شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
انتصار روسي أم أوكراني، ما هي التداعيات على الشرق الأوسط؟ (5/5)

لا تزال الحرب في أوكرانيا تتصدر نقاشاً واسعاً تُغذّيه، في جملة ما يُغذّيه، قصفٌ شبه يومي يستهدف من كلا الطرفين المراكز الحيوية، وتحديداً العاصمتين الروسية والأوكرانية. ولفهم الأبعاد المختلفة لهذا النزاع العتيق فهماً أعمق، لا بدّ من العودة إلى مقدماته وجذوره، والكشف عن دوافع وطموحات الأطراف المعنية المختلفة، ولا سيما الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا، الممتدة لتشمل جميع دول حلف الناتو باستثناء تركيا)، مع استحضار بدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى سلام أو على أقل تقدير إلى مفاوضات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المسؤوليات في هذا السياق متعددة ومتشعبة. وللإحاطة الشاملة بخلفيات الجوانب المتعددة للحرب في أوكرانيا وتداعياتها، ثمة تساؤلات جوهرية ينبغي طرحها من البداية: ماذا تمثل روسيا وأوكرانيا بالنسبة للغرب؟ وما الانعكاسات الفعلية المحتملة لفوز حاسم لأحد الطرفين؟ وما التبعات التي ستترتب على ذلك بالنسبة للغرب والشرق الأوسط؟ في سلسلة من خمس مقالات، جان-باتريك دايراس ، نائب أمير البحر في البحرية الفرنسية، يعرض رؤيته وتحليله للمسألة. تتوقف تداعيات الحرب في أوكرانيا على الشرق الأوسط إلى حدٍّ بعيد على مآلات النزاع، وتحديداً على الكيفية التي سينتهي بها (اتفاق تفاوضي، أو وقف لإطلاق النار، أو انتصار عسكري حاسم). إذا انتصرت أوكرانيا بالنسبة لإيران ستجد إيران، التي زوّدت روسيا بطائرات مسيّرة وعزّزت تعاونها العسكري مع موسكو منذ عام 2022، شريكها الإقليمي في موقع ضعف. وقد يُقيّد ذلك بعض أوجه التعاون التكنولوجي والعسكري، غير أن إيران ستبقى محتفظةً بشركاء آخرين وقدراتها الذاتية. بالنسبة لإسرائيل قد ترى إسرائيل في إضعاف روسيا تراجعاً للنفوذ الروسي في سوريا، بيد أن ذلك قد يُفرز حالة من عدم اليقين إن سعى أطراف آخرون إلى ملء هذا الفراغ. بالنسبة لسوريا قد يُفضي تراجع القدرة الروسية على الإسقاط العسكري إلى تقليص الانخراط العسكري أو المالي الروسي في سوريا، مما قد يُعيد رسم موازين القوى بين الحكومة السورية وإيران وتركيا. بالنسبة لدول الخليج ستسعى دول كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على الأرجح إلى الحفاظ على علاقاتها مع جميع القوى الكبرى. غير أن روسيا في موضع الضعف قد تفقد بعض نفوذها في ملفات الطاقة والدبلوماسية. إذا انتصرت روسيا تعزيز محور موسكو-طهران سيُعزز الانتصار الروسي التعاون بين روسيا وإيران في المجالات العسكرية والطاقة والدبلوماسية. سوريا قد تكون روسيا في وضع يُمكّنها من الحفاظ على دورها الداعم للحكومة السورية بل وتعزيزه، وفقاً لما ستتوفر لها من موارد عقب النزاع. إسرائيل ستواصل إسرائيل التكيّف مع الوجود العسكري الروسي في سوريا، وستحرص على صون آليات التنسيق مع موسكو في الوقت الذي تحافظ فيه على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. تركيا ستواصل تركيا على الأرجح سياسة التوازن بين روسيا والدول الغربية، إذ أثبتت على مدى سنوات قدرتها على التعاون مع موسكو في ملفات بعينها مع بقائها عضواً في حلف الناتو. تداعيات أخرى الطاقة أياً كان المنتصر، فإن التداعيات على أسواق النفط والغاز ستتوقف أساساً على: مسار العقوبات أو تكاليف التعويضات والمسؤولية عنها. طاقات الإنتاج والتصدير. قرارات منظمة الدول المصدرة للبترول وشركائها (أوبك+)، التي تضطلع روسيا فيها بدور محوري. ستواصل دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط تكييف استراتيجياتها وفقاً للأسعار العالمية ومستويات الطلب. النفوذ الأمريكي قد يُعزز انتصار أوكراني مصداقية الولايات المتحدة لدى بعض الحلفاء الإقليميين، في حين قد يُغذي انتصار روسي تساؤلاتٍ جدية حول قدرة واشنطن أو استعدادها لدعم حلفائها على المدى البعيد. غير أن هذه التصورات ستتوقف أيضاً على عوامل أخرى، في مقدمتها السياسة الأمريكية في المنطقة في مرحلة ما بعد ترامب. تجدر الإشارة إلى أن انتصاراً روسياً مقروناً باتفاق مُجدٍ لإيران من شأنه أن يُعيد رسم خارطة التحالفات والشراكات في الشرق الأدنى والأوسط بصورة جذرية، ولا سيما بالنسبة لدول الخليج العربي الفارسي كافة. ولا يزال من السابق لأوانه حصر جميع الاحتمالات، إلا أن المخاوف باتت تلوح في أفق عدد من دول الخليج، مما قد يدفعها إلى إعادة النظر في شراكاتها ومنظومة أمنها. إنه تحوّل كبير يلوح في الأفق! منطقة تحكمها ديناميكياتها الخاصة لا بد من التأكيد على أن الشرق الأوسط يتأثر بعوامل عديدة لا تمت بصلة مباشرة إلى الحرب في أوكرانيا، من أبرزها: العلاقات بين إيران والدول العربية، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأوضاع في سوريا، والتنافسات بين القوى الإقليمية، فضلاً عن أسواق الطاقة. سيترك أي انتصار روسي أو أوكراني بصماته على التوازنات الدبلوماسية والعسكرية في الشرق الأوسط، لكنه لن يحدد وحده مسار تطور المنطقة. وستتمحور أبرز التداعيات المحتملة حول مكانة روسيا في سوريا، وعلاقاتها مع إيران، والحسابات الاستراتيجية لتركيا ودول الخليج، إضافة إلى التصورات المتعلقة بالدور الأمريكي. ستكون هذه التبعات بالغة الأهمية، لكنها ستندرج ضمن منظومة أوسع من الديناميكيات الإقليمية القائمة أصلاً. مجدداً، تحوّل كبير قادم! وماذا عن أفريقيا؟ أمنسيّة؟ ستطال تداعيات كلا السيناريوين قارة أفريقيا بأسرها. فنفوذ الصين والهند والإمارات وتركيا تحديداً سيشهد تحولات متفاوتة الحجم، وإن كانت أعمق وأوسع في حال الهزيمة الروسية. مجدداً، تحوّل كبير ينتظرنا... الرابح الصين، التي تزداد دعماً لروسيا يوماً بعد يوم. فطالما استمرت هذه الحرب، ظلّت أعين الغرب مصروفةً عن آسيا. وفي هذه الأثناء، تقدّم الولايات المتحدة مشهداً مؤسفاً من مفاوضات فاشلة مع إيران. وأسلحتها التي ستكون الأكثر استخداماً في مواجهة الصين دفاعاً عن تايوان باتت مستنزفة، ولن تقل مدة إعادة تكوين مخزوناتها عن ثلاث سنوات. الخاسر إن انتصرت الصين، فلن يكون أمام الولايات المتحدة إلا الخسارة. ولنخشَ أن يقال يوماً ما: «ما الذي تغيّر منذ عام 2022؟ تغيّرت الولايات المتحدة؛ لقد توقفت عن أن تكون قوة مؤثرة». العودة إلى الوراء أولى محطات العودة إلى الوراء تكمن في مرحلة ما بعد الميدان. كان بالإمكان فتح حوار مع روسيا، وإتاحة الفرصة أمامها لاستيعاب إمكانية أن تتحول أوكرانيا إلى دولة أو دولتين مرتبطتين بأوروبا، مع إبقاء حلف الناتو بعيداً تماماً عن المفاوضات. لكان ذلك يستغرق وقتاً بلا شك، غير أن الوقت لم يكن شحيحاً بين عامَي 2014 و2022. وكان لتحقيق ذلك ضرورة التشاور بين جميع دول الاتحاد الأوروبي والبريطانيين، والتوصل إلى موقف مشترك وتبني موقف عام ذي مصداقية. لا مفاوضات سرية مع الولايات المتحدة التي تحمل ماضياً مبهماً وسياسة قاصرة عن الإبصار: التخلي عن قوة الفصل في بيروت عام 1982 دون التوصل إلى حل، ثم انسحب الإيطاليون وبقي الفرنسيون وحدهم؛ والانسحاب من أفغانستان دون إنذار مسبق أو مخرج واضح للأزمة. لا يسعنا إلا التشكيك في السياسة الجيوسياسية الأمريكية المليئة بالإخفاقات والأخطاء، بل والخطايا. هذا البلد لا يحركه سوى مصالحه الاقتصادية، اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فعلى مر العصور لم يرتكبوا إلا الأخطاء، باستثناء حقبة كيسنجر، تلك الفترة الوجيزة وحدها. من الوهم بطبيعة الحال الاعتقاد بأن ذلك كان ممكناً. لا ينبغي أن ننسى أن دول الاتحاد السوفيتي السابق انضمت إلى الاتحاد الأوروبي أولاً للدخول في حلف الناتو، ثم للاستفادة من الدعم المالي الذي توفره أوروبا على حساب دافعي الضرائب الأوروبيين. كان يتعين على دول أوروبا الغربية (فرنسا، ودول البنيلوكس، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال) والبريطانيين أن يكونوا قادرين على اتخاذ قرار حاسم ونهائي بعدم التصرف كأتباع للولايات المتحدة (وهذا بالطبع يعني فرنسا في درجة أقل). كان يجب إذن أن تكون فرنسا قوية وحازمة لتحفيز هذه الدول على الانضمام. وهو ما لم يكن. لم يكن بمقدور هذا السيناريو البديل أن يتحول إلى واقع إلا مع ديغول، وربما بومبيدو، أو ميتران أو شيراك. لا مع سواهم. كان يستلزم رؤية استراتيجية وجيوسياسية بعيدة المدى، بعيدة جداً، من قِبل رؤساء دول تلك البلدان. ولهذا لم تكن له أي فرصة في التحقق. غير أنه كان خياراً جيداً، بل ممتازاً، لصون السلام وتعزيز القوة الاقتصادية والعسكرية للاتحاد الأوروبي، مع الحفاظ على سيادة كل دولة عضو وتوفير ضمان حقيقي لها. كان بإمكان السيناريو البديل الثاني أن يتحقق لو أن رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي والبريطانيين فرضوا على أنفسهم التعاون وتبني دور الوسيط، للسماح لتركيا بالتوصل إلى قبول سلام يضمن للدولتين المتحاربتين مصالحهما المشتركة. لم يمتلك الأوروبيون هذه الشجاعة، ولا البُعد النظري الذي كانت تستدعيه الحالة، فأتاحوا لبوريس جونسون - المحتمل أنه كان في مهمة مُوجَّهة من الولايات المتحدة - أن يُجهض بوادر اتفاق سلام كانت في طور التشكل. يتحمل كل هؤلاء الرؤساء والزعماء مسؤولية ملايين القتلى والجرحى والمفقودين والعائلات الثكلى والحيوات المحطمة. من سيُخبر الشعوب بذلك قبل أن تنتخب أي مرشح من الآن فصاعداً؟ مستقبل أوروبا، بوصفها دولاً ذات سيادة، كان مرتبطاً بروسيا وبطبيعة الحال بأوكرانيا، لكن ليس بأوكرانيا دون روسيا بالتأكيد. وأخيراً، هل كانت هذه الحرب حربنا حقاً؟ ثمة حروب كثيرة يتجاهلها الجميع. حروب كثيرة ليست حروبنا. فهل كانت هذه أكثر شأناً بالنسبة لنا من سواها؟ وبأي حجة؟ لأن بعض "المفكرين" لا يحبون بوتين؟ ثمة من رؤساء الدول من لا يستحقون المحبة كثيرون. فهل يعني ذلك أننا يجب أن ندخل في حرب مع الجميع؟ ينبغي لهؤلاء "المفكرين البارزين" أن يتذكروا موقفنا من قضية كوسوفو وما آلت إليه الأمور بعد ذلك. تلك القصة لم تنته بعد. ولا القصة المتعلقة بالصراع الروسي الأوكراني.

سيمون كرم… حين تتحول الذاكرة الوطنية إلى عنصر قوة في التفاوض

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بقدراتها العسكرية فقط، بل بنوعية من يمثلها. فالمفاوضات المصيرية ليست نقاشًا تقنيًا حول خرائط أو ترتيبات أمنية، بل اختبار لقدرة الدولة على حماية روايتها التاريخية وصياغة مستقبلها. في هذا السياق، يبرز السفير سيمون كرم كأحد الوجوه البارزة في الدبلوماسية اللبنانية. حضوره لا يقوم على الخطابة أو الظهور الإعلامي، بل على هدوء راسخ، ودقة في المقاربة، ونزاهة رجل دولة يضع معيار النجاح في ما يحققه للوطن لا لنفسه. وخلال مسيرته، أثبت كرم استقلالية واضحة في الموقف والسلوك. لم يتعامل مع المناصب كامتياز شخصي، ولم يتردد في مغادرتها عندما تعارضت مع قناعاته أو مع ما يراه منسجمًا مع مبادئه. وقد عكس ذلك في محطات سياسية وتنظيمية متعددة، وصولًا إلى استقالته من منصبه كسفير للبنان في واشنطن، تأكيدًا على أولوية المبدأ على الموقع. وتتجلى دلالة هذا السلوك بشكل أوضح عند مقارنته بسياقات دبلوماسية مشابهة، حيث غالبًا ما يفضّل العديد من الدبلوماسيين البقاء في مواقعهم رغم التباينات السياسية. في المقابل، شكّلت استقالته رسالة واضحة بأن الموقع بالنسبة إليه ليس غاية، بل وسيلة مرتبطة بمدى القدرة على خدمة الموقف الوطني. وهذا ما يمنحه لاحقًا هامشًا أوسع من الحرية في أي دور استشاري أو تفاوضي، لأنه لا يتحرك تحت ضغط الاعتبارات الوظيفية أو الحسابات الشخصية. هذه الخلفية تمنحه مصداقية إضافية في العمل التفاوضي، إذ إن المفاوض غير المرتبط بموقعه يكون أكثر حرية في الدفاع عن المصلحة الوطنية، وأقل خضوعًا لحسابات البقاء في المنصب. وقد ظهر هذا النوع من الاستقلالية في تجارب دولية عديدة، حيث لعب دبلوماسيون سابقون أدوارًا حاسمة في مفاوضات حساسة بعد خروجهم من مناصبهم الرسمية، مستفيدين من خبرتهم دون قيود إدارية مباشرة. إلى جانب ذلك، يتميز السفير كرم بمعرفة معمقة بجنوب لبنان، ولا سيما بتاريخ جبل عامل. وهي معرفة تتجاوز الإطار الجغرافي أو التوثيقي، لتشمل فهمًا لبنية المجتمع العاملي، وتاريخه الاجتماعي والسياسي، ودور نخبه ومرجعياته في تشكيل جزء من الهوية اللبنانية. وتتجلى أهمية هذه المعرفة في كونها ليست نظرية فقط، بل مستندة إلى متابعة طويلة لتطورات الجنوب اللبناني خلال محطات مفصلية، من مرحلة ما بعد الاجتياحات الإسرائيلية، إلى التحولات الأمنية والسياسية التي شهدها الإقليم في العقود الأخيرة. هذا الاطلاع يتيح له قراءة أعمق لديناميات الأرض والناس، وهو عنصر أساسي في أي نقاش يتعلق بالحدود أو الترتيبات الأمنية أو مستقبل الاستقرار في المنطقة. فعلى سبيل المثال، في أي نقاش حول الخط الأزرق أو النقاط الحدودية المتنازع عليها، لا يكفي الإلمام بالنصوص الدولية، بل يصبح فهم طبيعة القرى الحدودية، وتركيبة العائلات الممتدة عبر الخطوط، وتجربة السكان مع النزاعات السابقة، عنصرًا حاسمًا في صياغة موقف تفاوضي واقعي وقابل للحياة. وهنا تبرز قيمة الخلفية التي يمتلكها كرم، إذ تسمح له بربط البعد القانوني بالواقع الاجتماعي الميداني. هذا الاهتمام ليس طارئًا، بل جزء من تكوينه الثقافي والفكري، ما يجعله يقرأ هذا التاريخ بوصفه عنصرًا حيًا في الذاكرة الوطنية، لا مجرد سردية ماضية. وتكتسب هذه المعرفة أهمية خاصة في سياق المفاوضات المتعلقة بالحدود والأمن ومستقبل الجنوب، حيث لا تُختزل الأرض في خطوط جغرافية، بل في تاريخ وحقوق وتجارب تراكمت عبر الزمن. وفي حالات مشابهة في تجارب دول أخرى، أثبتت المفاوضات أن تجاهل البعد التاريخي والاجتماعي يؤدي إلى اتفاقات هشة، بينما يسهم دمج هذا البعد في إنتاج تفاهمات أكثر استقرارًا واستدامة. وتُظهر التجارب الدولية أن المفاوض الفعّال هو من يجمع بين القانون والتاريخ والجغرافيا والسياسة، لا من يقتصر على البعد التقني وحده. ومن هذا المنطلق، ينتمي كرم إلى مقاربة تعتبر المعرفة العميقة جزءًا من أدوات القوة التفاوضية، لا مجرد خلفية ثقافية. وتزداد أهمية هذا الدور في ظل مرحلة إقليمية حساسة قد تعيد رسم توازنات الجنوب اللبناني، وتفتح الباب أمام مقاربات جديدة للعلاقات في المنطقة، حيث تصبح التفاصيل الدقيقة في فهم الأرض والسكان جزءًا من معادلة الأمن والاستقرار. وفي هذا الإطار، لا يمثل الوفد اللبناني طرفًا سياسيًا بعينه، بل يعكس الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها وتاريخها. لذلك، فإن وجود شخصيات ذات خبرة واستقلالية مثل السفير كرم يعزز من صدقية الوفد ويقوي موقعه التفاوضي، خصوصًا في الملفات التي تتطلب مزيجًا من الحس التاريخي والدقة القانونية. ورغم تباين التقديرات حول نتائج هذه المفاوضات، يبقى الثابت أن لبنان، إذا أراد أن يكون فاعلًا في صياغة مستقبله، يحتاج إلى نماذج من رجال الدولة تجمع بين النزاهة والخبرة والمعرفة العميقة بتاريخ البلاد. في هذا النموذج تحديدًا، يبرز السفير سيمون كرم، حيث تتقاطع الاستقلالية مع الخبرة، والمعرفة مع الالتزام. ومن هنا، فإن حضوره في أي مسار تفاوضي لا يعكس قيمة شخصية فحسب، بل يعبر عن تصور لدور الدولة نفسها: دولة تستند إلى تاريخها، ويمثلها من يضع المبدأ فوق المنصب، ويجعل من الدبلوماسية أداة لحماية الحق قبل أن تكون وسيلة لإدارة التوازنات.

حين حملت فنانة من فلورنسا العتيقة ريشتها سلاحًا (1)

هناك من يستسلم لقدره، وهناك من يقرر أن يصنع مصيره بيديه. ويغدو ذلك أكثر صعوبة حين تكون صاحبة هذا التحدي امرأة في عالم يهيمن عليه الرجال. ومع ذلك… لم تتردد بعض النساء في خوض المعركة، ونجحن في كسر المحرمات والقيود التي فرضها عليهن عصرهن. على مرّ العصور، رفضت نساء كثيرات أن يكنّ مجرد هامش في صفحات التاريخ. سواء حملن الريشة أو القلم أو أدوات العلم أو صوتهن، فقد تركن بصماتهن في زمنهن بجرأة بلغت أحيانًا حدّ الفضيحة في نظر معاصريهن. أرادهن المجتمع مجرد ملهمات، فاخترن أن يكنّ مبدعات. وطالبهن بالخضوع، فاخترن الحرية. وسعى إلى إسكاتهن، فرفعن أصواتهن أعلى وأكثر قوة دفاعًا عن قناعاتهن. من أرتيميسيا جنتيليسكي التي تحدّت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج صاند التي استبدلت قيود الكورسيه بحرية الكتابة، مرورًا بكاميل كلوديل، الفنانة المجروحة حتى الأعماق، وبعبقرية ماري كوري الصارمة، وصولًا إلى الصوت العالمي لأم كلثوم… لم تكتفِ هؤلاء النساء بالتحايل على قيود عصرهن، بل حطّمنها. نجحن أحيانًا وأخفقت محاولاتهن أحيانًا أخرى، لكنهن لم يستسلمن يومًا. هذه السلسلة من المقالات هي رحلة عبر الزمن للقاء هذه الشخصيات المتوهجة، التي سكنتها إرادة لا تلين، وما زالت حتى اليوم مصدر إلهام عميق. أرتيميسيا جنتيليسكي... الانتقام بالفن في فلورنسا خلال القرن السابع عشر، كانت ممارسة الرسم حكرًا على الرجال، ولم يكن يُسمح للنساء إلا بأن يكنّ عارضات أو شخصيات رمزية جامدة في اللوحات. ومع ذلك، اقتحمت أرتيميسيا جنتيليسكي هذا العالم المغلق، ولم يكن سلاحها سوى ريشة تواجه بها الظلم والذكورية. ظلّ الصدمة وُلدت أرتيميسيا في روما عام 1593، ونشأت في محترف والدها الرسام أوراتسيو جنتيليسكي. وسرعان ما ظهرت موهبتها الاستثنائية في الرسم. وإذا كان أسلوب كارافاجيو القائم على التباين الحاد بين الضوء والظل يجري في عروقها، فإنها أضفت عليه واقعية إنسانية وعمقًا دراميًا غير مسبوقين. ولصقل موهبتها، عهد والدها إلى الرسام أغوستينو تاسي بتعليمها أصول الفن. لكن حياة أرتيميسيا انقلبت رأسًا على عقب وهي في السابعة عشرة من عمرها، بعدما اغتصبها أغوستينو تاسي، الرجل نفسه الذي اختاره والدها ليكون معلّمها. وفي وقت كانت الغالبية الساحقة من ضحايا الاغتصاب تلتزم الصمت اتقاءً لعار المحاكمة العلنية، اختارت أرتيميسيا المواجهة. فمثلت أمام القضاء، متحمّلة إذلالًا مضاعفًا: عنف الجريمة نفسها، ثم مهانة محاكمة استمرت أشهرًا، خضعت خلالها لفحوص علنية وللتعذيب بواسطة براغي الإبهام للتأكد من "صدق" أقوالها. في زمن كانت فيه مجتمعات عصر النهضة ترى أن على المرأة أن تدفن عارها في الصمت، واجهت أرتيميسيا جلادها، ومن خلاله واجهت المجتمع بأسره. ولإدراك حجم شجاعتها، يكفي أن نلاحظ أنه بعد خمسة قرون، لا تزال كثير من النساء يترددن في التقدم بشكاوى قضائية بعد تعرضهن للاغتصاب. ريشة العدالة أما الجاني، الذي حظي بحماية نافذين، فلم ينفذ العقوبة التي حُكم بها عليه. لكن أرتيميسيا لم تستسلم. فلم يكن ردّها على الظلم بالبكاء أو الخجل، بل بعزيمة عميقة على النجاح كفنانة، تجسدت في روائع فنية تموج بالغضب والإبداع. لقد تحولت ريشتها إلى سلاح. ومن أشهر أعمالها لوحة «يوديت تقطع رأس هولوفيرنيس» ، التي تمثل ذروة التطهير النفسي. فعلى خلاف الصور التقليدية التي تظهر يوديت وهي تشعر بالاشمئزاز من فعلتها رغم تنفيذها إرادة الله، صوّرت أرتيميسيا بطلتها بكل قوتها الجسدية وغضبها المكبوت. فالضربة التي تفصل رأس هولوفيرنيس عن جسده تأتي حاسمة ودقيقة، والدم يتدفق بواقعية تشريحية مذهلة، فيما يشع من نظرة يوديت تصميم لا يعرف الرحمة. وقد كتبت أرتيميسيا في إحدى رسائلها: «سأريكم ما تستطيع امرأة أن تفعله». لم تكن ترسم مجرد مشهد توراتي، بل كانت تنفذ حكمًا فنيًا على مغتصبها. ومنذ ذلك الحين، امتلأت أعمالها بنساء يتحلين بالقوة نفسها والإرادة ذاتها. ملكة بلا تاج حوّلت أرتيميسيا جنتيليسكي جرحها إلى جماليات تحتفي بقوة المرأة. وبريشتها وحدها، ما زالت، منذ قرون، تواصل تحت ملامح يوديت تنفيذ حكمها على جلادها. كان يمكن لمأساتها أن تحطمها، لكنها أصبحت أول امرأة تُقبل في أكاديمية الرسم المرموقة في فلورنسا. وبلغت منزلة كبار رسامي عصر النهضة، وتنافس الملوك وآل ميديشي على اقتناء أعمالها. لم تنجُ من عصرها فحسب، ولم تتجاوز المحن التي واجهتها فقط، بل صنعت مصيرها بيديها، وفرضت حضورها على زمنها بكل شموخ، ونقشت اسمها في خلود الفن بضربات من الضوء والشجاعة. تحية للفنانة!

ضربة كبرى ضد إيران: واشنطن تحذّر رعاياها

إنذار كاذب أم خدعة حقيقية؟ صدرت مساء السبت عدة تصريحات مثيرة للقلق بشأن اقتراب شن هجوم أميركي واسع النطاق على إيران. وقد أدى استئناف المواجهات مطلع يوليو إلى نسف البروتوكول الموقع في منتصف يونيو، والذي كان من المفترض أن يمهد الطريق أمام محادثات سلام. وكانت باكستان، الدولة الوسيطة، قد أكدت الخميس أن الطرفين المتحاربين يجريان مفاوضات بهدف خفض التصعيد، ولا سيما في ما يتعلق بمضيق هرمز. واستأنفت إيران والولايات المتحدة هذا الأسبوع تبادل الضربات الليلية بعد عدة أيام من الهدوء، إلا أنه لم تُسجل أي هجمات منذ ليل الجمعة - السبت. لكن في ظل جمود الوضع، وغياب أي رغبة حقيقية لدى طهران في التفاوض، تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى وضع حد للوضع السياسي والأمني المتوتر الذي باتت تداعياته الاقتصادية تطال العالم بأسره. وجاء أخطر تحذير من السفارات الأميركية في عدد من دول الشرق الأوسط، التي حذرت السبت المواطنين الأميركيين من احتمال حدوث «تصعيد» في النزاع الإقليمي، وحثتهم على الاستعداد للمغادرة، بعدما هدد الرئيس دونالد ترامب بتوجيه ضربة قوية إلى إيران. وبحسب وسائل إعلام أميركية، تدرس واشنطن تنفيذ موجة جديدة من الغارات الواسعة خلال عطلة نهاية الأسبوع، تستهدف خصوصاً البنى التحتية للطاقة. إلا أن شبكة «سي بي إس» الأميركية، نقلاً عن عدة مصادر مجهولة، أفادت بأن دونالد ترامب لم يمنح بعد الضوء الأخضر لتنفيذ هذه الضربات. وكان الرئيس الأميركي قد جدد الجمعة تهديده بتوجيه ضربة «قوية جداً» إلى إيران، التي عادت منذ استئناف الأعمال القتالية مطلع يوليو إلى استهداف دول حليفة لواشنطن ومنشآت أميركية في المنطقة. ودعت الرسائل الموجهة إلى الرعايا الأميركيين، والتي نُشرت نسخ منها السبت على حسابات سفارات الولايات المتحدة في عمّان، وأبوظبي، والقدس، ومسقط، والكويت، وبغداد، والرياض، والدوحة، وبيروت، المواطنين الأميركيين إلى التحقق من أوضاع رحلاتهم الجوية والالتزام بتعليمات السلامة الصادرة عن السلطات المحلية. وجاء في التحذير: «يتعين على الأميركيين الموجودين في الشرق الأوسط حالياً توخي الحذر الشديد، ورفع مستوى اليقظة، والاستعداد لاحتمال إلغاء الرحلات الجوية، أو الإغلاق المؤقت للمجال الجوي، أو حدوث اضطرابات محتملة في حركة التنقل». وفي لبنان، جرى نقل الموظفين غير الأساسيين في السفارة الأميركية إلى موقع آخر. وأضاف بيان منشور على مواقع السفارات: «إن النظام الإيراني لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، كما أظهرت قراراته الأخيرة بمهاجمة مناطق في الإقليم من دون سابق إنذار أو استفزاز، فضلاً عن توسيع هجماته إلى مناطق لم تكن مستهدفة سابقاً، مثل مصر». وكانت طائرة مسيّرة قد استهدفت الأربعاء سفينة لنقل الغاز تابعة لشركة أميركية، كانت راسية في أحد الموانئ المصرية. وتجري السلطات المصرية تحقيقاً في الحادث، لكنها لم تتهم حتى الآن أي جهة بالوقوف وراء الهجوم. من جهتها، اتهمت القوات المسلحة الإيرانية واشنطن بـ«تأجيج التوتر» في المنطقة، محذرةً: «أي دولة تشكل درعاً دفاعياً لأميركا الإجرامية والعدوانية ستبتلعها نيران الحرب».

في لبنان، هيمنةٌ تحلّ مكان أخرى!
بقلم
يوسف معوض
نُشر

يكاد المرء يعتقد أن لبنان لم يعش إلا على إيقاع العواصم الأجنبية: كانت هناك المرحلة المصرية في عهد جمال عبد الناصر، ثم المرحلة الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، ثم المرحلة السورية في ظل السلالة الجمهورية لعائلة الأسد، وبالطبع المرحلة الإيرانية عندما أمسك حزب الله بمفاصل القرار عبر وكلاء. وما يميز الواقع اللبناني أنه كلما خفّ نفوذ نظام عربي أو أجنبي أو تلاشى، سارعت هيمنة نظام آخر إلى الحلول مكانه. وكأن الأمر بديهي، فـ«الطبيعة تأبى الفراغ»، وسياسيونا لا يريدون التخلي عن منطق التبعية. إنها لعنة وقدر! ومن مرحلة إلى أخرى، كانت طبيعة هذه الهيمنة تختلف بين قدر أكبر أو أقل من الإكراه، إذ ثمة فرق شاسع، ليس في الدرجة فحسب بل في الجوهر أيضاً، بين احتلال عسكري أو إخضاع سياسي من جهة، وبين مجرد تنسيق دبلوماسي من جهة أخرى. فالمؤشر قد يرتفع أو ينخفض تبعاً للظروف والمفاجآت والتقلبات. لكن، رغم تبدّل الأحوال، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها: لقد اضطر بلدنا الصغير، وسيضطر للأسف، إلى التكيف مع أوضاع غير مريحة والخضوع لإرادة دول أكبر منه وأكثر قوة. فهل كان لبنان، الذي فرضت عليه الجغرافيا والتاريخ نوعاً من «الفنلدة»، قادراً أصلاً على أن يطمح إلى مكانة تتجاوز موقع الدولة التابعة أو الدولة العميلة؟ لكن لنتخيّل للحظة أن الزمن توقّف، وأن لبنان تحرر، ولو مؤقتاً، من هذا التشابك الخارجي الذي لا يمت إلى الأخوة بصلة. فلنفترض أن عبد الحميد خدام قرر أن يصرف النظر عن لبنان ويمنحه هدنة قصيرة. ماذا كان سيحدث لنا، نحن البؤساء، وماذا كانت ستفعل نخبنا السياسية؟ الجواب بسيط: كانت ستندفع، بدافع غريزي متجذر، نحو عاصمة عربية أو غربية أخرى، تستجدي تدخلها الفوري، أو مساعدتها المالية، أو حتى دعمها العسكري. وكانت ستقبل بكل أشكال الارتهان، ما دام ذلك يتيح لها تصفية حساباتها مع خصومها المحليين، بل وحتى البلديين. وفي هذه اللعبة، لم يكن أحد بريئاً: لا الطرف الذي قدّم الدعم، ولا الطرف الذي طلبه؛ لا المانح، ولا المستفيد. عبد الحميد غالب... للتذكير يُعرف مدى سيادة أي دولة بقدرتها على طرد سفير أجنبي. ففي 21 تموز/يوليو 1958، أفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن عبد الحميد غالب، سفير الجمهورية العربية المتحدة المعتمد في بيروت، أُعلن شخصاً غير مرغوب فيه وطُلب منه مغادرة لبنان. فقد اتُّهم بالتحريض على التمرد وتقديم الدعم المسلح للمعارضة المناهضة للرئيس كميل شمعون(1). وبالفعل، كان غالب قد شجع على العصيان والتمرد المدني في مناطق مختلفة من البلاد. ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد إنزال قوات المارينز الأميركية وانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية في 31 تموز/يوليو. ولم يعد السفير المثير للجدل إلى منصبه إلا في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه(2)، حيث افتتحت السلطة الجديدة، في ظل عبد الناصر الذي كان في ذروة نفوذه، مرحلة من التعاون الصادق معه. وقد نجح عبد الحميد غالب في تطبيع العلاقات بين بيروت والقاهرة، وعزز النفوذ المصري داخل الساحة السياسية اللبنانية، الأمر الذي أثار اتهامات متكررة بالتدخل المباشر في الشؤون اللبنانية. ومع احتفاظ بيروت بانتمائها إلى الفلك الغربي، فإنها حرصت في الوقت نفسه على مراعاة المصالح الناصرية في المنطقة. لكن بعد هزيمة عبد الناصر عام 1967 وغيابه عن الساحة عام 1970، انتقل لبنان من سيئ إلى أسوأ. فجاءت سنوات طويلة من الألم، تعاقبت خلالها المقاومة الفلسطينية المسلحة، ثم الاحتلال السوري، ثم الهيمنة الإيرانية، وكلها انتهكت السيادة اللبنانية بصورة يومية. وهكذا، ومنذ زمن بعيد، لم يكن لبنان، في المطلق، حراً ولا مستقلاً ولا سيداً على قراره، حتى وإن كان العيش في بيروت يبقى أفضل من العيش في دمشق أو بغداد، حيث حكم حزب البعث بكل جبروته، أو في طهران وأصفهان، حيث كان رجال الدين يستظلون بعباءة ولاية الفقيه. هل يحل السوري محل الإيراني؟ من المسلّم به أن الدولة لا تكون ذات سيادة إلا إذا كانت قادرة على أن تغلق الباب في وجه سفير أجنبي. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الثنائي جوزيف عون – نواف سلام أثبت قدراً من الحزم عندما «ألقى من النافذة» مبعوث الجمهورية الإسلامية، أي حين سحب اعتماد رئيس البعثة الإيرانية محمد رضا شيباني. لكن، هل سأل أحد نفسه من سيخلفه؟ إن الابتعاد عن الجمهورية الإسلامية خطوة محمودة بلا شك، لكن السؤال يبقى: بمن سيُستعاض عنها؟ فالاستقبال الذي حظي به وزير الخارجية السوري في مدينة طرابلس يثير شيئاً من الحيرة. فهل وجدت الطائفة السنية، بعد طول تيه، مرشداً جديداً يناسب تطلعاتها؟ ثمة من يقول ذلك. غير أن أحمد الشرع لديه أولويات أخرى، في مقدمتها تثبيت سلطته في دمشق وسائر أنحاء سوريا المنقسمة. وسيكون من غير الحكمة أن ينجرف إلى إغراء فتح جبهة لبنانية جديدة، لأنه، حتى مع الدعم التركي، لا يملك الإمكانات اللازمة لانتهاج سياسة إقليمية طموحة. فلنبحث عن بديل آخر! (1) Sam Pope, "Envoy from Cairo Ousted by Beirut; Lebanese Say He Had Been Plotting with Rebels," The New York Times, July 21, 1958. (2) Le Monde, "The UAR Ambassador to Lebanon Resumes His Duties," November 6, 1958.

تحت الأرصفة... النور
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

سحمر. تجمع سكاني يقع في غرب البقاع، يضم نحو ألف وخمسمئة منزل، ويقطنه ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف نسمة. وبالنظر إلى حجمه وعدد سكانه، فإن وصف صحمور بأنها قرية يبقى التوصيف الجغرافي الأدق. تعرضت سحمر لقصف إسرائيلي متكرر، حتى بدا الأمر وكأنه روتين ثابت. وإذا كانت هذه القرية ورؤساء بلدياتها المتعاقبون يشكلون عامل جذب للجيش الإسرائيلي، فإن مبنى البلدية نفسه يبدو وكأنه صاعقة تستقطب البرق. في قائمة «العشرة الأوائل» من بين أسوأ المتخلّفين عن سداد فواتير مؤسسة كهرباء لبنان، يبرز كلٌّ من مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، ومؤسسة مياه البقاع، إضافة إلى بلدية سحمر… فوفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة كهرباء لبنان يحدد قيمة الفواتير غير المسددة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2022 وديسمبر/كانون الأول 2025، بلغت المتأخرات المستحقة على مبنى البلدية المتواضع 1,599,205 دولارًا. وتُظهر عملية حسابية بسيطة، على أساس كلفة قدرها 25 سنتًا لكل كيلوواط/ساعة، أن البلدية استهلكت خلال تلك الفترة 6,396,820 كيلوواط/ساعة، أي بمعدل 170,430 كيلوواط/ساعة شهريًا. وبما أن الأرقام وحدها قد تكون مملة، فلا شيء يضاهي المثال العملي: فهذا الاستهلاك الشهري يكفي لتزويد 560 منزلًا في فرنسا بالكهرباء بشكل متواصل، مع التشديد على كلمة «متواصل»، وهي كلمة تكاد تكون غائبة عن واقع الكهرباء في لبنان، التي أصبحت أكثر مراوغة حتى من أحدث قاذفات B-2. مبنى بلدي يسطع بألف ضوء، إلى درجة أن استهلاكه يفوق بثلاث مرات استهلاك المقر الرئيسي لمؤسسة كهرباء لبنان في بيروت، الذي تبلغ متأخراته غير المسددة 530 ألف دولار. وعندما نكتشف أن بلدية متواضعة تستهلك كهرباء أكثر من مركز متخصص في الذكاء الاصطناعي، ما لم تكن قد قررت تزويد سكانها والقرى المجاورة بالطاقة بنفسها، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الأرقام التي نشرتها مؤسسة كهرباء لبنان كاذبة، بل ماذا تحاول أن تخبرنا. المشكلة الحقيقية تكمن في فهم مصدر هذا الثقب الأسود الكهربائي. وماذا لو كان التفسير، بالمعنى الحرفي للكلمة، موجودًا داخل حفرة؟ مدفونًا تحت الأرض، حيث جعل حزب الله منذ زمن طويل من باطن الأرض مقره المفضل. فمنذ أشهر، بدأت الشبكات تحت الأرض تظهر إلى العلن، وكأن شعار «نبني ونحمي» لم يكن مجرد شعار انتخابي، مع فارق أن البنية التحتية لم تُشَيَّد فوق الأرض، بل تحتها. إنها نسخة معاصرة من رواية «آلة الزمن» للكاتب هربرت جورج ويلز، حيث انشغل «المورلوكس» المحليون طوال العقدين الماضيين، ليس فقط ببناء دولة داخل الدولة، بل ببناء بلد تحت البلد. وطوال سنوات، كان مسؤولون سياسيون ووزراء معنيون، رغم اعتمادهم سياسة النعامة، يدركون تمامًا ما كان يجري، لا سيما أن دفن الرأس في التراب يمنح رؤية أوضح لما يحدث تحت سطحه. ويتفق المؤرخون على أن لبنان يتمتع بعمق حضاري استثنائي. أما اليوم، فأكثر من أي وقت مضى، بات هذا الوصف يُؤخذ بمعناه الحرفي. وهكذا نفهم بصورة أفضل لماذا تعجز الدولة عن بسط سلطتها على الأراضي اللبنانية: إنها تبحث عنها... في المستوى الخطأ.