شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
تفجيرات قلعة الشقيف تُحدث موجة صدمة سياسية

أحدثت الانفجارات موجات تعادل زلزالاً بلغت قوته 3.2 درجات، بعدما نفّذ الجيش الإسرائيلي، ليل الخميس ـ الجمعة، تفجيرات ضخمة قرب قلعة الشقيف في جنوب لبنان، ما أثار إدانات من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. بل إن رئيس الجمهورية ذهب إلى حدّ وصف ما جرى بأنه «تصعيد بالغ الخطورة» و«تهديد مباشر» لتنفيذ الاتفاق الإطاري الذي أُبرم في حزيران/يونيو بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة. وفي وقت كانت الولايات المتحدة قد أكدت الاثنين عقد جولة جديدة من المفاوضات بين إسرائيل ولبنان في روما من 4 إلى 6 آب/أغسطس، بهدف توسيع هذا المسار، أعربت رئاسة الجمهورية، في بيان، عن أسفها لأن «توقيت هذه الاعتداءات يبعث برسائل سلبية ويقوّض الجهود الدولية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار»، وذلك قبل أيام قليلة من انطلاق هذه المفاوضات الجديدة. 700 طن من المتفجرات وأدان رئيس الحكومة نواف سلام «الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب، من خلال التفجيرات والقصف وعمليات التدمير المنهجية»، بما في ذلك «الاعتداء على المواقع الأثرية». وفي بيان مشترك، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الجيش دمّر «الأنفاق الإرهابية في منطقة الشقيف» باستخدام نحو 700 طن من المتفجرات. وأكد المسؤولان أن هذه التفجيرات جاءت عقب «الانتهاك الصارخ لوقف إطلاق النار من قبل حزب الله» يوم الأربعاء. وكان الجيش الإسرائيلي قد اتهم حزب الله الأربعاء بانتهاك وقف إطلاق النار عبر إطلاق طائرة مسيّرة مفخخة استهدفت آلية عسكرية إسرائيلية في جنوب البلاد. وكانت قلعة الشقيف، التي تعود إلى الحقبة الصليبية وتقع في المنطقة الجنوبية المحتلة من قبل إسرائيل، قد أُدرجت الأسبوع الماضي على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر التابعة لليونسكو. صورة جوية التقطها الجيش الفرنسي عام 1936 وتم تلوينها بواسطة الذكاء الاصطناعي. (ويكيميديا ​​كومنز) وأفادت وزارة الثقافة اللبنانية بأن الانفجارات «قد تكون تسببت بأضرار في محيط القلعة»، موضحة أن حجم هذه الأضرار «لن يكون بالإمكان تقييمه إلا بعد إجراء كشف ميداني»، وهو أمر متعذر حالياً. وضع رياض سلامة قيد الاحتجاز في أحد المستشفيات على صعيد آخر، وُضع الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، المتهم باختلاس أموال، قيد الاحتجاز تحت حراسة أمنية داخل أحد المستشفيات، بعدما أُدخل إليه إثر تعرضه لوعكة صحية. وشغل رياض سلامة (76 عاماً) منصب حاكم مصرف لبنان بين عامي 1993 وتموز/يوليو 2023، ويواجه سلسلة من الاتهامات في لبنان والخارج، لكنه ينفي باستمرار ارتكاب أي مخالفات مالية. وكان من المقرر أن يمثل الخميس أمام القضاء في إطار دعوى رفعها الحاكم الجديد كريم سعيد، بتهم اختلاس أموال المصرف والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال. وبعدما تغيّب عن الجلسة، صدر بحقه مذكرة إحضار، قبل أن يقرر لاحقاً المثول طوعاً أمام المحكمة برفقة محاميه، وفق ما أفاد مصدر قضائي. وأضاف المصدر أن سلامة «تعرض لوعكة صحية أثناء توجهه إلى قصر العدل»، ما أدى إلى تأجيل الجلسة إلى أجل غير مسمى. وفي وقت لاحق، وبعدما عجزت السلطات عن العثور عليه في عناوينه المصرح بها أو في أي مستشفى، أصدر المدعي العام لدى محكمة التمييز مذكرة جديدة بحقه. وفي نهاية المطاف، عُثر على رياض سلامة الجمعة في مستشفى يقع خارج بيروت. وأمر القاضي بـ«تعزيز الإجراءات الأمنية في الجناح الذي يقيم فيه»، وكذلك عند مداخل المستشفى، واعتباره «موقوفاً»، بحسب المصدر القضائي. ويتهم منتقدو رياض سلامة بأنه أحد أبرز المسؤولين عن الانهيار المالي الذي شهده لبنان. غزة: حماس تؤكد التوصل إلى اتفاق بشأن نزع سلاحها على الصعيد الإقليمي، أكدت حركة حماس الجمعة أنها وافقت على اتفاق ينص على نزع سلاحها وانسحاب إسرائيلي تدريجي من قطاع غزة، في إطار المرحلة الثانية من الخطة التي أطلقتها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب بين الحركة الإسلامية الفلسطينية وإسرائيل. وبعد نحو أربعٍ وعشرين ساعة من إعلان دونالد ترامب الاتفاق، في خطوة تمثل اختراقاً دبلوماسياً كبيراً للرئيس الأميركي في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة منخرطة في الحرب مع إيران، لم تصدر الحكومة الإسرائيلية أي موقف رسمي منه. غير أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير وصف الاتفاق بأنه «غير مقبول بالنسبة لإسرائيل». وتنص خارطة الطريق، المؤلفة من خمسة عشر بنداً والتي نشرها الجمعة «مجلس السلام»، على وقف العمليات العسكرية من الجانبين، ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) إلى القطاع لتتولى إدارة الحياة اليومية خلال المرحلة الانتقالية. وتتألف هذه اللجنة من تكنوقراط فلسطينيين، وتتخذ حالياً من مصر مقراً لها، في ظل منع إسرائيل دخولها إلى قطاع غزة. وستتولى اللجنة تدريجياً، وفق جدول زمني محدد، الإشراف على عملية تفكيك وتخزين الأسلحة الثقيلة التابعة لحماس، ومواقع إنتاجها العسكري، ومستودعات الأسلحة والأنفاق، من دون تسليم أي سلاح إلى إسرائيل أو إلى أي جهة غير فلسطينية. وترتبط هذه العملية بانسحاب إسرائيلي تدريجي، فيما ستشرف لجنة دولية للتحقق (IVC) على تنفيذ الاتفاق. كما ينص الاتفاق على نشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار (ISF)، يجري تشكيلها حالياً في إطار خطة دونالد ترامب، بهدف مراقبة احترام وقف إطلاق النار وضمان إيصال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. وأكد الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، أن «الانسحاب الإسرائيلي يجب أن يسير بالتوازي مع نزع السلاح». وأضاف أن الاتفاق، الذي أُعلن بعد يومين من اللقاء الذي جمع دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، جاء ثمرة «أشهر من المفاوضات الصعبة للغاية». وفي هذا القطاع الضيق والمكتظ بالسكان، حيث لا يزال الوضع الإنساني بالغ الخطورة، يتأرجح السكان بين الشك والأمل. وتسيطر القوات الإسرائيلية على أكثر من 60% من مساحة القطاع، يفصلها عن المنطقة الخاضعة لسيطرة حماس «خط أصفر» للفصل.

محمّد السادس يترك لغة الأرقام تتحدّث
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

لا شيء ينجح مثل النجاح، فكيف أذا كان الأمر مرتبطا بسلسلة من النجاحات تحققت منذ صعود الملك محمّد السادس على عرش المغرب قبل 27 عاما. يظل النجاح الأول ذلك الذي تحقق على صعيد تأكيد مغربية الصحراء ومشاريع كبيرة صارت واقعا. إنها مشاريع في مستوى تحويل ميناء الداخلة إلى واجهة إفريقيا على المتوسط أو خط انابيب الغاز الإفريقي الذي يربط بين نيجيريا والمغرب... أو إنجاز الطريق السريع الذي يمتد على أكثر من الف كيلومتر بين تيزنيت والداخلة والذي بات يحمل اسم دونالد ترامب. لم يحتج محمّد السادس إلى الإشارة إلى هذه الأمور في خطابه السنوي في مناسبة عيد العرش، خصوصا بعد صدور القرار الرقم 2797 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في 31 تشرين الأوّل – اكتوبر 2025. شكل القرار اعترافا عالميا صريحا بـ"مغربيّة الصحراء" وأن الحل الواقعي الوحيد هو ما يطرحه المغرب الذي نادى منذ العام 2007 باللامركزية الموسعة في الأقاليم الصحراوية في اطار السيادة المغربيّة. ترك العاهل المغربي لغة الأرقام تتحدث عن النجاحات المغربيّة. قدم لذلك بتأكيده لكلّ من يعنيه الأمر أن ما تحقق في المغرب من إنجازات قائم على أسس متينة، كون المغرب "دولة - أمة قديمة". قال في هذا الصدد" إن المغرب دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة - أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل. هذا ما يعطي النجاعة اللازمة لعمل الدولة، لمواصلة الانجازات، ورفع التحديات، رغم الصعوبات والإكراهات... وهو ما أبان عنه المغرب، بالتنظيم الجيد للتظاهرات القارية والدولية، ما جعله محط إعجاب وتقدير عبر العالم، وأثار غيرة البعض أحيانا". من الطبيعي أن يثير المغرب "غيرة البعض"، خصوصا أنّ ما تحقق جعل من المملكة واحة استقرار في منطقة تحتاج إلى مناخ مختلف من أجل السير في خطط التنمية والتكامل بعيدا عن الشعارات والوعود الفارغة والأوهام والمتاجرة بالشعوب ومستقبلها. كان لدى نحمّد السادس ما يقدمه لأبناء شعبه في مناسبة الذكرى الـ27 لعيد العرش. تطرّق إلى المستقبل الواعد للمغرب. هذا المستقبل الواعد مبني على حقائق ثابتة باتت موجودة على الأرض. وجدت هذه الحقائق الثابتة "بفضل الأمن والاستقرار، ونجاعة المؤسسات". وقد أدّى ذلك إلى "تزايد المؤشرات الإيجابية، التي تعرفها مختلف القطاعات، بما يعزز مسار الصعود الاقتصادي، ويقوي السيادة الوطنية". استنادا إلى لغة الأرقام، أي إلى الحقائق الثابتة، أشار العاهل المغربي إلى أن "نسبة النمو بلغت حوالي 4,9 % في 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى المعدل نفسه أو تتجاوزه في 2026". لاحظ العاهل المغربي أنّّ "على الصعيد الفلاحي (الزراعي)، عرف المغرب تساقطات مطرية مهمة، وموسما فلاحيا جيدا، مما ساهم في تعزيز الأمن المائي والغذائي. كما استطاع المغرب تعزيز مكانته كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي، وهو ما يعكسه تطور المؤشرات لاسيما الصناعية ذلك أن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية، تعد اليوم ركائز أساسية للنسيج الإنتاجي الوطني، سواء من حيث جلب الاستثمارات الخارجية، أو من حيث خلق الثروة وفرص الشغل. إذ أصبحت المملكة اليوم، أول مصدر للسيارات في إفريقيا، بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا. جعل ذلك صادرات المغرب في قطاعات السيارات والطيران، تفوق % 40 من إجمالي الصادرات، متقدمة في ذلك على الفوسفاط. وتعزيزا لهذا التوجه، ترأسنا في بداية السنة، حفل إطلاق مصانع جديدة، جعلت المغرب يدخل النادي المصغر، للدول التي تتوفر على أكبر المراكز الصناعية، في مجال صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات إضافة إلى ذلك، جاء تطوير قطاع مندمج للبطاريات الكهربائية، ليعكس قدرة المغرب على استباق التحولات التكنولوجية، والانخراط في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالصناعات الاستراتيجية. وبروح الابتكار والتطوير نفسها، يتم إنجاز مشاريع كبرى، تهدف إلى جعل الطاقات المتجددة ركيزة للأمن في مجال الطاقة، ورافعة لجذب الصناعات التي تسعى لاستخدام طاقة تنافسية وخالية من الكربون. وتعزيزا لهذه الاستراتيجية الطموحة، تم الشروع في تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر"، من خلال الترخيص لمجموعة أولى من المشاريع الكبرى". هذا غيض من فيض ما تحقق في المغرب الذي بات يأتيه عشرون مليون سائح سنويا. كان خطاب محمّد السادس في عيد العرش لهذه السنة رسالة في كلّ الإتجاهات. للذين يفهمون وللذين لا يريدون أن يفهموا أن في المغرب من يمتلك رؤية مبنية على وجود انسان مغربي يمكن الرهان عليه من أجل النهوض بالبلد ونقله إلى مصاف الدول القادرة على أن تكون صاحبة دور إيجابي على الصعيدين الإقليمي والدولي بعيدا عن صراعات الأيديولوجيا والأوهام... والمزايدات التي لا أفق لها، لا سياسيا ولا إقتصاديا ولا حضاريا. يقول الخطاب شيئاً بسيطاً. المغرب أخذ علماً بأن العالم تغيير. تغيير حتى عن العالم الذي عرفناه قبل أقل من خمس سنوات حين إنفجرت الحرب الأوكرانية - الروسية وتلاها طوفان الجنون في السابع من تشرين الأوّل - أكتوبر 2023 والحرب التي أشعلها في الشرق الأوسط. العالم تغّير، والمغرب مصر على أن يحجز لنفسه مقعداً في مقدمة الدول التي تعيد تشكيل خطوط الإمداد، وتنويع الإنتاج، وربط المقدرات الوطنية بالدورة الاقتصادية الكونية، عبر البنى التحتية والثروات الطبيعية والكفاءة الديبلوماسية والسياسية، وحماية الاستقرار الوطني وحتى الإقليمي.

الحرس الثوري يوسّع نطاق قدرته على زعزعة الاستقرار

يوماً بعد يوم، يسعى الجناح المتشدد في النظام الإيراني – أو على الأقل كما تصفه بعض الأوساط الغربية – إلى إظهار قدرته على توسيع دائرة نفوذه التخريبي تدريجياً لتشمل مناطق جديدة في الشرق الأوسط. وفي امتداد لإعادة تفعيل ذراعه العسكرية في اليمن، أي جماعة الحوثيين، بهدف إحكام السيطرة على مضيق باب المندب والممر البحري في البحر الأحمر (بعد مضيق هرمز)، حرص الحرس الثوري على إظهار أن «يده طويلة» من خلال مدى صواريخه وقدرته على بلوغ أهداف بعيدة. وفي هذا السياق، شنّ هجوماً بواسطة طائرة مسيّرة محمّلة بالمتفجرات استهدفت ميناء دمياط في مصر، فأصابت سفينتين لتخزين الغاز، إحداهما أميركية. وقد اندلع حريق على متن السفينتين، فيما حمّلت الحكومة المصرية إيران مسؤولية الهجوم، الذي دانه بشدة الأمين العام لجامعة الدول العربية، واصفاً إياه بأنه «عدوان غير مقبول» على القاهرة. وفي موازاة ذلك، أطلق الحرس الثوري خمسة صواريخ باتجاه الأردن، في اعتداء ندّدت به دولة قطر بشدة، كما هاجم مرة جديدة الكويت، حيث أصيب مبنى تابع لشركة صينية إصابة مباشرة، ما أدى إلى أضرار جسيمة ومقتل أحد العمال جراء الانفجار. ورداً على ذلك، دعت الصين جميع الأطراف إلى وضع حد فوري للتصعيد العسكري. وفي مؤشر على اتساع رقعة النزاع ودخول أطراف جديدة على خط المواجهة، نظمت وزارة الدفاع السعودية في الرياض اجتماعاً موسعاً شارك فيه رؤساء أركان الجيوش، أو من يمثلهم، من 43 دولة. وهدفت هذه الاجتماعات إلى إطلاق العمل على إنشاء «تحالف دفاعي بحري» واسع النطاق. وأوضحت وزارة الدفاع السعودية أن هذه المبادرة الدولية ترمي إلى ضمان أمن وحرية الملاحة في الممرات البحرية. ويجدر التذكير في هذا الإطار بأن سلاح الجو السعودي، بالتعاون مع القوات الجوية الأميركية، نفذ في مطلع الأسبوع الجاري غارات على مواقع تابعة للحوثيين في اليمن، رداً على محاولة الميليشيا اليمنية الموالية لإيران إطلاق صواريخ باتجاه منشآت شركة أرامكو السعودية، وهي محاولة تم إحباطها. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن مصادر نقلت عنها قناة «الحدث» العربية أفادت بأن الحوثيين أطلقوا تلك الصواريخ من الأراضي العراقية، بمساعدة وتواطؤ ميليشيات عراقية موالية لإيران. وهذه هي المرة الأولى منذ اندلاع هذا النزاع التي يشارك فيها الجيش السعودي بصورة مباشرة في العمليات العسكرية ضد حلفاء إيران. وكانت الكويت والبحرين قد شنتا في مطلع شهر تموز/يوليو غارات على مواقع داخل إيران، بدعم وإسناد جوي من دولة الإمارات العربية المتحدة، في أول مؤشر على انخراط دول الخليج بشكل مباشر في الحرب ضد إيران. وقد دفعت هذه النزعة لدى الحرس الثوري إلى توسيع رقعة المواجهة المسلحة قدر الإمكان إلى مناطق جديدة في الشرق الأوسط، الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إعطاء الضوء الأخضر، ليل الأربعاء-الخميس، لموجة جديدة من الغارات الجوية استهدفت مواقع ومنشآت ومستودعات ذخيرة تابعة للحرس الثوري في عدد من المناطق الإيرانية. وأعلن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) الخميس أن «عشرات المواقع التابعة للحرس الثوري استُهدفت بنجاح خلال هذه الغارات». وبحسب معلومات واردة من إسرائيل، أبلغت واشنطن مساء الخميس السلطات الإسرائيلية بأن موجة جديدة من القصف الجوي المكثف ضد مقار الحرس الثوري ومراكزه الرئيسية يُتوقع أن تُنفذ خلال ليل الخميس. أما النقطة الإيجابية الوحيدة في هذا المشهد الإقليمي القاتم، فتمثلت في الإعلان، الخميس، عن اتفاق وافقت عليه حركة حماس يقضي بتسليم الأسلحة الثقيلة إلى لجنة دولية تتولى جمعها وتخزينها، وذلك في إطار مسار الحل في غزة الذي وضعه الرئيس دونالد ترامب. زيارة عون إلى أنقرة في خضم هذه التحولات الإقليمية المتسارعة، قام رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، الخميس، بزيارة خاطفة إلى أنقرة، عقد خلالها اجتماعاً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أكد بهذه المناسبة استعداد بلاده للمساهمة في تعزيز الأمن في لبنان. وعاد الرئيس عون إلى بيروت مساء الخميس، وأعلنت رئاسة الجمهورية، في بيان، أن التعاون بين البلدين سيشمل، بصورة خاصة، دعم الجيش اللبناني، وتأمين منازل جاهزة للنازحين من جنوب لبنان، إضافة إلى تقديم المساعدة في مجالات الطاقة الكهربائية، والنقل الجوي، وتطوير البنى التحتية الأساسية. كما وجّه الرئيس عون دعوة رسمية إلى الرئيس أردوغان لزيارة لبنان.

فرانسواز بيريكو-دوفال: حين تقود المحبةُ الأناقةَ

ه ثمة أمسيات تتلاشى بهدوء في الذاكرة. وثمة أمسيات أخرى تبقى في انتظار من يعيد إليها الحياة. في عام 1967، وبرعايةٍ سامية من صاحبة السمو الأميرة غريس أميرة موناكو، أُقيم حفل فرسان مالطا في باريس، مجسّداً ذلك القدر من الأناقة الهادئة التي ميّزت على الدوام المبادرات الخيرية الكبرى، حيث لا تكتسب الرقيّ قيمته الحقيقية إلا عندما يكون في خدمة قضية إنسانية. ومع مرور السنوات، غاب هذا الحدث المرموق تدريجياً عن الحياة الاجتماعية الباريسية. واليوم، وبعد ما يقارب ستة عقود، يعود الحفل إلى الواجهة في الإطار الاستثنائي لنادي Cercle de l’Union Interalliée. وبرعايةٍ سامية من صاحبة السمو الملكي الأميرة كارولين أميرة هانوفر، لا يمثّل هذا الحدث مجرد إحياء لتقليد اجتماعي عريق، بل إعادة وصلٍ بين الأجيال، وتأكيداً على أن الجمال لا يزال قادراً على أن يصبح لغةً للتضامن. صاحبة السمو الملكي الأميرة زيتا دي بوربون بارما، وصاحب السمو الأميري الأمير شارل فون كروي. وفي قلب هذا الإحياء تقف امرأة لا تسعى إلى الأضواء، بل تعمل بصمت كي تُسلَّط على الآخرين. بصفتها رئيسة اللجنة المنظمة لحفل فرسان مالطا في باريس، تؤمن فرانسواز بيريكو-دوفال بأن لكل تفصيل معنى، لا لأن الكمال الجمالي غاية بحد ذاته، بل لأن العناية التي تُبذل في كل عنصر تعكس في نهاية المطاف العناية بالإنسان. لقد صاغت هذه الأمسية كما تُصاغ الأعمال الجماعية الكبرى: بانضباط، وحدس، وإحساس عميق بالجمال، ووفاء كامل لرسالة الرهبنة. وخلف تنسيقات الزهور، والطاولات الأنيقة، والرعاة، والمزاد الخيري، والأحاديث، والنغمات الأولى للحفل، تكمن الغاية الحقيقية: تمكين الحج الثامن والستين إلى لورد من مواصلة رسالته في خدمة الفئات الأكثر هشاشة. وتختصر فرانسواز بيريكو-دوفال هذه القناعة بعبارة بسيطة تكاد تخلو من أي تكلّف: “حين تقود المحبةُ الأناقةَ، تتراجع المظاهر ليبقى جوهر الخدمة.” إحياء تقليد عريق “بعض التقاليد لا تعود لأنها تنتمي إلى الماضي، بل لأنها لا تزال تملك ما تقدمه للحاضر.” ليفنت تايم - لم يُنظَّم هذا الحفل في باريس منذ عام 1967. عندما أوكلت إليك هذه المهمة، هل شعرت أولاً بثقل التاريخ أم بحرية كتابة فصل جديد؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - شعرت بالأمرين معاً. أولاً، بثقل التاريخ، لأن رهبنة مالطا موجودة منذ أكثر من تسعمائة عام، وهي حاضرة في نحو مئة وثلاثين بلداً، ولها حضور واسع في فرنسا، حيث يكرّس آلاف المتطوعين وقتهم لخدمتها. والانتماء إلى هذه السلسلة الممتدة من المحبة والإيمان والعطاء في خدمة الأكثر ضعفاً هو أمر استثنائي بكل معنى الكلمة. السيد ستيفان برن، وفرانسواز بيريكو-دوفال، والبارونة أوليفييه دو لا شابيل. فرانسواز بيريكو-دوفال وصاحب السمو الملكي الأمير شارل لويس دي أورليان، دوق شارتر. صاحب السمو الملكي البايلي الأمير لويس دي بوربون، دوق أنجو. وفي الوقت نفسه، كنت أعلم أنني أقف أمام صفحة بيضاء. سبق لي أن نظّمت فعاليات عندما كنت أقيم في لندن، لكن هذه المرة كنت أبدأ من الصفر تماماً. كان علينا أن نبني كل شيء، وكانت المهمة هائلة. ومع ذلك، أعتقد أن إيماني هو الذي منحني القوة. فعندما قبلت هذه المسؤولية، لم أكن أدرك بعد طول الطريق الذي ينتظرني. وكانت فكرة إحياء هذا التقليد في فرنسا، بلدي الذي أحبه كثيراً، تلامسني بعمق. كما تأثرت كثيراً بالثقة التي منحني إياها أوليفييه دو لا شابيل، رئيس الجمعية الفرنسية لأعضاء رهبنة القديس يوحنا الأورشليمي العسكرية والاستشفائية ذات السيادة في رودس ومالطا. ليفنت تايم - عندما اطلعت على أرشيف آخر حفل أُقيم برعاية الأميرة غريس، ما الذي أثّر فيك أكثر؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - حالفنا الحظ في العثور على صورة من آخر حفل لفرسان مالطا أُقيم في باريس في 11 نيسان/أبريل 1967. أما حفلنا فقد أُقيم في 11 نيسان/أبريل 2026، أي بعد تسعة وخمسين عاماً بالتمام، وفي اليوم نفسه. وتُظهر الصورة الأمير غي دو بولينياك، الذي كان آنذاك رئيس رهبنة مالطا في فرنسا، إلى جانب الأميرة غريس أميرة موناكو. تربطني علاقة وثيقة جداً بديان دو بولينياك وشقيقها لودوفيك، وهما ابنة أخ الأمير غي دو بولينياك وابن أخيه. وكانت ديان تقول لي دائماً إنها إذا رأتني أعود يوماً للعمل مع رهبنة مالطا في فرنسا، فإنها ترغب في أن تكون جزءاً من هذه المغامرة. ولم أكن أعلم آنذاك أن عمهما هو الذي ترأس آخر حفل. لذلك كان اكتشاف تلك الصورة يحمل معنى خاصاً جداً بالنسبة إليّ. شعرت وكأن التاريخ يرسل إلينا إشارة صغيرة. لقد رغبت ديان بصدق في المساهمة بتنظيم هذا الحدث، وكان دعمها استثنائياً. وعلى مدى عام ونصف العام تقريباً، كنا نتحدث يومياً. وسرعان ما بدا حضور ديان ولودوفيك دو بولينياك في هذه النسخة الجديدة أمراً بديهياً. فقد كان في هذا الامتداد بين الأجيال شيء بالغ الجمال. ليفنت تايم - كيف يمكن إحياء تقليد من دون الاكتفاء باستنساخ الماضي؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - أنا أؤمن بسلاسل المحبة، وبقدرة الناس على الاجتماع حول الخير. فعندما يسعى الإنسان إلى الجمال وإلى الرحمة، فإنه يجذب الآخرين إليه بصورة طبيعية. وبالنسبة إليّ، فإن طريق الإيمان طريق مفعم بالفرح، لكنه ليس طريقاً يُسلك منفرداً. نحن بحاجة إلى أكبر عدد ممكن من الناس. أندرياس أويتكر، وألفريد أويتكر، وعقيلته الأميرة إلفيرا غريمالدي، وماكسيميليان تيربيرغر. الأميرة ديان دو بولينياك، شارل نويل دو كاكوراي، أليخاندرا بوبيل، فرانسواز بيريكو-دوفال، البارون أوليفييه دو لا شابيل، ماري غابرييل دو لا شابيل، أرمان دو فيال، ديان دو نواي دو موشي دو بوا، وباولا أوبليجي. سعادة البارون أوليفييه دو لا شابيل، رئيس الجمعية الفرنسية لأعضاء رهبنة مالطا ذات السيادة، وصاحبة السمو الملكي أميرة هانوفر، والأمير لودوفيك دو بولينياك، وأريان دو شازورن، ووالدتها الأميرة ديان دو بولينياك. لقد ساد حماس حقيقي طوال الأمسية، واستمر حتى بعد انتهائها. وهكذا أعيش إيماني: بمحاولة مشاركته مع الآخرين. ولا أعيشه أبداً كما لو كنت أحمل حملاً ثقيلاً على كتفي. فأنا مقتنعة بأن الجمال والخير يسيران معاً. لقد وهبنا الله عالماً رائعاً، وأنا مفتونة بالطبيعة، وبالحياة البرية، وبتلك الدقة المذهلة والكمال اللذين يظهران في كل حيوان وكل زهرة. ومن باب احترام هذا العالم الذي أُعطي لنا، أرى أننا نحن أيضاً مدعوون إلى أن نصنع الجمال. أن يكون الإنسان ميالاً إلى الكمال وأن يسعى إلى الجمال لا يتعارض إطلاقاً مع خدمة الآخرين. فمن الممكن أن نخدم المحتاجين وأن نسعى في الوقت نفسه إلى إنجاز كل شيء بأفضل صورة ممكنة. إن تقديم أفضل ما لدينا هو، بالنسبة إليّ، واجب أخلاقي. الأناقة في خدمة الرسالة “في رهبنة مالطا، لا تكتسب الأمسية جمالها الحقيقي إلا عندما تمتدّ رسالتها إلى خدمة الآخرين.” ليفنت تايم - قد يرى كثيرون في هذا الحدث حفلاً راقياً قبل أي شيء آخر، بينما ترينه أنتِ رسالةً قبل أن يكون مناسبة اجتماعية. ما الذي تودّين أن يحتفظ به الحاضرون بعد انتهاء الأمسية؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - أول ما أود قوله هو شكري العميق لهم جميعاً. بدأنا العمل على هذا المشروع في تشرين الأول/أكتوبر 2024، استعداداً لأمسية أُقيمت في 11 نيسان/أبريل 2026. وقد شكّلت لجنة تنظيمية ضمّت أصدقاء كانوا جميعاً أشخاصاً استثنائيين. وطوال عام ونصف العام، كنت أردد عبارة أصبحت مع الوقت أشبه بشعار بيننا: “فريق واحد… حلم واحد.” فأنا أؤمن بهذه الفكرة إيماناً عميقاً. لكل واحد منا نقاط ضعفه، لكن لكل واحد أيضاً ما يقدمه. والعمل الجماعي هو الذي يصنع النجاح. صاحبا السمو الملكي الأمير شارل لويس والأميرة إيليانا دي أورليان، برفقة أربعة من أبنائهما: صاحبات السمو الملكي الأميرات لويز، وهيلين، وإيزابيل، وصاحب السمو الملكي الأمير قسطنطين دي أورليان. صاحبة السمو الملكي الأميرة أنطونيلا دي أورليان بوربون، وابنتها صاحبة السمو الملكي الأميرة يولاليا دي أورليان بوربون. صاحب السمو الملكي الأمير غيوم دوق لوكسمبورغ، وعقيلته صاحبة السمو الملكي الأميرة سيبيلا، يحيط بهما اثنان من أبنائهما: صاحبة السمو الملكي الأميرة شارلوت دو ناسو، وصاحب السمو الملكي الأمير بول لويس دو ناسو. لقد نشأت داخل اللجنة روح رائعة بحق. فقد بذل الجميع أفضل ما لديهم لكي تكون الأمسية جميلة، ولكن أيضاً لكي يشعر ضيوفنا بسعادة حقيقية. وكان يهمني كثيراً أن يرقص الشباب، وأن يضحكوا، وأن يعيشوا أمسية لا تُنسى. وأجمل ما سمعت كان من عدد من الشباب الذين قالوا لي إنها كانت أجمل سهرة عاشوها في حياتهم. بل إن بعضهم بدأ الرقص قبل انتهاء العشاء، ولم يعد تقريباً إلى مقعده بعد ذلك. وكان للدعم الذي قدمته أليخاندرا بوبيل، العضو في اللجنة المنظمة ومؤسسة Alejandra Poupel Events وInspiration Music & Arts وNovelty، دور أساسي في نجاح الحفل. فقد خلق المغنون وعازفو الساكسوفون والإيقاع والكمان أجواءً استثنائية بحق. لكن الجميع كان يدرك في الوقت نفسه أنه يشارك في حفل خيري، وأن وجوده يساهم في تمويل رحلة الحج إلى لورد. وكان هدفنا أن نجمع بين هذين البعدين: خدمة قضية إنسانية، والاستمتاع في الوقت نفسه بأمسية راقية. وأذكر أن أكثر ما أثّر فيّ خلال مشاركتي الأولى في الحج إلى لورد كان الفرح الذي رأيته في وجوه المرضى وذوي الإعاقة. لقد تأثرت بذلك كثيراً. وأعتقد أن من نال الكثير في حياته ينبغي أن يعرف كيف يعيش هذا الفرح أيضاً. فالإيمان، حين يكون نعمة، ينبغي أن يُعاش بفرح. وهذه هي الرسالة التي أردت أن يحملها هذا الحفل. ليفنت تايم - كيف يمكن تحقيق التوازن بين الرقي الذي يتوقعه الناس من مناسبة كهذه، وبين التواضع الذي تفرضه القضية التي تخدمها؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - كان من الضروري ألا يكون جمال الأمسية على حساب الأشخاص الذين جئنا لخدمتهم. لم أرد إطلاقاً أن يظن ضيوفنا أن الزهور، أو مفارش الطاولات، أو أدوات المائدة التي وفرتها مشكورةً شركة Options، أو أي عنصر من عناصر الديكور، قد دُفع ثمنه من الأموال المخصصة للحج إلى لورد. وقد تطلب ذلك عملاً شاقاً، لأننا اضطررنا إلى إيجاد رعاة وداعمين لكل تفصيل من تفاصيل الأمسية، ولا سيما العناصر المؤقتة مثل الزهور. السيد والسيدة برنار رويث بيكاسو. صاحبة السمو الأميري الأميرة دوروتيه دارنبرغ، ودوق كروسول، وصاحبة السمو الأميري الأميرة أليينور دارنبرغ، وصاحبة السمو الأميري الأميرة تيودورا فون أوند تسو ليختنشتاين. ثلاثون شاباً وشابة من المتطوعين باعوا ألفي قرنفلة بيضاء، أُرفق بكل واحدة منها رقم للمشاركة في السحب الخيري. كنت مصممة على ألا يُقام الحفل من دون زهور، لكنني كنت مصممة بالقدر نفسه على ألا تُشترى بأموال المرضى. ولذلك واصلت البحث حتى وجدنا راعياً كريماً هو Daniel Féau – Belles Demeures de France. ووضعنا أمام كل تنسيق زهري بطاقة بخط اليد تشير إلى أن الزهور قُدمت تبرعاً. وكان ذلك بالطبع عربون شكر للراعي، لكنه كان أيضاً رسالة طمأنة إلى ضيوفنا بأن الأموال التي جُمعت للحج لم تُستخدم في تمويل الزينة. وأقول كثيراً لأصدقائي الذين ينظمون حفلات زفاف أولادهم إنني حاولت أن أجعل الأمسية بجمال حفل زفاف… من دون أن ننفق يورو واحداً! لقد كنا هناك لخدمة “أسيادنا، المرضى”، لا لإنفاق المال بلا ضرورة. والزهور ليست سوى مثال واحد. فقد تلقينا تبرعات سخية لتوفير مفارش الطاولات، وأدوات المائدة، والبرنامج الفني، وسائر عناصر التنظيم. كما كان الكافيار والنبيذ اللذان قدمتهما Rova Caviar وFondugues-Pradugues، إضافة إلى الشمبانيا التي تبرعت بها Maison Pommery، على أعلى مستوى. وهذا أيضاً أكثر ما أحبه في العمل التطوعي: نوعية الأشخاص الذين يجمعهم. الرعاة، والداعمون، وأعضاء اللجنة المنظمة، والشباب المتطوعون الذين ساعدونا يوم الحفل، أصبحوا جميعاً جزءاً من سلسلة حقيقية من العطاء. وبفضلهم استطعنا أن نصنع أمسية رائعة، من دون أن نغفل لحظة واحدة عن رسالتنا الأساسية. الكونت جاك دو لا غيونيير، الرئيس المؤسس لمجموعة Novelty، وعقيلته. ما وراء الكواليس “أجمل الأمسيات هي غالباً تلك التي لا يدرك أحد مقدار ما تطلّبته من إعداد.” ليفنت تايم - كم استغرق التحضير لإحياء هذا الحفل؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - حوالي عام ونصف العام. بدأنا العمل في تشرين الأول/أكتوبر 2024. وكان أول تحدٍّ يتمثل في العثور على مكان يجمع بين الأناقة، والاتساع، والموقع المناسب. ولم أكن أرغب في سلسلة من القاعات الصغيرة، لأن ذلك كان سيضعف الأجواء العامة. لذلك كان اختيار المكان خطوة أساسية. بعد ذلك كان علينا تشكيل اللجنة المنظمة ولجنة الشرف، وتأمين الرعاة والداعمين، وتنظيم المزاد الخيري والسحب، وتصميم الطاولات، وإعداد البرنامج الموسيقي، وتنسيق مختلف فقرات الأمسية. كما استعنا بنحو ثلاثين متطوعاً شاباً للمساعدة يوم الحفل، ولا سيما في استقبال نحو أربعمائة وعشرين ضيفاً قدموا من مختلف أنحاء أوروبا، والولايات المتحدة، وأميركا اللاتينية، إضافة إلى المساعدة في تنظيم السحب. كما شارك رسامون بالألوان المائية، ورسام، وفنان للكلمات، وفنان متخصص في رسم الظلال، وعدد من المصورين، وكلهم قدموا مواهبهم تطوعاً. في البداية، كنا نجتمع مرة كل شهر، ثم مرة كل أسبوع. وخلال الأسابيع الأخيرة، أصبحت الاتصالات مع فرق Cercle de l’Union Interalliée ومع أليخاندرا بوبيل يومية. وكانت خبرتهم في تصميم الأمسية وتنسيقها ذات قيمة لا تُقدّر بثمن. كما أوكلت إلى عضوين من اللجنة، وكلاهما دون الخامسة والثلاثين، مسؤولية تنظيم قائمة الضيوف الشباب، بينما توليت شخصياً قائمة المدعوين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين. وكانت تركيبة قائمة الضيوف مهمة جداً بالنسبة إليّ، لأنني أردت أن يعرف كل شخص مدعو واحداً على الأقل من أعضاء اللجنة المنظمة. ولم نبع أي طاولات للشركات أو المؤسسات. فقد كان الحفل مناسبة خاصة بالكامل، وأعتقد أن هذا الخيار كان أحد الأسباب الرئيسية في الأجواء الدافئة والحميمية التي سادت طوال الأمسية. صاحبا السمو الملكي الأمير شارل إيمانويل والأميرة كونستانس دي بوربون بارما، سيلين دو نواي دو موشي دو بوا، وصاحب السمو الملكي البايلي الأمير بيدرو دي بوربون الصقليتين، دوق كالابريا وكونت كازيرتا. ليفنت تايم - ما هو التفصيل الذي استدعى أكبر قدر من الاهتمام، رغم أن معظم الضيوف ربما لم يلاحظوه؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - من دون شك، كان الجانب التقني هو الأكثر تعقيداً. كان علينا إنشاء وإدارة عدة روابط إلكترونية للدفع: رابط للضيوف الذين تقل أعمارهم عن خمسة وثلاثين عاماً، وآخر لمن تجاوزوا هذا العمر، ورابط لأعضاء الرهبنة، وآخر لغير الأعضاء. وبما أن الحفل كان يفترض أن يبقى مناسبة خاصة، كان علينا أيضاً أن نضمن عدم إمكان إعادة إرسال تلك الروابط إلى أشخاص لا نعرفهم. كذلك وضعنا شاشات كبيرة عُرض عليها فيلم عن رحلة الحج إلى لورد، إلى جانب أسماء جميع الرعاة والداعمين وشعاراتهم. وكان من المهم بالنسبة إلينا أن نشكرهم وأن نمنحهم التقدير الذي يستحقونه، مع الحرص في الوقت نفسه على أن يعمل كل شيء تقنياً من دون أي خلل. هذه هي التفاصيل التي لا يلاحظها أحد عندما تسير الأمور على أكمل وجه، لكنها تتطلب وراء الكواليس جهداً هائلاً. ليفنت تايم - قبل دقائق قليلة من وصول أول الضيوف، عندما يصبح كل شيء جاهزاً، ماذا تشعرين؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - كنت أشعر بالقلق. لم تكن العاطفة قد حضرت بعد. فما دام جميع الضيوف لم يصلوا بعد ولم يجلس كل منهم في مكانه، كنت أبقى في حالة ترقب. كنت أريد أن أتأكد من عدم وجود أي اعتذار في اللحظة الأخيرة، أو مشكلة في المطبخ، أو أي أمر طارئ خارج عن سيطرتنا. لا شك أن هذا يعود إلى جانبي الساعي إلى الكمال. لكننا كنا قد أعددنا خلفية زهرية رائعة يُلتقط أمامها الضيوف بالصور لدى وصولهم. وإلى جانب أوليفييه دو لا شابيل، رئيس الجمعية الفرنسية لأعضاء رهبنة القديس يوحنا الأورشليمي العسكرية والاستشفائية ذات السيادة في رودس ومالطا، كنت أستقبل الضيوف واحداً تلو الآخر، وكان كثير من الأصدقاء يطلبون التقاط صور معي. ومع مرور الوقت، بدأت تلك اللحظات تُنسيـني قلقي. نقل الشعلة “قد تنتهي الأمسية، لكن ما تورثه قد يبقى لسنوات طويلة.” ليفنت تايم - هل كان لاجتماع عدة أجيال في هذه الأمسية معنى خاص بالنسبة إليك؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - بالتأكيد، فقد كان ذلك أحد الأهداف الأساسية للحفل. وأنا مقتنعة بأن هذا التنوع بين الأجيال كان أحد أهم أسباب نجاحه. فقد كان الآباء سعداء بحضورهم مع أبنائهم ورؤيتهم يستمتعون بالأمسية، كما كان الشباب سعداء بدورهم بمشاركة هذه اللحظات مع أهلهم. كنا قد خصصنا صالتين منفصلتين، لكن الضيوف كانوا ينتقلون باستمرار بينهما. كانت هناك صالة للشباب، وأخرى لمن بقوا، إذا جاز التعبير، شباباً منذ زمن أطول. ومع ذلك، امتزجت الأجيال بصورة طبيعية طوال الأمسية. وكان أحد أهداف الحفل الأساسية أن ننقل إلى الشباب فرحة خدمة الآخرين. فمن بين نحو أربعمائة وعشرين ضيفاً، كان هناك ما يقارب مئة وتسعين شاباً وشابة دون الخامسة والثلاثين. كنت أتمنى أن يكتشف الشباب الذين لا يعرفون رهبنة مالطا، أو لا يعرفون عنها سوى القليل، رسالتها، وأن يشعر بعضهم لاحقاً بالرغبة في الانخراط فيها. فأنا مقتنعة بأن السعادة الحقيقية تكمن في العطاء. وبعد الحفل، انضم عدد من المشاركين للمرة الأولى إلى رحلة الحج إلى لورد. وهذا، بالنسبة إليّ، من أجمل ما تحقق: أن يختار متطوعون جدد خدمة المرضى في لورد بعد أن تعرفوا إلى رهبنة القديس يوحنا الأورشليمي العسكرية والاستشفائية ذات السيادة في رودس ومالطا من خلال هذه الأمسية. ليفنت تايم - هل تأملين أن يصبح هذا الحفل موعداً دائماً في حياة رهبنة مالطا في باريس، ولا سيما بالنسبة إلى الأجيال الشابة؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - بكل تأكيد. فقد تقرر تنظيم دورة جديدة للحفل عام 2027 في المكان نفسه. أما التاريخ النهائي فلم يُحدد بعد، لكن نيتنا واضحة: أن يصبح هذا الموعد تقليداً دائماً. وكان حفل هذا العام مخصصاً لدعم رحلة الحج الدولية إلى لورد. وطوال الأمسية، كانت عبارة واحدة تتردد في ذهني باستمرار: “أن نخدم أسيادنا، الفقراء والمرضى.” إن خدمة الأكثر ضعفاً تحتل مكانة خاصة جداً في قلبي. رحلة شخصية عميقة “هناك رسائل تغيّر الذين يحملونها بقدر ما تغيّر الذين وُجِّهت إليهم.” ليفنت تايم - ماذا علّمتك هذه التجربة عن نفسك؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - إنه سؤال صعب، لأنني لا أمضي وقتاً طويلاً في التفكير في نفسي. أعتقد أنني اكتشفت أن أكبر نقاط قوتي تكمن في قدرتي على جمع الناس حول مشروع واحد: المتطوعين، وأعضاء اللجنة المنظمة، والرعاة، والداعمين، وكل من شارك في هذه المغامرة. وهذا، في الحقيقة، هو أكثر ما أحب القيام به، وربما أكثر ما أجيده أيضاً. فعندما يجتمع أشخاص يحملون الرغبة نفسها في خدمة الآخرين وصنع شيء جميل، تنشأ بينهم لقاءات استثنائية بصورة طبيعية. لقد أدركت أن لدي القدرة على جمع أشخاص مميزين حول هدف واحد، وإلهامهم لخوض هذه التجربة معاً. كما أن مشاعر الامتنان التي تلقيتها بعد الحفل منحتني طاقة كبيرة. وأعتقد أن هذا هو ما يدفعني إلى الاستمرار. ليفنت تايم - يبدو أن العناية بالآخرين تحتل مكانة أساسية في حياتك. هل هي التي توجه أيضاً طريقتك في تنظيم حدث بهذا الحجم؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - نعم، بكل تأكيد. إن محبة الآخر هي التي تقود كل ما أقوم به. ومهما يكن الشخص الذي يقف أمامنا، فإن هذه المحبة هي التي تجعل تنظيم أمسية كهذه أمراً ممكناً. ليفنت تايم - لو لم تحتفظي سوى بصورة واحدة من تلك الأمسية، فأي صورة ستكون؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - سأحتفظ بصورة ضيوفنا وهم يدخلون قاعة العشاء. كانوا يصلون بعد حفل الاستقبال، ليكتشفوا الطاولات التي أُعدّت بعناية، والكؤوس الكريستالية، ومفارش الطاولات، وتنسيقات الزهور، والشمعدانات، وبطاقة الرقص التي استغرق إعدادها جهداً استثنائياً. وكان على كل طاولة وشاح حريري صغير (Twilly) صُمّم خصيصاً لهذه المناسبة وقُدِّم هديةً إلى جميع الضيوف. وقد اخترنا هذا الشكل بدلاً من الوشاح التقليدي كي يتمكن الرجال أيضاً من ارتدائه، ولا سيما في جيب سترة السهرة. وقد تولّت فاليري لو سبور، مؤسسة V.L Carré de Soie، تصميم هذه الأوشحة الحريرية بسخاء، فيما أنجزت فلورين آش الرسم الأصلي، كما وضعت موهبتها في خدمة تصميم الدعوات، وقوائم الطعام، وبطاقات الرقص. وقد منح كل ذلك الأمسية هوية بصرية رقيقة ومتجانسة إلى حد بعيد. وسارع كثير من الضيوف إلى وضع الوشاح حول معصمهم أو على حقائبهم. وعندما دخلوا القاعة، اكتشفوا بطاقات الرقص، والأوشحة الحريرية، والزهور، ومفارش الطاولات ذات اللون الأزرق الباستيلي، التي تناغمت جميعها مع ألوان الديكور. وكانت عازفات الكمان، بثيابهن الوردية المصنوعة من قماش التول، يعزفن فوق منصات صغيرة موزعة في أنحاء القاعة. كان في المشهد شيء يشبه الحكايات الخيالية. شيء من السحر الهادئ. لن أنسى أبداً نظرات الدهشة والإعجاب في عيون ضيوفنا. ليفنت تايم - عندما تُطفأ الأنوار ويغادر آخر الضيوف، ماذا يبقى من هذه التجربة بالنسبة إلى فرانسواز بيريكو-دوفال؟ فرانسواز بيريكو-دوفال - يبقى شعور بأن الرسالة قد أُنجزت، يرافقه إحساس عميق بالسعادة والسكينة. هناك شعور لا يوصف عندما يدرك الإنسان أنه بذل كل ما في وسعه، من دون أن يحسب الساعات، ثم يرى أن ذلك الجهد قد أثمر. فقد جمعنا تبرعات مهمة لصالح رحلة الحج إلى لورد، وتمكنا من أن نجمع أجيالاً مختلفة رقصت معاً حتى الثالثة فجراً. لقد كانت أمسية جميلة، ودافئة، ومفعمة بالفرح. وفي النهاية، لم يبق في ذهني سوى خاطر بسيط: “شكراً لك يا رب.” ولو أردت أن أختصر ما شعرت به في كلمة واحدة، لاخترت كلمة: “الاكتمال.” فالعمل التطوعي يمنح الإنسان مكافأة لا علاقة لها بالمال. إنها مكافأة تنبع من القلب وحده. وكان جدي يردد دائماً: “السعادة تسكن في داخلنا.” وأنا أؤمن إيماناً عميقاً بأن الإنسان يستطيع أن يختار السعادة، عندما يختار أن يحب الآخرين، وأن يحب الحياة، وأن يحب الله. فرانسواز بيريكو-دوفال هي أيضاً مؤسسة N85 Paris ، وهي وكالة متخصصة في تنظيم الفعاليات وفق فن الضيافة الفرنسي. ويمكن التواصل معها عبر البريد الإلكتروني: n85paris@gmail.com حقوق الصور: @jesus_dupaux، @Olga.gasnier، @studio_vanssay.

العراق عاجز عن استعادة توازنه
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

تعطي الإعتداءات التي استهدفت المملكة العربيّة السعودية والكويت والمملكة الأردنيّة الهاشمية انطلاقا من الأراضي العراقية فكرة عن هشاشة الوضع في بلد عاجز عن استعادة توازنه. جاء الردّ السعودي الذي استهدف مواقع لـ"الحشد الشعبي"، الذي يشكلّ غطاء لميليشيات مذهبية عراقية تابعة لـ"الحرس الثوري" ليؤكّد أنّ الحرب في المنطقة دخلت مرحلة جديدة بعدما قررت السعودية تأكيد أنّها غير مستعدة للخضوع للإبتزاز الإيراني إلى ما لا نهاية... تستخدم "الجمهوريّة الإسلاميّة" حاليا كلّ أوراقها المتوافرة من أجل التصعيد في الحرب التي تخوضها مع الولايات المتحدة. ليس في استطاعتها الإعتراف بأنّها ليست قوة عظمى وبأنّ عليها التوصّل إلى صيغة تفاهم مع إدارة دونالد ترامب تجعل منها دولة طبيعية وليس قوّة مهيمنة تفرض شروطها على الآخرين مستخدمة العراق واليمن ولبنان. يصعب على "الجمهوريّة الإسلاميّة" الإعتراف بأنّ التصعيد لن يفيدها في شيء. أكثر من ذلك، إنّ هذا التصعيد يكشف حقيقة الوضع العراقي، أي أنّ العراق لا يستطيع أن يكون خارج دائرة السيطرة الإيرانية... وأنّ حكومة علي الزيدي ليست سوى امتداد لحكومة محمّد شيّاع السوداني. لا تستطيع ذلك على الرغم من كل ما تبذله في هذا المجال، بما في ذلك تحديد موعد للإنتهاء من السلاح الذي لا تسيطر عليه الدولة. زار الزيدي واشنطن حديثا. أغدق عليه دونالد ترامب كلّ أنواع المديح عندما استقبله في المكتب البيضاوي. كانت الحاجة إلى أيام قليلة ليتبيّن أن الرهان العراقي للمقيم في البيت الأبيض ليس في مكانه وأن ليس في استطاعة الزيدي تنظيف العراق من النفوذ المباشر لإيران. في النهاية، صحيح أن الزيدي شنّ حملة شبه ناجحة على الفاسدين في العراق، لكن الصحيح أيضا أن هذه الحملة لم تصل إلى الرؤوس الحقيقية التي تغطي نظاما فاسدا نشأ في العام 2003 نتيجة تسليم إدارة جورج بوش الإبن العراق إلى إيران على صحن من فضّة. يوجد ارتباط واضح بين الفساد في العراق والدور الذي تلعبه إيران في هذا البلد، خصوصا أن الفساد لا يستخدم في تمويل الميليشيات المذهبية العراقية التابعة لـ"الحرس الثوري" فحسب، بل أنّه يمول خزينة "الجمهوريّة الإسلاميّة" وأدواتها في المنطقة أيضا. ليس كافيا قول دونالد ترامب أننا "سنلقن إيران درسا قاسيا وندرس شن ضربات تستهدف وكلاءها". مثل هذا الكلام يبقى كلاما جميلا في غياب موقف واضح من موضوع موقع العراق. يتمثل مثل هذا الموقف، المطلوب أميركيا، في الإعتراف، من دون مواربة، بأنّ البلد لا يزال تحت السيطرة الإيرانية من جهة وأنّه خطر على جيرانه من جهة أخرى. توجد قواعد لـ"الحرس الثوري" على حدود العراق والأردن وحتّى سوريا. إلى ذلك إنّ مصدر معظم المسيرات التي اطلقتها إيران في اتجاه الكويت جاءت الأراضي العراقية. يظلّ أخطر ما في الأمر أنّ الإعتداءات الإيرانيّة على السعوديّة، عن طريق العراق، لم تكشف تقصير حكومة على الزيدي فقط. كشفت هذه الإعتداءات أن "الجمهوريّة الإسلاميّة" لا تحترم الإتفاقات التي توقعها مع الدول الأخرى. يشمل ذلك الاتفاق الذي وقعته السعودية مع إيران في بكين في العام 2023. لم تكتف إيران بخرق هذا الاتفاق عبر الحوثيين في اليمن، بل عمدت إلى تأكيد أن العراق في جيبها. أكثر من ذلك، تبدو "الجمهوريّة الإسلاميّة" مستعدّة لإستخدام العراق في الحرب التي تشنها على دول مجلس التعاون والأردن. لا يفيد كلام دونالد ترامب عن أنّ الهجمات التي استهدفت "الحشد الشعبي" في العراق والتي كانت بالتعاون بين السعوديّة والقيادة المركزية الأميركية "جاءت بتنسيق مع الحكومة العراقية". يبقى مثل هذا الكلام تعاميا عن واقع لا مفرّ منه. يختزل هذا الواقع سؤال في غاية البساطة: أين موقع العراق في المعادلة الإقليمية وهل يستطيع أن يكون أكثر من جرم يدور في الفلك الإيراني؟ المؤسف أنّ بحث علي الزيدي عن توازن بين علاقة حكومته بايران من جهة ودول الجوار العربية من جهة أخرى لم يكن بحثا مجديا. إضطر رئيس الحكومة العراقيّة إلى الإعلان عن تأجيل زيارته للرياض، أقلّه في الوقت الحاضر. إنّّه تأجيل منطقي في انتظار معرفة موقع العراق في المعادلة الإقليمية وهل وارد خروج البلد من الهيمنة الإيرانية... يرمز "الحشد الشعبي" الذي يضم مجموعة من الميليشيات إلى هذه الهيمنة التي لاتزال مستمرّة منذ 2003. إن رواتب عناصر الميليشيات تأتي من موازنة الدولة العراقية. لا ينفع كلام ترامب عن "تنسيق" مع حكومة الزيدي في شيء، بل هو هرب من السؤال الأساسي المتعلق برهانه على العراق وهو رهان لا فائدة منه ما دام سلاح الميليشيات العراقية صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في البلد. كل ما بقي تفاصيل لا معنى لها!

أبرز أحداث اليوم إيران تُشعل كل الجبهات وتُفعّل الميليشيات العراقية

حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وحركة حماس في غزة... قررت إيران، الثلاثاء، تفعيل وكيلها الإقليمي الرابع والأبرز بهدف زيادة الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، وهو العراق، حيث تواصل الجمهورية الإسلامية رعاية شبكة واسعة من الجماعات المسلحة التي يشرف عليها الحرس الثوري. وأعلنت واشنطن، الأربعاء، تنفيذ ضربات في العراق ضد جماعات مسلحة موالية لإيران، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، التي كانت قد تعرضت في وقت سابق لصواريخ أُطلقت من الأراضي العراقية. وأسفرت هذه الضربات، التي استهدفت عدة مدن عراقية، عن مقتل 20 شخصًا، بينهم خمسة إيرانيين، وإصابة 32 آخرين في صفوف الحشد الشعبي، بحسب ما أعلنته هذه الشبكة التي تضم فصائل ذات غالبية شيعية، والمندمجة رسميًا ضمن القوات المسلحة العراقية، وتضم العديد من الجماعات المسلحة الموالية لإيران. وفي حين أكد دونالد ترامب، نقلًا عن مراسل قناة فوكس نيوز، أن الضربات كانت «منسقة مع الحكومة العراقية»، نددت الرئاسة العراقية بما وصفته بأنه «انتهاك صارخ لسيادة العراق». من جهته، أعلن المجلس الوزاري العراقي للأمن الوطني أنه اعتمد «خطة أمنية شاملة (...) للتصدي لأي انتهاك لسيادة العراق ومنع أي جهة من استخدام الأراضي العراقية لتهديد الدول المجاورة». كما نفت الجماعات المسلحة الموالية لإيران في العراق مسؤوليتها عن الهجمات الصاروخية التي استهدفت منشآت نفطية في شرق المملكة العربية السعودية. في المقابل، أعلن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الأربعاء، أن «طائرات حربية أمريكية وسعودية استهدفت عدة مواقع لوجستية ومستودعات أسلحة إرهابية في شرق العراق». وأدانت طهران الضربات التي استهدفت الأراضي العراقية، فيما أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بعد ظهر الأربعاء بأن الولايات المتحدة شنت غارات على مدينة تقع على الحدود مع العراق. وفي تطور آخر، أعلن الجيش الأمريكي اعتراض صواريخ أُطلقت من إيران واستهدفت قواته «المتمركزة في الشرق الأوسط»، قبل أن يعلن التلفزيون الإيراني لاحقًا عن غارات أمريكية على شمال غرب إيران. من جانبها، أعلنت الأردن، الحليف الإقليمي لواشنطن والذي سبق أن استهدفته طهران، أنها أسقطت فجر الأربعاء خمسة صواريخ قادمة من إيران. وفي هذا السياق، أعلن الحرس الثوري مسؤوليته عن هجوم صاروخي استهدف «قاعدة جوية ومركز القيادة المركزية للولايات المتحدة». وأمام هذه الهجمات الإيرانية المتكررة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق تصريحات نقلها مراسل قناة فوكس نيوز، أن الولايات المتحدة ستوجه «ضربة قوية» لإيران عقب الهجمات الصاروخية التي استهدفت قواعد أمريكية في الأردن، ما أعاد إشعال الصراع الذي يضرب الشرق الأوسط بعد أيام قليلة من الهدوء النسبي. هجمات حوثية في البحر الأحمر في اليمن، اتهمت الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، الأربعاء، جماعة الحوثي بالسعي إلى فرض رسوم عبور على السفن التي تمر عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم. وكان الحوثيون قد أعلنوا، الثلاثاء، استهداف ناقلة نفط سعودية بصواريخ في البحر الأحمر، متهمين إياها بـ«خرق الحصار البحري» الذي يهددون بفرضه على المملكة، أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. وتعتمد السعودية على البحر الأحمر لمواصلة صادراتها النفطية، في وقت تعيد فيه إيران إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، الواقع في الجهة المقابلة من شبه الجزيرة العربية. وفي هذا السياق، أعلن الحرس الثوري، الأربعاء، اعتراض ثلاث ناقلات نفط واحتجازها أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو 20% من تجارة النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال. وجاءت هذه الضربات الجديدة غداة زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، حيث التقى دونالد ترامب للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب الإقليمية، التي بدأت عقب الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير. أصول الحشد الشعبي أما الحشد الشعبي، المعروف أيضًا باسم قوات التعبئة الشعبية، فقد تأسس عام 2014 إثر فتوى أصدرها المرجع الديني الأعلى للشيعة في العراق، آية الله العظمى علي السيستاني، دعا فيها إلى قتال تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، الذي كان قد سيطر آنذاك على مساحات واسعة من الأراضي العراقية. وعلى إثر تلك الفتوى، توحدت جماعات مسلحة موالية لإيران، وانضم آلاف المتطوعين إلى القتال. وقد تلقى مقاتلو الحشد الشعبي تدريبات واسعة في إيران، وأشرفت عليهم جماعات مدعومة من طهران كانت قد قاتلت القوات الأمريكية عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين. وكانت أنشطة هذه الجماعات تُدار بإشراف الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، الذي قُتل في غارة أمريكية قرب مطار بغداد عام 2020. وفي عام 2016، أُقِر قانون دمج الحشد الشعبي ضمن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية العراقية. وبعد عام واحد، ساهم الحشد، إلى جانب القوات العراقية وبدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. ومنذ الغزو الأمريكي عام 2003، حافظت الولايات المتحدة على نفوذ واسع في العراق، إلا أن تدخلها أسهم أيضًا في توسيع النفوذ الإيراني، مع وصول حلفاء طهران من الأحزاب الشيعية إلى أعلى مستويات السلطة في بغداد. ومنذ ذلك الحين، أصبح العراق أحد أبرز ميادين المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وطهران. ويضم الحشد الشعبي اليوم عشرات الجماعات المسلحة، من بينها ألوية قوية موالية لإيران تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية. وتُتهم بعض هذه الفصائل بالحصول على رواتب من الدولة العراقية، مع احتفاظها باستقلالية كاملة في قراراتها وتحركاتها. ومع مرور السنوات، ازداد نفوذ هذه الجماعات، إذ حصلت بعض الفصائل على مقاعد في البرلمان، فيما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على عدد من قادتها، بمن فيهم قائد الحشد الشعبي. كما تنتمي مجموعات مسلحة موالية لإيران إلى ما يُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، التي تبنت مئات الهجمات ضد مواقع أمريكية في المنطقة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. وتعتبر هذه الجماعات نفسها جزءًا من «محور المقاومة» الذي تقوده طهران، ويضم أيضًا حزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزة، والحوثيين في اليمن. ومن أبرز هذه الفصائل كتائب حزب الله، التي تستهدف منذ سنوات المصالح الأمريكية في العراق، وقد قُتل عدد من قادتها في غارات أمريكية. كما تنشط فصائل أخرى، مثل كتائب سيد الشهداء وحركة النجباء، داخل بعض قواعد الحشد الشعبي، مع امتلاكها منشآت خاصة بها، تُستخدم بصورة رئيسية في تصنيع الطائرات المسيّرة. كما تمتلك هذه الجماعات صواريخ وقذائف، ويُعتقد أنها تحوز أيضًا صواريخ باليستية قصيرة المدى.