شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الآلهة تُفقد عقول من تريد هلاكهم!

من يصدق أن الطائفة الشيعية، وخاصة في الجنوب،قادرة على الصمود في وجه هذه الحرب الخبيثة الاستنزافية! يوماً بعد يوم، تتحدّاها الضربات الإسرائيلية، تستفزها للرد، وتفرض عليها وتيرة جهنمية. فإذا كان ضبط النفس في البداية دليلاً على التحكم والسيطرة، فلم يعد الأمر كذلك اليوم. ولم يعد حزب الله قادراً على الادعاء أنه يمارس التماسك بعد عام كامل من الاستفزاز. ومن هنا السؤال: هل سيختار أخيراً طريق المواجهة أم سيُذعن لمتطلبات نزع السلاح؟ هل ستنتصر مثابرة الجيش الإسرائيلي على صبر المدنيين الأسطوري؟ إلّا أن التململ يتصاعد داخل مجتمع شيعي محتقن. وقد بلغ الاحتقان ذروته، ولم تعد هذه الطائفة ترى أي مخرج من هذا الصراع، ولا حتى أي فائدة منه. ومن ذا الذي يكون قادراً على خداعها بعدما أصبحت الحقيقة جلية: فغداة السابع من تشرين الأول، جرى التضحية بها على مذبح فلسطين، وها هي اليوم، بعد عام، مطالَبة بأن تُقدّم نفسها قرباناً على مذبح النووي الإيراني. سيتعين على حزب الله أن يفسر موقفه لأبناء بيئته الذين لم يتخلوا عنه في الساعات العصيبة. سيُحاسَب عاجلاً أم آجلاً. فبقبوله شروط وقف إطلاق النار، يكون قد تراجع إلى الخلف. ولم يعد بمقدوره ا لادعاء المقاومة ما دام في حالة انكماش وتراجع "من اجل حفنة من الدولارات" هذه الحرب منخفضة الوتيرة، إنما طويلة الأمد رغم ذلك. إنها مرهقة على الأقل بالنسبة لصحة المدنيين النفسية. حيرة وقلق لدى الجميع إزاء اختلال ميزان المواجهة! إنها أشبه بصيد الطيور الاصطناعية حيث لا يخاطر المعتدي بشيء، فيما الضحايا يسقطون بوتيرة منتظمة، وخطوط التواصل في الجنوب شبه مشلولة بفعل التهديد الآتي من الأجواء. أتعتقدون أن هناك من سيواصل طويلاً الانضمام إلى ساحات الموت«من أجل حفنة من الدولارات» في آخر كل شهر؟ لأن هذا بالتحديد ما يحدث. فإسرائيل تستطيع ضرب لبنان دون الخشية من رد مماثل على نهاريا أو المطلة أو كريات شمونة. وبهذا المعنى، فإن حزب الله، بنفسه، يضمن للعدو الإفلات من العقاب، بينما هو بالذات يرسل مقاتليه إلى موت شبه محتوم في مناطق بالغة الخطورة. وكل ذلك بذريعة إعادة بناء ترسانته وقدراته القتالية! متى يأتي المساء الكبير؟ لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر. فالتململ والاعتراض داخل البيئة الشيعية بدأا يطفوان إعلامياً. إسماعيل النجار، اليوتيوبر المعروف بخطاباته النارية، صرخ مؤخراً: ماذا ينتظر الحزب ليلتقط القفاز الذي رمتْه إسرائيل بوجهه؟ إذا تراجع مجدداً عن المواجهة، فلن يبقى لنا سوى «قراءة الفاتحة عليه». بمعنى آخر: انتهت شعبيته. وفي اندفاعه وتهوره. يتابع قائلاً: لقد بلغنا حداً عظيماً من الإهانة! فليكن إذن الاشتعال العام والنهاية الكارثية. فليأتِ إذن «غروب الآلهة»، ولتجتاح النار المنطقة بأسرها! والحق يقال ، بأن بعض الذهنيات تميل إلى رؤيةٍ أبوكاليبسية لنهاية الزمن، رؤية تُسرّع ولادة عالم متجدد، وتطهيراً جماعياً يحمل وعد الخلاص. وهذا يمكن تصوره لدى المؤمنين بالفكر الألفي! لكن بما أننا أبناء وطن واحد، ونشترك إلى حد ما في المصير اللبناني نفسه، اسمحوا لنا أن نتدخل قليلاً: نحن لم نوقع عقداً فاوستياً مع مفستوفيلس، ولا مع حرس ثوري ولا حوثي من اليمن فبالله عليكم، لا تجرّونا معكم إلى الهاوية!

الذكاء الاصطناعي: الثورة التكنولوجية التي قادت الأسواق في عام  ٢٠٢٥ (٢/٣)

لم تشكل أي قوة مسار الأسواق المالية في عام 2025 بشكل حاسم مثل الذكاء الاصطناعي. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي السرد المهيمن الذي يسمح للمستثمرين بتبرير التقييمات العالية، والتركيز الشديد، وزيادة المخاطرة. لقد قدم رؤية للمستقبل قوية بما يكفي لتحييد المخاوف المتعلقة بتباطؤ النمو، وتزايد الديون، والتجزئة الجيوسياسية. من حيث الجوهر، يشكل الذكاء الاصطناعي ثورة تكنولوجية حقيقية - قفزة إنتاجية تضاهي الكهرباء أو الإنترنت - وهو يحول بالفعل قطاعات بأكملها. لكن الأسواق المالية لا تقدر الفوائد المجتمعية طويلة المدى؛ إنها تقدر الحقائق الاقتصادية الجزئية: التدفقات النقدية للشركات، والكثافة الرأسمالية، والاستدامة. وهنا ظهر تباين متزايد. في عام 2025، كان النظام البيئي للذكاء الاصطناعي يُعرف بالإنفاق الرأسمالي أكثر بكثير مما يُعرف بالأرباح. تطلب تدريب النماذج على نطاق واسع، وبناء مراكز البيانات، وتأمين الرقائق المتقدمة، وتشغيل البنى التحتية كثيفة الاستهلاك للطاقة، استثمارات بحجم نادرًا ما يُلاحظ خارج الصناعات الثقيلة أو برامج البنية التحتية الوطنية. وقد نتج عن ذلك انفجار غير مسبوق في الإنفاق الرأسمالي لدى الشركات العملاقة ومقدمي منصات الذكاء الاصطناعي. إن الصعود الصاروخي لشركة NVIDIA - العمود الفقري المادي الذي لا جدال فيه لازدهار الذكاء الاصطناعي - نحو تقييم يقارب 5 تريليونات دولار لم يعكس القيادة التكنولوجية فحسب، بل عكس أيضًا سباقًا عالميًا للاستثمار. تسارعت الشركات والحكومات لتأمين قدرات الحوسبة، وغالبًا ما كانت تلتزم بالرأسمال قبل أن يتم إثبات الطلب النهائي بوقت طويل. وبالنسبة للكثيرين، كانت هذه الاستثمارات تتعلق بالتموضع الاستراتيجي أكثر من العوائد الفورية: الشراء اليوم حتى لا تتخلف عن الركب غدًا. مع تقدم العام، بدأت الأسواق تتساءل عن استدامة دورة الاستثمار هذه - والأكثر من ذلك، عن الطبيعة الدائرية لتمويلها. ما تم تجاهله إلى حد كبير، في المقابل، كان مسألة الربحية النهائية. كانت التقييمات تدمج بشكل متزايد مستقبلًا من النمو المفرط المدعوم، دون قلق حقيقي بشأن العائد على رأس المال المستثمر أو مخاطر التشبع. وتشير البيانات الأولية الآن إلى أن جزءًا صغيرًا فقط من المشاريع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي سيحقق ربحية كبيرة، مما يلوح في الأفق باحتمال أن يتم في النهاية شطب ما يقرب من 1.5 تريليون دولار من الاستثمارات المخطط لها. لقد أوضح الملف المالي للقطاع هذا الخلل بشكل جلي. من المتوقع أن تحقق OpenAI، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها طليعة الثورة التكنولوجية للذكاء الاصطناعي، حوالي 19 مليار دولار من الإيرادات بينما تسجل ما يقرب من 13 مليار دولار من الخسائر - وهو مثال صارخ لتخلف تحقيق الدخل عن الاستثمار. بهذا المعنى، عمل الذكاء الاصطناعي في عام 2025 كنظام معتقد أكثر من كونه محرك نمو تقليدي. لقد سمح للمستثمرين بترشيد التقييمات المتطرفة والتركيز التاريخي. في نهاية العام، شكلت عشرة أسهم مبالغ في تقييمها بشكل كبير حوالي 45٪ من القيمة السوقية لمؤشر ناسداك 100 و 34٪ من مؤشر S&P 500 - وهو تكوين غير مستقر إذا لم تتحقق توقعات النمو.

المتحف الوطني في بيروت، شاهدٌ على الحرب

إن بقاء المتحف الوطني اللبناني معجزة. يقع المبنى على خط التماس الذي قسم العاصمة بين الأطراف المتحاربة، وقد تعرض لإطلاق النار والقصف. لكن المتحف الأثري الرئيسي في البلاد، الذي يضم مجموعات استثنائية تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترة المملوكية، تمكن من النهوض من جديد مباشرة بعد الحرب. نشأة المتحف ولدت فكرة إنشاء المتحف في مطلع القرن العشرين بهدف عرض مجموعة الضابط الفرنسي Raymond Weill، الذي كان متمركزاً في لبنان. شُيّد المبنى بين عامي 1930 و1937 خلال فترة الانتداب الفرنسي، بفضل لجنة «أصدقاء المتحف» برئاسة بشارة الخوري، الذي كان في ذلك الحين رئيساً للحكومة ووزيراً للتربية.. تم افتتاح المتحف رسمياً في 27 أيار عام 1942 وفق تصاميم المعماريين أنطوان نحاس و Pierre Leprince Ringuet ، بأسلوب معماري ضخم من الحجر الكلسي الأصفر المستوحى من الطراز الكلاسيكي القديم. المتحف خلال الحرب يقع المتحف الوطني في بيروت على ما كان يُعرف خلال الحرب اللبنانية بـ«خط التماس» في منطقة شهدت معارك عنيفة. فكان من الضروري آنذاك حماية المجموعات الثمينة من النهب والقصف. وقد تولى هذه المهمة الأمير موريس شهاب، الذي كان حينها مدير ومحافظ المتحف الوطني. فقام بنقل القطع الصغيرة القابلة للنقل الى خزنات حديدية محصّنة. أما القطع الضخمة، فقد غطاها بأكياس من الرمل، واقفل بعض القاعات بالاسمنة المصفح، كما قام بوضع بعض التحف الضخمة داخل الإسمنت المصفح. تُذكّرنا هذه المبادرة بما فعلهJacques Jaujard الذي انقذ التحف في متحف اللوفر (Louvre)خلال الحرب العالمية الثانية. وهذا ما يُثبت لنا أن تصميم رجلاً واحداً يستطيع تغيير مسار الأحداث مهما بدت حتمية. بعد انتهاء الحرب، أُطلقت عام 1993 حملة شاملة لإعادة تأهيل المتحف، لتُفتح أبوابه مجدداً عام 1997 بفضل دعم اشخاص شغوفين بالتراث، من بينهم منى الهراوي، زوجة رئيس الجمهورية آنذاك ورئيسة "المؤسسة الوطنية للتراث. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف عملية تحديث وتطوير المتحف. المجموعات والتحف النادرة يضم المتحف نحو مئة ألف قطعة أثرية، يُعرض منها حوالي 1300 قطعة مرتبة زمنياً من العصر الحجري القديم حتى الحقبة المملوكية. من أبرز الكنوز المعروضة تابوت «أحيرام» ملك جبيل، وهو تحفة فنية ونقشية تُعد من أقدم النصوص المعروفة بالأبجدية الفينيقية. من المجموعات اللافتة أيضاً مجموعة «فورد» التي تضم 31 تابوتاً فينيقياً ذات شكل إنساني، مصطفة كأنها “جيش من الأموات”، مستوحاة من النماذج المصرية واليونانية مع احتفاظها بالطابع الفينيقي المميز. اما مدخل القاعة الرئيسية، فتتصدره مجموعة من الفسيفساءُ الرومانية، اليونانية والبيزنطية الرائعة، التي تعرض بعضها لأضرار خلال الحرب لا تزال ظاهرة عليها حتى يومنا هذا. تجسد هذه الأعمال فن صنع الفسيفساء الذي كان مزدهراً في لبنان خلال العصور الرومانية والبيزنطية. تتنوع مواضيع الفسيفساء المعروضة بين الأساطير اليونانية والكتاب المقدس والمعتقدات الشعبية والفكر الفلسفي: نذكر منها على سبيل المثال فسيفساء «الحكماء السبعة» التي تظهر سبعة فلاسفة بينهم سقراط، وفسيفساء «الراعي الصالح»، و«اختطاف أوروبا على يد زيوس»، و «ولادة الإسكندر الكبير»... ارض لبنان غنية بالفسيفساء الجميلة، فقد كشفت الحفريات الأخيرة في وسط بيروت عن أكثر من ألف متر مربع من الفسيفساء الرائعة، قد يُخصص لها متحفاً في المستقبل. أما الطابق السفلي الذي أعيد ترميمه حديثاً، فقد كُرس للفن الجنائزي وللمعارض المتخصصة فالقبر بالنسبة للفينيقيين يشكل منزلاً أبدياً للمتوفى ووسيلة مادية لحفظ ذاكرة العائلة والسلالة الحاكمة. ويُكمل الطابقان العلويان القصة بعرض قطع أصغر مثل التماثيل والحلي والعملات والفخار التي تسلط الضوء على الحياة اليومية والاقتصاد والطقوس الدينية في مختلف العصور.. كما يحتوي المتحف على تماثيل نسائية صغيرة من الطين عثر على معظمها في معابد الإلهتين بعلت جبيل وعشتار. تجسد هذه التماثيل مفاهيم الجمال الانثوي المرتبطة بالخصوبة والمكانة الاجتماعية من خلال تفاصيل فاخرة مثل الحلي وتسريحات الشعر والثياب الفاخرة... فهي تظهر المرأة في اجمل مظهر لها واضعة إياها بمثابة الآلهة و مُشدّدتاً على كونها منبعاً للحياة والخصوبة. جسر بين الماضي والمستقبل على الرغم من أن المتحف الوطني في بيروت هو صرح للماضي وللذاكرة، إلا إنه في الوقت نفسه جسر عبور الى المستقبل. الدليل على ذلك «مركز نهّاد السعيد للثقافة»، وهو جناح جديد تابع للمتحف سنتطرق إليه في مقالنا القادم.

فلسطين: سلام رهينة التطرف
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

خلافًا للاعتقاد الشائع، فإن القضية الفلسطينية ليست محاصرة في طريق مسدود بفعل حتمية تاريخية، ولا بفعل كراهية أزلية لا يمكن التوفيق بينها. بل يتم تحييدها بشكل منهجي من خلال تقارب مصالح بين متطرفين يتشاركون، بينما يتصارعون في سفك الدماء، هوسًا مشتركًا: منع ظهور حل سياسي قائم على الاعتراف المتبادل والحقوق المتساوية. على جانب واحد، قوة إسرائيلية أسيرة لمنطق أمني مطلق، تحولت على مر السنين إلى أيديولوجية حاكمة. وعلى الجانب الآخر، حركات إسلامية تزدهر على انهيار السياسة، وتقديس العنف، واختطاف القضية الفلسطينية لصالح أجندات إقليمية. في المنتصف، سكان محتجزون كرهائن، واحتمال للسلام يتم تخريبه عمدًا. يجب أن نبدأ من هذه النقطة: التطرف ليس السبب الرئيسي للصراع؛ بل هو عرض. فكما أظهر كبار المثقفين الفلسطينيين والعرب الذين ينتقدون القومية المنغلقة والإسلاموية المسلحة منذ فترة طويلة، يزدهر التطرف في المقام الأول على غياب أفق سياسي ذي مصداقية. حيثما تصبح السيادة مستحيلة، يصبح العنف اللغة البديلة. وقد تم القيام بعمل مماثل من قبل عقول مستنيرة في إسرائيل. ومع ذلك، لأكثر من عقدين، تمثلت استراتيجية اليمين الإسرائيلي المتشدد في إفراغ أي حل قائم على وجود دولتين من جوهره. ليس برفضه صراحةً—مما كان سيكلف ثمنًا دبلوماسيًا—ولكن بجعله غير ممكن ماديًا: نشاط استيطاني مستمر، وتفتيت إقليمي، وتدمير منهجي لأي استمرارية سياسية فلسطينية. لهذه الاستراتيجية نتيجة طبيعية، وهي إبقاء الفلسطينيين محاصرين في خيار ثنائي مميت: الخضوع بلا حقوق أو المقاومة بلا مستقبل. وفي كلتا الحالتين، تختفي الدولة الفلسطينية كمشروع حقيقي. ومعها، تختفي إمكانية قيادة سياسية معتدلة ومسؤولة، قادرة على الحكم والتفاوض والاستجابة لتطلعات شعبها بطرق أخرى غير تقديس التضحية. هنا تتجلى تناظر التطرفين، مستعيرين الأطر التي وضعها رينيه جيرار. لا تمثل الحركات الإسلامية الفلسطينية قطيعة مع هذا المنطق: إنها نتاجه، وبشكل متناقض، أحد أفضل حججه الواهية. من خلال تقديم نفسها كقوة المقاومة الوحيدة، تختطف القضية الفلسطينية، وتنزع الشرعية عن أي بديل سياسي، وتقدم للمعسكر الإسرائيلي الذريعة المثالية لمعادلة أي مطالبة وطنية فلسطينية بالإرهاب. تكمن المأساة الفلسطينية المعاصرة في هذا: كل معسكر متطرف يحتاج إلى الآخر للبقاء سياسيًا. أحدهما يبرر استمرار الاحتلال والسيطرة، والآخر يبرر استمرار الحرب باسم تحرير بلا معالم أو موعد نهائي. أما السلام، فيصبح العدو المشترك. في هذه القاعة من المرايا، تم القضاء على شخصيات السلام—الذين حاولوا تصور الاعتراف المتبادل كضرورة تاريخية، وليس تنازلًا أخلاقيًا—أو تهميشهم أو تشويه سمعتهم. لقد مهد الاغتيال السياسي والرمزي لهذا الجيل الطريق لحكم الخوف والاستياء والتطرف القائم على الهوية. ولكن ليكون واضحًا: السعي وراء هذا المنطق يؤدي إلى طريق مسدود استراتيجي كامل. لا يختفي شعب تحت الضغط العسكري، ولا تتلاشى هوية وطنية بمرسوم، ولا يمكن تأسيس أمن دائم على المحو المخطط للآخر. القضية الفلسطينية ليست مشكلة إنسانية تُدار، ولا هي شذوذ أمني يُحتوى. إنها مشكلة سياسية لم تُحل. وطالما تُعامل على هذا النحو، وتُسند إلى منطق القوة، فإنها حتمًا لن تُنتج إلا العنف، ودورات من التطرف، وانفجارات إقليمية. الخيار الوحيد ذو المصداقية يكمن في العودة إلى السياسة. هذا يعني الاعتراف بأن أمن إسرائيل لا يمكن أن يكون مستدامًا بدون سيادة فلسطينية، وأن السيادة الفلسطينية لا يمكن أن تظهر حرة من منطق الميليشيات، والوصاية الإقليمية، والمسيانية المسلحة. وهذا يعني خيارًا واضحًا: حل الدولتين، ليس كشعار دبلوماسي، بل كبنية سياسية ملموسة. دولة فلسطينية قابلة للحياة، متصلة، ذات سيادة، معترف بها دوليًا، بقيادة قوى سياسية قادرة على الحكم، والمساءلة، وكسر منطق الحرب الأبدية. هذا الخيار ليس تنازلًا للفلسطينيين على حساب إسرائيل. إنه شرط للبقاء السياسي لكلا الشعبين. البديل معروف جيدًا: إما نظام من عدم المساواة الهيكلي والسيطرة الدائمة والعنف المزمن، وهو ما يعادل اعترافًا متبادلًا غير كامل، وهش، ولكنه مفتوح، مما يشير إلى مستقبل ممكن. المسؤولية الدولية محورية هنا. التكرار الاستفزازي للقانون الدولي، بدون آليات ملزمة، أفرغ هذا القانون من مصداقيته. عدم الفعل ليس حيادًا: إنه شكل من أشكال التواطؤ السلبي مع منطق التطرف. أخيرًا، يجب أن نكسر الوهم الخطير بأن الوقت في صالح الوضع الراهن. تُظهر التجربة التاريخية العكس: كلما تجمد الصراع في الظلم، كلما ازداد تطرفه، وكلما امتد تأثيره، وكلما سمم بيئته الإقليمية والعالمية بأكملها. السلام ليس مثاليًا ساذجًا. إنه خيار سياسي شجاع، دائمًا ما يكون خيار الأقلية على المدى القصير، ولكنه الوحيد القادر على منع الانهيار العام على المدى الطويل. في فلسطين، كما في أي مكان آخر، يبدأ بحقيقة بسيطة: لا يمكن بناء مستقبل على إنكار الآخر. حل الدولتين، الذي أكدته مبادرة السلام العربية عام 2002، هو الإطار الوحيد غير السام للمستقبل، ليس فقط للشرق الأوسط ولكن للعالم بأسره، نظرًا لمدى عمق تداعيات الصراع في تأجيج الهويات والعواطف الدينية داخل كل مجتمع. لم يعد المنطق الذي اعتبر الصراع "في مكان آخر" جغرافيًا، وبالتالي يمكن التعامل معه كقضية سياسية أو دبلوماسية أو أمنية أو إنسانية منفصلة عن الخيارات الاستراتيجية الحيوية لأي بلد معين، صحيحًا. تعمل القضية الإسرائيلية الفلسطينية الآن كورم خبيث داخل الحدود الوطنية. هناك خطر حقيقي للانفجار، لم يعد محصورًا، كما في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، في الهجمات الإرهابية. إن بقاء وأمن عالم ينزلق هو نفسه بشكل متزايد نحو التطرف على المحك. طالما ظلت هذه الحقيقة غير معترف بها من قبل القادة المحاصرين في هذه التطرفات، ستبقى المنطقة محتجزة في حرب لا نهاية لها، وسيتأثر العالم بأسره بعواقبها، كما أظهرت المذبحة الأخيرة في بوندي بيتش بسيدني. إن اتفاقيات السلام المفروضة على الدولة الإسرائيلية لن تحل المشكلة الأساسية. لا يضمن النار وسفك الدماء سلامًا دائمًا. بل على العكس، إنهما يغذيان فقط استمرارًا لا نهاية له للصراع. لقد حان الوقت لكسر دائرة العنف واتخاذ خطوات تأسيسية نحو السلام. لقد اتخذت خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، طال انتظارها لعقود، على هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 22 سبتمبر 2025. ولكن يجب أن تتبعها إجراءات ملموسة، وهو ما يعني قطع نفوذ إيران في المنطقة بشكل نهائي، ولكن أيضًا—وهذه هي جوهر المسألة الحقيقية—التوقف عن اعتبار إسرائيل دولة مميزة، فوق القانون الدولي، تتمتع بإفلات تام من العقاب في تحدٍ لجميع الاتفاقيات والمبادئ العامة، وتمتلك ادعاء خياليًا بـ "أرض موعودة"، وتمارس سلطة الحياة والموت على الفلسطينيين. يجب اتخاذ خيار تاريخي واستراتيجي ضد الكراهية وثقافة الإقصاء والموت. لقد حان الوقت لاتخاذ هذا الخيار، حتى لو بعد فوات الأوان بـ 77 عامًا. لقد دفع مئات الآلاف من الأرواح في المنطقة وعبر العالم بالفعل ثمن هذا الصراع. يجب أن يتوقف هذا سفك الدماء غير الضروري قبل أن يبتلع الجميع. أليس من خلال أعمال السلام الحقيقية، بعيدًا عن الجوائز والزينة، يتم تأكيد القيادة العالمية الحقيقية؟

حل الدولتين ونجمة الأمل
بقلم
فادي نون
نُشر

يُروى أنه في إحدى الليالي، بينما كان الرمل الذي عبره المجوس يبدو متعبًا من رؤية الكثير من الخطوات تتقاطع دون أن تلتقي أبدًا، بدأت نجمة جديدة تلمع بقوة أكبر من غيرها. رفع الأكثر انتباهًا رؤوسهم وتنهدوا وهم يحدقون في السماء، قائلين لأنفسهم إن شيئًا جديدًا وغامضًا، قادمًا من المجهول الكبير، قد أظهر وجوده. لم تظهر النجمة في سماء خالية. بل لمعت فوق شرق أوسط ممزق بالجدران، ونقاط التفتيش، والخراب، والصلوات المتضاربة، وآلاف الموتى، والأرامل والأيتام. في زقاق ببيت لحم، في نفس اللحظة، كانت عائلة تعد مهدًا صغيرًا أمام منزلها. لا شيء مزخرف حقًا: خيش مسترجع من كيس أرز، بضع تماثيل بلاستيكية تالفة، طفل يسوع ملفوف بقطعة قماش صفراء، خراف بلا رعاة، مريم العذراء والقديس يوسف بألوان باهتة. سأل صبي والده: — أبي، لماذا ما زلنا نصنع مهدًا هنا؟ أجاب الأب ببساطة: — لأننا ما زلنا هنا يا بني. في تلك الليلة، رأى الطفل النجمة الجديدة. بدت وكأنها تتقدم ببطء، وكأنها تنتظر من يتبعها. بعيدًا عن ذلك، كان راعي غنم في صحراء يهودا يُعيد قطعانه قبل حلول الليل. لقد واجه لقاءات سيئة وسمع الكثير من إطلاق النار في الأيام الأخيرة. هو أيضًا رفع عينيه. وفي أماكن أخرى، في بغداد، في غزة، في عمان، في القدس الشرقية، شعر رجال ونساء بنفس القلق ممزوجًا بدعوة غريبة: ألا يبقوا صامتين، أن يأملوا رغم كل يأس. فبدأ كل هؤلاء الناس رحلتهم. كان هناك رعاة، تركوا قطعانهم لرعاة آخرين؛ معلمة أرادت أن تفهم لماذا «المستقبل قد حزم حقائبه»؛ إسكافي من الناصرة، كانت دكانه تعتمد بشكل أساسي على التصليحات، لأنه لم يعد أحد يشتري الجديد؛ أخوان فرقهما جدار لكنهما يتحدثان عبر الهاتف؛ راعي، كان يعرف الدروب التي لا تحمل لافتات؛ أسقف؛ إسكافيون، أيديهم ما زالت مليئة بالجلد والغراء والغبار، قالوا لأنفسهم إن الأقدام المتعبة ستحتاج قريبًا إلى صنادل جيدة؛ بالغون قلقون، يحملون أسئلة أثقل من حقائبهم. التقوا عند حواجز التفتيش، في حافلات مكتظة، في غرف الانتظار. لم يكونوا يتحدثون نفس اللغة دائمًا، لكنهم كانوا يتشاركون نفس الصمت. على الطريق، قاموا بلقاءات غير متوقعة. التقوا بثلاثة حكماء عادوا من كل شيء. لم يكن لديهم نفس اللغة، ولا نفس الصلاة، ولا نفس الملابس. لكنهم جميعًا كانوا يحدقون في نفس النجمة. على بعد كيلومترات قليلة، في مبانٍ مكيفة، خلف أبواب مصفحة، رأوا مسؤولين سياسيين محاطين بالحراس والخطابات. كانوا يبحثون عن حل للغز يعود إلى الطوفان الأول. - ماذا تبحثون عنه؟ سأل الأطفال. - الحل لدولتين، أجاب المسؤولون.   ثم تقدم رجل عجوز يرتدي الأبيض، يحمل اسمًا يعود للقرن الثالث عشر. وإلى جانبه سار حكيم من الأزهر. كانا يتحدثان بلغة الصمت المفهوم. أخيرًا، وصل الجميع إلى مكان بسيط جدًا. ليس حصنًا. ليس قلعة. كنيسة متضررة في جنوب لبنان. كانت عائلة تسكنها. هناك رأوا طفلة حديثة الولادة سمّاها والداها تيمّناً بـ «الأمل». تقاسم الرعاة الحليب والعسل. قدم أحدهم الزيتون. التزم الجنرالات ورؤساء الدول الصمت لأول مرة. قُدم لهم القهوة. تبادلوا الكلمات كباقات زهور. أدرك المسافرون حينها أن الله غالبًا ما يُلتقى به حيث لم يتوقع أحد العثور عليه. غطت صحفية الحدث واهتم مخرج بقصته. أما النجمة، فقد انقسمت إلى مليارات الأضواء الصغيرة، واحد لكل شخص يصلح خطأً. وبدأ العالم، ببطء، يتعلم المشي من جديد، كطفل يخطو خطواته الأولى.

الأسواق المالية في ٢٠٢٥: عام يتحدى الجاذبية الاقتصادية (٣/١)

بينما يستعد بابا نويل للنزول ككل عام في مداخن العالم كله، ومع اقتراب عام 2025 من نهايته، تقدم الأسواق المالية العالمية صورة كانت ستبدو غير معقولة — بل مستحيلة تمامًا — في بداية العام. تنهي معظم مؤشرات الأسهم الرئيسية العام عند مستويات قياسية، أو بالقرب من أعلى مستوياتها التاريخية، مسجلةً بذلك عامًا ثالثًا على التوالي من الأداء الاستثنائي. في الولايات المتحدة، سجل مؤشر S&P 500 القياسي ارتفاعًا بنحو 17% وقت كتابة هذا التقرير، بعد مكاسب بلغت 23% في عام 2024 و 24% في عام 2023. وهذا يمثل تقدمًا تراكميًا بنحو 77% على مدى ثلاث سنوات — وارتفاعًا استثنائيًا يزيد عن 1000% منذ بداية السوق الصاعدة الهيكلية في مارس 2009. الأسواق الأوروبية، على الرغم من النمو الراكد، وعدم الاستقرار السياسي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، سلكت المسار نفسه. في ألمانيا، ارتفع مؤشر DAX بنسبة 22% منذ بداية عام 2025. وتقدم مؤشر FTSE 100 البريطاني بنسبة تقارب 30%، مسجلاً أحد أفضل أداءاته السنوية على الإطلاق. أما مؤشر IBEX 35 الإسباني فقد حقق ارتفاعًا مذهلاً بنسبة 48% هذا العام، متحديًا بذلك القيود المالية وعدم اليقين السياسي. في اليابان، يواصل مؤشر نيكاي 225 «التحليق» عند مستويات قياسية، مع تقدم بنسبة 26% في عام 2025. كما فاجأت الأسهم الصينية بالارتفاع: فقد تقدمت الأسواق المحلية بنحو 17%، بينما حققت الأسهم المدرجة في هونغ كونغ مكاسب تزيد عن 23%. وحتى الأسواق الناشئة — التي طالما اعتبرت الأكثر عرضة لارتفاع أسعار الفائدة وتشديد السيولة العالمية — أظهرت حماسًا لم يتوقعه سوى قلة. على سبيل المثال، ارتفع مؤشر KOSPI الكوري الجنوبي بنسبة مذهلة بلغت 71% منذ بداية العام. في الوقت نفسه، بلغت الأصول التي يُنظر إليها تقليديًا كتحوطات ضد عدم الاستقرار مستويات تاريخية. تجاوز الذهب بشكل حاسم مستويات كانت تُعتبر في السابق غير قابلة للتجاوز نفسيًا وهيكليًا، مسجلاً مكسبًا ملحوظًا بنسبة 71% هذا العام. وحقق الفضة أداءً أفضل، بارتفاع حوالي 149% منذ بداية العام. كما سجلت مجموعة واسعة من السلع — من الطاقة إلى المعادن الصناعية — تقدمًا قويًا، مما يعكس الحماسة المضاربية والتوترات الهيكلية الأعمق. ويروي العقار قصة مماثلة. ففي الولايات المتحدة واليابان وجزء كبير من أوروبا، تصل أسعار العقارات إلى مستويات قياسية، وغالبًا ما تكون أعلى بكثير من ذروتها قبل عام 2007. تفترض هذه التقييمات بيئة أسعار فائدة منخفضة بشكل مستمر وسيولة وفيرة — وهو افتراض يتزايد بعده عن الواقع. في العديد من المدن العالمية الكبرى، تظل الأسعار أعلى بكثير من مستوياتها قبل الجائحة، على الرغم من ارتفاع تكاليف الاقتراض، وتراجع القدرة على تحمل التكاليف، وضعف ميزانيات الأسر. باختصار، كان عام 2025 عامًا استثنائيًا للمجازفين، حيث انتهى به المطاف وكل شيء تقريبًا بأسعار مرتفعة — وغالبًا ما تكون مرتفعة بشكل غير عادي. ومع ذلك، وفقًا لمعظم المعايير الاقتصادية التقليدية، فإن السياق العالمي لا يدعو للطمأنينة على الإطلاق. لقد مر العالم بأحد أكثر البيئات الجيوسياسية توترًا منذ عقود. تباطأ النمو في جزء كبير من العالم المتقدم. وبلغت مستويات الدين العام والخاص ذروتها التاريخية. وتضاعفت المخاطر الجيوسياسية بدلاً من التراجع — من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية، ومن التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى إلى عودة التوترات في القارة الأمريكية. السياسة النقدية، التي كانت في السابق قوة استقرار في حقبة ما بعد عام 2008، أصبحت الآن مقيدة بالواقع السياسي والتجاوزات في الميزانية. هنا يكمن التناقض الأساسي لعام 2025: عام ازدهرت فيه الأسواق المالية بينما بدت الأسس الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الكامنة أكثر هشاشة بشكل متزايد. لم يكن هذا العام عامًا تميز باختراقات في الإنتاجية، أو نمو واسع النطاق في الدخل، أو توسع جديد للتجارة العالمية. بل تشكل بفعل السيولة، والروايات، والتركيز — عام لم يتجه فيه رأس المال نحو الأمان أو القيمة، بل نحو الأصول التي بدت الأكثر انفصالًا عن الواقع. كل ما كان يجب ألا ينجح قد نجح المسار الاستثنائي للأسواق المالية في عام 2025 ليس وليد الصدفة. إنه نتاج تفاؤل جماعي، ووعود تكنولوجية، وآمال متجددة في النهضة الاقتصادية. مع ضعف الإشارات الاقتصادية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، لم تعيد الأسواق تقييم المخاطر بالطريقة التقليدية. لقد انغمست في روايات — تلك الجذابة، للذكاء الاصطناعي، والروبوتات الشبيهة بالبشر، والتقنيات التحويلية التي لم يتم اختبارها بعد على نطاق واسع. بالتوازي، ترسخ لدى المستثمرين اعتقاد بأن البنوك المركزية ستحمي دائمًا الأسواق من التراجعات الكبيرة، من خلال تخفيف الأوضاع النقدية بمجرد ظهور التوترات. سمح هذا المزيج القوي من اليقين الروائي والتطمينات السياسية لازدهار المخاطرة، حتى عندما تدهورت الأساسيات. وقد تراجعت الحيطة تدريجيًا لتحل محلها المضاربة، حيث أصبحت الأسواق أقل اهتمامًا بالواقع الاقتصادي وأكثر اعتمادًا على التوقعات والمعتقدات. لم يسبق في التاريخ أن كانت مشاركة المستثمرين الأفراد بهذا الارتفاع، ولم يكن التركيز على عدد قليل من الأوراق المالية بهذه القوة، ولم يكن تأثير الرافعة المالية بهذه الأهمية، ولم تكن التقييمات بهذا الارتفاع، ولم يكن الفارق بين «الأغنياء» و«المحرومين» بهذا التطرف. يشير التاريخ إلى أن مثل هذه اللحظات تنذر بانتقال — من التوسع إلى الهشاشة، ومن الحماس إلى الضعف.