شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
مركزية اللغة السريانية في التقاليد المارونية: دور البطاركة (2/7)

بعد الإضاءة على نشأة الكنيسة المارونية في أعقاب مجمع خلقيدونية، يجدر بنا الآن تناول دور اللغة في بناء الهوية الوطنية. ولعلّ المثير للانتباه هو حجم الوعي الذي أبدته الهيكلية الكنسية المارونية إزاء هذا الرهان، وما بذلته من جهود عملية في هذا الاتجاه. فبالنسبة إلى البطاركة الموارنة، بدءاً من القديس يوحنا مارون، شكّلت اللغة التعبير الصريح عن ثقافتهم، وروحانيتهم، وإيمانهم، وهوّيتهم. وقد تجلّت هذه القناعة في القرن السابع عشر مع البطريرك اسطفان الدويهي، الذي وصف السريانية بـ"لغتنا السريانية"، مسبغاً عليها بُعداً شبه أسراري شأنه شأن أسرار المسيحية. وكان يقصد بذلك أن أي ترجمة لا يمكن أن تحلّ محلّ الأصل السرياني أو تعبّر عن المفهوم بتمام أبعاده، فالكلمات تختزن ذاكرة ثانية، ولكل ثقافة علاقتها الفريدة بين الدال والمدلول. وحين بدأ الخطر يتهدد اللغة السريانية بجدّية في القرن الثامن عشر، وجد مجمع اللويزة الماروني عام 1736 نفسه مضطراً إلى حظر ترجمة الكتب الليتورجية إلى العربية. وبعد أقل من عشر سنوات، وتحديداً عام 1744، عقد البطريرك سمعان عواد مجمعاً حظّر فيه بصرامة ترجمة الكتب المارونية إلى العربية من دون إذن صريح من السلطات الكنسية (1) . ولم تكن هذه الرخصة تُمنح إلا بشرطين: أن يُطبع النص العربي بالحرف السرياني (وهو ما يُعرف بالكرشوني)، وأن يُدرج الأصل السرياني في قبالة النص المترجم (2) . أعاد البطريرك سمعان عواد ليؤكد ما أُقرَّ عام 1744 في مجمع جديد عُقد عام 1755. وفي العام التالي، أدرج البطريرك المنتخب طوبيا الخازن هذه البنود بأكملها في مجمعه عام 1756. وتحديداً، أمر المجمع الماروني لعام 2005، في مادته العاشرة، بالحفاظ على اللغة والثقافة السريانيتين وإحيائهما في المدارس والجامعات المارونية كافة. أما البطريرك الذي خاض أشرس المعارك لصون اللغة السريانية فكان انطون بطرس عريضة. ففي مواجهة التحديات التي فرضتها ولادة دولة لبنان الكبير، والتي كانت قد اعتمدت العربية لغة رسمية، شدّد على الإبقاء على تدريس السريانية في جميع المدارس المسيحية. وتكشف رسالته المؤرخة في 25 حزيران 1946، والتي صاغها الأب روفائيل بار أرمالية، عن رؤيته الواضحة للبنان الحديث. رؤية العالم تشكّل اللغة عنصراً تأسيسياً في تكوين الهوية الجماعية، كما أشار يوهان فيخته. لكنها أيضاً، وقبل كل شيء، حاملةٌ لمشروع روحي. فمنذ القرن الثامن عشر، أقرّ الفيلسوف يوهان غوتفريد فون هردر بأن روح الشعب تتجلى عبر لغته (3) . ولا تعبّر أي ثقافة عن نفسها تعبيراً كاملاً إلا بلغتها الخاصة؛ لغةٍ صاغت تجربتُها التاريخية مفرداتها، ونسجت معتقداتُها أبعادها. فكلمة "ثقافة" نفسها تعود في أصلها اللغوي إلى "العبادة"، التي تنتظم حولها وسائل تعبير أي حضارة: اللغة، والأدب، والكتابة، والموسيقى، والفن، والعمارة. وقد أكد أندريه مالرو أن "طبيعة الحضارة هي ما يتكتل حول دين ما" (4) . فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي قالب ينقل المنظومات الاجتماعية والثقافية التي انبثقت منها. وتذهب فرضية سابير-وورف في النسبية اللغوية إلى أن بنية اللغة تؤثر في إدراك ناطقيها وعلاقتهم بالعالم (5) . وهو المفهوم الذي عبّر عنه لودفيغ فيتغنشتاين حين كتب: "حدود لغتي تعني حدود عالمي" (6) . وعلى هذا النحو، تصوغ اللغة، في علاقة تبادلية، رؤية العالم وطريقة التعبير عنه، حيث تقوم هذه التكاملية اللغوية-الاجتماعية بين الفكرة والتعبير عنها، وبين المدلول والدال. وفي هذا السياق، أعلن فيلهلم فون همبولت عام 1820 أن "تعدد اللغات ليس تنوعاً في الأصوات والإشارات، بل هو تنوع في رؤى العالم". وتوسع في طرح هذه الفكرة مؤكداً أن كل لغة تحمل في طياتها رؤية خاصة للعالم (Weltansicht) (7) . وعلى هذا، فإن استبدال لغة جماعة ما يوازي تحويل طريقة فهمها للعالم، وتغيير إدراكها لذاتها وعلاقتها بالعالم الآخر. الاقتلاع عبر الإبادة اللغوية "اللغة هي بيت الكائن"، كما كتب مارتن هايدغر (8) . وحين يغادر الإيمان "بيته"، يغدو غريباً عن ذاته. تلعب اللغة دوراً محورياً في نقل التراث الثقافي. فالإيمان المتجذر في لغة ما يحافظ على ثراء رمزي، وعمق تاريخي، وتعددية في المعاني تفتح الآفاق أمام التأويل، والإبهام الخصيب، والعمق التفسيري. إن لغة الأجداد، ولا سيما حين تكون لغة طقسية أيضاً، تتجاوز مجرد وظيفة التواصل لتصبح تجسيداً وسرّاً. وهذا البُعد بالذات هو ما يتلاشى عند حدوث إبادة لغوية: إذ يغيب السرّ مع غياب الرموز والاستعارات المنسية. وكما يبيّن بول ريكور، يفتح الرمز مساحة للتأويل (9) . وغيابه يؤدي إلى انحسار المعنى. فإلغاء التعددية والدلالات الفسيحة يقضي بقراءة أحادية؛ وهذا النهج هو ما يميّز الأيديولوجيا، التي تفضّل القراءة الحرفية، وتختزل الرسالة في شعار، وتلغي التأويل، وتفرض اليقين. (1) - راي جابر معوض، مقاربة مختلفة للغة العربية لدى الملكيين والموارنة في لبنان من خلال قصيدة لابن القلاعي (القرن الخامس عشر (في مجلة Patrimoine d’Orient ) ، العدد 34، 2009، ص 345-359. (2) - المرجع نفسه. (3) - يوهان غوتفريد فون هردر، دراسة في أصل اللغة ، 1772. (4) - أندريه مالرو، ملاحظة حول الإسلام ، حزيران 1956. (5) - بنجامين لي وورف، اللغة والفكر والواقع ، مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT Press)، 1956. (6) - لودفيغ فيتغنشتاين، رسالة منطقية فلسفية (Tractatus Logico-Philosophicus)، 1921. (7) - فيلهلم فون همبولت، عن تنوع بناء اللغة البشرية ، 1836. (8) - مارتن هايدغر، الوجود والزمان ، (1927)، الفقرة 34. (9) - بول ريكور، رمزية الشر ، باريس، 1960. اقرأ أيضاً في الموضوع نفسه مركزية اللغة السريانية في التراث الماروني (1/7)

أنقرة في صلب الاستراتيجية الجنوبية لـ"الناتو 3.0": أين لبنان من كل ذلك؟

في النسخة الجديدة من حلف شمال الأطلسي ("ناتو 3.0") التي تبلورت في قمة أنقرة (7-8 تموز الماضي)، عزز الحلف قدراته على إدارة مزدوجة لتهديد قاريّ عند حدوده الشرقية (روسيا)، واضطرابات متعددة الأشكال (إرهاب، وأزمات هجرة، ونزاعات عسكرية) على جناحه المتوسطي والشرق أوسطي. وفي هذا الشق الثاني، بات الحلف يتكل على أنقرة، التي لم تفرض نفسها فحسب كمورّد رئيسي للأسلحة للدول الأعضاء، بل أيضاً كوسيط بين الغرب ومحور موسكو-طهران؛ إذ رفضت قطع الجسور مع روسيا وإيران، في وقتٍ تقف فيه سداً منيعاً بوجه الأولى في البحر الأسود والقوقاز، وبوجه الثانية في سوريا ولبنان. حلف الرياض بعد سنوات عدة من التوتر مع الرياض، لا سيما في أعقاب قضية خاشقجي، انضمت تركيا إلى المملكة العربية السعودية وباكستان لتأسيس حلف دفاع استراتيجي مشترك، يصفه بعض المراقبين اليوم بـ"الناتو السني". ويتشكل هذا التكتل لمواجهة كلّ من النفوذ الإيراني المتبقي في سوريا ولبنان، والقوة الإسرائيلية في آنٍ واحد. ويتمثل الرمز القوي لهذا التقارب في مشروع سكة حديد الحجاز؛ فهذه الخط الحديدي، الذي أبصر النور للمرة الأولى عام 1908 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، كان رمزاً للنفوذ العثماني وكان يربط إسطنبول بمكة المكرمة، إلى أن دمرته قوات الثورة العربية بقيادة الشريف حسين، ملك مكة، بدعم ومشورة من ضباط بريطانيين. وابتداءً من عام 1918، نسف هؤلاء المقاتلون المسارات والجسور بشكل منهجي لشل إمدادات القوات العثمانية. أما مشروع سكة الحديد الجديدة، الذي أُقرّ في حزيران الماضي، فسيربط إسطنبول بالشبه الجزيرة العربية عبر سوريا والأردن، مع خطةٍ لتوسيعها نحو عُمان، ليخلق بذلك شرياناً تجارياً يربط الهند وجنوب شرق آسيا بإسطنبول. وتُعد هذه استراتيجية اقتصادية كبرى للالتفاف، من جهة، على مضيق هرمز والحد من تأثير الضغوط الإيرانية، ومن جهة أخرى على مرفأ حيفا، بهدف تهميش دور إسرائيل التجاري في المنطقة، في ظل وصول العلاقات بين أنقرة وتل أبيب إلى أدنى مستوياتها. سوريا الجديدة: المحور الأساسي للنفوذ التركي العامل الأكثر أهمية في هذا السياق يكمن في ترسيخ النفوذ التركي داخل سوريا. ففي أعقاب سقوط نظام الأسد، باتت أنقرة تقدم دعماً قوياً للإدارة الجديدة برئاسة أحمد الشرع. وبتحولها إلى الراعي السني الرئيسي لسوريا، قطعت تركيا خطوط الإمداد البرية التي اعتمدتها إيران سابقاً نحو لبنان والأردن والضفة الغربية. وعلى الصعيد العسكري، ترفض أنقرة سحب قواتها من المحافظات الشمالية السورية متذرعة بمكافحة الإرهاب، بينما يتمثل هدفها الفعلي في القضاء على "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي يسيطر عليها الأكراد، وتتهمها أنقرة بأنها امتداد لـ"حزب العمال الكردستاني"، المصنف إرهابياً لديها ولدى واشنطن. إلى جانب ذلك، شاركت سوريا للمرة الأولى في المناورات العسكرية المشتركة القوات التي نظمتها تركيا تحت اسم "إفيس 2026" (EFES 2026) وهي النسخة الأحدث من إحدى أكبر المناورات العسكرية المشتركة بالذخيرة الحية التي تجريها القوات المسلحة التركية كل عامين. وقد أُجريت هذه المناورات بين نيسان وأيار 2026، ولا سيما في منطقتي إزمير وإسطنبول في تركيا، بمشاركة أكثر من 10 آلاف جندي أتوا من 50 دولة. وإلى جانب حلفائها التقليديين في "الناتو"، كالولايات المتحدة وفرنسا، أشركت أنقرة الجيش السوري للمرة الأولى، وهو ما يشكل تطوراً جيوستراتيجياً بارزاً، كونها المشاركة الرسمية الأولى لسوريا في مناورات عسكرية في الخارج منذ سقوط نظام بشار الأسد. لبنان والتموضع الاستراتيجي التركي الجديد باتت تركيا اليوم تُشكّل الركيزة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي ("ناتو 3.0") والمحور الأساسي في الشرق الأوسط، فضلاً عن كونها جزءاً من حلف الدفاع الاستراتيجي بين إسلام آباد وأنقرة والرياض، وهو ما يمنحها نفوذاً واسع النطاق في سوريا. وفي هذا السياق، تجد أنقرة نقاط تقارب مع بعض الحركات الإسلامية اللبنانية، وعلى رأسها "الجماعة الإسلامية". وإذا كان لبنان يرغب تحصين نفسه بوجه الفوضى الإقليمية، فعليه أن يتعلّم التعامل مع هذا "المحور التركي" من مَنظور دولة إلى دولة؛ ليس كدولة تابعة، بل كشريك استراتيجي يدرك تماماً أن مركز الثقل في الشرق الأوسط قد انتقل شمالاً. بين عامَي 2025 و2026، صعّدت تركيا من نبرتها المناهضة لإسرائيل داعيةً إلى تفكيكها. وفي هذا الإطار، ألمح أردوغان إلى أن لبنان يقع ضمن نطاق مصالحه الأمنية؛ إذ أكّد، بعدما أعلن صراحةً نيته التصدي للتوسع الإسرائيلي في لبنان، أن "أمن تركيا لا يبدأ من حدودها، بل من حلب ودمشق وبيروت". وهذه تصريحات تنطوي على ثقل جيوستراتيجي كبير، وإن كانت في جوهرها، وحتى اللحظة، لا تتعدى الإطار الكلامي. غير أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أشار عقب قمة "الناتو" إلى عدم رغبة بلاده في خوض مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، في إشارةٍ تعكس مساعي واشنطن للتهدئة. من جهته، بدأ لبنان الرسمي خطوات انفتاح نحو أنقرة عبر زيارات عدة أجراها رؤساء حكومات، كان آخرها زيارة نواف سلام قبل أيام. وكان من المقرر أن يزور الرئيس جوزاف عون أنقرة لترسيخ هذا الانفتاح، إلا أن الروابط الاستراتيجية بين البلدين لا تزال دون المستوى المطلوب وتستدعي التطوير. وفي هذا السياق، هدفت زيارة العماد رودولف هيكل لـ"معرض ساهَا للدفاع" (SAHA) في إسطنبول (5-7 أيار 2026) لاستكشاف مدى استعداد أنقرة لتقديم دعم لوجستي للجيش اللبناني. غير أن أي تعاون عملي بين الجيشين يظل مرهوناً بضوء أخضر أمريكي وبقدرة المؤسسة العسكرية اللبنانية على ضبط الحدود السورية. وتستطيع تركيا المساعدة في كبح الفوضى القادمة من سوريا واحتواء أي ظهور جديد لتنظيم "داعش"، وهو الخصم الذي تراقبه أنقرة عن كثب. العلاقات اللبنانية - السورية في ظل النفوذ التركي تستفيد بيروت مبدئياً من توطيد علاقاتها مع دمشق وبناء ثقة متبادلة مع السلطة السورية الجديدة، رغم الملفات الشائكة العالقة، وفي مقدمتها وجود أركان سابقين لنظام الأسد في لبنان، وتداعيات قتال "حزب الله" في سوريا. كما تقتضي مصلحة لبنان الإسهام في إرساء منظومة أمنية مشتركة تضم أنقرة ودمشق وبيروت، تضمن حقوق الجميع وتوفر ضمانات متبادلة تصون الاستقلالية السياسية للبنان. وفي هذا الإطار، تفيد مصادر دبلوماسية بأن الملف اللبناني احتل موقعاً بارزاً في المباحثات التي عقدها الرئيس دونالد ترامب مع أحمد الشرع على هامش قمة "الناتو" في أنقرة. وقد أبدى الرئيسان قلقهما من شبكات التهريب والتزويد التابعة لـ"حزب الله" والممتدة عبر تركيا وسوريا نحو لبنان، واتفقا على ضرورة تكثيف التنسيق الميداني لمنعها على طول الحدود اللبنانية - السورية. تعدد المحاور الإقليمية والدولية بات أمن لبنان يُحسم ويتفاوض عليه اليوم في أنقرة بقدر ما يُحسم في واشنطن وتل أبيب والرياض وباريس ودمشق وطهران. ومن هنا، يجد لبنان نفسه ملزماً بالتعامل مع هذا الواقع بقدر عالٍ من البراغماتية، وهو ما يتطلب رؤية استراتيجية لبنانية متكاملة تشمل الأبعاد الأمنية والدفاعية والاقتصادية والسياسة الخارجية، وهي رؤية لا تزال غائبة حتى اللحظة. فهل تُصاغ هذه الاستراتيجية في مجلس الوزراء؟ أم داخل أروقة مجلس الدفاع الأعلى؟ أم في كواليس القصر الرئاسي؟ وهل أُسندت إلى خبراء متخصصين بحق، أم أنها لا تزال غير موجودة أساساً؟ إن كُتب لهذه الاستراتيجية أن ترى النور، فسيكون عليها تحقيق محددات رئيسية: 1) صون السيادة الوطنية لضمان عدم تحول لبنان إلى مجرد أداة في الصراع بين طهران وتل أبيب، أو بين أنقرة وتل أبيب؛ 2) امتلاك حد أدنى من المصداقية كي لا تتخلى عنه واشنطن؛ 3) مراعاة الدور الأوروبي المتنامي في الشرق الأوسط؛ 4) وعدم الانزلاق مجدداً إلى الحاضنة الإيرانية.

من روما إلى الجمهورية الثالثة: هل بدأت إعادة هندسة لبنان؟

التاريخ لا يتذكر المدن التي توقفت فيها الحروب فقط، بل المدن التي وُلدت فيها الأنظمة الجديدة. لهذا، قد لا تُذكر روما مستقبلاً باعتبارها المدينة التي استضافت جولة مفاوضات بين لبنان وإسرائيل، بل باعتبارها المكان الذي بدأت فيه عملية إعادة صياغة النظام الأمني والسياسي اللبناني بعد حرب غيّرت موازين القوى في المنطقة. الاجتماعات المرتقبة في روما ليست مجرد بحث في وقف إطلاق النار، أو الانسحاب الإسرائيلي، أو تبادل الأسرى، رغم أهمية هذه الملفات، بل هي جزء من مسار أوسع يهدف إلى تحويل نتائج الحرب إلى واقع سياسي جديد يمنع العودة إلى ما كان قائماً قبلها. في التجارب الدولية، لا ينتهي أثر الحروب عندما تصمت المدافع، بل عندما تنجح القوى المعنية في بناء نظام جديد يعالج أسباب الصراع ويمنع تكراره. وهذا ما يبدو أن الولايات المتحدة تحاول تحقيقه في لبنان. من زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن، إلى اتفاق الإطار، وصولاً إلى اجتماعات روما، تبدو الصورة وكأنها حلقات مترابطة في مسار واحد: الانتقال من إدارة الأزمة اللبنانية إلى إعادة تنظيم قواعد الدولة. الهدف الأول لهذا المسار هو تثبيت مبدأ واضح: دولة واحدة، جيش واحد، وقرار أمني واحد. لم يعد ملف حصرية السلاح بيد الدولة مجرد مطلب لبناني أو دولي، بل أصبح عنواناً لإعادة بناء الدولة نفسها. إذ لا يمكن لأي دولة أن تستعيد دورها إذا بقي قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية. لكن اختزال أزمة لبنان في السلاح وحده سيكون قراءة ناقصة. فالمشكلة اللبنانية لم تكن فقط وجود قوة عسكرية موازية للدولة، بل أيضاً وجود دولة أُضعفت من الداخل بفعل منظومة سياسية كرست المحاصصة وحولت المؤسسات إلى ساحات نفوذ. وهنا يبرز دور نبيه بري، باعتباره أحد أطول السياسيين حضوراً في قلب السلطة اللبنانية. لم يقتصر دوره خلال العقود الماضية على موقعه كرئيس لمجلس النواب أو على علاقته السياسية بحزب الله، بل كان جزءاً من منظومة الحكم التي أدارت الدولة بعد اتفاق الطائف. وكما ساهم حزب الله في تكريس واقع أمني موازٍ للدولة من خلال امتلاك السلاح خارج المؤسسات، ساهمت قوى سياسية متعددة، كان بري أحد أبرز أركانها، في تكريس نمط إدارة للدولة قائم على المحاصصة السياسية والتعيينات التي غالباً ما غلبت عليها الاعتبارات السياسية على حساب الكفاءة. وكانت النتيجة دولة مثقلة بالترهل الإداري، وقطاعاً عاماً يعاني من التضخم الوظيفي، وانتشار البطالة المقنّعة، وتراجع قدرة المؤسسات على القيام بدورها الطبيعي. من هنا، فإن إعادة بناء لبنان لا يمكن أن تعني فقط معالجة ملف السلاح، بل يجب أن تشمل أيضاً إعادة تأسيس الدولة نفسها: إدارة عامة حديثة، قضاء مستقل، مؤسسات فعالة، وتعيينات تقوم على الجدارة لا على الولاء السياسي. وفي هذا السياق، يمكن فهم الضغوط المتزايدة حول نبيه بري. فحتى الآن، لم تستهدفه واشنطن شخصياً، لكنها وجهت رسائل سياسية واضحة عبر الضغط على شخصيات وشبكات مرتبطة بمحيطه. ويبدو أن الرسالة الأساسية هي أن المرحلة المقبلة لن تسمح باستمرار قواعد اللعبة القديمة. لكن الهدف قد لا يكون إقصاء بري بقدر ما هو إعادة تعريف دوره. يمتلك الرجل خبرة سياسية وشبكة علاقات تجعله لاعباً لا يمكن تجاهله في أي انتقال سياسي. إلا أن السؤال المطروح أمامه هو: هل سيكون شريكاً في بناء الدولة الجديدة، أم مدافعاً عن منظومة الحكم التي أوصلت لبنان إلى أزمته الحالية؟ أما حزب الله، فهو أمام اختبار تاريخي مختلف. فالمطلوب لم يعد مجرد وقف المواجهة العسكرية، بل إعادة تعريف موقعه داخل الدولة اللبنانية. فإما الانتقال إلى حزب سياسي يعمل ضمن قواعد الدولة، أو الاستمرار في مواجهة مسار داخلي ودولي عنوانه استعادة الدولة لقرارها الكامل. وفي المحصلة، فإن روما قد لا تكون مجرد محطة تفاوض بين لبنان وإسرائيل، بل بداية تفاوض أوسع حول شكل لبنان المقبل. فإذا كان اتفاق الطائف قد أنهى الحرب الأهلية وأعاد توزيع السلطة، فإن المرحلة المقبلة قد تكون بداية إعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية نفسها: دولة تحتكر السلاح، وتحتكر قرار الحرب والسلم، وتستعيد دورها العربي والدولي، وتبني اقتصاداً قادراً على النهوض. لكن نجاح هذا المسار ليس مضموناً. فالولايات المتحدة تستطيع رعاية التفاهمات، والدول العربية تستطيع المساهمة في إعادة الإعمار، والمجتمع الدولي يستطيع تقديم الدعم، لكن بناء الدولة يبقى مسؤولية اللبنانيين أنفسهم. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستنتج اجتماعات روما؟ بل: هل ستفتح روما الطريق أمام الجمهورية اللبنانية الثالثة؟ جمهورية لا تقوم فقط على إنهاء الحرب، بل على إنهاء الأسباب التي منعت قيام الدولة. فالمعركة المقبلة في لبنان ليست فقط معركة حدود، بل معركة هوية الدولة نفسها: هل تبقى دولة موزعة بين مراكز قوة متعددة، أم تصبح دولة واحدة صاحبة القرار والسيادة؟ وهنا سيُكتب الفصل المقبل من تاريخ لبنان.

إيران: رغم «خلافاتهما»، ترامب ونتنياهو يُعززان تحالفهما

عقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، اجتماعًا وصفه الجانبان بأنه «إيجابي»، ما أتاح لهما إعادة التأكيد على عزمهما منع إيران من امتلاك السلاح النووي. ورغم أن الزعيمين يقودان معًا الحملة ضد الجمهورية الإسلامية، فقد بدأت الخلافات بينهما تظهر إلى العلن منذ أبريل الماضي. فالرئيس الأميركي بات يفضّل اليوم الحل الدبلوماسي لوضع حد لحرب طال أمدها أكثر مما كان متوقعًا، وقد ترتب عليه كلفة سياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي («Midterms»). في المقابل، يصرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي على المضي حتى النهاية في المواجهة بهدف القضاء على ما يصفه بـ«التهديد الوجودي» الذي تمثله إيران. وفي مقطع فيديو نُشر عقب الاجتماع، أكد بنيامين نتنياهو أنه أجرى مع دونالد ترامب «أفضل المحادثات»، موضحًا أن نقاشاتهما تناولت خصوصًا «الهدف المشترك المتمثل في ضمان عدم امتلاك إيران أسلحة نووية». ومع ذلك، فإن هذا اللقاء المغلق، الذي استمر قرابة ساعة ونصف الساعة ولم يعقبه أي مؤتمر صحافي، لم يبدّد بالكامل الانطباع بوجود تباينات بين واشنطن والقدس. وكان هذا أول لقاء بين الرجلين منذ اندلاع الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط، والثامن منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وتؤكد واشنطن أنها تريد منح الدبلوماسية فرصة جديدة مع طهران، بعد أسبوعين من الغارات الجوية غير المسبوقة التي سبقت وقف إطلاق النار في أبريل. وجاءت زيارة نتنياهو في «لحظة حرجة بالنسبة إلى الشرق الأوسط»، في وقت تواصل فيه إيران، بحسب إسرائيل، «تفضيل الإرهاب على المفاوضات»، مع استمرارها في إغلاق مضيق هرمز، وفق ما صرّح به في وقت سابق الثلاثاء السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون. «شخص صعب جدًا» كانت العلاقات بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو قد شهدت تدهورًا حادًا في أبريل، خلال أولى المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. وكان الرئيس الأميركي قد وجّه آنذاك انتقادات حادة إلى حليفه الإسرائيلي، متهمًا إياه بعرقلة الجهود الدبلوماسية. ووصف ترامب نتنياهو بأنه «شخص صعب جدًا»، فيما أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بوجود «خلافات تكتيكية»، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه يشترك مع نظيره الأميركي في الأهداف الاستراتيجية نفسها. وعندما سُئل ترامب صباح الثلاثاء عن تقارير تتحدث عن تعزيز إيران لمنشآتها داخل جبل كولانغ («المِعول» بالفارسية)، أجاب: «لست بحاجة إلى أن يخبرني بيبي بذلك. إنه يقول لي ذلك لأنه يريدني أن أبقى منخرطًا». وأضاف في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» قبل الاجتماع: «أعرف تمامًا ما يجري في كولانغ. الأمر ليس مشكلة كبيرة. وإذا لم نتوصل إلى اتفاق، فسندمر هذه المنشآت بسهولة كبيرة». وقال يوناتان فريمان، المتخصص في العلاقات الدولية في الجامعة العبرية في القدس، لوكالة فرانس برس: «الرهان الأساسي هو إظهار للعالم أجمع، ولإيران، وكذلك للبنان ودول أخرى في المنطقة، أنه لا يوجد أي شرخ أو خلاف جوهري بين الولايات المتحدة وإسرائيل». وأضاف أن الخلافات المحتملة تتعلق أكثر بوسائل العمل، مثل الجدول الزمني، وشدة العمليات العسكرية، والأهداف الآنية، أكثر مما تتعلق بالأهداف النهائية. اتصالات إيرانية بشأن هرمز مع الرياض ومسقط في موازاة ذلك، تواصل طهران المزاوجة بين العمليات العسكرية والمبادرات الدبلوماسية مع جيرانها العرب في الخليج، في مشهد يربك قواعد المواجهة التقليدية. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالين هاتفيين منفصلين مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي، ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، لبحث ملف مضيق هرمز، بحسب التلفزيون الرسمي الإيراني. وأضاف المصدر نفسه أن «الجانبين شددا على ضرورة تعزيز التعاون، ودفع الجهود الدبلوماسية لاستعادة الاستقرار في المنطقة، وإنهاء حالة انعدام الأمن المفروضة في مضيق هرمز نتيجة الأعمال العدائية التي تقوم بها الولايات المتحدة». وفي وقت متأخر من مساء الثلاثاء، أعلنت الرياض أيضًا اعتراض مئات الطائرات المسيّرة الإيرانية خلال هجوم استهدف منشآت شركة «أرامكو» النفطية في شرق المملكة. استئناف محادثات روما على الساحة اللبنانية، أكدت الولايات المتحدة عقد جولة جديدة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان في روما، خلال الفترة الممتدة من 4 إلى 6 أغسطس، في إطار توسيع آلية «المناطق النموذجية» بإشراف الجيش اللبناني. وأوضح مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، في تصريح لقناة «الحدث»، أن هذه الاجتماعات، ذات الطابع التقني أساسًا، ستتناول توسيع نطاق الآلية، وتسوية القضايا الحدودية العالقة، ووضع إطار لاتفاق شامل للسلام والأمن. وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: «ندخل هذه الجولة الجديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل بزخم إيجابي بعد نجاح تجربة المناطق النموذجية». كما أكد الدبلوماسي أن «اللقاء المثمر» بين الرئيسين دونالد ترامب وجوزاف عون ترك أثرًا إيجابيًا على المحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية. ورغم الهدوء النسبي في القتال، يواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ غارات متفرقة في جنوب لبنان. بل إن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تفاخر الثلاثاء بتدمير 24 قرية لبنانية عريقة، مضيفًا أن الجيش الإسرائيلي يطبق في لبنان التكتيك نفسه الذي اعتمده في غزة، حيث دُمّر نحو 70% من القطاع الساحلي الفلسطيني منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2024. في حولا... نترات أمونيوم من جديد ميدانيًا، أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، الثلاثاء، أنها عثرت في مطلع يوليو على نحو أربعة أطنان من المتفجرات في بلدة حولا الجنوبية الواقعة ضمن منطقة تخضع للاحتلال الإسرائيلي. وأوضحت اليونيفيل أن عناصرها «عثروا على 385 حاوية متروكة داخل أحد المباني، تحتوي على نحو أربعة آلاف كيلوغرام من المتفجرات، معظمها مركبات قائمة على نترات الأمونيوم». وأضافت أن خبراءها «عملوا على تحييد هذه المواد وجعلها غير مؤذية وإزالة أي خطر قد تشكله»، من دون أن تحدد الجهة التي تعود إليها هذه المتفجرات. وتقع حولا ضمن شريط يمتد لنحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية بمحاذاة الحدود مع إسرائيل، وتحتله القوات الإسرائيلية منذ الحرب الأخيرة التي اندلعت مطلع مارس ضد حزب الله. وكان حزب الله قد زجّ لبنان في الصراع الإقليمي في الثاني من مارس، عندما هاجم إسرائيل دعمًا لإيران، ما أدى إلى رد إسرائيلي واسع برًا وجوًا. ويعيد اكتشاف هذه المتفجرات إلى الأذهان، بصورة لا مفر منها، مأساة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس 2020. ففي ذلك اليوم، انفجر نحو 2750 طنًا من نترات الأمونيوم كانت مخزنة منذ سنوات من دون أي إجراءات سلامة، ما أسفر عن أكثر من 220 قتيلًا، وما يزيد على 6500 جريح، ودمّر أجزاء واسعة من العاصمة. وبعد ست سنوات، لا تزال التحقيقات القضائية والخبرات العلمية الرامية إلى تحديد أسباب الكارثة والمسؤوليات المرتبطة بها تراوح مكانها، في ظل تعرض القضاة والخبراء لضغوط سياسية كبيرة. ويرى عدد كبير من المراقبين أن حزب الله يتحمل مسؤولية جسيمة في تخزين هذه المادة المتفجرة، إذ كانت الجماعة المدعومة من إيران تمارس آنذاك نفوذًا واسعًا على مرفأ بيروت، الذي كان يشكل البوابة الرئيسية لدخول الأسلحة الإيرانية ومختلف أنواع البضائع المهربة المستخدمة في تمويلها.

تداعيات انتصار أوكرانيا أو روسيا (4/5)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

تواصل الحرب في أوكرانيا تصدّر النقاشات الدولية، في ظل قصف شبه يومي يستهدف، من الجانبين، مواقع حيوية، ولا سيما العاصمتين الروسية والأوكرانية . ولفهم مختلف أبعاد هذا الصراع القديم بصورة أفضل، لا بد من العودة إلى مقدماته وجذوره التي أفضت إلى اندلاع هذه الحرب (التي يمكن وصفها بالأخوية)، مع استعراض دوافع وتطلعات الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا، بما في ذلك جميع دول حلف شمال الأطلسي باستثناء تركيا)، فضلاً عن التذكير ببدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى السلام، أو على الأقل إلى مفاوضات، مع الإقرار بأن المسؤوليات في هذا السياق متعددة . ولفهم مختلف جوانب الحرب في أوكرانيا، تبرز منذ البداية مجموعة من الأسئلة الأساسية: ماذا تمثل روسيا وأوكرانيا بالنسبة إلى الغرب؟ وما التداعيات العملية لانتصار حاسم لأي من الطرفين؟ وما الانعكاسات التي قد تترتب على ذلك بالنسبة إلى الغرب والشرق الأوسط؟ في سلسلة من خمسة مقالات، يعرض جان-باتريك دايراس، الأميرال البحري المتقاعد في البحرية الفرنسية، رؤيته وتحليله لهذه القضية . قراءة استشرافية: ماذا لو... أ – إذا انتصرت أوكرانيا، واستعادت كامل أراضيها ... التداعيات على أوكرانيا – تعزيز ملحوظ لمكانة أوكرانيا الدولية. – تسريع وتيرة انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن نيل العضوية الفعلية سيبقى مساراً طويلاً. – توثيق أواصر التعاون العسكري مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بغض النظر عن حصول العضوية الرسمية من عدمه. – تراجع النفوذ الروسي في جزء واسع من أوروبا الشرقية. التداعيات على روسيا سترتبط النتائج المترتبة على موسكو بحجم الهزيمة، غير أنه من المؤكد تماماً ما يلي: – فقدان جزء كبير من هيبتها الدولية. – تكبد فاتورة اقتصادية باهظة ومستدامة ناجمة عن العقوبات المفروضة، فضلاً عن أعباء إعادة الإعمار وإعادة بناء القدرات العسكرية. – زعزعة ركائز سياسة الكرملين، وهو أمر ستتحدد نتائجه تبعاً لتطورات الأوضاع الداخلية. – تأثر مجمل السياسة الروسية المتبعة منذ سنوات في أفريقيا، وكذلك في مختلف دول مجموعة "بريكس+" أو الدول المرتبطة بها. ملاحظة: تتبنى تشاد مؤخراً توجهاً للتقارب مع فرنسا، وهو ما قد يُمثّل تمهيداً لتغيير في الجيوسياسية الإفريقية. ينبغي دراسة هذا التطوّر بعناية قبل تأكيده. في المقابل، يتعذر التكهن بأن هزيمة روسية محتملة ستؤدي تلقائياً إلى تغيير في النظام الحاكم؛ فتاريخ السياسة يثبت أن تطورات كهذه تظل رهينة جملة معقدة من العوامل الداخلية. التداعيات على أوروبا من شأن انتصار أوكراني أن يؤدي إلى: – تعزيز الشعور بالأمن لدى دول أوروبا الشمالية والوسطى والشرقية. – الحفاظ على مستوى عالٍ من الإنفاق العسكري. – تسريع جهود التنويع الطاقي التي انطلقت فعلياً منذ عام 2022. التداعيات على الولايات المتحدة قد تُصوَّر نتيجة كهذه على أنها نجاح لسياسة الدعم التي تقودها الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا وتحالفاتها الثنائية. ومع ذلك، فإنها لن تضع حدّاً للأزمات والتحديات الاستراتيجية الأخرى (كالخصومة مع الصين والمفاوضات المعقدة مع إيران). التداعيات على الصين ستراقب بيجين عن كثب الدروس المستفادة من النزاع، لا سيما تلك المتعلقة بغزو عسكري مباشر لتايوان. وقد تدفع هزيمة روسية الصين إلى: – تعميق بعض الروابط مع موسكو للحفاظ على شريك استراتيجي، ولكن من موقع مهيمن. – إعادة تقييم بعض جوانب سياستها الخارجية (إيران، تايوان، والتحالف الناشئ بين أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين). التداعيات على المنظمات الدولية سيُفسّر انتصار أوكراني على أنه تكريس للمبدأ القاضي بعدم جواز تغيير الحدود بالقوة. وقد يعزز ذلك مصداقية بعض قواعد القانون الدولي، رغم أن تطبيقها يظل رهيناً بموازين القوى بين الدول. حدود هذا السيناريو حتى في حال تحقق النجاح العسكري الأوكراني، ستظل عدة صعوبات قائمة: – إعادة إعمار البلاد، التي تُقدَّر تكلفتها بمئات مليارات اليورو والتي يتعين أن تتحملها روسيا. – عودة اللاجئين (وهو أمر لا يلتزم به إلا من يؤمن به). – إزالة الألغام من مساحات واسعة من الأراضي. – الملاحقات القضائية المرتبطة بجرائم الحرب المزعومة (مع احتمال تورط الأوكرانيين أنفسهم في جرائم مماثلة). – العلاقات المستقبلية بين روسيا وأوكرانيا والدول الأوروبية. ولن يمحو هذا الانتصار التوترات الجيوسياسية. فحتى لو بلغت أوكرانيا أهدافها العسكرية الرئيسية، فإن العلاقات بين روسيا والغرب ستظل على الأرجح محكومة بشكوك متبادلة وعسكرة مناطق معينة، وبإعادة صياغة التوازنات الأمنية في أوروبا. كما ستتوقف التداعيات أيضاً على شروط إنهاء النزاع: فتوصل الأطراف إلى اتفاق تفاوضي، أو وقف دائم لإطلاق النار، أو هزيمة عسكرية حاسمة، لن تكون لها النتائج ذاتها. ب - فوز روسيا وخسارة أوكرانيا يعتمد كل شيء على مفهوم "فوز روسيا"، إذ تختلف التبعات تماماً باختلاف طبيعة هذا النصر، سواء أكان مكسباً جغرافياً محدوداً، أم سيطرة مستدامة على جزء من أراضي البلاد، أم تغييراً في شكل الحكومة في كييف. قد تسفر الهزيمة الأوكرانية عن: – الفقدان المستديم لكل الأراضي المحتلة أو أجزاء منها. – تكبد أثمان بشرية واقتصادية وديموغرافية باهظة. – تباطؤ وتيرة إعادة الإعمار وضخ الاستثمارات. – استمرار نزوح تدفقات كبيرة من اللاجئين نحو الدول الأوروبية الأخرى. ويتحدد مستقبل أوكرانيا السياسي بناءً على شروط إنهاء النزاع؛ فالتوصل إلى وقف لإطلاق النار، أو إبرام معاهدة سلام، أو فرض اتفاق، سينتج عنه تداعيات متباينة. في حال حققت موسكو أهدافها الرئيسية، قد ينعكس ذلك في: – تعزيز وضع الكرملين على الساحة الداخلية. – تصوير النتيجة باعتبارها انتصاراً استراتيجياً. – الحفاظ على نفوذها ضمن أجزاء من أوكرانيا ومحيطها الإقليمي (مثل مولدوفا). وفي المقابل، وحتى في حال تحقيق نجاح عسكري، ستستمر روسيا في مواجهة: – العقوبات الاقتصادية الغربية. – تنامي الاعتماد على شركاء محددين مثل الصين، والهند، وغيرها من الدول غير الغربية. – أعباء مالية باهظة مرتبطة بإعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرتها والحفاظ على انتشار قوات عسكرية ضخمة. التداعيات على أوروبا من المرجح أن يؤدي انتصار روسيا إلى: – ارتفاع مستدام في حجم الإنفاق العسكري للدول الأوروبية. – تعزيز الوجود العسكري لحلف شمال الأطلسي على جناحه الشرقي (مع وجود تساؤلات حول دور الولايات المتحدة). – تسارع وتيرة السياسات الهادفة لخفض الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية. إضافة إلى ذلك، تتصاعد المخاوف من احتمالية مطالبة دول الجوار الروسي، ولا سيما دول البلطيق، بضمانات أمنية أكثر صلابة. التداعيات على الولايات المتحدة قد تتعرض الاستراتيجية الأمريكية في الملف الأوكراني لتشكيك جدي في جدواها، مما يمهد الطريق لنقاشات داخلية حول سياسة واشنطن الخارجية ومستوى التزامها بدعم حلفائها (بما يشمل منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية). التداعيات على الصين: يمكن تفسير النصر الروسي بطرق مختلفة: – يرى البعض فيه دليلاً على قدرة القوة الكبرى على تحقيق أهدافها رغم العقوبات. – يشدد آخرون على التكلفة الاقتصادية والبشرية والدبلوماسية الباهظة للنزاع، والتي قد تشكل أيضاً تحذيراً. وفي جميع الأحوال، ستظهر الصين بمظهر الطرف الذي مكّن روسيا من الانتصار بفضل الدعم الذي قدمته لها، لتكون هي الرابح الأكبر؛ بينما لن تعود روسيا عملاقاً ينافسها. التداعيات على القانون الدولي يرى العديد من رجال القانون أن أي سيطرة دائمة على الأراضي بالقوة ستشكل تحدياً كبيراً لمبدأ وحدة أراضي الدول، ولا سيما المبدأ المكرس من الأمم المتحدة. فيما يذكر آخرون أن السوابق التاريخية متباينة، وغالباً ما تتأثر ردود الفعل الدولية بموازين القوى، بينما سيشهد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تراجعاً في مكانته وصولاً إلى التشكيك في جدواه. حدود هذا السيناريو حتى في حال تحقيق النصر، قد تُقلص عدة عوامل هذه المكاسب: – التكلفة الاقتصادية على المدى الطويل. – إدارة أراضٍ قد تتسم بعدم الاستقرار. – استمرار العزلة عن جزء من الدول الغربية. – خطر وقوع تمرد مسلح أو اضطرابات مستمرة بحسب المناطق المعنية. – نجاح يشوبه الوصم نظراً للوقت المستغرق لتحقيق هدف كان يُؤمل في البداية أن يكون سريعاً، بل وسهلاً (حرب استمرت لفترة أطول من الحرب العالمية الأولى). – تراجع محتمل لهيبتها في إفريقيا. باختصار: تعتمد مكاسب النصر الروسي على مداه وظروف إنهاء الحرب. سيبقى المشهد الأمني الأوروبي متغيراً جذرياً، وستظل العلاقات بين روسيا والدول الغربية متوترة للغاية لفترة طويلة، فيما يستمر إعادة تشكيل النظام الأمني في أوروبا لأعوام عديدة. وفي المقابل، ستظل تداعياتها على الداخل الروسي والتوازن العالمي والتحالفات المقبلة غير حاسمة ومحل جدل بين الخبراء. الخلاصة: تُبرز التداعيات المذكورة أن هذا النزاع سيقضي على مفهوم النصر وفق النظام والنموذج الويستفالي. المقال المقبل انتصار أوكراني أو روسي: التداعيات على الشرق الأوسط (5/5) اقرأ أيضًا حول نفس الموضوع كيف اختار الغرب أوكرانيا (1/5) الحرب في أوكرانيا: فشل جهود السلام الأولية (2/5) الحرب في أوكرانيا: الأخطاء الاستراتيجية الروسية وسوء التقدير الغربي (3/5)

السعودية تستهدف ميليشيات موالية لإيران في العراق

في وقت تراجعت فيه حدة التوتر إلى حد كبير في الشرق الأوسط على صعيد الصراع الإيراني، يبدو أن الجبهة اليمنية هي الأكثر نشاطاً، اليوم الاثنين 27 يوليو، مع شنّ الحوثيين هجمات جديدة على منشآت نفطية في المملكة العربية السعودية. وفي هذا السياق، باتت السعودية أيضاً هدفاً، في المرحلة الراهنة، لمجموعات أخرى موالية لإيران تنشط في العراق. فقد اعترضت الدفاعات السعودية طائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، فيما طالبت الرياض السلطات العراقية بمنع هذه الهجمات التي تنفذها تلك المجموعات التي وصفتها بـ«الإرهابية»، ولا سيما أن الحكومة العراقية الجديدة تعلن رغبتها في إدارة الوضع الداخلي بصورة أفضل. ومرة جديدة، تثبت إيران أنها توظّف أذرعها الإقليمية وفق خطة محكمة، مستفيدة على الأرجح من التردد الأميركي. لكن لماذا يتم التركيز على استهداف المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة التي تشهد هدوءاً نسبياً؟ وسُجلت أيضاً حوادث أخرى منذ توقف الضربات الأميركية على إيران يوم الجمعة الماضي. فقد أعلنت القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، الاثنين، أنها منعت مرور ست سفن كانت تحاول عبور مضيق هرمز، متهمة إياها بمحاولة «العبور عبر مسارات غير مصرح بها من قبل السلطات الإيرانية». وكان التلفزيون الرسمي الإيراني قد تحدث في وقت سابق من اليوم عن «حادث» يتعلق بإحدى السفن، من دون تقديم مزيد من التفاصيل، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية. من جهة أخرى، أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض طائرتين مسيّرتين قرب الحدود مع الأردن، من دون أن تدخلا الأجواء الإسرائيلية. وفي جنوب لبنان، اتهم الجيش الإسرائيلي حزب الله بإطلاق طائرة مسيّرة واحدة على الأقل فوق المنطقة المتنازع عليها في علي الطاهر، في محاولة لجمع معلومات عن جنوده، مشيراً إلى تسجيل عدة حوادث أمنية في تلك المنطقة يوم الاثنين. ولم يكن الحزب قد نفذ أي عمليات منذ وقف إطلاق النار الذي أُعلن في إسلام آباد. نتنياهو في واشنطن في المقابل، لا تزال الضفة الغربية تشهد تصاعداً في أعمال العنف مع استمرار المواجهات بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين، فيما بلغت التوترات مستويات مرتفعة. ومن التطورات المقلقة أيضاً خلال الساعات الماضية، استمرار الجدل في إيران بشأن الهجوم الأوكراني الذي استهدف سفينة إيرانية في بحر قزوين وأسفر عن سقوط ضحايا. ولم يكتفِ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بتوجيه انتقادات حادة إلى كييف في منشور على منصة «إكس»، بل اتهم إسرائيل أيضاً بالوقوف وراء الهجوم بهدف جرّ أوروبا إلى الصراع مع إيران. وفي هذا المناخ المتوتر، كان من المقرر أن يتوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، إلى واشنطن، حيث سيستقبله الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الثلاثاء. وقبيل هذا اللقاء، أفادت صحيفة إسرائيل هيوم بأن نتنياهو يعتزم مقاومة أي ضغوط أميركية تدفعه إلى الانسحاب من غزة أو سوريا أو جنوب لبنان. وبحسب الصحيفة، سيؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي أن المتطلبات الأمنية لإسرائيل يجب أن تبقى فوق أي اعتبار آخر، في وقت لا تزال فيه المنطقة تهتز على وقع نزاعات متداخلة ومبادرات دبلوماسية هشة. ومن شأن هذا الموقف أن يزيد من حدة الخلافات بين الرجلين، بعدما كان الرئيس ترامب قد طالب علناً نتنياهو بسحب قواته من لبنان وسوريا. كما من شأنه أن يضعف المفاوضات الجارية مع لبنان، والتي يفترض أن تفضي إلى انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، شرط نزع سلاح حزب الله في المناطق التي توصف بـ«المناطق النموذجية». وكان الجيش اللبناني قد انتشر بالفعل، الثلاثاء الماضي، في بلدة زوطر الغربية في منطقة النبطية. أما الدولة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، اللذين يواصلان التمسك بخيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل (على أن تعقد الجولة المقبلة في الرابع من أغسطس في روما)، فترى أن بعض التصريحات الإسرائيلية المتشددة تضر بالمسار التفاوضي، حتى وإن كانت تندرج ضمن المزايدات المرتبطة بحسابات داخلية، ولا سيما الاستحقاقات الانتخابية، وأخرى دولية. وتزداد خطورة هذه المواقف الإسرائيلية المتطرفة في ظل استمرار الحملات التي يشنها المحور الإيراني داخل الساحة اللبنانية ضد الاتفاق الإطاري الموقع بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو. فإلى جانب الانتقادات التقليدية الصادرة عن حزب الله، جدد رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل نبيه بري، في تصريح أدلى به الاثنين، رفضه لأي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، معرباً عن تشاؤمه حيال الاتفاق الإطاري، ومعتبراً أن أول انتشار للجيش اللبناني في زوطر الغربية يدفعه إلى مزيد من التشاؤم. كما دعا إلى رعاية أميركية وسعودية وإيرانية للوضع في لبنان. المفاوضات الأميركية – الإيرانية وشهد يوم الاثنين أيضاً زيارة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى بيروت، حيث أعلن أن مكتبه «وثّق انتهاكات واسعة للقانون الدولي، وقد يرقى بعضها إلى جرائم حرب». وخلال استقباله تورك في قصر بعبدا، أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون أن «عمليات التدمير المستمرة التي ينفذها الإسرائيليون في جنوب لبنان قد تعرض تطبيق الاتفاق الإطاري اللبناني – الإسرائيلي للخطر». أما على صعيد المفاوضات الأميركية – الإيرانية، فقد نفت إيران، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، وجود أي مفاوضات مباشرة جارية مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن ما يحصل يقتصر على تبادل رسائل عبر وسطاء. واستغل المسؤول الإيراني المناسبة لانتقاد التصريحات الأميركية المتكررة التي تزعم أن طهران تسعى بشدة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. وعاد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ليؤكد، في لهجة متشددة تجاه الولايات المتحدة، أن «إيران لن تسمح أبداً للولايات المتحدة بأن تحدد توقيت الحرب أو السلام».