شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
سنة جديدة سعيدة 2026!
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

أيها المواطنون الأعزاء، يوم الخميس 1 كانون الثاني 2026 سيتحوّل لبنان تحولًا جذريًا! ستعمل الكهرباء على مدار الساعة، 24/24، من دون مولدات أو اشتراكات موازية. سيُحاكم جميع الأشرار والفاسدين، من أصغر عصفور إلى أقدم غراب، مهما علا موقعه. ستعمل الدولة—بالمعنى الحقيقي لكلمة تعمل، لا تَنهَب. دولة تكون فيها الخدمات الأساسية للجمهورية فعّالة لا مشلولة. وبالتوازي، سيكون مشغلو الطائرات المسيّرة من طراز MK في بطالة تقنية، نظرًا لأن حزب الله سيُنزَع سلاحه شمال وشرق وغرب نهر الليطاني. والسؤال الكبير—بحرف كبير—هو: كيف يحدث ذلك (حتى لو كنتم في الأول من كانون الثاني ما زلتم غارقين في الحرف أو في الفعل)؟ ببساطة، لأن كل سنة جديدة في لبنان هي وعد بمعجزة، تُؤجَّل حتمًا إلى السنة التالية. الآن، استفيقوا. خذوا حبّتي باراسيتامول وتنفسوا! إن يوم الخميس 1 كانون الثاني 2026 ليس سوى ثانية واحدة إضافية على يوم الأربعاء 31 كانون الأول 2025. ثانية واحدة . لا قطيعة. لا ثورة. لا “إعادة ضبط” ولا “ctrl + alt + delete”. والآن بعد أن يزول صداع ما بعد السُّكر، يمكنكم أن تعودوا إلى العبوس، فالمشهد مُحبط: النظام نفسه، القادة أنفسهم، الأكاذيب نفسها، حتى لو بحّت أصواتكم وأنتم تغنون أغنية ABBA الخالدة في الساعة النفسية، التي هي في لبنان ساعة نفسية-عقلية، إذ يظن الجميع أن السنة الجديدة ستكون أفضل. لم يُصلَح شيء عند منتصف الليل. لم يُمحَ شيء مع العدّ التنازلي. لبنان لا يخضع لأي تقويم؛ إنه جامد، يوم جرذ أرضي دائم منذ ما يقارب الأربعين عامًا. أطلقت قناة Canal Plus شعارها الجديد: «لا تسلّم خيالك لأيّ كان». وأنا أقترح ألّا تسلّموا أحلامكم لأحد، وإلا فإنكم، في أحسن الأحوال، قد تخاطرون بالقميص المقيّد، أو في أسوأ الأحوال، بأن تُؤخَذوا على أنكم حمقى—مع أن من الأفضل أن يُساء الظن بكم كالأوّلين لا كالثانين، علمًا أن كثيرين منّا، ولا سيما الذين يتبعون عميانًا تعاليم بعض الحركات أو الأحزاب، لا خطر عليهم من القميص المقيّد. نعم، سنة سعيدة. سنة أخرى من الاستمرارية في الكارثة، وقبل كل شيء، موعدنا في 31 كانون الأول المقبل، لنحتفل مجددًا بمرور الزمن، في بلد يرفض سكانه بعناد التقدّم، متجمّدين في الماضي، متّكلين على الله أو على الله… وقريبًا على يهوه أيضًا.

لماذا تراهن إسرائيل على صوماليلاند؟

إن الاعتراف الرسمي بإقليم أرض الصومال من قبل إسرائيل، الذي أعلنه بنيامين نتنياهو يوم الجمعة الماضي، يقدم نظرة جديدة حول أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، والتوازنات الجيوسياسية العالمية. وفي حين تعتزم الحكومة الإسرائيلية استغلال التداعيات الإيجابية لدبلوماسيتها، تختلف الآراء داخل الدولة العبرية وفي جميع أنحاء العالم. تمتد أراضي أرض الصومال، الواقعة شمال غرب الصومال، على مساحة 175 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها حوالي خمسة ملايين نسمة. وهي تتوافق مع المستعمرة البريطانية السابقة للصومال، بينما احتلت إيطاليا بقية البلاد. أعلن الإقليم استقلاله عام 1991، بينما كانت جمهورية الصومال تغرق في الفوضى بعد سقوط النظام العسكري للدكتاتور سياد بري. تتحكم أرض الصومال في واجهة بحرية استراتيجية على خليج عدن، بالقرب المباشر من مضيق باب المندب، وهو ممر رئيسي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. يمر حوالي 10% من التجارة البحرية العالمية عبر هذه المنطقة. نقطة استراتيجية رئيسية منذ عدة سنوات، تعرض هذا المسار للضعف بسبب هجمات الحوثيين اليمنيين، المدعومين من إيران، على السفن التجارية، في سياق صراع إقليمي أوسع منذ حرب غزة. بالنسبة لمؤيدي الاعتراف، هذا العامل الجغرافي محوري. فإسرائيل، المنخرطة في عدة جبهات أمنية، ترى في أرض الصومال منصة محتملة للتعاون في مجال الاستخبارات والمراقبة البحرية ومكافحة التهديدات غير المتماثلة، ولا سيما الطائرات بدون طيار والصواريخ. وعلى بعد حوالي 300 إلى 500 كيلومتر من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، ستوفر الأراضي عمقًا استراتيجيًا مشابهًا لما طورته إسرائيل مع أذربيجان في مواجهة إيران. كشفت دراسة أجراها المجلس الأطلسي أن حركة المرور في باب المندب قد انخفضت خلال الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية، وقدر صندوق النقد الدولي أن حجم التبادل التجاري عبر السويس قد انخفض بنحو 50% في أوائل عام 2024. الاستقرار السياسي إلى جانب موقعها، تُقدم أرض الصومال من قبل مؤيديها كاستثناء إقليمي. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، لديها مؤسساتها الخاصة: برلمان منتخب، عملة، جيش، شرطة، وإدارات مدنية. وقد نظمت عدة انتخابات تعددية، وضمنت انتقالات سلمية للسلطة، وحافظت على استقرار نسبي، مما يتناقض بشكل حاد مع الصومال المجاورة التي تعاني من تمرد الشباب الإسلامي وتجزئة سياسية مزمنة. التحالف مع الغرب تؤكد إسرائيل أيضًا على التوافق السياسي لأرض الصومال. وقد كثّرت سلطات هرجيسا، عاصمة المنطقة الانفصالية، من إشاراتها باتجاه القوى الغربية، والإمارات العربية المتحدة، وتايوان، والآن إسرائيل، مع إظهار عداءها للنفوذ الصيني والتركي والإسلامي في المنطقة. وفي سياق التنافس المتزايد بين القوى الكبرى حول الطرق البحرية الاستراتيجية، فإن تجاهل فاعل مستقر وتعاوني نسبيًا سيكون، وفقًا لهذه القراءة، إهمالًا استراتيجيًا. يُنظر إلى هذا الاعتراف أيضًا كرسالة موجهة إلى واشنطن. يرى العديد من المسؤولين والمحللين الإسرائيليين أن الولايات المتحدة يجب أن تحذو حذو تل أبيب. ويؤكدون أن التزام أمريكا بمبدأ «صومال موحدة» لم يعد يعكس حقائق الواقع على الأرض، وأن استقرار أرض الصومال يعتمد تحديدًا على انفصالها عن النظام السياسي الفاشل في مقديشو. وقد عرض مسؤولون من أرض الصومال على الولايات المتحدة الوصول إلى ميناء استراتيجي ومدرج طائرات موروث من الحرب الباردة، مقابل اعتراف رسمي. النظام القبلي ومع ذلك، هذه القراءة المتفائلة محل نزاع من قبل البعض. يرى العديد من الخبراء أن القرار الإسرائيلي ينطوي على مخاطر كبيرة وقد يكون له نتائج عكسية. يتعلق الانتقاد الأول بالهشاشة الداخلية لأرض الصومال. فبالرغم من صورتها المستقرة، إلا أن الإقليم يعاني من انقسامات عميقة. يلعب الانتماء العشائري دورًا محوريًا في السياسة، وفي قضايا ملكية الأراضي، وفي التمثيل. الحرب الهجينة على الصعيد العسكري البحت، يرى المنتقدون أن فكرة أن أرض الصومال يمكن أن تغير التوازن الاستراتيجي في مواجهة الحوثيين هي فكرة وهمية. فقد قاوم الحوثيون سنوات من الضربات الجوية السعودية والأمريكية ويستمرون في تعطيل الملاحة بوسائل منخفضة التكلفة. ووفقًا لهذا التحليل، فإن حملة برية بقيادة أطراف تمتلك جيوشًا منظمة وإرادة سياسية حقيقية هي وحدها القادرة على هزيمتهم، وهي قدرات لا تملكها أرض الصومال. أرض بديلة للفلسطينيين؟ هذا العام، أفادت تقارير صحفية أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تواصلتا مع أرض الصومال، من بين دول أخرى، بخصوص استضافة فلسطينيين من غزة. ولم تتطرق أرض الصومال، التي كانت قد نفت في ذلك الوقت إجراء أي نقاش من هذا النوع، ولا إسرائيل إلى هذه المسألة في بياناتهما الصادرة يوم الجمعة. خطر الإرهاب وثمة خطر كبير آخر يتعلق بالتطرف. فقد أدانت حركة الشباب، التابعة لتنظيم القاعدة، على الفور الاعتراف وهددت بمحاربة أي محاولة إسرائيلية «لاستخدام» أرض الصومال. ويخشى المحللون من أن يُستغل الشعور القوي المناهض لإسرائيل الموجود في جزء من المجتمع الصومالي من قبل الإسلاميين لتعزيز تجنيدهم وشرعيتهم، من خلال تصوير حكومة هرجيسا كحليف «للصهيونية» وخائن للقضية الفلسطينية. إدانات من جميع الجهات دبلوماسياً، أثار الاعتراف موجة من الإدانات. فقد أعادت جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى دول رئيسية مثل مصر وتركيا والصين، تأكيد التزامها بالوحدة الترابية للصومال. وتخشى العديد من الدول الأفريقية، التي تواجه هي نفسها مطالبات انفصالية، من خلق سابقة. حتى الولايات المتحدة، التي كانت تتودد إليها هرجيسا، رفضت أن تحذو حذو إسرائيل. وقد استبعد دونالد ترامب علنًا الاعتراف الفوري، مؤكدًا على العزلة الدبلوماسية المحتملة لمثل هذه الخطوة. ومن جانبها، أعربت المملكة العربية السعودية عن معارضتها، مما قلل من تأثير هذه المبادرة على أي توسع محتمل لاتفاقيات إبراهيم. يوم السبت، نددت طهران بـ «مناورة خبيثة من قبل النظام الصهيوني» و«مؤامرة تهدف إلى تفكيك» الصومال. ورداً على سؤال من صحيفة نيويورك بوست حول إمكانية اعتراف واشنطن، أجاب الرئيس الأمريكي بـ «لا»، رافضًا بذلك أن يتبع حليفه الإسرائيلي. وأضاف: «سندرس ذلك»، قبل أن يتساءل: «هل هناك حقًا أشخاص يعرفون ما هو أرض الصومال؟»... بين الفرصة الجيوستراتيجية وعامل زعزعة الاستقرار، لا يمكن قياس الآثار الحقيقية لهذا القرار إلا بمرور الوقت وديناميكيات المنطقة.

أنشطة القرض الحسن في مواجهة القانون اللبناني

القرض الحسن هي جمعية ذات طابع اجتماعي. ومع ذلك، فقد أصبحت تدريجياً جزءاً من المشهد المالي الموازي مع تفاقم الأزمة التي اندلعت في خريف عام 2019. أدى انهيار القطاع المصرفي وفقدان ثقة المودعين إلى خلق فراغ مؤسسي استطاعت الجمعية استغلاله. هذه الديناميكية، وإن كانت تلبي حاجة حقيقية في سياق فشل عام، إلا أنها لا تبدد بأي شكل من الأشكال العديد من التساؤلات القانونية التي تثيرها. إنها تسلط الضوء على حدود الإطار القانوني اللبناني والمخاطر النظامية التي تثقل كاهل كل من المودعين والاقتصاد الوطني. نذكر في هذا السياق أن جمعية القرض الحسن تأسست في سياق الغزو الإسرائيلي عام 1982. في عام 1987، حصلت على إشعار تسجيل من وزارة الداخلية تحت الرقم 218 أ.د. في الأصل، كانت رسالتها اجتماعية وتضامنية بحتة. ولا تزال خاضعة قانوناً للقانون العثماني للجمعيات لعام 1909، الذي يقيد الأنشطة بالمؤسسات غير الربحية ويحظر أي عملية مالية تتجاوز الغرض المعلن. ومع ذلك، فإن منح القروض بانتظام وإدارة الضمانات الذهبية يتجاوزان هذا الإطار بوضوح، مما يخلق تناقضاً هيكلياً بين الوضع القانوني للكيان وواقع أنشطته. القروض المضمونة بالذهب: نموذج قانوني معقد تمنح الجمعية بشكل أساسي قروضاً بالدولار مضمونة بودائع ذهبية تقدر قيمتها مسبقاً، مع هامش يغطي المخاطر. منذ عام 2020، تتيح أجهزة الصراف الآلي عمليات سحب بالليرة اللبنانية أو بالعملات الأجنبية. هذه الممارسات لا تخضع للقواعد الاحترازية المطبقة على البنوك وتثير تساؤلات تتعلق بتشريعات الصرف الأجنبي والقيود التي تحكم تداول العملات خارج الرقابة الرسمية. يحدد قانون النقد والتسليف لعام 1963 النشاط المصرفي بدقة. فالمادتان 70 و 71 تحصران استلام الأموال ومنح الائتمانات وإدارة وسائل الدفع بالمؤسسات المرخصة من قبل مصرف لبنان. وتحدد المادتان 2 و 4 العملة القانونية وطرق التسوية. من خلال جمع الأموال ومنح القروض، تمارس جمعية القرض الحسن فعلياً وظائف مصرفية دون ترخيص، في انتهاك مباشر للإطار القانوني المعمول به. أدت هذه الوضعية إلى قيام مصرف لبنان بإصدار التعميم رقم 170 عام 2021، الذي يحظر صراحة على المؤسسات المالية والبنوك العاملة في لبنان أي تفاعل مباشر أو غير مباشر مع جمعية القرض الحسن، بما في ذلك فتح الحسابات، تنفيذ التحويلات، توفير خدمات الدفع أو أي عملية مماثلة. بهذا التعميم، يعترف المصرف المركزي فعلياً بوجود لاعب مالي موازٍ يمثل مخاطر نظامية، بينما لا يمنحه أي وضع مصرفي رسمي. تعكس هذه الخطوة مقاربة حذرة ولكنها متضاربة قانونياً: فالمؤسسة تعتبر نشطة بما يكفي لتبرير إجراء محدد، لكنها تبقى خارج نطاق الإشراف والتنظيم. لإلغائها بالكامل، يجب على وزارة الداخلية سحب ترخيص القرض الحسن بتطبيق قانون توازي الأشكال. يأتي ظهور كيان «جود» مباشرة ضمن هذه المنطقة الرمادية التي أنشأها التعميم 170. فمن خلال تجزئة الهياكل قانونياً وتعدد التسميات، فإن إعادة التشكيل هذه تعقد التطبيق العملي للتعميم وتزيد من المخاطر على المودعين. نشاط خارج عن أي رقابة مؤسسية يتمتع مصرف لبنان بصلاحية حصرية في تنظيم الشؤون النقدية والمالية. تمنحه المادة 13 من قانون النقد والتسليف هذه الصلاحية، بينما تنظم المواد من 174 إلى 178 آليات الرقابة والعقوبات. هذه الترتيبات لا تنطبق على جمعية القرض الحسن ولا على «جود»، اللتين تفلتان أيضاً من التعميمات والتوجيهات الصادرة عن المصرف المركزي والمتعلقة بالائتمانات وعمليات العملات الأجنبية. هذا الغياب للرقابة يعرض المودعين لمخاطر كبيرة ويضعف النظام النقدي الوطني. في سياق هذا الفراغ التنظيمي، تزيد التطورات الأخيرة لجمعية القرض الحسن من التساؤلات القانونية. فبعد الحرب المسماة «حرب الدعم»، اختارت الجمعية إعادة تشكيل واجهتها القانونية لحماية نفسها من أي محاولة للسيطرة أو المساءلة. تجسدت هذه الاستراتيجية في اعتماد اسم جديد، «جود»، مما يسمح بمواصلة نفس الأنشطة المالية تحت كيان منفصل، خارج أي إشراف مصرفي فعال وتحت نظام من القيود القانونية المخففة محتملاً. «جود» هي ثمرة تفكير داخلي أجراه موظفو جمعية القرض الحسن اعتباراً من 7 أبريل 2025. اختيار هذا الاسم، ذي الدلالة العربية الإسلامية، يندرج ضمن منطق الاستمرارية الرمزية مع إحداث قطيعة شكلية على الصعيد القانوني. تم تسجيل الكيان في السجل التجاري في بعبدا تحت الرقم 2078233، مع أول تأسيس في الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم في السجل التجاري في النبطية تحت الرقم 6007003 كمؤسسة ثانية، في شهر نوفمبر. هذه إعادة الهيكلة لا تغير طبيعة الأنشطة الممارسة ولا المخاطر التي يتعرض لها المستخدمون، ولكنها تميل إلى تجزئة المسؤولية القانونية وتعقيد أي إجراء قضائي يستهدف الكيان الأصلي. وهكذا يبدو تغيير الاسم بمثابة إجراء وقائي، يستبق أي ملاحقات محتملة ضد القرض الحسن مع الحفاظ على تشغيل نظام مالي موازٍ. علاوة على ذلك، يُزعم أن الحسابات المصرفية لهذا الكيان الجديد مفتوحة لدى بنك صادرات إيران في لبنان. متطلبات قانون النقد والتسليف يفرض قانون النقد والتسليف على المؤسسات المالية التزامات صارمة. فالمادتان 121 و 125 تتطلبان بشكل خاص شكل شركة مساهمة ورأسمالاً أدنى، بينما تنص المادتان 178 و 181 على ترخيص مسبق وإشراف مستمر من قبل مصرف لبنان. جمعية القرض الحسن، وكذلك كيانها المسمى «جود»، لا تستوفي أياً من هذه المتطلبات، مما يجعل وضعهما القانوني غير متوافق بشكل أساسي مع النشاط الممارس. إن غياب الترخيص يستبعد هذه الكيانات من نطاق تطبيق القانون رقم 318/2001، المعدل بالقانون رقم 44/2015، المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. فالتزامات العناية الواجبة، وتحديد هوية العملاء، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، التي تخضع لإشراف هيئة التحقيق الخاصة، لا تنطبق عليها، مما يخلق فراغاً تنظيمياً مقلقاً. خلاصة واضحة وتقنية ختاماً ذو طابع قانوني، فإن الاستنتاج قاطع: الاحتكار المصرفي لا يُحترم؛ إشراف مصرف لبنان غائب؛ الوضع القانوني للجمعية غير مناسب؛ التزامات الشفافية ومكافحة غسل الأموال لا تنطبق؛ حماية المودعين غير موجودة. توضح هذه التحليلات، القانونية والتقنية البحتة، والمستقلة عن أي قراءة سياسية، كيف يمكن لفاعل مالي موازٍ أن يتطور في سياق مؤسسي هش، وتؤكد على الحاجة الملحة لتعزيز الإطار القانوني لحماية المدخرات والحفاظ على استقرار النظام المالي اللبناني.

السيولة، الوقود الذي غذّى الأسواق في عام ٢٠٢٥ (٣/٣)

إذا كان الذكاء الاصطناعي قد وفّر الوقود السردي للأداء الاستثنائي للأسواق في عام 2025، فقد وفّرت السيولة الأكسجين. وإذا كان التركيز قد انصب إلى حد كبير على سياسات البنوك المركزية الغربية، فإن المصدر الأكثر استمرارية — والأكثر زعزعة للاستقرار في نهاية المطاف — للسيولة العالمية جاء من مكان آخر: من اليابان. على مدى عقود، كانت اليابان تُنظر إليها على أنها شذوذ — اقتصاد محاصر بالانكماش، يعمل وفقًا لمنطقه النقدي الخاص ومنفصل إلى حد كبير عن الدورات العالمية. في عام 2025، ثبت أن هذا التصور تجاوزته الأحداث بشكل خطير. لم تظل اليابان مجرد دولة متساهلة؛ بل أصبحت أحد الميسرين الرئيسيين لتحمل المخاطر العالمية. لسنوات، جمع بنك اليابان تريليونات الدولارات من السندات والأسهم في ميزانيته العمومية مع الحفاظ على أسعار فائدة قريبة من الصفر. أسعار الفائدة اليابانية المنخفضة للغاية والين الذي يتدهور باستمرار قد أعاد تنشيط وتضخيم تجارة الفائدة العالمية. تدفقت رؤوس الأموال المقترضة بتكلفة منخفضة بالين إلى أصول ذات عائد أعلى في جميع أنحاء العالم — الأسهم، الائتمان، الأسواق الخاصة والاستثمارات المضاربة — مما عزز شهية المخاطرة إلى حد كبير خارج حدود اليابان. في الواقع، قامت اليابان بتصدير السيولة إلى النظام المالي العالمي في وقت كانت فيه البنوك المركزية الأخرى تحاول، بحذر وبشكل غير متناسق، سحبها. أصبحت تجارة الفائدة بالين أحد أقوى عوامل ارتفاع أسعار الأصول في عام 2025، حيث غذت في الوقت نفسه تقييمات أسهم أعلى وزيادة في الرافعة المالية في جميع أنحاء النظام المالي. لكن اليابان دخلت عام 2025 مقيدة بواقعها الهيكلي الخاص. مع دين عام يتجاوز 235% من الناتج المحلي الإجمالي، ونظام مالي يعتمد على أسعار فائدة منخفضة للغاية، وسوق سندات محلية هشة، فرض عودة التضخم واحتمال النمو الاقتصادي المستدام تغييرًا استراتيجيًا. في سبتمبر 2025، أضفى بنك اليابان الطابع الرسمي على قراره بوقف شراء الأصول وأصبح بائعًا صافيًا للسندات والأسهم. في ديسمبر، رفع أسعار الفائدة مرة أخرى، مما دفع عوائد السندات طويلة الأجل للغاية إلى مستويات قياسية. كانت الآثار فورية وعالمية: وجدت تجارة الفائدة بالين نفسها في خطر شديد — وبالتالي، الأصول الخطرة في جميع أنحاء العالم. بينما استمرت السيولة في تضخيم الأسواق المالية، كان الاقتصاد الحقيقي يرسل إشارة مختلفة تمامًا. قفزت السلع — التعبير الأكثر وضوحًا عن العرض والندرة والتوترات الجيوسياسية — عبر الطيف بأكمله. ارتفعت الطاقة والمعادن الصناعية والموارد الاستراتيجية جميعها بشكل حاد، مما يعكس سنوات من نقص الاستثمار، وتجزئة سلاسل التوريد، والتكاليف المتزايدة للعولمة. هذا الارتفاع في السلع ليس ازدهارًا دوريًا؛ إنه توتر هيكلي. على عكس الأصول المالية، تستجيب السلع لقيود مادية. إنها تدمج الجيولوجيا، والجغرافيا السياسية، وكثافة الطاقة، والوقت. دخل العالم عام 2025 بمخزونات مستنزفة، وسلاسل توريد مجزأة، ومنافسة استراتيجية متزايدة على الموارد — من المعادن الحيوية إلى الغذاء والطاقة. في هذه البيئة، تصادمت السيولة المستمرة مع العرض المحدود. التأثير حاسم: لم يختف خطر التضخم — إنه يتزايد. ومع ذلك، طوال عام 2025، قامت الأسواق إلى حد كبير بتضمين عودة إلى الانكماش وتخفيف السياسات، حتى مع ارتفاع تكاليف المدخلات، وأسعار السلع، والضغوط على الموارد الاستراتيجية. هذا التناقض — تخفيف الظروف المالية في مواجهة القيود المتزايدة في الاقتصاد الحقيقي — غير مستقر بطبيعته. إنه يضع البنوك المركزية في موقف مستحيل: إما التسامح مع التضخم أو المخاطرة بزعزعة استقرار الأسواق التي أصبحت تعتمد على السيولة. قد تفرض أسواق السندات هذا الخيار في عام 2026. دور اليابان يضخم هذا الخطر. من شأن ضعف الين مرة أخرى أن يعزز التضخم عبر ارتفاع أسعار الواردات والسلع. على العكس من ذلك، فإن أي تقدير كبير قد يؤدي إلى تفكيك مفاجئ لتجارة الفائدة، مما يزعزع استقرار أسعار الأصول العالمية. يحمل كلا السيناريوهين عواقب لم تستوعبها الأسواق بعد بشكل كامل. دعم الذكاء الاصطناعي والسيولة الارتفاع في عام 2025. وتطرح السلع الآن تساؤلات حول استدامته. وقد بدأ مجال العملات المشفرة — التعبير الأكثر نقاءً عن الفائض المضاربي — بالفعل في التحول، حيث انخفض سعر البيتكوين بأكثر من 35% عن ذروته في أكتوبر. يقدم التاريخ أمثلة قليلة حيث يتم حل تشويه نقدي مطول، ورافعة مالية متزايدة، وتشديد القيود المادية دون تقلبات. إن المسار الاستثنائي للأسواق المالية في عام 2025 قد يكشف في النهاية عن ميل مفرط للتفاؤل الذي يميز فقاعات الاستثمار، أكثر مما يكشف عن ولادة عصر جديد مدمر.

لبنان بعد الأعياد: حربٌ مؤجَّلة أم سِلمٌ مُعلَّق؟

مع انتهاء الأعياد، يعود القلق ليخيّم على اللبنانيين بسؤال بات وجوديًا: هل يتجه لبنان نحو حرب جديدة، أم أن البلاد ستبقى في هدنة هشّة قابلة للانهيار في أي لحظة؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، لم يعد كافيًا وحده. فخلفه يبرز سؤال أكثر عمقًا وخطورة: إذا كانت المبادرة العسكرية تأتي من الطرف الإسرائيلي، وحزب الله لا يرد منذ وقف إطلاق النار، فهل هذا عجز أم قرار؟ ومن يملك أصلًا حق اتخاذ قرار الحرب والسلم في لبنان؟ لبنان اليوم لا يعيش حربًا شاملة، لكنه لا ينعم بسِلم فعلي. هو عالق في مساحة رمادية خطيرة، حيث التهدئة ليست استقرارًا، والتصعيد لا يصل إلى حد الانفجار الكبير. هذه المنطقة الرمادية، التي اعتادها اللبنانيون، تستنزف البلد بصمت، وتُبقيه في حال انتظار دائم لما قد يأتي من الخارج. ميدانيًا، لا يمكن إنكار أن الجنوب اللبناني لا يزال ساحة مفتوحة. الخروقات الإسرائيلية مستمرة بأشكال مختلفة، من ضربات موضعية إلى رسائل عسكرية وأمنية محسوبة. إسرائيل، في هذا السياق، لا تشن حربًا شاملة، لكنها تمارس سياسة اختبار الحدود: اختبار قدرة الخصم على الرد، وحدود صبره، وإمكانية فرض قواعد اشتباك جديدة بقوة الأمر الواقع. في المقابل، يبرز امتناع حزب الله عن الرد الواسع منذ وقف إطلاق النار كعامل أساسي في النقاش العام. البعض يفسّر هذا السلوك على أنه ضعف أو عجز، لكن هذا التفسير يبقى مبسّطًا إلى حد التضليل. فالحزب، من حيث الإمكانات العسكرية والتنظيمية، هل فقد فجأة قدرته على الرد أو المبادرة؟. بنيته هل تفككت؟، وسلاحه هل اختفى؟ وانتشاره خل لا يزال قائمًا؟ لذلك، لا يمكن اختصار المشهد بعامل العجز العسكري في ظل هذه الاسئلة. الفرق الجوهري هنا هو بين القدرة والقرار. الحرب ليست مسألة تقنية، بل خيار سياسي بامتياز. وقرار حزب الله، في هذه المرحلة، يظهرونه كقرار تريّث لا قرار مواجهة. هذا التريّث تحكمه عوامل إقليمية واضحة. فالحزب جزء من محور أوسع تقوده إيران، وهذا المحور لا يرى مصلحة في تفجير الجبهة اللبنانية الآن. الأولوية، حتى إشعار آخر، هي إدارة الصراع لا توسيعه، وضبط الاشتباك لا كسره، واستخدام الساحات كورقة ضغط سياسية لا كساحات حسم عسكري. إلى جانب العامل الإقليمي، هناك العامل الداخلي اللبناني، وهو لا يقل أهمية. أي حرب واسعة ستقع كلفتها على بلد منهار أصلًا: اقتصاد مشلول، دولة غائبة، مؤسسات مفككة، ومجتمع منهك إلى حدّ العجز. حزب الله، مهما كانت حساباته الإقليمية، يدرك أن حربًا جديدة ستضعه في مواجهة ليس فقط مع إسرائيل، بل مع واقع لبناني غير قابل لتحمّل المزيد من الدمار، وربما مع بيئته الحاضنة نفسها. في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا التريّث يحمل ثمنًا سياسيًا ومعنويًا. استمرار الضربات الإسرائيلية من دون ردّ واضح يطرح أسئلة جدّية حول مفهوم الردع، ويضعف سردية “توازن الرعب”. كما أنه يعمّق شعور اللبنانيين بأن بلدهم مكشوف، وأن القرار العسكري منفصل عن الدولة، لكنه في الوقت نفسه غير خاضع لأي مساءلة وطنية. أما الحديث عن السِلم، فهو بدوره يحتاج إلى تدقيق. ما يعيشه لبنان ليس سلامًا ناتجًا عن تسوية أو اتفاق، بل هو سِلم الضرورة. تهدئة مفروضة بتوازنات إقليمية ودولية، لا بإرادة لبنانية سيادية. وهذا النوع من السلم هشّ بطبيعته، لأنه مرتبط بحسابات الآخرين، لا بمصلحة الدولة اللبنانية أو استقرارها. هنا تكمن المعضلة الأساسية: لبنان ليس طرفًا مقرّرًا في الحرب ولا في السلم. هو ساحة تُدار فوقها الصراعات، لا دولة تجلس إلى طاولة القرار. لا يملك القدرة على فرض شروطه، ولا على حماية نفسه سياسيًا قبل أن يكون أمنيًا. هذا الغياب هو الخطر الحقيقي، وهو ما يجعل السؤال عن الحرب أو السلم سؤالًا ناقصًا ما لم يُربط بإعادة بناء الدولة ودورها. بعد الأعياد، وعلى الأرجح، لن نشهد حربًا شاملة، كما لن نعيش سلامًا مستقرًا. سنبقى في المنطقة الرمادية نفسها: لا حرب تُحسم، ولا سِلم يُبنى. إسرائيل تختبر وتضغط، حزب الله "يضبط ويتريّث"، ولبنان يدفع ثمن الانتظار. المسألة ليست ما إذا كان حزب الله يستطيع الرد أم لا، ولا ما إذا كانت إسرائيل ستصعّد اليوم أو غدًا. المسألة الأعمق هي: إلى متى يبقى قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة اللبنانية؟ فمن دون دولة قادرة، سيبقى لبنان معلّقًا بين حرب مؤجّلة وسِلمٍ هشّ، رهينة توازنات لا يملك التحكم بها، ومجتمعًا يتمنى فقط “ألا يحدث الأسوأ”، بدل أن يطمح إلى مستقبل آمن ومستقر.

2025... سنة مغربيّة بامتياز
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

كانت السنة 2025 سنة مغربيّة بامتياز. كانت سنة انتصار المغرب في الحرب التي تعرّض لها طوال نصف قرن منذ استعاد، سلما، أقاليمه الصحراويّة من المستعمر الإسباني. لماذا كانت تلك الحرب؟ ولماذا استمرارها طوال نصف قرن؟ لماذا لم يستطع النظام في الجزائر الإعتراف يوما بأنّ حرب الإستنزاف التي شنّها على المغرب مستخدما أداة اسمها "بوليساريو" لم تكن سوى حرب مكشوفة سترتد عليه عاجلا أم آجلا؟ توجد مجموعة من الأسئلة تكشف، بين ما تكشف، صمود المغرب في وجه التحديات التي اجهها من جهة وأنّ قضيّة الصحراء كانت في كلّ وقت قضيّة وطنية تهمّ كلّ مواطن في الصميم المملكة من جهة أخرى. جاء انتصار المغرب، الذي كرسّته السنة 2025، بصفة كونها سنة مغربيّة، بشكل قرار صدر عن مجلس الأمن حمل الرقم 2797. أكّد القرار ما هو مؤكّد. أكّد "مغربية الصحراء" وسيادة المغرب عليها وأنّ مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها الملك محمّد السادس في 2007 "في أساس" أي مفاوضات في شأن الصحراء. ركّز على أن الطرف الآخر في النزاع المفتعل هو الجزائر التي لم تعد تستطيع التلطي خلف "بوليساريو" بأي شكل على الرغم من كله المحاولات المبذولة للإعتراف بهذا الواقع . كان لدول الخليج العربي، منذ البداية، موقف واضح من قضيّة الصحراء ومن مغربيتها. جاءت القمة الأخيرة لدول مجلس التعاون لتثبيت الرابط بين الأمن العربي ومغربيّة الصحراء. أكّد البيان الصادر عن القمة التي انعقدت في المنامة "مغربية الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي لحل قضية الصحراء المغربية". رحب المجلس في بيانه الختامي، بقرار مجلس الأمن الرقم 2797، الصادر بتاريخ 31 تشرين الأوّل - أكتوبر 2025، باعتماد هذه المبادرة كـ"خطوة مهمة نحو التوصل إلى حل واقعي قابل للتطبيق". كما أشاد بقرار الملك محمد السادس، القاضي بتقديم هذه المبادرة إلى مجلس الأمن وجعل يوم 31 تشرين الأوّل - أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت مسمى "عيد الوحدة". وقفت دول مجلس التعاون باكرا مع المغرب ومع قضيته الوطنيّة. يوجد شعور عميق في دول مجلس التعاون بأن وحدة التراب المغربي جزء لا يتجزّأ من الأمن العربي ككلّ، خصوصا أنّ كلّ المحاولات التي بذلت من أجل المس بمغربيّة الصحراء كانت تصبّ في اتجاه توفير مناخ مناسب لتكثيف نشاطات المنظمات الإرهابية والمتطرّفة بكل أشكالها في منطقة الساحل الممتدة من شواطئ موريتانيا إلى جنوب السودان. لم يكن البيان الأخير للقمة الخليجية الأول من نوعه. سبقته بيانات أخرى في الإتجاه ذاته، لكنّ اللافت في البيان إشارته إلى قرار مجلس الأمن 2797 وإلى اعتماد يوم صدور القرار عيدا وطنيّا مغربيا. يكرّس ذلك عمق العلاقة التي تربط المغرب بدول الخليج العربي ووعيا لأهمّية قطع الطريق على أي تنظيمات، بمن في ذلك "حزب الله" اللبناني المدعوم من إيران، في استخدام جبهة "بوليساريو". لم يكن سرّا تدريب عناصر من "بوليساريو" في لبنان وسوريا، على استخدام مسيّرات، في مرحلة ما قبل سقوط نظام بشّار الأسد وانهيار الحزب. لا يتعلّق الأمر بنجاحات حقّقها المغرب على كلّ صعيد منذ حصول "المسيرة الخضراء" في تشرين الثاني – نوفمبر 1975 فحسب، بل يتعلّق الأمر أيضا بوجود سياسة مغربيّة ثابتة ذات حلقات متماسكة. بدأت هذه السياسة بتحصين الصحراء عن طريق بناء سلسلة من الجدران والحواجز الطبيعية مكنت أهلها من العيش بأمان. توّجت هذه السياسة في 2025 بصدور القرار 2797 الذي لم تعترض عليه لا روسيا ولا الصين. يشير ذلك إلى شبكات العلاقات التي بناها محمّد السادس في العالم. لا تعتبر دول مثل روسيا والصين جمعيات خيريّة بمقدار ما أنّها دول تبحث عن مصالحها. ما كان لدولتين تمتلك كلّ منهما حق "الفيتو" في مجلس الأمن الإمتناع عن التصويت لولا وجود مصالح حقيقية لكلّ منهما في المغرب. استطاع المغرب جعل نفسه لاعبا على الصعيدين الإقليمي والدولي. كانت من بين أهمّ الخطوات التي أقدم عليها محمّد السادس تحقيق إختراقات إفريقية. لم يقتصر الأمر على الدول الإفريقية الفرنكفونية، بل إخترق المغرب دولا إفريقية ناطقة بالإنكليزية. لا يمكن الإستهانة بطبيعة الإستثمارات المغربية في القارة السمراء، وهي استثمارات قائمة على المنافع المتبادلة، بما في ذلك مصانع انتاج الأسمدة الكيميائية بفضل الفوسفات المغربي وبناء مدارس ومستشفيات ونشر الإسلام المعتدل. طوّر المغرب الصحراء كي تكون الواجهة الأطلسية لدول القارة السمراء. لا بدّ من الإشارة، في هذا المجال، إلى الدور الذي بات يلعبه ميناء الداخلة الذي يعدّ نفسه لدور كبير على صعيد الربط بين إفريقيا والقارة الأميركيّة. أكثر من ذلك لا يستطيع المراقب المحايد تفادي الإعتراف بأهمّية خط انابيب النفط والغاز الذي يجري بناؤه والذي يخترق دولا عدة انطلاقا من نيجيريا. يبقى السؤال الأساسي ما سرّ الإنتصار المغربي؟ السرّ في العلاقة بين العرش والشعب، وهي علاقة قائمة على الثقة المتبادلة التي سمحت للمغرب بالدفاع عن صحرائه من جهة ومتابعة البناء من جهة أخرى. بات المغرب يتمتع ببنية تحتية متقدمة، خصوصا في ما يتعلّق بشبكة السكة الحديد التي تربط بين المدن والمناطق المختلفة. المهمّ أن لا عقد في المغرب. هذا يعني أنّ لا عيب في الكلام العلني عن أي مشاكل يمكن أن تبرز، من نوع أزمة التعليم والطبابة وتتسبب باحتجاجات. كلّ ما في الأمر أن المغرب بلد متصالح مع نفسه. يمكنّه ذلك من مواجهة التحديات وبعضها تفرضه الطبيعة مثل الجفاف أو الهزات الأرضيّة. يحدث ذلك بعيدا عن الغوغاء والمزايدات. يحدث ذلك عن طريق متابعة مسيرة الإنماء والإعمار في بلد يمتلك رؤية واضحة، هي رؤية الملك محمّد السادس التي تقوم على الإستثمار في الإنسان المغربي الذي يبقى الثروة الحقيقية للبلد...