شعار Levant Time
العودة إلى المقال
حوار موسّع

فرانسواز بيريكو-دوفال: حين تقود المحبةُ الأناقةَ

في قلب حفل رهبنة القديس يوحنا الأورشليمي العسكرية والاستشفائية ذات السيادة في رودس ومالطا، في باريس

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ياسمينا قمير
نُشر يوليو 30, 2026 - 20:38

هثمة أمسيات تتلاشى بهدوء في الذاكرة. وثمة أمسيات أخرى تبقى في انتظار من يعيد إليها الحياة.

في عام 1967، وبرعايةٍ سامية من صاحبة السمو الأميرة غريس أميرة موناكو، أُقيم حفل فرسان مالطا في باريس، مجسّداً ذلك القدر من الأناقة الهادئة التي ميّزت على الدوام المبادرات الخيرية الكبرى، حيث لا تكتسب الرقيّ قيمته الحقيقية إلا عندما يكون في خدمة قضية إنسانية.

WhatsApp Image 2026-07-30 at 12.47.13

ومع مرور السنوات، غاب هذا الحدث المرموق تدريجياً عن الحياة الاجتماعية الباريسية.

واليوم، وبعد ما يقارب ستة عقود، يعود الحفل إلى الواجهة في الإطار الاستثنائي لنادي Cercle de l’Union Interalliée. وبرعايةٍ سامية من صاحبة السمو الملكي الأميرة كارولين أميرة هانوفر، لا يمثّل هذا الحدث مجرد إحياء لتقليد اجتماعي عريق، بل إعادة وصلٍ بين الأجيال، وتأكيداً على أن الجمال لا يزال قادراً على أن يصبح لغةً للتضامن.

Sans titre

صاحبة السمو الملكي الأميرة زيتا دي بوربون بارما، وصاحب السمو الأميري الأمير شارل فون كروي.

وفي قلب هذا الإحياء تقف امرأة لا تسعى إلى الأضواء، بل تعمل بصمت كي تُسلَّط على الآخرين. بصفتها رئيسة اللجنة المنظمة لحفل فرسان مالطا في باريس، تؤمن فرانسواز بيريكو-دوفال بأن لكل تفصيل معنى، لا لأن الكمال الجمالي غاية بحد ذاته، بل لأن العناية التي تُبذل في كل عنصر تعكس في نهاية المطاف العناية بالإنسان.

لقد صاغت هذه الأمسية كما تُصاغ الأعمال الجماعية الكبرى: بانضباط، وحدس، وإحساس عميق بالجمال، ووفاء كامل لرسالة الرهبنة. وخلف تنسيقات الزهور، والطاولات الأنيقة، والرعاة، والمزاد الخيري، والأحاديث، والنغمات الأولى للحفل، تكمن الغاية الحقيقية: تمكين الحج الثامن والستين إلى لورد من مواصلة رسالته في خدمة الفئات الأكثر هشاشة.

وتختصر فرانسواز بيريكو-دوفال هذه القناعة بعبارة بسيطة تكاد تخلو من أي تكلّف:

“حين تقود المحبةُ الأناقةَ، تتراجع المظاهر ليبقى جوهر الخدمة.”

إحياء تقليد عريق

“بعض التقاليد لا تعود لأنها تنتمي إلى الماضي، بل لأنها لا تزال تملك ما تقدمه للحاضر.”

ليفنت تايم - لم يُنظَّم هذا الحفل في باريس منذ عام 1967. عندما أوكلت إليك هذه المهمة، هل شعرت أولاً بثقل التاريخ أم بحرية كتابة فصل جديد؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - شعرت بالأمرين معاً.

أولاً، بثقل التاريخ، لأن رهبنة مالطا موجودة منذ أكثر من تسعمائة عام، وهي حاضرة في نحو مئة وثلاثين بلداً، ولها حضور واسع في فرنسا، حيث يكرّس آلاف المتطوعين وقتهم لخدمتها. والانتماء إلى هذه السلسلة الممتدة من المحبة والإيمان والعطاء في خدمة الأكثر ضعفاً هو أمر استثنائي بكل معنى الكلمة.

Sans titre2

السيد ستيفان برن، وفرانسواز بيريكو-دوفال، والبارونة أوليفييه دو لا شابيل.

Sans titre4

فرانسواز بيريكو-دوفال وصاحب السمو الملكي الأمير شارل لويس دي أورليان، دوق شارتر.

Sans titre7

صاحب السمو الملكي البايلي الأمير لويس دي بوربون، دوق أنجو.

وفي الوقت نفسه، كنت أعلم أنني أقف أمام صفحة بيضاء. سبق لي أن نظّمت فعاليات عندما كنت أقيم في لندن، لكن هذه المرة كنت أبدأ من الصفر تماماً. كان علينا أن نبني كل شيء، وكانت المهمة هائلة.

ومع ذلك، أعتقد أن إيماني هو الذي منحني القوة. فعندما قبلت هذه المسؤولية، لم أكن أدرك بعد طول الطريق الذي ينتظرني. وكانت فكرة إحياء هذا التقليد في فرنسا، بلدي الذي أحبه كثيراً، تلامسني بعمق. كما تأثرت كثيراً بالثقة التي منحني إياها أوليفييه دو لا شابيل، رئيس الجمعية الفرنسية لأعضاء رهبنة القديس يوحنا الأورشليمي العسكرية والاستشفائية ذات السيادة في رودس ومالطا.

ليفنت تايم - عندما اطلعت على أرشيف آخر حفل أُقيم برعاية الأميرة غريس، ما الذي أثّر فيك أكثر؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - حالفنا الحظ في العثور على صورة من آخر حفل لفرسان مالطا أُقيم في باريس في 11 نيسان/أبريل 1967. أما حفلنا فقد أُقيم في 11 نيسان/أبريل 2026، أي بعد تسعة وخمسين عاماً بالتمام، وفي اليوم نفسه.

وتُظهر الصورة الأمير غي دو بولينياك، الذي كان آنذاك رئيس رهبنة مالطا في فرنسا، إلى جانب الأميرة غريس أميرة موناكو.

تربطني علاقة وثيقة جداً بديان دو بولينياك وشقيقها لودوفيك، وهما ابنة أخ الأمير غي دو بولينياك وابن أخيه. وكانت ديان تقول لي دائماً إنها إذا رأتني أعود يوماً للعمل مع رهبنة مالطا في فرنسا، فإنها ترغب في أن تكون جزءاً من هذه المغامرة. ولم أكن أعلم آنذاك أن عمهما هو الذي ترأس آخر حفل.

لذلك كان اكتشاف تلك الصورة يحمل معنى خاصاً جداً بالنسبة إليّ. شعرت وكأن التاريخ يرسل إلينا إشارة صغيرة. لقد رغبت ديان بصدق في المساهمة بتنظيم هذا الحدث، وكان دعمها استثنائياً. وعلى مدى عام ونصف العام تقريباً، كنا نتحدث يومياً.

وسرعان ما بدا حضور ديان ولودوفيك دو بولينياك في هذه النسخة الجديدة أمراً بديهياً. فقد كان في هذا الامتداد بين الأجيال شيء بالغ الجمال.

ليفنت تايم - كيف يمكن إحياء تقليد من دون الاكتفاء باستنساخ الماضي؟

فرانسواز بيريكو-دوفال -أنا أؤمن بسلاسل المحبة، وبقدرة الناس على الاجتماع حول الخير.

فعندما يسعى الإنسان إلى الجمال وإلى الرحمة، فإنه يجذب الآخرين إليه بصورة طبيعية. وبالنسبة إليّ، فإن طريق الإيمان طريق مفعم بالفرح، لكنه ليس طريقاً يُسلك منفرداً. نحن بحاجة إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

Sans titre1

أندرياس أويتكر، وألفريد أويتكر، وعقيلته الأميرة إلفيرا غريمالدي، وماكسيميليان تيربيرغر.

Sans titre6

الأميرة ديان دو بولينياك، شارل نويل دو كاكوراي، أليخاندرا بوبيل، فرانسواز بيريكو-دوفال، البارون أوليفييه دو لا شابيل، ماري غابرييل دو لا شابيل، أرمان دو فيال، ديان دو نواي دو موشي دو بوا، وباولا أوبليجي.

Sans titre10

سعادة البارون أوليفييه دو لا شابيل، رئيس الجمعية الفرنسية لأعضاء رهبنة مالطا ذات السيادة، وصاحبة السمو الملكي أميرة هانوفر، والأمير لودوفيك دو بولينياك، وأريان دو شازورن، ووالدتها الأميرة ديان دو بولينياك.

لقد ساد حماس حقيقي طوال الأمسية، واستمر حتى بعد انتهائها. وهكذا أعيش إيماني: بمحاولة مشاركته مع الآخرين.

ولا أعيشه أبداً كما لو كنت أحمل حملاً ثقيلاً على كتفي. فأنا مقتنعة بأن الجمال والخير يسيران معاً. لقد وهبنا الله عالماً رائعاً، وأنا مفتونة بالطبيعة، وبالحياة البرية، وبتلك الدقة المذهلة والكمال اللذين يظهران في كل حيوان وكل زهرة. ومن باب احترام هذا العالم الذي أُعطي لنا، أرى أننا نحن أيضاً مدعوون إلى أن نصنع الجمال.

أن يكون الإنسان ميالاً إلى الكمال وأن يسعى إلى الجمال لا يتعارض إطلاقاً مع خدمة الآخرين. فمن الممكن أن نخدم المحتاجين وأن نسعى في الوقت نفسه إلى إنجاز كل شيء بأفضل صورة ممكنة.

إن تقديم أفضل ما لدينا هو، بالنسبة إليّ، واجب أخلاقي.

الأناقة في خدمة الرسالة

“في رهبنة مالطا، لا تكتسب الأمسية جمالها الحقيقي إلا عندما تمتدّ رسالتها إلى خدمة الآخرين.”

ليفنت تايم - قد يرى كثيرون في هذا الحدث حفلاً راقياً قبل أي شيء آخر، بينما ترينه أنتِ رسالةً قبل أن يكون مناسبة اجتماعية. ما الذي تودّين أن يحتفظ به الحاضرون بعد انتهاء الأمسية؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - أول ما أود قوله هو شكري العميق لهم جميعاً.

بدأنا العمل على هذا المشروع في تشرين الأول/أكتوبر 2024، استعداداً لأمسية أُقيمت في 11 نيسان/أبريل 2026. وقد شكّلت لجنة تنظيمية ضمّت أصدقاء كانوا جميعاً أشخاصاً استثنائيين.

وطوال عام ونصف العام، كنت أردد عبارة أصبحت مع الوقت أشبه بشعار بيننا: “فريق واحد… حلم واحد.” فأنا أؤمن بهذه الفكرة إيماناً عميقاً. لكل واحد منا نقاط ضعفه، لكن لكل واحد أيضاً ما يقدمه. والعمل الجماعي هو الذي يصنع النجاح.

Sans titre3

صاحبا السمو الملكي الأمير شارل لويس والأميرة إيليانا دي أورليان، برفقة أربعة من أبنائهما: صاحبات السمو الملكي الأميرات لويز، وهيلين، وإيزابيل، وصاحب السمو الملكي الأمير قسطنطين دي أورليان.

Sans titre56

صاحبة السمو الملكي الأميرة أنطونيلا دي أورليان بوربون، وابنتها صاحبة السمو الملكي الأميرة يولاليا دي أورليان بوربون.

Sans titre5

صاحب السمو الملكي الأمير غيوم دوق لوكسمبورغ، وعقيلته صاحبة السمو الملكي الأميرة سيبيلا، يحيط بهما اثنان من أبنائهما: صاحبة السمو الملكي الأميرة شارلوت دو ناسو، وصاحب السمو الملكي الأمير بول لويس دو ناسو.

لقد نشأت داخل اللجنة روح رائعة بحق. فقد بذل الجميع أفضل ما لديهم لكي تكون الأمسية جميلة، ولكن أيضاً لكي يشعر ضيوفنا بسعادة حقيقية. وكان يهمني كثيراً أن يرقص الشباب، وأن يضحكوا، وأن يعيشوا أمسية لا تُنسى.

وأجمل ما سمعت كان من عدد من الشباب الذين قالوا لي إنها كانت أجمل سهرة عاشوها في حياتهم. بل إن بعضهم بدأ الرقص قبل انتهاء العشاء، ولم يعد تقريباً إلى مقعده بعد ذلك. وكان للدعم الذي قدمته أليخاندرا بوبيل، العضو في اللجنة المنظمة ومؤسسة Alejandra Poupel Events وInspiration Music & Arts وNovelty، دور أساسي في نجاح الحفل. فقد خلق المغنون وعازفو الساكسوفون والإيقاع والكمان أجواءً استثنائية بحق.

لكن الجميع كان يدرك في الوقت نفسه أنه يشارك في حفل خيري، وأن وجوده يساهم في تمويل رحلة الحج إلى لورد. وكان هدفنا أن نجمع بين هذين البعدين: خدمة قضية إنسانية، والاستمتاع في الوقت نفسه بأمسية راقية.

وأذكر أن أكثر ما أثّر فيّ خلال مشاركتي الأولى في الحج إلى لورد كان الفرح الذي رأيته في وجوه المرضى وذوي الإعاقة. لقد تأثرت بذلك كثيراً. وأعتقد أن من نال الكثير في حياته ينبغي أن يعرف كيف يعيش هذا الفرح أيضاً. فالإيمان، حين يكون نعمة، ينبغي أن يُعاش بفرح. وهذه هي الرسالة التي أردت أن يحملها هذا الحفل.

ليفنت تايم - كيف يمكن تحقيق التوازن بين الرقي الذي يتوقعه الناس من مناسبة كهذه، وبين التواضع الذي تفرضه القضية التي تخدمها؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - كان من الضروري ألا يكون جمال الأمسية على حساب الأشخاص الذين جئنا لخدمتهم.

لم أرد إطلاقاً أن يظن ضيوفنا أن الزهور، أو مفارش الطاولات، أو أدوات المائدة التي وفرتها مشكورةً شركة Options، أو أي عنصر من عناصر الديكور، قد دُفع ثمنه من الأموال المخصصة للحج إلى لورد.

وقد تطلب ذلك عملاً شاقاً، لأننا اضطررنا إلى إيجاد رعاة وداعمين لكل تفصيل من تفاصيل الأمسية، ولا سيما العناصر المؤقتة مثل الزهور.

bf1979a2-e18f-4420-af32-5e56a5ac24a4

السيد والسيدة برنار رويث بيكاسو.

e7216acb-9e8b-4ae9-9a19-2db2416bcc13

صاحبة السمو الأميري الأميرة دوروتيه دارنبرغ، ودوق كروسول، وصاحبة السمو الأميري الأميرة أليينور دارنبرغ، وصاحبة السمو الأميري الأميرة تيودورا فون أوند تسو ليختنشتاين.

Sans titre13

ثلاثون شاباً وشابة من المتطوعين باعوا ألفي قرنفلة بيضاء، أُرفق بكل واحدة منها رقم للمشاركة في السحب الخيري.

كنت مصممة على ألا يُقام الحفل من دون زهور، لكنني كنت مصممة بالقدر نفسه على ألا تُشترى بأموال المرضى. ولذلك واصلت البحث حتى وجدنا راعياً كريماً هو Daniel Féau – Belles Demeures de France.

ووضعنا أمام كل تنسيق زهري بطاقة بخط اليد تشير إلى أن الزهور قُدمت تبرعاً. وكان ذلك بالطبع عربون شكر للراعي، لكنه كان أيضاً رسالة طمأنة إلى ضيوفنا بأن الأموال التي جُمعت للحج لم تُستخدم في تمويل الزينة.

وأقول كثيراً لأصدقائي الذين ينظمون حفلات زفاف أولادهم إنني حاولت أن أجعل الأمسية بجمال حفل زفاف… من دون أن ننفق يورو واحداً!

لقد كنا هناك لخدمة “أسيادنا، المرضى”، لا لإنفاق المال بلا ضرورة. والزهور ليست سوى مثال واحد. فقد تلقينا تبرعات سخية لتوفير مفارش الطاولات، وأدوات المائدة، والبرنامج الفني، وسائر عناصر التنظيم. كما كان الكافيار والنبيذ اللذان قدمتهما Rova Caviar وFondugues-Pradugues، إضافة إلى الشمبانيا التي تبرعت بها Maison Pommery، على أعلى مستوى.

وهذا أيضاً أكثر ما أحبه في العمل التطوعي: نوعية الأشخاص الذين يجمعهم. الرعاة، والداعمون، وأعضاء اللجنة المنظمة، والشباب المتطوعون الذين ساعدونا يوم الحفل، أصبحوا جميعاً جزءاً من سلسلة حقيقية من العطاء. وبفضلهم استطعنا أن نصنع أمسية رائعة، من دون أن نغفل لحظة واحدة عن رسالتنا الأساسية.

d1c31ea1-5e18-4788-9313-87a0facc03bd

الكونت جاك دو لا غيونيير، الرئيس المؤسس لمجموعة Novelty، وعقيلته.

ما وراء الكواليس

“أجمل الأمسيات هي غالباً تلك التي لا يدرك أحد مقدار ما تطلّبته من إعداد.”

ليفنت تايم - كم استغرق التحضير لإحياء هذا الحفل؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - حوالي عام ونصف العام.

بدأنا العمل في تشرين الأول/أكتوبر 2024. وكان أول تحدٍّ يتمثل في العثور على مكان يجمع بين الأناقة، والاتساع، والموقع المناسب. ولم أكن أرغب في سلسلة من القاعات الصغيرة، لأن ذلك كان سيضعف الأجواء العامة. لذلك كان اختيار المكان خطوة أساسية.

بعد ذلك كان علينا تشكيل اللجنة المنظمة ولجنة الشرف، وتأمين الرعاة والداعمين، وتنظيم المزاد الخيري والسحب، وتصميم الطاولات، وإعداد البرنامج الموسيقي، وتنسيق مختلف فقرات الأمسية.

WhatsApp Image 2026-07-30 at 12.47.58 (1)

كما استعنا بنحو ثلاثين متطوعاً شاباً للمساعدة يوم الحفل، ولا سيما في استقبال نحو أربعمائة وعشرين ضيفاً قدموا من مختلف أنحاء أوروبا، والولايات المتحدة، وأميركا اللاتينية، إضافة إلى المساعدة في تنظيم السحب. كما شارك رسامون بالألوان المائية، ورسام، وفنان للكلمات، وفنان متخصص في رسم الظلال، وعدد من المصورين، وكلهم قدموا مواهبهم تطوعاً.

في البداية، كنا نجتمع مرة كل شهر، ثم مرة كل أسبوع. وخلال الأسابيع الأخيرة، أصبحت الاتصالات مع فرق Cercle de l’Union Interalliée ومع أليخاندرا بوبيل يومية. وكانت خبرتهم في تصميم الأمسية وتنسيقها ذات قيمة لا تُقدّر بثمن.

كما أوكلت إلى عضوين من اللجنة، وكلاهما دون الخامسة والثلاثين، مسؤولية تنظيم قائمة الضيوف الشباب، بينما توليت شخصياً قائمة المدعوين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين.

وكانت تركيبة قائمة الضيوف مهمة جداً بالنسبة إليّ، لأنني أردت أن يعرف كل شخص مدعو واحداً على الأقل من أعضاء اللجنة المنظمة. ولم نبع أي طاولات للشركات أو المؤسسات. فقد كان الحفل مناسبة خاصة بالكامل، وأعتقد أن هذا الخيار كان أحد الأسباب الرئيسية في الأجواء الدافئة والحميمية التي سادت طوال الأمسية.

ea7984c6-a334-4c02-914e-b896741a0828

صاحبا السمو الملكي الأمير شارل إيمانويل والأميرة كونستانس دي بوربون بارما، سيلين دو نواي دو موشي دو بوا، وصاحب السمو الملكي البايلي الأمير بيدرو دي بوربون الصقليتين، دوق كالابريا وكونت كازيرتا.

ليفنت تايم - ما هو التفصيل الذي استدعى أكبر قدر من الاهتمام، رغم أن معظم الضيوف ربما لم يلاحظوه؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - من دون شك، كان الجانب التقني هو الأكثر تعقيداً.

كان علينا إنشاء وإدارة عدة روابط إلكترونية للدفع: رابط للضيوف الذين تقل أعمارهم عن خمسة وثلاثين عاماً، وآخر لمن تجاوزوا هذا العمر، ورابط لأعضاء الرهبنة، وآخر لغير الأعضاء.

وبما أن الحفل كان يفترض أن يبقى مناسبة خاصة، كان علينا أيضاً أن نضمن عدم إمكان إعادة إرسال تلك الروابط إلى أشخاص لا نعرفهم.

WhatsApp Image 2026-07-30 at 12.48.03

كذلك وضعنا شاشات كبيرة عُرض عليها فيلم عن رحلة الحج إلى لورد، إلى جانب أسماء جميع الرعاة والداعمين وشعاراتهم. وكان من المهم بالنسبة إلينا أن نشكرهم وأن نمنحهم التقدير الذي يستحقونه، مع الحرص في الوقت نفسه على أن يعمل كل شيء تقنياً من دون أي خلل.

هذه هي التفاصيل التي لا يلاحظها أحد عندما تسير الأمور على أكمل وجه، لكنها تتطلب وراء الكواليس جهداً هائلاً.

ليفنت تايم - قبل دقائق قليلة من وصول أول الضيوف، عندما يصبح كل شيء جاهزاً، ماذا تشعرين؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - كنت أشعر بالقلق. لم تكن العاطفة قد حضرت بعد.

فما دام جميع الضيوف لم يصلوا بعد ولم يجلس كل منهم في مكانه، كنت أبقى في حالة ترقب. كنت أريد أن أتأكد من عدم وجود أي اعتذار في اللحظة الأخيرة، أو مشكلة في المطبخ، أو أي أمر طارئ خارج عن سيطرتنا. لا شك أن هذا يعود إلى جانبي الساعي إلى الكمال.

WhatsApp Image 2026-07-30 at 12.47.53 (1)

لكننا كنا قد أعددنا خلفية زهرية رائعة يُلتقط أمامها الضيوف بالصور لدى وصولهم. وإلى جانب أوليفييه دو لا شابيل، رئيس الجمعية الفرنسية لأعضاء رهبنة القديس يوحنا الأورشليمي العسكرية والاستشفائية ذات السيادة في رودس ومالطا، كنت أستقبل الضيوف واحداً تلو الآخر، وكان كثير من الأصدقاء يطلبون التقاط صور معي. ومع مرور الوقت، بدأت تلك اللحظات تُنسيـني قلقي.

نقل الشعلة

“قد تنتهي الأمسية، لكن ما تورثه قد يبقى لسنوات طويلة.”

ليفنت تايم - هل كان لاجتماع عدة أجيال في هذه الأمسية معنى خاص بالنسبة إليك؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - بالتأكيد، فقد كان ذلك أحد الأهداف الأساسية للحفل.

وأنا مقتنعة بأن هذا التنوع بين الأجيال كان أحد أهم أسباب نجاحه. فقد كان الآباء سعداء بحضورهم مع أبنائهم ورؤيتهم يستمتعون بالأمسية، كما كان الشباب سعداء بدورهم بمشاركة هذه اللحظات مع أهلهم.

كنا قد خصصنا صالتين منفصلتين، لكن الضيوف كانوا ينتقلون باستمرار بينهما. كانت هناك صالة للشباب، وأخرى لمن بقوا، إذا جاز التعبير، شباباً منذ زمن أطول. ومع ذلك، امتزجت الأجيال بصورة طبيعية طوال الأمسية.

وكان أحد أهداف الحفل الأساسية أن ننقل إلى الشباب فرحة خدمة الآخرين. فمن بين نحو أربعمائة وعشرين ضيفاً، كان هناك ما يقارب مئة وتسعين شاباً وشابة دون الخامسة والثلاثين.

كنت أتمنى أن يكتشف الشباب الذين لا يعرفون رهبنة مالطا، أو لا يعرفون عنها سوى القليل، رسالتها، وأن يشعر بعضهم لاحقاً بالرغبة في الانخراط فيها. فأنا مقتنعة بأن السعادة الحقيقية تكمن في العطاء.

WhatsApp Image 2026-07-30 at 12.48.02 (1)

وبعد الحفل، انضم عدد من المشاركين للمرة الأولى إلى رحلة الحج إلى لورد. وهذا، بالنسبة إليّ، من أجمل ما تحقق: أن يختار متطوعون جدد خدمة المرضى في لورد بعد أن تعرفوا إلى رهبنة القديس يوحنا الأورشليمي العسكرية والاستشفائية ذات السيادة في رودس ومالطا من خلال هذه الأمسية.

ليفنت تايم - هل تأملين أن يصبح هذا الحفل موعداً دائماً في حياة رهبنة مالطا في باريس، ولا سيما بالنسبة إلى الأجيال الشابة؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - بكل تأكيد.

فقد تقرر تنظيم دورة جديدة للحفل عام 2027 في المكان نفسه. أما التاريخ النهائي فلم يُحدد بعد، لكن نيتنا واضحة: أن يصبح هذا الموعد تقليداً دائماً.

وكان حفل هذا العام مخصصاً لدعم رحلة الحج الدولية إلى لورد. وطوال الأمسية، كانت عبارة واحدة تتردد في ذهني باستمرار:

“أن نخدم أسيادنا، الفقراء والمرضى.”

إن خدمة الأكثر ضعفاً تحتل مكانة خاصة جداً في قلبي.

رحلة شخصية عميقة

“هناك رسائل تغيّر الذين يحملونها بقدر ما تغيّر الذين وُجِّهت إليهم.”

ليفنت تايم - ماذا علّمتك هذه التجربة عن نفسك؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - إنه سؤال صعب، لأنني لا أمضي وقتاً طويلاً في التفكير في نفسي.

أعتقد أنني اكتشفت أن أكبر نقاط قوتي تكمن في قدرتي على جمع الناس حول مشروع واحد: المتطوعين، وأعضاء اللجنة المنظمة، والرعاة، والداعمين، وكل من شارك في هذه المغامرة.

WhatsApp Image 2026-07-30 at 12.48.00

وهذا، في الحقيقة، هو أكثر ما أحب القيام به، وربما أكثر ما أجيده أيضاً. فعندما يجتمع أشخاص يحملون الرغبة نفسها في خدمة الآخرين وصنع شيء جميل، تنشأ بينهم لقاءات استثنائية بصورة طبيعية.

لقد أدركت أن لدي القدرة على جمع أشخاص مميزين حول هدف واحد، وإلهامهم لخوض هذه التجربة معاً. كما أن مشاعر الامتنان التي تلقيتها بعد الحفل منحتني طاقة كبيرة. وأعتقد أن هذا هو ما يدفعني إلى الاستمرار.

ليفنت تايم - يبدو أن العناية بالآخرين تحتل مكانة أساسية في حياتك. هل هي التي توجه أيضاً طريقتك في تنظيم حدث بهذا الحجم؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - نعم، بكل تأكيد.

إن محبة الآخر هي التي تقود كل ما أقوم به.

ومهما يكن الشخص الذي يقف أمامنا، فإن هذه المحبة هي التي تجعل تنظيم أمسية كهذه أمراً ممكناً.

ليفنت تايم - لو لم تحتفظي سوى بصورة واحدة من تلك الأمسية، فأي صورة ستكون؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - سأحتفظ بصورة ضيوفنا وهم يدخلون قاعة العشاء.

كانوا يصلون بعد حفل الاستقبال، ليكتشفوا الطاولات التي أُعدّت بعناية، والكؤوس الكريستالية، ومفارش الطاولات، وتنسيقات الزهور، والشمعدانات، وبطاقة الرقص التي استغرق إعدادها جهداً استثنائياً.

WhatsApp Image 2026-07-30 at 12.47.52

وكان على كل طاولة وشاح حريري صغير (Twilly) صُمّم خصيصاً لهذه المناسبة وقُدِّم هديةً إلى جميع الضيوف. وقد اخترنا هذا الشكل بدلاً من الوشاح التقليدي كي يتمكن الرجال أيضاً من ارتدائه، ولا سيما في جيب سترة السهرة. وقد تولّت فاليري لو سبور، مؤسسة V.L Carré de Soie، تصميم هذه الأوشحة الحريرية بسخاء، فيما أنجزت فلورين آش الرسم الأصلي، كما وضعت موهبتها في خدمة تصميم الدعوات، وقوائم الطعام، وبطاقات الرقص.

وقد منح كل ذلك الأمسية هوية بصرية رقيقة ومتجانسة إلى حد بعيد. وسارع كثير من الضيوف إلى وضع الوشاح حول معصمهم أو على حقائبهم.

وعندما دخلوا القاعة، اكتشفوا بطاقات الرقص، والأوشحة الحريرية، والزهور، ومفارش الطاولات ذات اللون الأزرق الباستيلي، التي تناغمت جميعها مع ألوان الديكور. وكانت عازفات الكمان، بثيابهن الوردية المصنوعة من قماش التول، يعزفن فوق منصات صغيرة موزعة في أنحاء القاعة.

كان في المشهد شيء يشبه الحكايات الخيالية.

شيء من السحر الهادئ.

لن أنسى أبداً نظرات الدهشة والإعجاب في عيون ضيوفنا.

ليفنت تايم - عندما تُطفأ الأنوار ويغادر آخر الضيوف، ماذا يبقى من هذه التجربة بالنسبة إلى فرانسواز بيريكو-دوفال؟

فرانسواز بيريكو-دوفال - يبقى شعور بأن الرسالة قد أُنجزت، يرافقه إحساس عميق بالسعادة والسكينة.

هناك شعور لا يوصف عندما يدرك الإنسان أنه بذل كل ما في وسعه، من دون أن يحسب الساعات، ثم يرى أن ذلك الجهد قد أثمر. فقد جمعنا تبرعات مهمة لصالح رحلة الحج إلى لورد، وتمكنا من أن نجمع أجيالاً مختلفة رقصت معاً حتى الثالثة فجراً.

لقد كانت أمسية جميلة، ودافئة، ومفعمة بالفرح.

وفي النهاية، لم يبق في ذهني سوى خاطر بسيط:

“شكراً لك يا رب.”

ولو أردت أن أختصر ما شعرت به في كلمة واحدة، لاخترت كلمة:

“الاكتمال.”

فالعمل التطوعي يمنح الإنسان مكافأة لا علاقة لها بالمال.

إنها مكافأة تنبع من القلب وحده.

وكان جدي يردد دائماً:

“السعادة تسكن في داخلنا.”

وأنا أؤمن إيماناً عميقاً بأن الإنسان يستطيع أن يختار السعادة، عندما يختار أن يحب الآخرين، وأن يحب الحياة، وأن يحب الله.


  • فرانسواز بيريكو-دوفال هي أيضاً مؤسسة N85 Paris، وهي وكالة متخصصة في تنظيم الفعاليات وفق فن الضيافة الفرنسي. ويمكن التواصل معها عبر البريد الإلكتروني:

    n85paris@gmail.com

  • حقوق الصور: @jesus_dupaux، @Olga.gasnier، @studio_vanssay.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل