شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
خطة الحسم
بقلم
هشام دبسي
نُشر

استغلّ بنيامين نتنياهو مشاركته في جنازة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام للدخول مجدداً إلى البيت الأبيض، بعدما نجح أصدقاؤه في إقناع الرئيس دونالد ترمب باستقباله. إلا أن الزيارة جاءت هذه المرة من الباب الخلفي سياسياً، وبما لا يتيح له استثمارها إعلامياً كما كان يأمل. وجاءت مقابلته التلفزيونية اللاحقة لتعكس حجم المأزق الذي يواجهه؛ إذ عجزت ملامح وجهه عن رسم ابتسامة المنتصر، وسيطرت عليها علامات المكابرة والابتسامة الصفراء. ويبدو أن ترمب، بطبعه الحاد، لا يقبل أن يرتبط بشريك يجرّ إليه الخسائر والمتاعب. ومع ذلك، لم يستسلم نتنياهو، ولم يُبدِ استعداداً للاعتراف بالفشل أو حتى الإقرار بإمكانية حدوثه، لأن القضية بالنسبة إليه تتجاوز السياسة إلى مصيره الشخصي والانتخابي. فالهزيمة قد تعني نهاية مستقبله السياسي، وربما فتح الطريق أمام محاكمته، وضياع حلمه بأن يُتَوّج نفسه الزعيم الأوحد لدولة إسرائيل. وفي المقابل، جعلت أحزاب المعارضة ملف تشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة في أحداث السابع من أكتوبر رأس أولوياتها الانتخابية، بهدف مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم على الإخفاقات التي سمحت بنجاح هجوم حركة حماس، وما ترتب عليه من خسائر بشرية غير مسبوقة، حتى بالمقارنة مع كثير من الحروب النظامية. كما أحدث الهجوم صدمة جماعية عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، وما تزال ارتداداتها النفسية والسياسية والأمنية حاضرة حتى اليوم. غير أن المعركة الانتخابية لا تقتصر على ملف السابع من أكتوبر. فالأحزاب الدينية الحليفة لنتنياهو تتمسك بمطلب إعفاء طلاب المدارس الدينية (الحريديم) من الخدمة العسكرية، إلى جانب المطالبة بالفصل بين الجنسين في بعض الأماكن العامة، ملوّحة بالانسحاب من الائتلاف الحكومي إذا لم تُلبَّ مطالبها. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه قيادة الجيش أزمة متفاقمة في الموارد البشرية، نتيجة تراجع الإقبال على التجنيد، سواء بين الإسرائيليين أو المتطوعين من الخارج، بعدما أصبحت مخاطر الخدمة العسكرية تفوق ما يمكن أن تحققه من مكاسب مادية أو معنوية. ومن جهة أخرى، تزداد الأزمة الاقتصادية عمقاً بفعل الارتفاع المستمر في كلفة الحرب، والنفقات الأمنية الاستثنائية التي تفرضها حالة الاستنفار الدائم، واستمرار العمليات العسكرية على أكثر من جبهة، وهو واقع لم يعتد عليه المجتمع الإسرائيلي طوال العقود الماضية. هذه هي الخلفية السياسية والأمنية والاقتصادية التي ينبغي الانطلاق منها لفهم ما يجري في الضفة الغربية خلال هذا الأسبوع، بل ومنذ بداية العام الجاري؛ إذ لا تبدو التطورات هناك مجرد إجراءات أمنيّة متفرّقة، وإنما جزء من محاولة إعادة تشكيل المشهد الداخلي والإقليمي بما يخدم حسابات نتنياهو السياسية والانتخابية. استباحة شاملة أعلن مربّو الماشية من المستوطنين في الضفة الغربية أن حدود نفوذهم تمتد إلى حيث تصل قطعانهم. وبفضل تسلّحهم الفردي، والحماية التي يوفرها جيش الاحتلال، تمكّنوا من إنشاء عشرات البُؤر الاستيطانية الرعويّة في محيط القدس الشرقية ومنطقة الأغوار. وأدى ذلك إلى حرمان التجمعات الرعويّة والبدويّة الفلسطينيّة من معظم أراضيها وحقوقها التاريخية بوصفها جماعات سكانيّة أصلانيّة في البلاد. كما أسهم هذا النهج المنظّم في هدم المساكن وتهجير أكثر من ثلاثين ألفاً من أبناء التجمعات البدويّة، وفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة خلال العام الجاري، بالتوازي مع تراجع أعداد الثروة الحيوانية إلى أدنى مستوياتها في الضفة الغربية. كذلك جرى فرض السيطرة على مساحات واسعة من المنطقة المصنّفة (ج) وفق اتفاق أوسلو، وهي تمثل الامتداد الجغرافي الحيوي الذي تقوم عليه فكرة الدولة الفلسطينية. وفي السياق ذاته، توسعت السيطرة الإسرائيلية على الموارد المائية السطحية، بعدما أحكمت سلطات الاحتلال منذ سنوات سيطرتها على الخزان الجوفي المائي في الضفة الغربية، الذي يُعد أكبر مصادر المياه الجوفية في فلسطين التاريخية. وخلال العام الجاري، وثقت عدسات الإعلام والمنظمات الحقوقية الاعتداءات المتكررة على المزارعين، ولا سيما خلال موسم قطاف الزيتون، بهدف منعهم من الوصول إلى أراضيهم وأشجارهم. كما وثقت وزارة الزراعة الفلسطينية اقتلاع 2,559 شجرة، إلى جانب تجريف مساحات زراعية واسعة، فيما تجاوزت الخسائر المباشرة مئة مليون دولار نتيجة هدم الآبار، وتدمير شبكات الري، ومصادرة الجرارات والآليات الزراعية. ووفقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإن نحو 72 ألف أسرة زراعية أصبحت بحاجة إلى مساعدات طارئة، في سابقة لم تعرفها هذه العائلات من قبل. ولم تقتصر الإجراءات على المناطق الريفية، بل امتدت إلى المدن والمخيمات، حيث بلغ عدد المعتقلين خلال النصف الأول من العام نحو 3,600 معتقل، بينهم 276 طفلاً و107 نساء، في وقت يقدَّر فيه العدد الإجمالي للأسرى الفلسطينيين بنحو عشرة آلاف. كما واصل جيش الاحتلال إغلاق المدن عبر البوابات الحديدية والحواجز، بالتزامن مع عمليات واسعة استهدفت عدداً من المخيمات، أدت إلى تدمير أجزاء كبيرة منها وتهجير عشرات الآلاف من سكانها، وتحويل مساحات منها إلى مواقع عسكرية إسرائيلية. وتجري هذه السياسات بصورة علنية وأمام وسائل الإعلام، في ظل تصريحات متكررة لوزراء في حكومة بنيامين نتنياهو يتفاخرون فيها بما يعدونه تقدماً في تنفيذ ما يُعرف بـ"خطة الحسم"، التي تتبناها أحزاب الصهيونية الدينية، والهادفة إلى بسط السيادة الإسرائيلية على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإعادة تسميتها بـ"يهودا والسامرة"، وتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها الإطار السياسي والمؤسسي الذي يستند إليه مشروع حل الدولتين. وفي هذا السياق، تبدو سياسات الضفة الغربية جزءاً أساسياً من المعركة السياسية والانتخابية التي تخوضها حكومة نتنياهو مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المتوقع قبل نهاية العام. الجديد لم يولد بعد لم يحمل تصريح الرئيس ترامب بشأن تسليم حركة حماس سلاحها ما يحرج قيادة الحركة، إذ لم يأتِ بجديد يتجاوز ما سبق أن وافقت عليه في مبادرته ذات البنود العشرين. فالتفاهمات اللاحقة لم تتناول السلاح الفردي الذي تمارس الحركة عبره سلطتها داخل قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية. وقد أفضت جولة المفاوضات الأخيرة في القاهرة إلى تفاهمات محدودة، سمحت بدخول اللجنة الإدارية الفلسطينية وطلائع القوات الدولية إلى منطقتي رفح وخان يونس، ضمن نطاق السيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلي. وجاء هذا التقدم قبل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن و أثناءها، بما أتاح لكل طرف تسويقه بما يخدم مصالحه السياسية. غير أن المشهد الميداني بقي على حال، فلا زيادة في المساعدات الإنسانية إلا بالقدر الذي تسمح به قيادة جيش الاحتلال، ولا تغيير يخفف من الكارثة التي يعيشها سكان القطاع. وفي المقابل، يواصل الوسطاء جهودهم للحفاظ على مبادرة ترامب ومنع انهيارها، لأن سقوطها سيعني إطلاق يد إسرائيل في غزة من دون أي أفق سياسي يواكب العمليات العسكرية. وفي القدس الشرقية، يتواصل التصعيد بوتيرة متسارعة. فاقتحامات الجماعات الصهيونية الدينية للمسجد الأقصى تتزايد، بينما يستمر منع معظم الفلسطينيين من الضفة الغربية من الوصول إليه، مع فرض قيود عمرية على المصلين. ويترافق ذلك مع تدخل إسرائيلي متدرج لإعادة تشكيل إدارة المسجد الأقصى وهيكله الوظيفي، رغم الوصاية الهاشمية التاريخية عليه. ولا تنفصل هذه الإجراءات عن هدفين واضحين: فرض التقاسم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، على غرار ما جرى في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، وتكريس الرواية الإسرائيلية حول "القدس الموحدة" باعتبارها العاصمة الحصرية لإسرائيل. وفي مواجهة هذه التطورات في غزة والضفة الغربية والقدس، وفي ظل حصار سياسي واقتصادي وأمني شامل، تتحرك السلطة الوطنية الفلسطينية لتوسيع قنوات الاتصال مع البيت الأبيض، سعياً إلى منع المشروع الإسرائيلي الرامي إلى إنهاء الكيانية السياسية الفلسطينية، والحيلولة دون إسقاط اتفاق أوسلو، الذي ما يزال يشكل المرجعية القانونية التي يستند إليها المجتمع الدولي في مسار التسوية. وفي هذا الإطار، اكتسبت الانتخابات المحلية التي أُجريت مطلع العام، بمشاركة تجاوزت نصف الناخبين المسجلين، أهمية سياسية تتجاوز بعدها الإداري. كما يندرج إعلان مواعيد الانتخابات التشريعية والرئاسية، واستمرار نشاط الاتحادات والنقابات والمؤسسات الوطنية، ومن بينها المؤتمر الأخير للاتحاد العام لطلبة فلسطين في بيروت، ضمن محاولة إعادة تنشيط الحياة السياسية الفلسطينية والحفاظ على شرعية مؤسساتها. وتلتقي هذه الجهود مع الدعم العربي والدولي في هدف واحد: تثبيت الفلسطينيين في أرضهم، ومنع التهجير، والحفاظ على تماسك المجتمع الفلسطيني في مواجهة سياسات الاستنزاف والتفكيك. وحتى الآن، أظهر المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في الضفة الغربية، قدرة لافتة على مقاومة محاولات جره إلى مواجهة شاملة تخدم الأجندة الإسرائيلية، مفضلاً الصبر والاحتواء وتعزيز التضامن المجتمعي. غير أنّ ذلك كله لا يعني أن المشهد استقر، ولا أن موازين القوى حُسمت. فالمنطقة بأسرها تعيش مرحلة انتقالية، تتآكل فيها الترتيبات القديمة، فيما لم تتبلور بعد معالم النظام السياسي الجديد. ولذلك، يدرك الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية والقدس أن ما يجري اليوم ليس نهاية الصراع، بل فصل من فصوله، وأن الجديد لم يولد بعد.

ماذا لو كان لبنان في سلام؟
بقلم
جاك مشعلاني
نُشر

في اللحظة التي تُكتب فيها هذه السطور، يعيش لبنان حربًا جديدة. فمنذ 2 آذار 2026، استؤنف تبادل النيران بين إسرائيل وحزب الله على نطاق واسع، في استمرار لدورة عنف بدأت في تشرين الأول 2023 ولم تتوقف فعليًا قط رغم وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. لقد أودت هذه الحرب بحياة أكثر من 4,000 شخص، وشرّدت أكثر من مليون لبناني – أي أكثر من خُمس السكان – ودمّرت مدنًا وقرى ومنازل بأكملها، بعضها يعود إلى قرون مضت ولا يمكن تعويضه. ويتوقّع صندوق النقد الدولي الآن انكماشًا في الناتج المحلي الإجمالي اللبناني بنسبة تتراوح بين 12% و16% في عام 2026، ويعود ذلك أساسًا إلى انهيار قطاع السياحة وشلل النشاط الاقتصادي في المناطق الحدودية. كل هذا، من أجل ماذا؟ من أجل من؟ ولأي غاية؟ في ظل هذا الواقع، يستحق السؤال أن يُطرح مباشرة: ماذا لو كان لبنان، بدلًا من ذلك، يعيش عقده الأول من السلام الدائم منذ الحرب الأهلية؟ هذا التمرين ليس يوتوبيا مجانية. فهو يستند إلى أرقام حقيقية، وخطط سبق إعدادها، وتمويلات وُعِد بها لكنها لم تُصرف قط بسبب غياب الاستقرار. لبنان ليس بحاجة إلى اختراع إعادة إعماره: فقد قدّر كلفتها، على الورق، أكثر من مرة. ما ينقصه هو الوقت الهادئ وغير المنقطع اللازم لتنفيذها. نقطة الانطلاق: اقتصاد على جهاز التنفس الاصطناعي قبل تخيّل المخرج، لا بد من قياس عمق الهوّة. لقد صنّف البنك الدولي الانهيار المالي اللبناني بعد عام 2019 ضمن أشد ثلاث أزمات اقتصادية شهدها أي بلد منذ منتصف القرن التاسع عشر. أما الدين العام، الذي عُلِّقت خدمته منذ التخلف عن السداد في عام 2020، فيبلغ نحو 150% من الناتج المحلي الإجمالي. وقد انكمش الاقتصاد بنسبة 0.7% في عام 2023 ثم 7.5% في عام 2024، قبل انتعاش هشّ تراوح بين 3.5% و4% في عام 2025، مدفوعًا ببوادر استقرار اقتصادي كلي وعودة جزئية للسياح. لكن الحرب التي اندلعت في آذار 2026 أوقفت هذا الزخم فجأة. غير أن الرقم الأكثر دلالة لا علاقة له بالدولة، بل بالأسر. فقد أنتجت الأزمة المصرفية لعام 2019 ظاهرة لا مثيل لها في التاريخ الاقتصادي الحديث لبلد يعيش في زمن سلم: تدمير شبه كامل للمدخرات الخاصة لطبقة وسطى بأكملها. فما بين 86 و93 مليار دولار من الودائع، موزعة على نحو 1.26 مليون حساب، لا تزال حتى اليوم مجمّدة في المصارف اللبنانية – بل تشير بعض التقديرات إلى أن الرقم يتجاوز 100 مليار دولار. وهذه ليست ثروات كبار الأثرياء، بل مدخرات عمر بأكمله، جمعتها أسر اختارت، على مدى عقود، أن تضع ثقتها في النظام المصرفي اللبناني بدلًا من العقارات أو النقد. وفي الفترة نفسها، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها أمام الدولار منذ عام 2019، ما محا فعليًا القدرة الشرائية لكل من لم يتمكّن من تحويل مدخراته في الوقت المناسب. والنتيجة الاجتماعية لهذا التدمير المزدوج – الودائع المجمّدة والعملة المنهارة – مذهلة. فقد تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من نحو 8,000 دولار في عام 2018 إلى أقل من 3,000 دولار في نهاية عام 2021. أما معدل الفقر، الذي كان يتراوح بين 30% و35% في عام 2019، فقد قفز، بحسب بعض التقديرات، ليطال من 85% إلى 90% من السكان في نهاية عام 2021 قبل أن يتراجع جزئيًا؛ في حين قاس البنك الدولي، من جهته، فقرًا تضاعف نحو أربع مرات خلال عقد واحد في المناطق التي شملتها الدراسة، إذ ارتفع من 12% في عام 2012 إلى 44% في عام 2022، مع تأثّر أكثر من 70% من السكان بشكل من أشكال الفقر متعدد الأبعاد. ويقدَّر أن الطبقة الوسطى اللبنانية، التي كانت يومًا من أكثر الطبقات الوسطى تطورًا في المنطقة، تمثّل اليوم أقل من 20% من السكان. ولم يتردد البنك الدولي نفسه في وصف هذه الحقبة بأنها "كساد متعمّد"، معتبرًا أن غياب أي استجابة سياسية للأزمة لم يكن نتيجة عجز بقدر ما كان خيارًا واعيًا لحماية مصالح نخبة مالية على حساب مدخرات صغار المودعين – وهو توصيف نادر أن تصدره مؤسسة متعددة الأطراف، ويكشف الكثير عن الطابع غير المسبوق للانهيار اللبناني. لبنان الذي يعيش في سلام لا يستطيع محو هذه الخسارة: فالودائع المجمّدة منذ عام 2019 لن تظهر من جديد بمعجزة بمجرد التوصل إلى اتفاق سلام عسكري. لكن السلام هو الشرط الذي بدونه سيبقى حتى أكثر قانون لتسوية أوضاع المصارف طموحًا حبرًا على ورق، لغياب النمو والثقة والتمويل الخارجي اللازم لامتصاص الصدمة. وهذا هو بالضبط رهان الفصل المصرفي من هذا التمرين، لاحقًا في هذا المقال. وقد قدّر البنك الدولي كلفة النزاع وحده بين تشرين الأول 2023 وكانون الأول 2024 بـ14 مليار دولار، منها 6.8 مليارات دولار أضرار مادية مباشرة، و7.2 مليارات دولار خسائر اقتصادية ناجمة عن تراجع الإنتاجية وضياع الإيرادات. أما احتياجات التعافي وإعادة الإعمار فقد قُدِّرت بـ11 مليار دولار في تقرير صدر في آذار 2025، منها ما بين 3 و5 مليارات دولار يجب أن يموَّل من المال العام، وما بين 6 و8 مليارات دولار من القطاع الخاص، وذلك أساسًا للإسكان والأعمال والصناعة التحويلية والسياحة. وفي سيناريو سلام راسخ، ستتوقف هذه الحصة نفسها عن كونها فاتورة حرب لتصبح خطة استثمار. استثمارات أجنبية تُصرف أخيرًا يتميّز لبنان بخاصية نادرة: فمعظم تمويله الدولي موجود بالفعل. إذ جمع مؤتمر "سيدر" الذي عُقد في باريس عام 2018 أكثر من 11 مليار دولار من القروض والمنح، من بينها خط ائتمان بقيمة مليار دولار جدّدته السعودية، و1.35 مليار دولار من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، و500 مليون دولار من الصندوق الكويتي للتنمية. غير أن هذه الالتزامات كانت مشروطة بإصلاحات في الحوكمة والمشتريات العامة وقطاع الكهرباء. وهي لم تُصرف تقريبًا: فلا الإصلاحات ولا الأموال تحقّقت. في لبنان يعيش السلام، بحكومة مستقرة وعودة لسيادة القانون واتفاق مصادَق عليه بالكامل مع صندوق النقد الدولي، ينفكّ هذا الجمود. وقد وضع البنك الدولي بالفعل حجر الأساس عبر "مشروع المساعدة الطارئة للبنان"(LEAP)، وهو إطار قابل للتوسّع بقيمة مليار دولار، اعتُمدت شريحته الأولى البالغة 250 مليون دولار في حزيران 2025. ومن شأن سلام دائم أن يحوّل هذه الآلية الطارئة إلى خطة تعافٍ إقليمية حقيقية، تعيد تفعيل تعهدات "سيدر" من جهة، ونهم صناديق الثروة السيادية الخليجية للأصول اللبنانية المخفّضة القيمة من جهة أخرى، وعودة الاغتراب اللبناني، الذي شكّلت تحويلاته المالية على الدوام أحد أكثر ركائز الاقتصاد اللبناني ثباتًا، حتى في أوج الأزمة. البنية التحتية: ما بعد المولّد الخاص لا تزال الكهرباء أبرز رمز لفشل الدولة اللبنانية. وتنص خطة إصلاح من سبع نقاط، يقودها وزير الطاقة والمياه جو الصدّي، على بناء معملين بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما بكلفة ملياري دولار، وتحويل كهرباء لبنان إلى مجرد مشغّل لشبكة النقل، وفتح باب الإنتاج والتوزيع أمام القطاع الخاص. وقد عُيِّنت هيئة تنظيم قطاع الكهرباء في أيلول 2025، بعد ثلاثة وعشرين عامًا من إقرار القانون الذي نص على إنشائها. ويسعى لبنان الآن بنشاط لاستقطاب رساميل خليجية لتمويل مشاريع طاقة شمسية واسعة النطاق. وفي سيناريو السلام، يتوقف هذا الإصلاح عن كونه قائمة أمنيات تُموَّل بالقطّارة ليصبح قابلًا للتمويل المصرفي: فالجهات المانحة الدولية والبنك الدولي والمستثمرون الخليجيون من القطاع الخاص لا ينتظرون سوى إشارة استقرار للالتزام بالرساميل اللازمة لتأمين كهرباء على مدار 24 ساعة – وهو هدف حُدِّد منذ سنوات وتأجّل مرارًا. وينطبق المنطق نفسه على مرفأ بيروت، الذي لا تزال إعادة إعماره بعد انفجار عام 2020 غير مكتملة، وكذلك على شبكة الطرق والبنى التحتية للمياه والصرف الصحي، المدرجة جميعها ضمن حزمة إعادة الإعمار التي حدّدها البنك الدولي. العقارات: نهاية اقتصاد النقد يقدّم سوق العقارات اللبناني بالفعل لمحة عمّا يمكن أن ينتجه الاستقرار السياسي، حتى لو كان جزئيًا وهشًّا. فقد ارتفعت الأسعار نحو 10% في الربع الأول من عام 2025، مدفوعة بالانتخابات الرئاسية وتسمية رئيس للحكومة وتشكيل حكومة، قبل أن تستقر. وتقترب الشقق الفاخرة اليوم من مستوياتها قبل الأزمة بالدولار الطازج، في حين لا تزال الوحدات متوسطة المستوى أدنى بنسبة 20% إلى 30% من أسعار عام 2019. وتبرز الأشرفية وضواحي المتن كملاذ آمن للحفاظ على رأس المال. يعمل هذا السوق اليوم بشكل شبه كامل على أساس نقدي، في غياب أي نظام تمويل عقاري موثوق – وهي شذوذ حمى السوق مفارقة من الأزمة المصرفية، لكنه يحدّ أيضًا من عمقه. وفي لبنان يعيش السلام، بقطاع مصرفي أعيد هيكلته وقادر من جديد على إصدار الائتمان، ستعود القروض العقارية والمطورون الدوليون واغتراب مستعد للاستثمار في العقارات بدلًا من الاكتفاء بإرسال تحويلات للعيش. وحدها إعادة إعمار المناطق المدمَّرة في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية ستشكّل سوقًا بمليارات الدولارات. السياحة: القطاع الأكثر حساسية للسلام لا يوجد قطاع يجسّد العلاقة المباشرة بين السلام والازدهار أفضل من السياحة. فقد سجّل لبنان نحو 3.46 مليون وافد سياحي في عام 2023، رقم تراجع إلى 2.8 مليون في عام 2024. أما انتعاش عام 2025، الذي غذّاه الأمل بالاستقرار، فقد كبحه بدوره موسم أضعف من المتوقع بسبب التوترات المستمرة. ووفقًا للبنك الدولي، فإن الانهيار المتوقع للسياحة هو ما يفسّر الجزء الأكبر من انكماش الناتج المحلي الإجمالي المتوقع في عام 2026. وكانت التوقعات السابقة لهذه الحرب تشير إلى 2.3 مليون وافد ونحو 3.3 مليارات دولار من إيرادات السياحة بحلول عام 2026 – وهي أرقام تبدو اليوم متفائلة نظرًا للسياق الراهن، لكنها ستصبح واقعية من جديد، بل قابلة للتجاوز، في لبنان مستقر. فالبلد يحتفظ بمقوّمات بنيوية سليمة: اغتراب يضم ملايين الأشخاص يشكّل بطبيعته سوقه السياحية الأولى، وساحل وجبال على بعد أقل من ساعتي طيران من عدة عواصم خليجية، ومطبخ وحياة ليلية صمدا أمام كل الأزمات. كما أن تراثه الثقافي والتاريخي فريد من نوعه: قلّة من الدول تجمع، على مساحة صغيرة كهذه، طبقات فينيقية ورومانية وصليبية وعثمانية وحديثة. وحدها هذه العمق التاريخي قادرة على جذب ملايين إضافية من الزوار سنويًا من أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، بمجرد أن يُنظر إلى لبنان مجددًا كوجهة آمنة وموثوقة. فالسلام لن يخلق صناعة سياحية لبنانية، بل سيحرّر صناعة قائمة أصلًا لكنها تعمل بجزء ضئيل من طاقتها. التعليم والصحة: وقف نزيف الكفاءات يجسّد القطاع الصحي أقسى كلفة اجتماعية للأزمة الاقتصادية والأمنية المزدوجة. فقد تراجع الإنفاق العام على الصحة بنسبة 40% بين عامي 2018 و2022. ومنذ عام 2020، غادر البلاد نحو 5,000 ممرض وممرضة و3,000 طبيب، فيما أدى النزاع الأخير إلى إغلاق أكثر من مئة عيادة ومركز رعاية صحية أولية في المناطق الحدودية. وقد عانى التعليم العالي من تآكل مماثل، مع مؤسسات جامعية تواجه مشكلات في الوصول وتمويل البحث العلمي، حتى وإن كانت مؤسسات مثل الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية الأميركية قد صمدت بشكل أفضل من المعدل العام. عاش لبنان طويلًا على تصدير رأسماله البشري المتعلّم محليًا – أطباء ومهندسين وأكاديميين – نحو الخليج وأوروبا وأميركا الشمالية. وفي سيناريو السلام، يمكن لهذه الدينامية أن تنعكس جزئيًا: فإعادة بناء المنظومة الاستشفائية، بتمويل من الشق المخصص للبنية التحتية في خطة التعافي التابعة للبنك الدولي، إلى جانب استقرار الرواتب بالدولار، كفيلان بإبطاء هجرة العاملين في القطاع الصحي وإعادة الجامعات اللبنانية إلى دورها التاريخي كقطب إقليمي للتكوين، وهو قطاع كان يدرّ يومًا عائدات كبيرة من الطلاب الأجانب، ولا سيما من الخليج وأفريقيا الفرنكوفونية. الصناعة: إعادة توطين قاعدة تصنيعية ضيّقة تعرّضت الصناعة التحويلية اللبنانية، المتواضعة أصلًا قبل عام 2019، لضربة قوية جراء تدهور قيمة العملة وانفجار مرفأ بيروت ومحدودية الوصول إلى الائتمان بالعملة الصعبة. وهي مدرجة صراحةً ضمن القطاعات المستهدَفة بالتمويل الخاص في خطة إعادة الإعمار التابعة للبنك الدولي، إلى جانب الإسكان والسياحة. ولبنان مستقر، بنظام مصرفي قادر مجددًا على فتح اعتمادات مستندية موثوقة للتجارة الخارجية، من شأنه أن يتيح للصناعيين اللبنانيين – في الصناعات الغذائية والدوائية والنسيجية ومواد البناء – استعادة الوصول الطبيعي إلى المدخلات المستوردة وأسواق التصدير الإقليمية، لا سيما سوريا ودول الخليج وغرب أفريقيا، وهي ثلاث أسواق تاريخية للخبرة الصناعية اللبنانية. الزراعة: قطاع غير مستغَل بالكامل قادر على مضاعفة صادراته لا تزال الزراعة نقطة عمياء في الاقتصاد اللبناني رغم ثقلها الاجتماعي: إذ توظّف نحو 11% من القوى العاملة، ما يجعلها ثالث أكبر قطاع توظيف في البلاد، بمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي تُقدَّر بين 1.2% و4.5% بحسب طريقة الاحتساب. أما الصادرات الزراعية، التي تطغى عليها الفاكهة والخضار والبن والبهارات، فقد استقرت عند نحو 193 مليون دولار قبل الأزمة، بنمو سنوي متواضع. ومنذ عام 2019، يدفع المزارعون معظم مستلزماتهم – البذور والأسمدة والمحروقات – نقدًا وبالعملة الصعبة، ما أضعف سلسلة الإنتاج بأكملها. من شأن لبنان آمن ومستقرّ أن يجني فائدة مضاعفة: إعادة فتح طرق التصدير البرّية نحو سوريا والخليج، والتي تُعقّدها اليوم حالة عدم الاستقرار الإقليمي، وإتاحة الوصول إلى تمويل زراعي بالعملة الصعبة لتحديث المزارع. كما أن الارتقاء بالمواصفات نحو المعايير الدولية، ولا سيما في قطاعات زيت الزيتون والنبيذ والصناعات الغذائية، يتيح إمكانات نموّ تصديرية لم يتمكّن القطاع يوماً من استثمارها، بفعل غياب الاستقرار والتمويل. النظام المصرفي: المدخل الأساس لكل ما سبق لا شيء مما سبق تقدّم يُعدّ ممكناً من دون معالجة الأزمة المصرفية، التي لا تظلّ العقدة المركزية في الاقتصاد اللبناني. وكان مجلس النواب قد أقرّ في تموز 2025 قانونًا لتسوية أوضاع المصارف، نُشر في الجريدة الرسمية في آب 2025، يهدف إلى تنظيم إعادة هيكلة المصارف غير القابلة للاستمرار أو تصفيتها. غير أنّ قانوناً متمّماً يتعلّق بتوزيع الخسائر – المعروف بـ"قانون الفجوة المالية" – لا يزال قيد الصياغة، وسط انتقادات من جمعيات الدفاع عن المودعين لعجزه عن ضمان آلية واضحة لاسترداد الأموال. كما قُيِّدت السرية المصرفية بشكل كبير في نيسان 2025 تحت ضغط صندوق النقد الدولي. وتلحظ الاستراتيجية الحالية تسديداً تدريجياً للودائع التي تقلّ عن 100 ألف دولار، مع منح الأولوية لصغار المودعين؛ وهو ما يتطلّب تجنيد نحو 20 مليار دولار على مدى سنوات عدّة، في غياب أيّ مصدر تمويل واضح المعالم حتى اللحظة. وفي سيناريو السلام، من شأن اتفاق مبرَمٍ ومُنفَّذ بالكامل مع صندوق النقد الدولي أن أن يُحرِّر تلقائياً التمويلات الدولية الكفيلة بردم هذه الفجوة واستعادة الثقة بالمصارف اللبنانية. وهو الشرط اللازم لكلّ ما عداه: فمن دون قطاعٍ مصرفي فعّال وقادر على تمويل القروض السكنية، والتجارة الخارجية، والاستثمار الصناعي، ستبقى كلٌّ من القطاعات المذكورة سلفاً أسيرة سقفٍ محدود، مهما بلغت متانة السلام السياسي المحقَّق. ما يقوله هذا التمرين حقًا هذا الاستشراف ليس توقّعاً بالمعنى الإحصائي للكلمة: فهو لا يزعم معرفة كمية المليارات التي ستتدفّق تحديداً، ولا عدد الفصول التي يستغرقها ذلك. بل يقرّ بحقيقةٍ أخرى، أكثر بساطةً وأشدّ إزعاجاً: لبنان لا ينتظر خططاً ولا تمويلات ولا إصلاحاتٍ لا تزال قيد الاختراع. إنه ينتظر ثلاثة أمور عاجزٌ أي مؤتمر للمانحين عن تقديمها: السلام، ودولة القانون، والوقت. الوقت الكافي كي يُنْتِجَ قانونٌ مصرفي مفاعيلَه، وكي يُبنى معملُ كهرباء، وكي يكتمل موسمٌ سياحي من دون انقطاع، وكي تختار أجيالٌ من الطلاب والكوادر الطبية البقاء في البلاد بدلاً من الرحيل. ومع كلّ جولةِ عنفٍ منذ عام 2023، كان هذا الوقت بالذات هو المُصادَر. لذا، ليست المسألة معرفة ما إذا كان لدى لبنان خطة سلامٍ اقتصادي؛ فهو يملك العشرات منها، وهي خططٌ بالأرقام والمستندات، وجرى تفاوضٌ حولها بالفعل مع شركائه الدوليين. إنّ المتغيّر الحقيقي الوحيد الذي لا يزال غائباً عن المعادلة، هو السلام ذاته. أفلا يحقّ للبنانيين، أخيرًا، أن يزنوا عائد السلام في مقابل ثمن الحرب؟ المصادر: صندوق النقد الدولي، البنك الدولي (Lebanon Economic Monitor، وتقرير Rapid Damage and Needs Assessment لعام 2025)، Trading Economics، وحدة الأبحاث الاقتصادية في بنك كريدي ليبانيه، الهيئة العامة للاستثمار في لبنان (IDAL)، معهد تحرير للسياسات في الشرق الأوسط (TIMEP)، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومبادرة الإصلاح العربي.

وهم "الأنفاق المحصنة" وعمى البيانات

كيف لنا ان نستوعب أنه مع وجود اللبنان الآخر تحت الأرض، تعرّض حزب الله الى هذه الهزيمة وفقد ارتالاً من صفوفه وما تسبب به من مقتل وتهجير أهالي الجنوب؟! كما عرّض حتى الجغرافيا الى البعثرة والتغيير. كشف لي خطاب السيد نصرالله، الذي قال فيه انه يبحث عن الجندي الاسرائيلي "بالسراج والفتيلة"، ليس فقط عن مجرد مبالغة سياسية عابرة، بل عن بنية كاملة من وهم القدرة. لسنا هنا أمام فجوة بين الخطاب والواقع، بل أمام خلل أعمق: تصوّر غير واقعي للقدرة نفسها. فالقوة التي روَّجوا لها، اعتماداً على شبكات الأنفاق والترسانة الصاروخية، لم "تصطد جندياً واحداً"؛ ولا غيرت قواعد الاشتباك، والنتيجة نعيشها. هذا التناقض لا تفسره فقط خطل الحسابات السياسية، بل يدل على : تحوّل القوة إلى خطاب أكثر منها أداة فعلية. أي أن السلاح موجود، مع عجز عن استخدامه. المفارقة التي توضحت هنا: كلما ارتفع سقف الخطاب، انكشفت محدودية القدرة. الأهم ان ما يحرّك الحزب، في قرار الحرب والسلم لا ينبع حصراً من داخل لبنان او مصلحته، بل يتصل بمحور إقليمي تقوده إيران. وهذا ما يفسّر التردد، التناقض في البيانات، والعجز عن اتخاذ موقف أو قرار. لقد عاش حزب الله لسنوات، تحت تأثير أوهام سرديته الإعلامية الخاصة حول "القدرة المطلقة" و"الردع الذي لا ينكسر"، وهي سردية تضخمت بفعل انتصاراته في معارك غير متناظرة سابقة (مثل حرب سوريا). في المقابل، بالغت إسرائيل لسنوات في تصوير خطر حزب الله وأنفاقه وحجمها، لتبرير ميزانياتها العسكرية العملاقة وتهيئة رأيها العام للحرب. وعندما بدأت المواجهة الفعلية، تبخرت المبالغات من الطرفين: تبيّن للحزب أن التحصينات الهندسية والمدن المحفورة تحت الأرض ليست قلاعاً أسطورية، بل هي مجرد منشآت ثابتة تصبح عبئاً ومقبرة لمن فيها إذا تم عزلها هندسياً وقطعت اتصالاتها. وتبيّن لإسرائيل أن تفكيك هذه "المدن الصخرية" يتطلب جهداً هندسياً وتدميراً واسعاً، لكنه ممكن جداً طالما أنها تمتلك التفوق الجوي المطلق، وتتحرك في أرض فرغت من سكانها. الاستنتاج ان التحصينات والأنفاق هي أداة مادية. إن لم تسندها دولة قوية، وإجماع شعبي حقيقي، وعمق إقليمي مستعد للتضحية بحساباته الخاصة، ومنظومة تكنولوجية قادرة على مجاراة العدو، فإن تلك المدن المدفونة تحت الصخر تتحول سريعاً من عناصر هجوم ومفاجأة، إلى مجرد خنادق دفاعية معزولة تسقط بسقوط خطوط الاتصال والسياسة الفوق أرضية. وقع الحزب في "فخ النجاحات السابقة"؛ حيث ظن أن التكتيكات التي حققت ردعاً نسيباً في حرب 2006 يمكن تعميمها في العصر الحالي، غافلاً عن الطفرة الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية التي تمتلكتها إسرائيل. شكلت الأنفاق والتحصينات الأرضية "محميات طبيعية"، في زمن سابق، عندما نجحت في حماية مقاتلي الحزب ومنصات الصواريخ من القصف الجوي الكلاسيكي. لكنها تحولت في الزمن الرقمي الحالي الى "مصائد موت". فإسرائيل استخدمت خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وطائرات الاستطلاع الحراري، والمسح الجيولوجي المتقدم، وقامت برسم خرائط ثلاثية الأبعاد لشبكات الأنفاق بدقة متناهية. ورصدت حركة الدخول والخروج، واستهدفت فتحات التهوية والإمداد.. كل ذلك جعل التحصينات مكشوفة تماماً ومعزولة، حتى قبل أن تبدأ المعركة البرية. أوقعته تكتيكاته القديمة في فخ النمطية، لأنه اعتمد على آليات اتصال وتحرك تقليدية مكررة. فيما تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية على رصد مثل هذه "الأنماط الروتينية": من خلال تحليل السلوك اليومي، بصمات الصوت، التحركات اللوجستية، وحتى فترات التناوب بين المقاتلين، تمكنت خوارزميات التنبؤ من قراءة خطوات الحزب مسبقاً. هذا الخرق الكبير جعل أي محاولة لتنفيذ كمين تقليدي مكشوفة وإجهاضها بضربات استباقية دقيقة قبل ملامسة القوات الإسرائيلية للأرض. الخرق السيبراني الشامل الذي تعرض له، مكّن تكنولوجيا التجسس الإسرائيلية من اختراق الخوادم الرقمية، الهواتف الذكية للعناصر وعائلاتهم، والكاميرات المحيطة بمراكزه؛ وصولاً الى تنفيذ "الاغتيال التكنولوجي الممنهج" (كما حدث في تفجيرات أجهزة البيجر واللاسلكي). كل ذلك مثل صدمة شلت القدرة على القيادة والسيطرة وأفقدت الكوادر الثقة في أي جهاز إلكتروني يمتلكونه. ايضاً اعتماده على مخازن السلاح الثابتة والخطوط اللوجستية التقليدية القادمة عبر الحدود، مقابل إدارة إسرائيل المعركة عبر "سحابة عسكرية رقمية"، تربط الطائرة المسيرة في السماء، بضابط الاستخبارات أمام الشاشة، بالدبابة على الأرض فوراً وبفارق ثوانٍ معدودة، حرمه من ميزة "المباغتة" التي تميز بها عام 2006. النتيجة العسكرية شلل الحزب التام، لأنه لم يدرك أن التحصينات الهندسية والأنفاق لا تحمي نفسها بنفسها، بل تعتمد كلياً على كفاءة منظومة القيادة والسيطرة والاتصال وعنصر المفاجأة لتفعيلها. ومن أوهام الحزب أيضاً أن تحصيناته ستبقى سرية ومفاجئة للعدو. لكن تبين أن الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي كان عميقاً جداً؛ حيث امتلك الجيش الإسرائيلي خرائط دقيقة لمواقع هذه الأنفاق ونقاط ضعفها وهندستها قبل الدخول البري. في الخلاصة: ان التحصينات والجيوش تحتاج إلى جبهة داخلية صلبة ومتماسكة. في حرب تموز 2006، حظي الحزب باحتضان سياسي وشعبي واسع عابر للطوائف. لكن هذا المشهد تغير تماماً حالياً: فلبنان أُدخِل الحرب بوجود انقسام داخلي حاد، وهو يعاني من انهيار اقتصادي تاريخي، ومؤسسات دولة مشلولة. كما اعتبرت شريحة واسعة جداً من اللبنانيين (من مختلف الطوائف) أن قرار الحرب تم اتخاذه بشكل منفرد وتلبيةً لأجندة إقليمية إيرانية، دون استشارة الدولة أو بقية المكونات. كما واجهت البيئة الاجتماعية المباشرة للحزب (التي نزحت بالآلاف) أزمة معيشية واجتماعية خانقة وعزلة. إن غياب الاحتضان الوطني العام حوّل المعركة من "قضية دفاع وطني جامعة" إلى معركة فئوية معزولة سياسياً وشعبياً في الداخل، مما شكل ضغطاً معنوياً هائلاً على المقاتلين في الميدان. ولا يزال الخطاب الحزباللوي على عنجهيته ومكابرته، ومشكلته ليست فقط الفجوة بين الخطاب والفعل، بل في أن الخطاب نفسه اصبح منفصلاً عن الواقع. فلا تماس مباشر، ولا قدرة على فرض اشتباك من النوع الذي يُروَّج له، ولا تغيير فعلي في قواعد اللعبة. هذا يعني بوضوح أن ما يُقدَّم كقوة حاسمة ليس سوى استغلال رأس مال رمزي متضخم، يعيش على تكرار صورة قديمة لم تعد موجودة. فنجاحات سابقة تحوّلت إلى أسطورة، والأسطورة تحوّلت إلى قناعة، والقناعة إلى خطاب، والخطاب إلى بديل عن الواقع. وهنا يصبح السلاح نفسه جزءاً من المشكلة: موجود، لكنه غير قابل للاستخدام بالشكل الذي يُعلن عنه، لأن استخدامه الفعلي يفضي إلى كشفه وتدميره بسرعة. أي أننا أمام قوة لا تعمل إلا بقدر ما تبقى غير مستخدمة - وهو تناقض قاتل. ناهيك عن أن هذا الخطاب يتصل بمحور تقوده إيران، ما يضيف طبقة أخرى من الانفصال عن الواقع المحلي. إن جوهر المسألة هنا: اننا أمام بنية ذهنية تنتج الوهم وتعيد إنتاجه، حتى عندما تفنّده الوقائع على الأرض. وهم منظّم يُدار ويُسوَّق ويُفرض كبديل عن الحقيقة، إلى أن ينكشف، كل مرة، على حساب الأرض وأهلها... الى ان يقضي الله أمراً كان مفعولا.

ترامب يعلن عن مفاوضات وطهران تسارع إلى النفي

تصدّرت تداعيات قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الضربات المباشرة ضد إيران المشهد السياسي يوم الاثنين في الثالث من آب. وكان ترامب قد ألغى عشية هذا اليوم هجمات واسعة النطاق كانت مقررة نهاية الأسبوع المنصرم، متوعداً في وقت سابق بأنها ستكون "الأشدّ ضراوة منذ الحرب العالمية الثانية". وفيما أعلن ترامب صباح الاثنين عن محادثات مرتقبة مع طهران مساءً، سارعت الأخيرة عبر المتحدث باسم وزارة خارجيّتها إلى نفي ما أعلنه سيد البيت الأبيض، جازمة بأن اتصالاتها تقتصر على سلطنة عُمان لتنسيق المهام في مضيق هرمز. ولم يكد يحل المساء حتى استعاد ترامب نبرته التصعيدية ضد طهران، متهماً السلطات الإيرانية بـ"المراوغة إلى أقصى الحدود". ونقلت وكالة "فرانس برس" عن الرئيس الأميركي قوله إن إيران "باتت بين خيارين: إما التوصل إلى اتفاق وإما الاستسلام الكامل". إلى ذلك، بدأت تتضح معالم الدور السعودي في التحول الجديد الذي طرأ على موقف الرئيس ترامب عشية ذلك اليوم؛ إذ أعلنت الخارجية السعودية عن محادثات جمعت الوزير فيصل بن فرحان بنظيره الإيراني عباس عرقجي لبحث سبل "خفض التصعيد". ويأتي هذا الاتصال انسجاماً مع المكالمة التي أجراها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بترامب ليل السبت-الأحد، حثّه فيها على إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية وتجميد الخيار العسكري ضد طهران. وعلى عكس ما تبدو عليه الأمور، تشير المعطيات إلى أن الاتصالات الدبلوماسية تجري على قدم وساق خلف الكواليس. ووفق ما أوردته شبكة "أم تي في"، بحث عرقجي مطولاً الآفاق الدبلوماسية مع نظيره الباكستاني، الذي يضطلع بالدور المحوري في الوساطة بين واشنطن وطهران منذ انطلاق المفاوضات. توازياً، اتجهت الأنظار الاثنين نحو قطاع غزة، حيث يرتقب أن يشرع "مجلس السلام" في الإشراف على عملية نزع سلاح حركة "حماس". غير أن المبادرة بدأت تصطدم بأولى عقباتها؛ إذ أبدت إسرائيل لواشنطن "قلقها" في أول تعليق على الاتفاق الذي أعلنه ترامب ووافقت عليه "حماس". ونقلت "فرانس برس" عن دورون سبيلمان، المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تصريحه بأن "النص المسرّب لا يعبّر عن الموقف الإسرائيلي". الوفد اللبناني في طريقه إلى روما يتأهب لبنان لخوض جولة سابعة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، المقرر عقدها يوم الثلاثاء في مقر السفارة الأميركية بالعاصمة الإيطالية روما. وتنعقد هذه المحادثات وسط أجواء يطبعها التوتر، جراء استمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب، وتنامي الانتقادات الموجهة ضد الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام. ويبدو أن الخلافات تتزايد بين الوفدين أنفسهما؛ إذ يصرّ الجانب اللبناني على تحقيق نتائج ملموسة والإعلان عن مناطق نموذجية جديدة، تمهيداً لانسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني فيها. غير أن الجانب الإسرائيلي يبدو غير مستعد لمناقشة انسحابات جديدة، ناهيك عن اقتراب موعد الانتخابات التشريعية التي تجعل رئيس الوزراء الإسرائيلي غير مستعد لتقديم تنازلات إضافية قد تكلفه أصواتاً انتخابية. توازياً، برز تصريح لسفير الولايات المتحدة في بيروت ميشال عيسى، أشاد فيه عبر منصة "إكس" بـ"استمرار" المحادثات في روما، معتبراً أن النصوص شيء وتطبيقها شيء آخر. وحذر السفير الأميركي من أي "تسرع" في تنفيذ الاتفاق، لضمان حماية السكان المعنيين في نهاية المطاف. فهل هي رسالة إلى اللبنانيين لخفض مطالبهم؟ هذا ما ستكشفه المفاوضات المقبلة.

للمرة التي لا تُحصى، ترامب يُلغي هجوم معلن عنه ضد إيران

مرةً أخرى، وللمرة التي لا تُحصى (فسوابق هذا النهج باتت لا تُعدّ ولا تُحصى!)، أعلن الرئيس دونالد ترامب فجر الأحد الثاني من أغسطس «إلغاءه» الهجومَ «الواسع النطاق» الذي كان يُقدَّم على أنه «وشيك الوقوع» ضد النظام الإيراني. في الأيام الأخيرة، أذكت الإدارة الأمريكية، في خضمّ حملة إعلامية صاخبة، أجواءً تُنبئ بهجوم واسع النطاق كان مقرراً خلال عطلة نهاية الأسبوع، تستهدف فيه البنية التحتية الطاقوية للجمهورية الإسلامية. وقد رافق الإعلانَ عن هذه العمليات العسكرية الكبرى تصريحاتٌ أطلقها الرئيس ترامب وكبار المسؤولين الأمريكيين، ندّدوا فيها بسلوك القيادة الإيرانية، وهاجموا بشدة مواقفها السلبية وما وصفوه بتصرفاتها الملتوية خلال محادثات التفاوض مع المفاوضين الأمريكيين. غير أن الرئيس ترامب تراجع فجأةً عن هذا الموقف المتشدد، وأعلن فجر الأحد إلغاء الهجوم «بناءً على طلب إيران» (!) وبعض دول المنطقة، مشيراً إلى أنه تم التوصل إلى تفاهم بشأن البرنامج النووي الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً ودون عوائق... إلا أن وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية سارعت إلى نفي أي اتفاق بشأن هذا الممر الاستراتيجي! لا بدّ من الاعتراف، بل والأسف الشديد، من أن هذه التراجعات المتكررة للرئيس ترامب، التي دفعته مراراً إلى التراجع في اللحظة الأخيرة بعد التهديد بضرب إيران، لا تنعكس إلا سلباً على مصداقيته، وتُقوّي في الوقت ذاته، وبصورة غير مباشرة، الجناح المتشدد داخل النظام الإيراني. وفي سياق إعلانه إلغاء الغارات المخططة، أكد رئيس البيت الأبيض مجدداً أنه «إذا لم يُتوصَّل إلى اتفاق في أقرب وقت، فسنشنّ أعنف الضربات التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية». غير أن الرأي العام بات أكثر ميلاً إلى عدم أخذ تهديدات الرئيس الأمريكي بجدية. وقد جاء هذا القرار المُعلَن على منصة التواصل الاجتماعي Truth Social ، في أعقاب أسبوع حافل بالتوترات والتطورات المتلاحقة. فقد عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء اجتماعاً مع الرئيس ترامب في واشنطن، على هامش مراسم تكريم السيناتور الأمريكي الراحل ليندسي غراهام. وقد أعاد غيابُ المؤتمر الصحفي المشترك بين الرجلين إحياءَ التكهنات حول استمرار الخلافات بينهما. التهديدات الإيرانية على أي حال، بات جلياً مع مرور الوقت خلال هذا الأسبوع أن إسرائيل والولايات المتحدة تستعدان لشنّ هجوم جديد على إيران، في حين كانت الدولة العبرية قد أُقصيت من آخر تصعيد عسكري ضد طهران. وفي يوم السبت، كان الحديث يدور عن ضربات تستهدف المنشآت الطاقوية الإيرانية، وهي التهديدات ذاتها التي سبقت الهدنة الأولى التي أعلنها ترامب في الثامن من أبريل. وكانت السفارات الأمريكية في المنطقة قد حذّرت المواطنين يوم السبت من السفر إلى الشرق الأوسط. وتجدر الإشارة، في محاولة لتفسير تراجع الرئيس ترامب، إلى أن الإعلان عن إلغاء الهجوم جاء إثر اتصالات أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم السبت مع نظيريه السعودي والتركي، فضلاً عن قائد الجيش الباكستاني. وفي السياق ذاته، أطلق عراقجي تهديدات موجهة إلى الولايات المتحدة، محذراً الأمريكيين من «أي قرار متسرع». وفي الوقت نفسه، انخرطت مصادر الجناح المتشدد في النظام في عملية ابتزاز صريحة، مؤكدةً يوم السبت أنه إذا نفّذ الجيش الأمريكي تهديداته، فلن تنعم شعوب دول الخليج والأردن وإسرائيل بعد ذلك بأي استقرار. في سياق الابتزاز الإيراني هذا، أكد وزير الخارجية ماركو روبيو مساء السبت، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، أن «النظام الإيراني يجب أن يتغير، إذ إنه نظام لا يسعى إلى حكم بلاده بل إلى السيطرة على المنطقة بأسرها». وشدد روبيو على أنه «لا بد من إجبار القادة الإيرانيين على دفع ثمن باهظ جراء هذه الممارسات، حتى يتخلوا عن طموحاتهم الهيمنية». الملف العراقي وأسلحة حماس في كل الأحوال، أثبت النظام الإيراني مرة أخرى خلال الأيام الماضية قدرته على الإضرار عبر وكلائه. إذ فتح الحوثيون اليمنيون جبهة جديدة في البحر الأحمر، ولوّحوا بتهديد إغلاق مضيق آخر هو مضيق باب المندب كلياً. غير أنه بالإضافة إلى حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، دخل طرف آخر على الخط هذا الأسبوع. إذ شنّت قوات الحشد الشعبي، الفصيل العراقي الموالي لإيران، ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت الأراضي السعودية، مما أفضى إلى رد فعل أمريكي-سعودي مشترك مطلع الأسبوع ضد مواقع الفصيل داخل العراق. وعلى أي حال، ورغم تجديد السلطات العراقية تعهدها مرات عدة بمنع أي ضربات تنطلق من أراضيها، فإن الأردن هدّد في نهاية الأسبوع بضرب الفصائل العراقية الموالية لإيران إذا تعرضت أراضيه لأي استهداف مجدداً. وقد أكد توسّع رقعة الصراع هجومٌ غير مسبوق استهدف يوم الأربعاء ميناءً مصرياً، حيث ضُرب ناقل غاز تملكه شركة أمريكية، في سابقة تُعدّ الأولى من نوعها التي تجد فيها مصر نفسها متورطة في هذا الصراع. ومن أبرز المستجدات المتعلقة بحلفاء إيران في المنطقة: إعلان حركة حماس، التي باتت تحت قيادة خليل الحية، موافقتها على اتفاق يقضي بنزع سلاحها، ويتضمن وفق ما أعلنه الفصيل انسحاباً تدريجياً للقوات الإسرائيلية من القطاع. ويُفترض أن يتولى تنفيذ هذا الاتفاق مجلس السلام الذي أسسه ترامب في يناير الماضي. وختاماً، تجدر الإشارة إلى أن الرئيس اللبناني جوزيف عون استُقبل منتصف الأسبوع من قِبل نظيره التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة.

انتصار روسي أم أوكراني، ما هي التداعيات على الشرق الأوسط؟ (5/5)

لا تزال الحرب في أوكرانيا تتصدر نقاشاً واسعاً تُغذّيه، في جملة ما يُغذّيه، قصفٌ شبه يومي يستهدف من كلا الطرفين المراكز الحيوية، وتحديداً العاصمتين الروسية والأوكرانية. ولفهم الأبعاد المختلفة لهذا النزاع العتيق فهماً أعمق، لا بدّ من العودة إلى مقدماته وجذوره، والكشف عن دوافع وطموحات الأطراف المعنية المختلفة، ولا سيما الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا، الممتدة لتشمل جميع دول حلف الناتو باستثناء تركيا)، مع استحضار بدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى سلام أو على أقل تقدير إلى مفاوضات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المسؤوليات في هذا السياق متعددة ومتشعبة. وللإحاطة الشاملة بخلفيات الجوانب المتعددة للحرب في أوكرانيا وتداعياتها، ثمة تساؤلات جوهرية ينبغي طرحها من البداية: ماذا تمثل روسيا وأوكرانيا بالنسبة للغرب؟ وما الانعكاسات الفعلية المحتملة لفوز حاسم لأحد الطرفين؟ وما التبعات التي ستترتب على ذلك بالنسبة للغرب والشرق الأوسط؟ في سلسلة من خمس مقالات، جان-باتريك دايراس ، نائب أمير البحر في البحرية الفرنسية، يعرض رؤيته وتحليله للمسألة. تتوقف تداعيات الحرب في أوكرانيا على الشرق الأوسط إلى حدٍّ بعيد على مآلات النزاع، وتحديداً على الكيفية التي سينتهي بها (اتفاق تفاوضي، أو وقف لإطلاق النار، أو انتصار عسكري حاسم). إذا انتصرت أوكرانيا بالنسبة لإيران ستجد إيران، التي زوّدت روسيا بطائرات مسيّرة وعزّزت تعاونها العسكري مع موسكو منذ عام 2022، شريكها الإقليمي في موقع ضعف. وقد يُقيّد ذلك بعض أوجه التعاون التكنولوجي والعسكري، غير أن إيران ستبقى محتفظةً بشركاء آخرين وقدراتها الذاتية. بالنسبة لإسرائيل قد ترى إسرائيل في إضعاف روسيا تراجعاً للنفوذ الروسي في سوريا، بيد أن ذلك قد يُفرز حالة من عدم اليقين إن سعى أطراف آخرون إلى ملء هذا الفراغ. بالنسبة لسوريا قد يُفضي تراجع القدرة الروسية على الإسقاط العسكري إلى تقليص الانخراط العسكري أو المالي الروسي في سوريا، مما قد يُعيد رسم موازين القوى بين الحكومة السورية وإيران وتركيا. بالنسبة لدول الخليج ستسعى دول كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على الأرجح إلى الحفاظ على علاقاتها مع جميع القوى الكبرى. غير أن روسيا في موضع الضعف قد تفقد بعض نفوذها في ملفات الطاقة والدبلوماسية. إذا انتصرت روسيا تعزيز محور موسكو-طهران سيُعزز الانتصار الروسي التعاون بين روسيا وإيران في المجالات العسكرية والطاقة والدبلوماسية. سوريا قد تكون روسيا في وضع يُمكّنها من الحفاظ على دورها الداعم للحكومة السورية بل وتعزيزه، وفقاً لما ستتوفر لها من موارد عقب النزاع. إسرائيل ستواصل إسرائيل التكيّف مع الوجود العسكري الروسي في سوريا، وستحرص على صون آليات التنسيق مع موسكو في الوقت الذي تحافظ فيه على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. تركيا ستواصل تركيا على الأرجح سياسة التوازن بين روسيا والدول الغربية، إذ أثبتت على مدى سنوات قدرتها على التعاون مع موسكو في ملفات بعينها مع بقائها عضواً في حلف الناتو. تداعيات أخرى الطاقة أياً كان المنتصر، فإن التداعيات على أسواق النفط والغاز ستتوقف أساساً على: مسار العقوبات أو تكاليف التعويضات والمسؤولية عنها. طاقات الإنتاج والتصدير. قرارات منظمة الدول المصدرة للبترول وشركائها (أوبك+)، التي تضطلع روسيا فيها بدور محوري. ستواصل دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط تكييف استراتيجياتها وفقاً للأسعار العالمية ومستويات الطلب. النفوذ الأمريكي قد يُعزز انتصار أوكراني مصداقية الولايات المتحدة لدى بعض الحلفاء الإقليميين، في حين قد يُغذي انتصار روسي تساؤلاتٍ جدية حول قدرة واشنطن أو استعدادها لدعم حلفائها على المدى البعيد. غير أن هذه التصورات ستتوقف أيضاً على عوامل أخرى، في مقدمتها السياسة الأمريكية في المنطقة في مرحلة ما بعد ترامب. تجدر الإشارة إلى أن انتصاراً روسياً مقروناً باتفاق مُجدٍ لإيران من شأنه أن يُعيد رسم خارطة التحالفات والشراكات في الشرق الأدنى والأوسط بصورة جذرية، ولا سيما بالنسبة لدول الخليج العربي الفارسي كافة. ولا يزال من السابق لأوانه حصر جميع الاحتمالات، إلا أن المخاوف باتت تلوح في أفق عدد من دول الخليج، مما قد يدفعها إلى إعادة النظر في شراكاتها ومنظومة أمنها. إنه تحوّل كبير يلوح في الأفق! منطقة تحكمها ديناميكياتها الخاصة لا بد من التأكيد على أن الشرق الأوسط يتأثر بعوامل عديدة لا تمت بصلة مباشرة إلى الحرب في أوكرانيا، من أبرزها: العلاقات بين إيران والدول العربية، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأوضاع في سوريا، والتنافسات بين القوى الإقليمية، فضلاً عن أسواق الطاقة. سيترك أي انتصار روسي أو أوكراني بصماته على التوازنات الدبلوماسية والعسكرية في الشرق الأوسط، لكنه لن يحدد وحده مسار تطور المنطقة. وستتمحور أبرز التداعيات المحتملة حول مكانة روسيا في سوريا، وعلاقاتها مع إيران، والحسابات الاستراتيجية لتركيا ودول الخليج، إضافة إلى التصورات المتعلقة بالدور الأمريكي. ستكون هذه التبعات بالغة الأهمية، لكنها ستندرج ضمن منظومة أوسع من الديناميكيات الإقليمية القائمة أصلاً. مجدداً، تحوّل كبير قادم! وماذا عن أفريقيا؟ أمنسيّة؟ ستطال تداعيات كلا السيناريوين قارة أفريقيا بأسرها. فنفوذ الصين والهند والإمارات وتركيا تحديداً سيشهد تحولات متفاوتة الحجم، وإن كانت أعمق وأوسع في حال الهزيمة الروسية. مجدداً، تحوّل كبير ينتظرنا... الرابح الصين، التي تزداد دعماً لروسيا يوماً بعد يوم. فطالما استمرت هذه الحرب، ظلّت أعين الغرب مصروفةً عن آسيا. وفي هذه الأثناء، تقدّم الولايات المتحدة مشهداً مؤسفاً من مفاوضات فاشلة مع إيران. وأسلحتها التي ستكون الأكثر استخداماً في مواجهة الصين دفاعاً عن تايوان باتت مستنزفة، ولن تقل مدة إعادة تكوين مخزوناتها عن ثلاث سنوات. الخاسر إن انتصرت الصين، فلن يكون أمام الولايات المتحدة إلا الخسارة. ولنخشَ أن يقال يوماً ما: «ما الذي تغيّر منذ عام 2022؟ تغيّرت الولايات المتحدة؛ لقد توقفت عن أن تكون قوة مؤثرة». العودة إلى الوراء أولى محطات العودة إلى الوراء تكمن في مرحلة ما بعد الميدان. كان بالإمكان فتح حوار مع روسيا، وإتاحة الفرصة أمامها لاستيعاب إمكانية أن تتحول أوكرانيا إلى دولة أو دولتين مرتبطتين بأوروبا، مع إبقاء حلف الناتو بعيداً تماماً عن المفاوضات. لكان ذلك يستغرق وقتاً بلا شك، غير أن الوقت لم يكن شحيحاً بين عامَي 2014 و2022. وكان لتحقيق ذلك ضرورة التشاور بين جميع دول الاتحاد الأوروبي والبريطانيين، والتوصل إلى موقف مشترك وتبني موقف عام ذي مصداقية. لا مفاوضات سرية مع الولايات المتحدة التي تحمل ماضياً مبهماً وسياسة قاصرة عن الإبصار: التخلي عن قوة الفصل في بيروت عام 1982 دون التوصل إلى حل، ثم انسحب الإيطاليون وبقي الفرنسيون وحدهم؛ والانسحاب من أفغانستان دون إنذار مسبق أو مخرج واضح للأزمة. لا يسعنا إلا التشكيك في السياسة الجيوسياسية الأمريكية المليئة بالإخفاقات والأخطاء، بل والخطايا. هذا البلد لا يحركه سوى مصالحه الاقتصادية، اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فعلى مر العصور لم يرتكبوا إلا الأخطاء، باستثناء حقبة كيسنجر، تلك الفترة الوجيزة وحدها. من الوهم بطبيعة الحال الاعتقاد بأن ذلك كان ممكناً. لا ينبغي أن ننسى أن دول الاتحاد السوفيتي السابق انضمت إلى الاتحاد الأوروبي أولاً للدخول في حلف الناتو، ثم للاستفادة من الدعم المالي الذي توفره أوروبا على حساب دافعي الضرائب الأوروبيين. كان يتعين على دول أوروبا الغربية (فرنسا، ودول البنيلوكس، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال) والبريطانيين أن يكونوا قادرين على اتخاذ قرار حاسم ونهائي بعدم التصرف كأتباع للولايات المتحدة (وهذا بالطبع يعني فرنسا في درجة أقل). كان يجب إذن أن تكون فرنسا قوية وحازمة لتحفيز هذه الدول على الانضمام. وهو ما لم يكن. لم يكن بمقدور هذا السيناريو البديل أن يتحول إلى واقع إلا مع ديغول، وربما بومبيدو، أو ميتران أو شيراك. لا مع سواهم. كان يستلزم رؤية استراتيجية وجيوسياسية بعيدة المدى، بعيدة جداً، من قِبل رؤساء دول تلك البلدان. ولهذا لم تكن له أي فرصة في التحقق. غير أنه كان خياراً جيداً، بل ممتازاً، لصون السلام وتعزيز القوة الاقتصادية والعسكرية للاتحاد الأوروبي، مع الحفاظ على سيادة كل دولة عضو وتوفير ضمان حقيقي لها. كان بإمكان السيناريو البديل الثاني أن يتحقق لو أن رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي والبريطانيين فرضوا على أنفسهم التعاون وتبني دور الوسيط، للسماح لتركيا بالتوصل إلى قبول سلام يضمن للدولتين المتحاربتين مصالحهما المشتركة. لم يمتلك الأوروبيون هذه الشجاعة، ولا البُعد النظري الذي كانت تستدعيه الحالة، فأتاحوا لبوريس جونسون - المحتمل أنه كان في مهمة مُوجَّهة من الولايات المتحدة - أن يُجهض بوادر اتفاق سلام كانت في طور التشكل. يتحمل كل هؤلاء الرؤساء والزعماء مسؤولية ملايين القتلى والجرحى والمفقودين والعائلات الثكلى والحيوات المحطمة. من سيُخبر الشعوب بذلك قبل أن تنتخب أي مرشح من الآن فصاعداً؟ مستقبل أوروبا، بوصفها دولاً ذات سيادة، كان مرتبطاً بروسيا وبطبيعة الحال بأوكرانيا، لكن ليس بأوكرانيا دون روسيا بالتأكيد. وأخيراً، هل كانت هذه الحرب حربنا حقاً؟ ثمة حروب كثيرة يتجاهلها الجميع. حروب كثيرة ليست حروبنا. فهل كانت هذه أكثر شأناً بالنسبة لنا من سواها؟ وبأي حجة؟ لأن بعض "المفكرين" لا يحبون بوتين؟ ثمة من رؤساء الدول من لا يستحقون المحبة كثيرون. فهل يعني ذلك أننا يجب أن ندخل في حرب مع الجميع؟ ينبغي لهؤلاء "المفكرين البارزين" أن يتذكروا موقفنا من قضية كوسوفو وما آلت إليه الأمور بعد ذلك. تلك القصة لم تنته بعد. ولا القصة المتعلقة بالصراع الروسي الأوكراني.