حزب الله عملياً حق نقض دائم لأي محاولة لحصر السلاح بيد الدولة، في وقت يشكل استمرار امتلاكه لهذا السلاح الذريعة الأساسية التي تستند إليها إسرائيل لتأجيل انسحابها. ومن الضروري تسمية الفخ المزدوج الذي يحاول حزب الله تكريسه، لأنه يشكل جوهر المعركة السياسية والإعلامية الدائرة حول ملف نزع السلاح. فالحزب يقول إنه لن يتخلى عن سلاحه طالما بقيت قوات إسرائيلية على الأراضي اللبنانية. وفي المقابل، تقول إسرائيل إنها لن تنسحب ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه. وقد يكون الطرفان صادقين في موقفيهما، لكن النتيجة واحدة: تأجيل الاختبار الحقيقي لسيادة الدولة اللبنانية إلى أجل غير معلوم، وهو الاختبار الذي وعد به اتفاق الطائف عام 1989 عندما نص على حل جميع الميليشيات، من دون أن يُنفذ هذا البند حتى اليوم. إن مهمة الحكومة اللبنانية، وهذا ما يُحسب للرئيس جوزاف عون وحكومته أنهما بدآ يدركانه، لا تتمثل في إدارة هذه الحلقة المفرغة أو التوفيق بين طرفيها، بل في كسرها. ويكون ذلك من خلال إثبات، عبر انتشار الجيش في المناطق النموذجية، أن الدولة قادرة على بسط سلطتها بحسن نية، بغض النظر عن تعاون حزب الله من عدمه، ثم استخدام هذه المصداقية المكتسبة للحصول، عبر واشنطن لا عبر ترسانة حزب الله، على انسحاب إسرائيلي حقيقي وقابل للتحقق. وتشير بعض المؤشرات إلى أن هذه الحلقة بدأت بالفعل تتصدع، وأن حزب الله يدرك ذلك. فعندما زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بيروت في مطلع العام، حاملاً، بحسب عدة مصادر، أموالاً مخصصة للحزب، أفادت تقارير بأن السلطات اللبنانية منعت دخول هذه الأموال. وقد يبدو الأمر تفصيلاً صغيراً، لكنه يحمل دلالة كبيرة، إذ كان من المستحيل تقريباً تخيل حدوثه قبل ثلاث سنوات، عندما كانت قنوات التمويل بين طهران وحزب الله تعمل بحرية شبه مطلقة. ومنذ ذلك الحين، بات عراقجي يؤكد، بلغة دبلوماسية، أن إيران «تدعم أي قرار يتخذه الحزب، لكنها لا تتدخل فيه»، في تراجع محسوب عن المرحلة التي كان فيها المسؤولون الإيرانيون يعتبرون ترسانة حزب الله جزءاً غير قابل للتفاوض من منظومة الردع الإقليمية. وفي المقابل، تحدث جوزاف عون بصراحة غير مألوفة، فأبلغ محاوريه الأميركيين أن القرار النهائي لحزب الله يبقى في طهران، مؤكداً، بعبارات كان يصعب على أي رئيس لبناني التفوه بها قبل عقد من الزمن، أن «لا أحد يفاوض باسمنا». وعلى نطاق أوسع، لم يعد ما يسمى بـ«محور المقاومة» يمتلك القوة نفسها التي كان يتمتع بها قبل سنوات. فقد أدى سقوط نظام الأسد في سوريا، واستهداف إسرائيل للقيادة العسكرية لحزب الله، وانشغال إيران بصراعاتها الخاصة، إلى إضعاف المحور بصورة ملحوظة. ولا يعني ذلك أن نجاح المشروع مضمون، لكنه يعني أن ميزان الضغوط يميل، للمرة الأولى منذ عقود، لمصلحة الدولة اللبنانية. كما أن المواجهة الأميركية ـ الإيرانية في الخليج تستنزف الموارد العسكرية والمالية التي تستطيع طهران تخصيصها لحلفائها في المنطقة. وفي الوقت نفسه، شدد الجيش السوري رقابته على الحدود، ووسع انتشاره في المناطق الحدودية، وأغلق المعابر غير الشرعية والأنفاق التي كانت تستخدم سابقاً لإمداد حزب الله بالسلاح والعتاد. ويفرض هذا الواقع ضغطاً إضافياً على الحزب. فترسانته من الصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر تقلصت بصورة كبيرة نتيجة الضربات الإسرائيلية وأشهر القتال، كما أن إغلاق الممر السوري يجعل تعويض هذه الخسائر أكثر صعوبة، فضلاً عن تجفيف قنوات التمويل التي كانت تمر عبر دمشق. إلى ذلك، ساهم الدمار الواسع الذي أصاب جنوب لبنان، وتهجير مئات آلاف السكان، في تآكل التأييد الشعبي للحزب داخل البيئات التي يعتبرها معقله الأساسي، وهو ثمن سياسي وأخلاقي قد يكون تعويضه أصعب من تعويض أي خسارة عسكرية. أموال الخليج... والنفوذ الذي تشتريه إذا كانت واشنطن توفر لهذا المسار القوة الدبلوماسية، فإن دول الخليج توفر له المنطق الاقتصادي، وبصراحة غير معهودة أربكت جزءاً من الطبقة السياسية اللبنانية، التي اعتادت على مساعدات خليجية لا تقترن بشروط واضحة. فقد أبلغت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بشكل مباشر أن أموال إعادة الإعمار والاستثمارات لن تُصرف إلا في إطار خطة واضحة لنزع سلاح حزب الله، تتضمن جدولاً زمنياً محدداً، لا مجرد إعلان نيات. ووصف توم باراك، مبعوث إدارة ترامب إلى المنطقة، هذه المعادلة بلغة تكاد تكون تجارية، قائلاً إن الحكومات الخليجية أوضحت للبنان أنها «إذا أنجزت هذه الخطوات، فسنأتي إلى جنوب لبنان، ونموّل منطقة صناعية، ونعيد الإعمار، ونوفر فرص عمل». وفي هذا السياق، يُفترض أن تستثمر السعودية وقطر مباشرة في الجنوب بعد إزالة سلاح حزب الله، بحيث يتحول هذا الإقليم، الذي احتضن طوال أربعة عقود البنية العسكرية للحزب، إلى نموذج اقتصادي لما يمكن أن يصبح عليه لبنان عندما يستعيد الدولة وحدها السيطرة على السلاح. ولا يُعد حجم الرهانات الاقتصادية المطروحة أمراً هامشياً. فوفقاً للتقييم السريع للأضرار والاحتياجات الصادر عن البنك الدولي، تحتاج عملية إعادة إعمار لبنان بعد حرب عام 2024 إلى نحو 11 مليار دولار. وتشمل هذه الخسائر نحو 4.6 مليارات دولار أضراراً في قطاع الإسكان وحده، إضافة إلى 3.4 مليارات دولار خسائر في قطاعات التجارة والصناعة والسياحة. أما الاقتصاد اللبناني، الذي كان يعاني أصلاً منذ الانهيار المالي عام 2019، فقد انكمش بنسبة إضافية بلغت 7.1% خلال عام 2024 بسبب الحرب. وفي موازاة ذلك، وافقت واشنطن، بحسب التقارير، على تخصيص 230 مليون دولار لدعم عمليات نزع السلاح التي ينفذها الجيش اللبناني. ومن المنتظر أيضاً عقد مؤتمر دولي خلال الأشهر المقبلة لدعم القوات المسلحة اللبنانية، بهدف تنسيق التمويل اللازم لتمكين الجيش من فرض احتكار الدولة للسلاح بصورة فعلية، لا الاكتفاء بإعلانه. وهنا تكمن الميزة التي لم تكن متوافرة لأي حكومة لبنانية من قبل. فللمرة الأولى، تقف خلف مشروع نزع السلاح جبهة دولية ذات مصداقية وإمكانات مالية، مستعدة لتمويل المكاسب المترتبة عليه، لا الاكتفاء بالمطالبة به. ويمنح ذلك بيروت شيئاً ملموساً تقدمه إلى المجتمعات المحلية في الجنوب، ولا سيما القرى والبلدات الشيعية التي عاشت طوال جيل كامل في ظل بنية حزب الله العسكرية، والتي لن تقتنع بجدوى عودة الدولة إلا إذا رأت تنمية حقيقية، لا مجرد خطابات عن السيادة. فالمال وحده لن يمحو ثمانين عاماً من انعدام الثقة الطائفية. لكنه، في المقابل، شرط لا غنى عنه إذا أرادت الدولة اللبنانية أن تطلب من سكان الجنوب استبدال قوة مسلحة اعتادوها، بوعدٍ بحماية الدولة لم يُختبر بعد. الأمم المتحدة تنسحب... فيما تتقدم الدولة هناك تحول بنيوي آخر يستحق التوقف عنده، لأنه سيعيد رسم البنية الأمنية في جنوب لبنان، بصرف النظر عن مآلات المفاوضات المتعلقة بنزع السلاح. فقد صوّت مجلس الأمن الدولي على إنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي تنتشر على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية منذ عام 1978، على أن ينتهي تفويضها وعملياتها مع نهاية عام 2026. وعلى مدى ما يقارب نصف قرن، كانت اليونيفيل في الوقت نفسه قوة لا غنى عنها وقوة عاجزة. فهي وفرت حضوراً دولياً للمراقبة، لكنها لم تمتلك لا التفويض ولا القدرات العسكرية اللازمة لنزع سلاح حزب الله بصورة فعلية. ومع ذلك، شكّلت قواتها منطقة عازلة دبلوماسية، وأمنت رقابة دولية معترفاً بها على واحدة من أكثر الحدود توتراً في المنطقة. أما اليوم، فإن انسحابها يزيل هذا الحاجز في اللحظة نفسها التي يُطلب فيها من الجيش اللبناني أن يتحمل المسؤولية الكاملة عن منطقة كانت اليونيفيل تساهم في مراقبتها لعقود. وبنظرة متشائمة، قد يبدو هذا القرار وكأن المجتمع الدولي يغسل يديه من مشكلة أمضى نصف قرن في إدارتها من دون أن يحلها، تاركاً بيروت وحدها في مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي وما تبقى من قدرات حزب الله. لكن من زاوية أكثر تفاؤلاً، وهي الزاوية التي يبدو أن حكومة جوزاف عون تتبناها، فإن انسحاب اليونيفيل يشكل مهلة نهائية تدفع الجيش اللبناني إلى تحمل المسؤولية الكاملة، بعدما لم يعد ممكناً الاكتفاء بدور الشريك الثانوي في جنوب بلاده. وأيٌّ من هاتين القراءتين سيثبت صحته سيتوقف، إلى حد بعيد، على ما إذا كانت الوعود الدولية المتعلقة بتمويل الجيش اللبناني وتدريبه ستتحول إلى واقع وفق الجدول الزمني الذي يحتاج إليه الجيش، لا وفق الإيقاع الذي تفرضه الموازنات الأجنبية. ما الذي تعنيه فعلاً استعادة الدولة؟ من الضروري توضيح المقصود بعبارة «استعادة الدولة اللبنانية»، لأن جميع القوى السياسية في بيروت تستخدمها، لكن كل منها يقصد بها شيئاً مختلفاً، بل ومتعارضاً أحياناً. فاستعادة الدولة لا تعني مجرد نشر وحدات الجيش في القرى التي كان يسيطر عليها حزب الله، وإن كان ذلك يشكل خطوة أولى لا غنى عنها، وهي الخطوة التي بدأت بالفعل داخل المناطق النموذجية. بل تعني، بصورة أعمق، إعادة تثبيت المبدأ الدستوري الذي نص عليه اتفاق الطائف قبل ستة وثلاثين عاماً ولم يُطبّق قط، والقاضي بأن تحتكر الدولة اللبنانية وحدها الاستخدام المشروع للقوة المنظمة على كامل أراضيها. فجميع الأزمات الأخرى التي تعانيها الدولة اللبنانية، من شلل الحكومات المتعاقبة، إلى العجز عن انتهاج سياسة خارجية مستقلة، مروراً بانهيار القطاع المصرفي، تعود، بصورة أو بأخرى، إلى وجود طرف مسلح خارج إطار الدولة يفوق الجيش اللبناني قوة ونفوذاً. وقد راهن الرئيس جوزاف عون، إلى جانب حكومة الرئيس نواف سلام، على أن اللحظة أصبحت مؤاتية أخيراً لتطبيق هذا المبدأ. لكن ليس عبر مواجهة عسكرية كتلك التي دفعت لبنان إلى الحرب الأهلية عام 1975، أو كتلك التي شهدتها شوارع بيروت في أيار/مايو 2008 عندما استخدم حزب الله سلاحه في الداخل. بل عبر مسار تفاوضي، بضمانات دولية، وحوافز اقتصادية، يتيح لما تبقى من القاعدة الشعبية للحزب مخرجاً يحفظ كرامتها، ويمنح المجتمعات الشيعية في الجنوب مصلحة ملموسة في نجاح الدولة. ويستند هذا الرهان إلى قراءة واقعية لموازين القوى الإقليمية. فحزب الله فقد عدداً كبيراً من أبرز قادته، كما فقد جزءاً مهماً من ترسانته خلال الحرب الإسرائيلية عام 2024. أما إيران، المنشغلة بمواجهاتها الخاصة، فلم تعد قادرة على إعادة تسليح الحزب أو تمويله كما كانت تفعل سابقاً. وفي المقابل، لم تعد سوريا تشكل الممر اللوجستي الذي اعتمد عليه الحزب لعقود. وفوق ذلك، يبدو التحالف الذي يضم الولايات المتحدة ودول الخليج أكثر استعداداً، مقارنة بأي وقت منذ عام 2006، لاستثمار رأس مال سياسي ومالي حقيقي في بناء الدولة اللبنانية، بدلاً من الاكتفاء باحتواء الفوضى اللبنانية. ومع ذلك، فإن شيئاً من هذا لا يجعل النجاح أمراً محسوماً. فلا يزال حزب الله يحتفظ بترسانة عسكرية كبيرة، وقاعدة شعبية متماسكة، كما سبق أن أثبت عام 2008 استعداده لاستخدام سلاحه ضد لبنانيين آخرين عندما اعتبر أن موقعه مهدد وجودياً. وفي المقابل، فإن استمرار إسرائيل في احتلال التلال الخمس ، ومواصلتها تنفيذ ضربات شبه يومية داخل الأراضي اللبنانية، وربطها الانسحاب بتقديرها الأحادي للتهديد، يمنح خطاب حزب الله، القائل إن لبنان يُطلب منه أن ينزع سلاحه من جانب واحد، أساساً واقعياً لدى شريحة من اللبنانيين، وليس مجرد حجة سياسية. كما أن الجيش اللبناني، رغم احترافيته والثقة التي يحظى بها لدى مختلف الطوائف، لا يزال يعاني نقصاً في العتاد والتمويل، بما يحد من قدرته على تأمين الجنوب، ومواجهة أي توغل إسرائيلي، والحفاظ في الوقت نفسه على الأمن الداخلي. ولهذا السبب تحديداً، فإن المؤتمر الدولي المرتقب لدعم الجيش، إضافة إلى المساعدة الأميركية البالغة 230 مليون دولار، لا تقل أهمية عن أي بيان يصدر من المكتب البيضاوي. الرهان الذي ينبغي أن يُعقد على بيروت وسط كل هذه العقبات الحقيقية، ينبغي عدم إغفال مدى ندرة اللحظة التي يعيشها لبنان في تاريخه المعاصر. فمن الصعب العثور، منذ اتفاق الطائف، على محطة أخرى توجه فيها رئيس لبناني إلى واشنطن حاملاً خطة مكتوبة صاغها بنفسه، بدلاً من أن يتلقى خطة تمليها عليه القوى الخارجية. ومن الصعب أيضاً العثور على مرحلة ربطت فيها العواصم الخليجية مساعداتها باستعادة سيادة الدولة، بدلاً من الاكتفاء بتمويل رعاة الطوائف المتنافسين، كما جرى طوال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية. كما يصعب العثور على مرحلة كان فيها الراعي الإقليمي لحزب الله بهذا القدر من الانشغال والضعف، أو كانت فيها إدارة أميركية مستعدة، كما فعل دونالد ترامب هذا الأسبوع، لطرح فكرة التواصل المباشر مع حزب الله، والتعهد بممارسة الضغط على بنيامين نتنياهو، واستثمار رأس مال سياسي حقيقي لمصلحة الدولة اللبنانية، بدلاً من التعامل مع لبنان باعتباره مجرد ساحة ثانوية في المواجهة بين إسرائيل وإيران. وانطلاقاً من ذلك، نعتقد أن أصدقاء لبنان، سواء في واشنطن أو في العواصم الخليجية أو بين اللبنانيين الذين أنهكتهم خمسون سنة من العيش داخل حروب الآخرين، ينبغي أن يتعاملوا مع هذه اللحظة كما هي بالفعل: ليست ضمانة للنجاح، لكنها نافذة فرصة حقيقية، ولن تبقى مفتوحة إلى الأبد. فقد تستعيد إيران جزءاً من موقعها الإقليمي. وقد تنصرف دول الخليج إلى أولويات أخرى. وقد تتغير الإدارة الأميركية، ومعها مستوى الاهتمام الذي يبديه أي رئيس أميركي تجاه بلد صغير على شاطئ المتوسط. وقد يرى بنيامين نتنياهو أن استمرار الاحتلال أقل كلفة، سياسياً، من الانسحاب عبر تسوية تفاوضية. وأي تحول من هذه التحولات كفيل بإغلاق هذه النافذة التي لا تزال مفتوحة اليوم. إن ما تحتاج إليه مؤسسات الدولة اللبنانية الآن ليس اتفاقاً إطارياً جديداً، ولا صورة جديدة لمصافحة في المكتب البيضاوي، مهما كانت أهميتها الرمزية. إنها تحتاج إلى أن يُزوَّد الجيش اللبناني بالوسائل الكفيلة بتوسيع نموذج المناطق النموذجية ليشمل كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، ضمن جدول زمني يُقاس بالأشهر لا بالسنوات. وتحتاج إلى أن تعتبر واشنطن أن المعاملة بالمثل من الجانب الإسرائيلي — أي الانسحاب الكامل من التلال الخمس، ووقف الضربات داخل الأراضي اللبنانية، والالتزام الفعلي ببنود وقف إطلاق النار — هدفاً لا يقل إلحاحاً عن نزع سلاح حزب الله، لا أن تؤجل هذه المسائل إلى ما بعد تخلي بيروت عن ورقة الضغط الأساسية التي تملكها. كما تحتاج إلى أن تصل أموال إعادة الإعمار التي وعدت بها دول الخليج إلى جنوب لبنان بسرعة كافية، حتى يشعر سكان المنطقة بأن عودة الدولة تعني تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية، لا مجرد استبدال مجموعة مسلحة بأخرى. وتحتاج أيضاً إلى توفير مكان، بصورة جدية ومستدامة، لما تبقى من القاعدة الشعبية لحزب الله داخل دولة لبنانية فاعلة، بدلاً من التعامل معها فقط بوصفها مشكلة أمنية ينبغي حلها بالقوة. وأخيراً، يحتاج لبنان إلى إصلاح جذري للنظامين السياسي والقانوني القائمين على المحاصصة الطائفية، بعدما أثبتا فشلهما، إصلاح يرسخ هوية وطنية تتقدم على الولاءات والانقسامات الطائفية التي طبعت النظام الدستوري اللبناني منذ عام 1943، ويتيح بروز طبقة سياسية جديدة عازمة على تحويل لبنان إلى دولة قادرة على أداء وظائفها في الداخل، وشريك موثوق في الخارج. إن أياً من ذلك لا يمكن أن تضمنه مصافحة في المكتب البيضاوي. لكن بالنسبة إلى بلد أمضى نصف قرن وهو يُقال له إن سيادته رهينة جداول الآخرين الزمنية — السورية، والإسرائيلية، والإيرانية، بل وأحياناً رهينة فصائله الداخلية نفسها — فإن رؤية رئيس لبناني يدخل البيت الأبيض حاملاً خطته الخاصة، لا طالباً خطة من الآخرين، ليست حدثاً عابراً. إنها أول اختبار حقيقي منذ جيل كامل لمعرفة ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة أخيراً على أن تصبح الجهة الوحيدة التي تحتكر السلاح داخل أراضيها. وخلال الأشهر المقبلة، سيكتشف لبنان، ومعه المنطقة التي تراقبه، ما إذا كانت الدولة باتت، أخيراً، قادرة على اجتياز هذا الامتحان.

"الحوثيون يكشفون ضعف "الجمهوريّة الإسلاميّة

لا أفق سياسيا، أو عسكريا، للتهديدات التي يطلقها الحوثيون في اليمن في إتجاه المملكة العربيّة السعودية وللحركة في موانئها البحرية. يستحيل على الحوثيين تنفيذ تهديداتهم بفرض حصار على الموانئ البحرية السعوديّة. كلّ ما في الأمر أن الحوثيين فوتوا، عبر كلام كبير فارغ يطلقونه، فرصة أن يكونوا جزءا من اللعبة السياسية في اليمن، وهي لعبة تستهدف التوصل إلى تسوية سياسيّة لا تستبعد أي طرف. بانحيازهم المكشوف إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة"، أخرج الحوثيون نفسهم اللعبة السياسيّة في اليمن. اثبتوا بكل بساطة أنّهم إيرانيون وأنّهم ليسوا يمنيين وأنّ كل رهان على استعادة الحوثيين وعيهم وحدّ أدنى من الشعور الوطني ليس سوى رهان في غير محله. كان ذلك مجرّد مضيعة للوقت ليس إلّا. في السنوات القليلة الماضية، خصوصا منذ التوصل إلى اتفاق سعودي – إيراني برعاية صينيّة في آذار – مارس من العام 2023، حافظ الحوثيون على نوع من ضبط النفس متظاهرين بالحياد. بحث هؤلاء عن متابعة حوار مع الرياض بعيدا عن أي نوع من الإستفزازات. شمل ذلك أخذ وردّ مع المملكة العربيّة السعوديّة بهدف تكريس صيغة تعايش بين الجانبين. فجأة مع إتخاذ "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران، أو على الأصحّ "الحرس الثوري"، قرارا بالتصعيد العسكري، اتخذ الحوثيون، عبّر زعيمهم عبد الملك الحوثي، عن موقف يكشف أنّهم لا يستطيعون أن يكونوا غير أداة إيرانيّة. قرّر الحوثيون أن يكونوا جزءا من الهجمة الإيرانية على دول الخليج العربي وعلى الأردن، وهي هجمة تعكس إفلاسا إيرانيا ليس بعده إفلاس. كشف الحوثيون أنّهم ليسوا أكثر من لواء آخر في "الحرس الثوري"، على غرار ما هو "حزب الله" في لبنان. حسنا، يستطيع الحوثيون خلق إزعاجات لحركة الملاحة في البحر الأحمر وفي خليج عدن مستعينين بقراصنة صوماليين يمكن استئجارهم لتنفيذ مهمات معيّنة. لكن ذلك لا يعني في أي شكل قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب وهو المدخل الإجباري إلى البحر الأحمر وإلى قناة السويس. يعود ذلك إلى سبب في غاية البساطة. يتمثّل هذا السبب في أن الحوثيين لا يسيطرون على ميناء المخا اليمني الذي يتحكّم بحركة المرور في باب المندب. لقد خسر الحوثيون المخا منذ خريف العام 2014 عندما قررت قوى يمنية طردهم من الجنوب اليمني، بما في ذلك ميناء المخا. ليس سرّا أن تلك القوى المحليّة، التي أخرجت الحوثيين من عدن ومن المخا ومن مواقع معيّنة في محافظة شبوة، كانت تحظى بدعم دولة الإمارات التي امتلكت سياسة يمنيّة واضحة تقوم على منع الحوثيين من السيطرة على كلّ اليمن، خصوصا على الجنوب. عاجلا أم آجلا، ستكون هناك حاجة إلى عودة دولية وإقليميّة إلى اليمن الذي يتمتع بأهميّة استراتيجيّة استثنائية، أقلّه لسببين. السبب الأوّل أن الأراضي اليمنية تصلح ممرا لأنابيب النفط بما يساعد في تجاوز مضيق هرمز. أما السبب الآخر، فيعود إلى أنّه في غياب القدرة على تمرير انابيب للنفط في الأراضي اليمنيّة، وصولا إلى البحر الأحمر أو بحر العرب، لن يكون في استطاعة دول المنطقة والعالم تحمّل بقاء إيران في اليمن. بكلام أوضح، ليس في الإمكان تحمّل عرقلة إيران للملاحة في البحر الأحمر انطلاقا من اليمن. ليس سرّا أن "الجمهوريّة الإسلاميّة" مصرّة، عبر الحوثيين، على البقاء في اليمن واستخدامه في اغلاق مضيق باب المندب وضرب السفن التي تعبر المضيق في طريقها إلى قناة السويس. هذه نية الحوثيين، لكنّ فقدانهم للسيطرة على ميناء المخا يحول دون تحقيق القدرة على تنفيذ تهديداتهم. لا بدّ من التذكير، في هذا المجال، بأنّ الحوثيين يسيطرون على صنعاء وعلى قسم مهمّ من الأراضي اليمنيّة منذ 21 أيلول – سبتمبر 2014. ليس ما يدلّ على مدى تمسك إيران بوجودها في اليمن اكثر من إصرارها على خرق الحظر المفروض على مطار صنعاء حديثا. أرسلت ايران طائرة مدنية إلى صنعاء بحجة الإتيان بوفد يمني للمشاركة في جنازة "المرشد" الراحل علي خامنئي. لم تكتف بذلك، بل شنّ الحوثيون فجأة حملة على المملكة العربيّة السعودية شملت تهديدات لها. جاءت الحملة بعد فترة طويلة من الهدوء والأخذ والردّ بين الحوثيين والرياض. شمل ذلك حصول الحوثيين على مكاسب معيّنة بطريقة مباشرة أو بوساطة من سلطنة عُمان. سيبقى السؤال المطروح في أيامنا هذه سؤالا ذا شقين. يتعلّق الشق الأوّل بقدرة الحوثيين على تنفيذ تهديداتهم للسعودية ولحركة الملاحة في البحر الأحمر والآخر بالإفلاس الإيراني. بالنسبة إلى الشق الأول، سيكون في استطاعة الحوثيين استهداف سفن وناقلات تعبر البحر الأحمر، خصوصا في ضوء سيطرتهم على ميناء الحديدة ، ذي الأهمّية الإستراتيجيّة،المطلّ على هذا البحر. أما بالنسبة إلى إيران نفسها، فقد اختارت الإعتداء على الدول العربيّة الخليجية وعلى الإردن في غياب رغبتها في مواجهة مباشرة مع أميركا أو إسرائيل. تستهدف إيران الكويت والبحرين والإمارات وقطر وسلطنة عمان وتكلّف الحوثيين بالإعتداء على السعودية. في المقابل، لا تتجرأ على التعرض لأي قطعة حربية أميركية تبحر في الخليج! ليست التهديدات الحوثية في نهاية المطاف غر تعبير عن افلاس إيراني ليس بعده إفلاس. تكشف هذه التهديدات التي تأتي على حساب اليمن واليمنيين أنّ نهاية النظام الإيراني آتية لا محالة. المسألة مسألة وقت ليس إلّا بعدما كشف الحوثيون ضعف "الجمهوريّة الإسلاميّة" ومدى إفلاسها.

من التآكل إلى الاحتواء… هل دخل ال"حزب" مرحلة اللاعودة؟

منذ انتهاء حرب تموز عام 2006، اعتاد اللبنانيون والمراقبون قياس قوة حزب الله بعدد الصواريخ التي يمتلكها، أو بحجم ترسانته العسكرية، أو بقدرته على تهديد إسرائيل. لكن ما يجري اليوم يفرض معياراً مختلفاً تماماً. فالقضية لم تعد تتعلق بما بقي من السلاح، بل بما إذا كان الحزب لا يزال قادراً على إعادة إنتاج القوة التي بناها خلال أكثر من أربعة عقود. هذا التحول هو جوهر المرحلة الحالية. فبعد لقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما سبقه وتلاه من حراك دبلوماسي أميركي مكثف، ومسار المفاوضات في روما، والحديث المتزايد عن توسيع انتشار الجيش اللبناني وربط إعادة الإعمار باستعادة الدولة لقرارها الأمني، يبدو أن المقاربة الدولية لم تعد تستهدف نزع السلاح بقرار سياسي أو بعمل عسكري فقط، بل تسعى إلى جعل إعادة بناء القوة العسكرية أمراً بالغ الصعوبة، وربما مستحيلاً. بمعنى آخر، انتقلت الاستراتيجية من تدمير القدرات إلى منع إعادة إنتاجها. وهنا تكمن أهمية فهم ما يمكن تسميته بـ”التآكل البنيوي”، وهو مسار يطال خمسة محاور مترابطة: الأرض، والسلاح، والبيئة الاجتماعية، والمؤسسات، والعمق الإقليمي. أولاً: خسارة الأرض كبيئة عسكرية لم تكن قرى الجنوب مجرد أماكن ينتشر فيها مقاتلو حزب الله، بل كانت جزءاً من بنية عسكرية معقدة تضم أنفاقاً ومخازن وغرف قيادة ومواقع إطلاق محصنة. الحرب الأخيرة استهدفت هذه البنية بصورة غير مسبوقة، فيما جعل انتشار الجيش اللبناني وآليات المراقبة الدولية أي محاولة لإعادة بنائها أكثر صعوبة وأكثر عرضة للاكتشاف والاستهداف. إن السيطرة على الأرض لم تعد تعني فقط الوجود الجغرافي، بل القدرة على استخدامها عسكرياً. وهذه القدرة تتراجع بصورة متسارعة. ثانياً: تراجع القدرة العسكرية لا يزال حزب الله يمتلك سلاحاً، ولا يزال قادراً على تنفيذ عمليات محدودة إذا قرر ذلك. لكن الفارق كبير بين امتلاك وسائل الإزعاج التكتيكي وامتلاك القدرة على خوض حرب استراتيجية طويلة. فالترسانة الدقيقة تعرضت لضربات مؤثرة، ومنظومات القيادة والسيطرة أصبحت أكثر هشاشة، كما أن خطوط الإمداد لم تعد تعمل كما كانت في السابق. وفي الوقت نفسه، أصبحت عمليات نقل السلاح عبر سوريا والعراق أكثر تعقيداً نتيجة المتغيرات السياسية والأمنية في البلدين، إضافة إلى الرقابة الإقليمية والدولية المتزايدة. وهكذا، يصبح الحزب قادراً على استخدام ما بقي لديه أكثر من قدرته على تعويض ما خسره. ثالثاً: البيئة الحاضنة تتغير ربما يكون هذا العامل هو الأكثر حساسية. فالجنوب اللبناني خرج من الحرب مثقلاً بالدمار والنزوح والخسائر الاقتصادية. وأمام الحاجة الملحة إلى إعادة الإعمار، باتت شرائح واسعة من السكان تعتمد بصورة أكبر على الدولة والمساعدات العربية والدولية. وفي المقابل، لم تعد مؤسسات حزب الله الاجتماعية والمالية قادرة على أداء الدور نفسه الذي لعبته بعد حرب عام 2006، سواء بسبب الضغوط الاقتصادية أو القيود اللوجستية أو تغير البيئة الإقليمية. ولا يعني ذلك انقلاباً سياسياً داخل البيئة الشيعية، لكنه يعني أن الأولويات بدأت تتبدل، وأن الرغبة في الاستقرار وإعادة بناء الحياة الطبيعية أصبحت تتقدم على منطق المواجهة المفتوحة. ومع هذا التحول، يصبح توفير الغطاء الاجتماعي لإعادة بناء البنية العسكرية أكثر صعوبة من أي وقت مضى. رابعاً: الدولة تستعيد موقعها للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تتحرك الدولة اللبنانية بدعم دولي واضح لاستعادة دورها الأمني في الجنوب. فالجيش اللبناني لم يعد مجرد قوة تنتشر إلى جانب قوى أخرى، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تحتكر استخدام القوة المسلحة. ومن هنا، لا تبدو المفاوضات الجارية مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة، بل محاولة لتثبيت واقع جديد تصبح فيه المناطق التي ينتشر فيها الجيش مناطق خاضعة حصراً لسلطة الدولة، مع ربط المساعدات وإعادة الإعمار باستمرار هذا الواقع. وهذا يعني أن هامش الحركة العسكرية لحزب الله يتقلص تدريجياً، ليس فقط ميدانياً، بل أيضاً قانونياً وسياسياً. خامساً: العمق الإقليمي لم يعد كما كان منذ تأسيسه، استفاد حزب الله من شبكة دعم إقليمية وفرتها إيران عبر سوريا، ولاحقاً عبر العراق. لكن هذه الشبكة تواجه اليوم تحديات متزايدة. فالحدود أصبحت أكثر رقابة، والبيئة السياسية في دمشق وبغداد تغيرت، والولايات المتحدة تعمل على تحويل هذه القيود إلى جزء من منظومة أمنية إقليمية طويلة الأمد، تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية مقابل فتح الباب أمام إعادة الإعمار والاستقرار. أي أن الهدف لم يعد مصادرة كل قطعة سلاح، بل جعل أي مشروع لإعادة التسلح مشروعاً بالغ الكلفة سياسياً واقتصادياً وأمنياً. ما بعد السلاح… معركة القدرة على التجدد تكمن أهمية هذه التطورات في أنها لا تستهدف عنصراً واحداً، بل تضرب الحلقة الكاملة التي كانت تسمح لحزب الله بإعادة إنتاج قوته. فالأرض لم تعد آمنة كما كانت، وخطوط الإمداد أصبحت أكثر هشاشة، والبيئة الاجتماعية أكثر إنهاكاً، والدولة أكثر حضوراً، والغطاء الدولي أكثر وضوحاً. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ما زال لدى حزب الله صواريخ؟ بل أصبح: هل يستطيع بعد خمس سنوات أن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم مستقبل لبنان، وليس عدد الصواريخ الموجودة اليوم. نحو نموذج جديد إذا نجحت واشنطن، بالتعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين، في تثبيت نتائج مسار روما خلال الأشهر المقبلة، فإن لبنان قد يكون أمام انتقال تاريخي من معادلة “توازن السلاح” إلى معادلة “احتكار الدولة للقوة”. لن يكون هذا الانتقال سريعاً، ولن يخلو من العقبات أو محاولات التعطيل، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن الاستراتيجية الدولية لم تعد تقوم على هزيمة حزب الله عسكرياً، بل على احتوائه تدريجياً داخل النظام السياسي اللبناني، مع تجريده، خطوة بعد أخرى، من المقومات التي جعلته خلال العقود الماضية قوة عسكرية إقليمية. وهنا يصبح معنى التآكل البنيوي أكثر وضوحاً. فالتاريخ يعلمنا أن التنظيمات المسلحة لا تنتهي عندما تخسر معركة، بل عندما تفقد القدرة على تعويض خسائرها وإعادة إنتاج قوتها. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه حزب الله اليوم، وهو أيضاً العنوان الحقيقي للمرحلة الجديدة التي يدخلها لبنان والمنطقة.

نحو شلّ الورقة الحوثية الإيرانية
بقلم
ميشال توما
نُشر

تتعرض الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لليلة الحادية عشرة على التوالي، لهجمات وغارات أميركية مكثفة تستهدف مواقع وبنى تحتية عسكرية، فضلاً عن شبكات اتصالات وخطوط مواصلات تابعة للحرس الثوري في مناطق إيرانية عدة. وفي الوقت عينه، يطبق الحصار البحري الذي تفرضه القوات الأميركية على الموانئ الإيرانية الخناق على اقتصاد البلاد المأزوم أساساً وفي مرحلة حرجة للغاية. وما يزيد المشهد تعقيداً، أن النظام يبدو فريسة لانقسامات داخلية عميقة باتت تهدد استمراريته. وأمام هذا الواقع المتخبط الذي أغرق النظام فيه نفسه جراء سياسات التوسع والهيمنة التي يتتبعها والتي لم تعرف حدوداً، تسعى السلطة الحاكمة في طهران اليوم إلى "تصدير" الصراع وتوسيعه ليطاول المنطقة بأسرها (مع تجنب إسرائيل بعناية)، مع العمل في الوقت ذاته على استغلال الى أقصى الحدود لورقة تديرها بأساليب ميليشياوية ومافيوية تقليدية: ورقة الابتزاز بشل الممرات البحرية الدولية، ما يهدد الاقتصاد العالمي في شكل كبير. وتترجم استراتيجية تصدير الأزمات هذه عبر هجمات بالمسيّرات والصواريخ لا تستهدف دول الخليج فحسب – كما هو الحال منذ اندلاع الصراع في حزيران 2025 –بل تطاول أيضاً، وبوتيرة متزايدة، الأردن والعراق (مستهدفةً المعارضة الإيرانية)، وحتى سوريا مؤخراً. وفاقمَ نظامُ الملالي أحدثَ أعماله العدائية في هذا السياق عبر إعادة تفعيل "الورقة الحوثية". إذ جددت هذه الميليشيا اليمنية، المؤتمرَة بأمر من طهران، تهديداتها ضد المملكة العربية السعودية خلال الأيام الأخيرة، وصعّدتها، مدّعيةً فرض حصار بحري على الموانئ السعودية. وتبدو المناورة الإيرانية في هذا الصدد جليّة؛ إذ تهدف إلى توسيع نطاق الابتزاز الترهيبي ليطاول باب المندب والبحر الأحمر، بغية تخفيف الضغط العسكري الأميركي الممارس على البنية التحتية للحرس الثوري. غير أن المنطقة شهدت يوم الأربعاء مواقف حاسمة ومتسارعة من شأنها شلّ الورقة الحوثية الإيرانية. فقد أعاد الرئيس دونالد ترمب التأكيد الأربعاء – كما فعل خلال اجتماعه بالرئيس جوزاف عون – أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما هدد الحوثيون حرية الملاحة البحرية في باب المندب والبحر الأحمر. وفي الاتجاه نفسه، نددت سوريا و(بطبيعة الحال) الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بشدة يوم الأربعاء بتهديدات الحوثيين للمملكة العربية السعودية. بيد أن الموقف الأبرز والأكثر دلالة كان بلا شك الموقف الباكستاني، على رغم كون إسلام آباد الوسيط الرئيسي بين إيران والولايات المتحدة وحليفاً أساسياً (إلى حد ما) للجمهورية الإسلامية. فقد دانت باکستان بأشد العبارات الهجمات الحوثية على المملكة، مشددةً على تمسكها بأمن السعودية وسيادتها (يُذكر أن معاهدة دفاع وأمن تربط بين البلدين). كما أكدت السلطات الباكستانية أنها سترد بحزم، "وعند الحاجة باستخدام القوة"، وفق ما أوضحت، على أي هجوم يستهدف سفينة باكستانية في هذا الممر البحري. وبالتوازي مع شلّ الورقة الحوثية الإيرانية، رفَع الرئيس ترمب الأربعاء سقفَ مواقفه الهادفة إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وأعلن في شكل لا يدع مجالاً للشك أن أي هجوم إيراني، أياً تكن طبيعته (بالمسيّرات أو الصواريخ أو بأي وسيلة أخرى)، يطاول أي سفينة في مضيق هرمز، سينجم عنه مباشرةً تدمير القوات الأميركية لجسْرٍ أو محطةِ توليد كهرباء داخل الأراضي الإيرانية، بما في ذلك طهران أو ضواحيها. ويأتي هذا التحذير الصارم استكمالاً لعملية شلّ الورقة الحوثية، ومن شأنه – مبدئياً على الأقل – أن يكبح "اندفاعة" الحرس الثوري وسلوكه العدائي في ما يخص مضيق هرمز. وعلى رغم ذلك، شدد كبير المفاوضين الإيرانيين الأربعاء على أن "الوضع في مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب"، ما يؤكد تعنّت الجمهورية الإسلامية وسعيها إلى فرض سيطرتها على المضيق وجباية رسوم مرور فيه، على رغم الرفض القاطع لهذا الخيار من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، وحتى الصين. وهذا التوتر المتصاعد يمهّد لاحتمال شنّ هجوم أميركي واسع النطاق ضد النظام الإيراني. وثمة مؤشران، من بين مؤشرات أخرى، يكشفان عن هذا التوجه: قرار رئيس الوزراء البريطاني الجديد السماحَ للطائرات الأميركية بالتمركز في القواعد العسكرية البريطانية؛ وموافقة البرلمان البلغاري مساء الأربعاء، بغالبية ساحقة، على طلبٍ قدمته الحكومة للترخيص لطائرات القتال الأميركية بالتزود بالوقود في بلغاريا، علماً أن إيران كانت قد حذرت السلطات البلغارية من اتخاذ قرار كهذا. ويبقى التذكير، لإغلاق هذا الفصل الإقليمي، بأن رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي يستعد للقيام بزيارة قريبة إلى طهران. وتكتسب هذه الزيارة في الظروف الراهنة أهمية خاصة على ضوء السياسة التي تتبعها الحكومة العراقية الحالية، والتي تكثّف مبادراتها وإجراءاتها لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق. وكان هذا التوجه الجديد للسلطة العراقية في صلب الزيارة التي قام بها الزيدي قبل أيام إلى واشنطن، حيث وقع مع المسؤولين الأميركيين سلسلة اتفاقات اقتصادية قوبلت بريبة كبيرة من النظام الإيراني، الذي ندد بتغييرٍ في المسار الاستراتيجي لبغداد؛ وهو تحوّلٌ يتجه نحو التقارب مع الغرب، على حساب نفوذ الجمهورية الإسلامية. الملف اللبناني ويتجلى التغيير الاستراتيجي في المسار، الهادف إلى الحدّ من التوسع الإيراني، بوضوح تام على الساحة اللبنانية أيضاً. وقد ترسّخ هذا التوجه بوضوح بفعل الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في مطلع الأسبوع، واللقاء اللافِت الذي جمعه بالرئيس ترمب في البيت الأبيض وحظي باهتمام إعلامي واسع. ويرتسم هذا الخيار الاستراتيجي ذات الطابع السيادي والمنحاز للغرب، بوضوح، مع البدء بتطبيق اتفاق الإطار الموقّع بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران الماضي. فتنفيذاً لبنود الاتفاق الذي تم برعاية أميركية، انسحب الجيش الإسرائيلي صباح الثلاثاء من بلدة زوطر الغربية، ليحلّ مكانه الجيش اللبناني فوراً، باديًا مهمته في التثبت من خلوّ المنطقة من أي وجود لـ "حزب الله". ولتأكيد أبعاد هذه الخطوة الميدانية وما يمثله اتفاق الإطار من محطة مفصلية، أضفى رئيس الوزراء نواف سلام بُعداً رسمياً استثنائياً على العملية عبر زيارة مفاجئة قام بها إلى زوطر الغربية. وستكون انطلاقة العمل باتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي وآفاق المرحلة المقبلة موضوع جولة جديدة من المحادثات بين البلدين تُعقد في 4 آب في روما، وتحت الرعاية الأميركية دائماً... على غير ما يشتهي المعسكر الإيراني.

لبنان البطريرك حويّك: الانفتاح على العالم الشموليّ (4/4)

قد يتساءل المرء إلى أيّ مدى كان خيار البطريرك إلياس حويّك لصالح لبنان التعدّدي رهاناً تاريخياً قابلاً للحياة، في وقتٍ كانت فيه الديناميّات المهيمنة في العالم العربي خلال القرن العشرين – من إنهاء الاستعمار وتصاعد القوميّة، إلى نموّ الإسلام السياسيّ ومناهضة الحداثة الغربية – تسير غالباً في اتجاهٍ معاكس. فهل كان لبنان "غلطة تاريخيّة"، كما ادّعى البعض ممّن بذلوا كلّ ما في وسعهم ليزرعوا فينا الشكّ بأنفسنا؟ وهل كان المشروع التعدّديّ الذي دافع عنه البطريرك استشرافاً ثاقباً للتنوّع المشرقيّ، أم رهاناً تاريخياً أضعفته تدريجياً التحوّلات الكبرى في القرن العشرين؟ وللوقوف على حقيقة الأمر، لا بدّ من إدراج خيار البطريرك لصالح لبنان التعدّديّ ضمن "المدى الزمنيّ الطويل" لتاريخ الشرق الأوسط، وعدم تقييمه حصراً على ضوء الأزمات الداخليّة اللبنانيّة. في الواقع، يتجلّى هذا المشروع كمحاولة فريدة لمأسسة التنوّع الطائفيّ، في الوقت الذي كانت تتجه فيه الديناميّات الإقليمية الرئيسة نحو تفضيل نماذج جامدة وأحاديّة. وإنّ التوتّر القائم باستمرار بين هاتين المنطقين يفسّر، جزئياً، الصعوبات الهيكليّة التي يواجهها لبنان منذ قرن من الزمن، ويسّلط الضوء في الوقت نفسه على الفرادة التاريخيّة لتجربته السياسيّة. بل يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك ونقل التحليل من الميدان الجيوسياسيّ المحض إلى ميدان التاريخ الدينيّ والأفكار. وتقودنا هذه المقاربة إلى التساؤل عن الصلة بين لاهوتٍ مسيحيّ قائمٍ على الشموليّة، ومفهومٍ سياسيّ للتعدّديّة الطائفيّة كما جرى الاعتراف بها وممارستها في لبنان. لا بدّ من الإقرار، والحال هذه، بأنّ خيار البطريرك إلياس الحويّك لصالح لبنان التعدّديّ لم يكن مجرّد حساب سياسيّ، بل ينبع أيضاً من رؤية مسيحيّة للإنسان. وبذلك، يشكّل "المشروع اللبنانيّ" – وإن بدرجة أقلّ وضوحاً عمّا يبدو عليه اليوم –الترجمة السياسيّة لأنثروبولوجيا مسيحيّة شمولية تحمل سماتها الخاصّة: التمييز بين الروحيّ والزمنيّ، محورية المواطنة المدنيّة، الفصل بين السلطات، احترام الحرية الدينيّة، والاعتراف بالعدديّة والتعدّديّة بوصفهما معطيين طبيعيين في المجتمع، وغيرها من المبادئ. وعلى نحو أكثر شمولاً، انطلق مشروع البطريرك الحويّك مع مطلع قرنٍ شهدت فيه المسيحيّة بجميع أطيافها حركة انفتاح واسعة، برزت فيها ظواهر متلاقية عدّة: امتداد الحركة التبشيرية الذي كرس عالمية المسيحية على حساب انغلاقها القومي، تأكيد حقوق الإنسان في العقيدة الاجتماعية للكنيسة التي أطلقها البابا ليون الثالث عشر، وتطوّر الحركة المسكونيّة التي سعت إلى تجاوز الانقسامات المذهبيّة بين الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت. وجاء المجمع الفاتيكاني الثاني في ستينيات القرن الماضي ليتوّج هذا المسار، مكرّساً الرؤى الاستشرافية عينها التي تجلّت عند البطريرك الحويّك قبل ذلك بأربعين عاماً: الحرية الدينيّة، الحوار بين الأديان والاعتراف بالقيم المكتنزة في التقاليد الدينيّة الأخرى ولا سيما الإسلام، الانفتاح على العالم المعاصر، تفعيل دور العلمانيين والحركات الكنسيّة الرسولية، والانفتاح المسكونيّ والمصالحة مع العالم الأرثوذكسيّ، فضلاً عن الإعلانات الكريستولوجية (الكريستولوجية/المسيحانية) المشتركة. وليس من الصعب تبيان كيف تتناقض هذه التوجهات مع تلك التي عصفت بالعالم العربي والشرق الأوسط: من الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في تركيا، إلى الأنظمة الشمولية القاسية والدموية في العراق وسوريا ومصر، وصولاً إلى قيام "دولة يهودية" قائمة على الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وصعود الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون والثورة الإسلامية الإيرانية)، وغيرها. هذا الطرح يفتح حتماً سجالاً يتطلب التعاطي معه بكثير من التأنّي؛ إذ لا ينبغي إظهار المسيحية وكأنها تعدّدية بطبيعتها في كل زمان ومكان. فالتاريخ المسيحي، بما في ذلك في لبنان، لا يخلو من محطات طبعتها الطائفية و التعصب أو التحالف الوثيق بين السلطة السياسية والدين. وهنا تحديداً تتجلى فرادة الحويّك. فخياره لصالح التعدّدية هو ما أتاح للبنان الإفلات من حتميات الدول الشمولية. ونكرّر هنا: لا يجوز تقييم تاريخ لبنان حصراً على ضوء الأزمات الداخلية اللبنانية والشيطنة المطلقة للطائفية السياسية بوصفها أصل كل شرورنا. بل على العكس من ذلك تماماً، فمن رحم تنوّعنا المكرَّس، والمعتدل، والمصان، ولدت إحدى أعمق التجليات الإنسانية وأكثرها فرادة في القرن العشرين، وهي تجربة يقع على عاتقنا اليوم تزويدها بالمؤسسات الكفيلة بضمان ازدهارها واستقرارها. فيا لها من "غلطة" مباركة، تلك التي أورثتنا مثل هذا الوطن. إقرأ أيضاً: الحويّك وإعلاء شأن المرأة اللبنانية (3/4) "حب الوطن": الوصية الروحية للبطريرك الحويّك (2/4) البطريرك الحويك، نبي العيش المشترك (1/4)