شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
عيد الميلاد وثمن الفداء
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

إنّ معنى عيد الميلاد يستوقفنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، في عالم يزداد تفتّتًا، ويزداد «عدميّة» بالمعنى الوجودي للكلمة. فبعيدًا عن الطابع التجاري والاحتفالي، أو حتى الروحي والديني، فإنّ عيد الميلاد هو في جوهره يدٌ ممدودة إلى الإنسان بكل عيوبه، ومظالمه، ونقائصه، من دون أي تمييز. ليس المقصود هنا ترويج أخلاق استهلاكية سطحية، ولا روحانية علمانية مفرغة من مضمونها، بل التساؤل بصدق عمّا يعنيه هذا الموعد، خارج التجربة الآنية، وخارج تلك المتعة الحسية الجميلة التي تمزج بين الأضواء والأناشيد والنكهات، أو فرح الهدايا في عيون الأطفال الأبرياء. عيد الميلاد ليس مناسبة للانكفاء على الذات. فحتى وإن كانت هذه المناسبة تُحيي الدفء العائلي حول الموقد والمشاركة، حول مائدة أو شجرة، فهي لا تعني الانغلاق أو العودة إلى نواة غرائزية منغلقة. على العكس تمامًا. منذ فجر التاريخ، كان الانقلاب الشتوي حدثًا يُنتظر بشغف. كان الناس يستعدّون له منذ الربيع، محتفين بلهيب الحياة في قلب ظلمة العتمة. نورٌ مهيب للحياة، يتجلّى أولًا في المشاركة مع الآخرين، بلا أي فرق. مع جميع الآخرين. في العصور القديمة، كانت الحواجز الاجتماعية تُلغى في هذا اليوم، في نشيدٍ صادر عن القلب احتفالًا بالإيثار، وعودةً إلى ما يميّز الإنسان: إحساسه بالخدمة الاجتماعية، وبأن غايته تتحقق في غاية الآخر. في التبادلية، بعيدًا عن الأنانية. ولهذا يجلس المدعوون إلى المائدة نفسها، لا لمجرد اللقاء، بل لكي يجد كلٌّ نفسه في الآخر، في القريب. تلك هي جوهر الرابطة الاجتماعية. وعلى هذا الأساس، فإن عيد الميلاد «سياسي» بعمق، بوصفه فعلًا لحفظ المجتمع وطقسًا لتطهير الذات عبر الآخر. إنّه، من حيث المبدأ، لحظة هدنة تتوقّف فيها مؤقتًا أشكال العنف الرمزي، كاشفةً عمّا صار بنيويًا على مدار بقية العام. وفي نهاية عام 2025، التي تتّسم بتفكّك للنظام العالمي غير مسبوق على الأرجح منذ القرن الماضي، يحين الوقت لدفن الكراهية والانتقام، والتخلّي عن العنف، أيًّا كان شكله أو هدفه. ففي هذه المساحة البينيّة، بين ظلال الشتاء وضوء النار ودفئها، تدور أعنف المعارك الداخلية وأصعبها — شرط أن نختار عدم تخديرها بالانغلاق الذاتي الخامل أو بالمادية الأبيقورية. إنّه الزمن الأمثل لمحاسبة النفس، وللتفكير في آلياتنا الداخلية التي تحوّل المخاوف إلى سرديات أخلاقية، ثم إلى هويات منغلقة؛ والتي تخلط باستمرار بين البقاء والعدالة؛ والتي تبرّر الفضيلة البطولية للتعويض عن اللامسؤولية الجماعية؛ والتي تسمح بانزلاق الكراهية تدريجيًا من شعور مخجل إلى قضية سياسية مُعلنة… عيد الميلاد هو، إلى حدّ ما، تعريةٌ لكل ما لم يعد صالحًا — من الفردي إلى المجتمعي. وليس من قبيل الصدفة أن يأتي عيد الميلاد في أعماق الليالي المتجمّدة، في اللحظة التي يكون فيها كل إنسان، وقد أنهكته سنة من المسؤوليات والاختبارات والآلام المتنوّعة، يصارع من أجل البقاء. كانت أعباء الإنسان، وإن بدت فارغة أحيانًا، لا تقلّ ثقلًا، كما غنّى ليونارد كوهين. عيد الميلاد ملجأ، ومذود، لإعادة التشكّل بعيدًا عن أنظار العالم، لالتقاط الأنفاس، وللغوص في أعماق الذات والتساؤل عمّا يحدّدها. تختفي الشمس، ويصبح لزامًا على كلٍّ منا أن يعثر عليها في داخله، في شركة مع الآخرين، في اندفاعة من الرجاء والفرح والسلام. عيد الميلاد هو اللحظة النموذجية للفداء — بشرط القدرة على فتح القلب أمام ثلاثية الحرية–المسؤولية–التبادلية التي يفترضها التوجّه نحو الآخر. إنّه لحظة التعاطف بامتياز. إن روح عيد الميلاد، متجاوزةً الأديان والجماعات والروحانيات والأخلاق، هي اختيار لقيم ومعايير، بل وأكثر من ذلك، اختيارٌ مجتمعي: اختيار العيش المشترك في ظل الاختلاف واحترام الآخرين، وفي التواضع. إنّه الوقت الذي ينبغي فيه قبول التخلّي عن أنانيةٍ تمنحها القوة واليقين، للعودة إلى الشك غير المتناظر الذي يجعل منا بشرًا حقيقيين، قادرين على الدهشة، وعلى ممارسة نقد ذاتي عميق، وعلى التعبير عن الامتنان لما أُعطي لنا، سواء كان خيرًا أم شرًّا. في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر، تفقد الغضب والضغينة والشقاء والحكم والشر معناها. لا تزول سحرًا، بل بالوعي. ذلك أنّ الولادة الجديدة، والفداء، لهما هذا الثمن — وأننا، على الرغم من جراحنا واضطراباتنا وتصدّعاتنا ومخاوفنا المرعبة، مدعوون إلى أن نحبّ، وأن نشارك، وأن نحبّ ذواتنا من دون إصدار أحكام. وربما يبقى السؤال الجوهري الوحيد الذي يستحق أن يُطرح في هذا المطلع الكارثي من القرن الحادي والعشرين: ما الذي يستحق اليوم أن يُنقَذ، خارج ثنائية الدنيوي–المقدّس التي ابتعدت أكثر من أي وقت مضى عن ذلك الحراك الثنائي الاتجاه بين التعالي والحضور الإنساني؟ على كلٍّ منا أن يجد، في أعماق ذاته، الجواب عن هذا السؤال. عند هذا الحد، لم تعد الكلمات تُجدي نفعًا.

 القرض الحسن دخل مرحلة «ما بعد التصفية»

تحت تأثير العقوبات الأمريكية والقيود التي فرضها مصرف لبنان والخسائر التي تكبدها خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل، سعى حزب الله إلى إعادة تشكيل ذراعه المالي الرئيسي، القرض الحسن. ويهدف هذا «إعادة التموضع»، الذي يُقدم على أنه «قانوني»، إلى الحفاظ على قبضته على الاقتصاد الموازي وقاعدته الاجتماعية. تأسست جمعية القرض الحسن في عام 1982، وتعمل خارج الإطار المصرفي القانوني. ساهمت الأموال الإيرانية في البداية في رأسمال الجمعية. ثم استكملتها رؤوس أموال لبنانية، وخاصة من رواد الأعمال في إفريقيا، على مدى عدة سنوات. وفقًا لوزارة الخزانة الأمريكية، التي أدرجت القرض الحسن في عام 2007 على قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات ثم شددت هذه العقوبات في عام 2021، تدير هذه الجمعية أحجامًا مالية مماثلة لتلك التي تديرها بنك متوسط الحجم، بينما تتجنب أي إشراف رسمي. تقدر السلطات الأمريكية أن الشبكة تخدم مئات الآلاف من المستفيدين في جميع أنحاء لبنان، معتمدة على أصول مادية مهمة، بما في ذلك ودائع الذهب المستخدمة كضمانات، دون رقابة من السلطات المالية اللبنانية. منذ انهيار النظام المصرفي في عام 2019، أصبحت جمعية القرض الحسن بديلاً لقطاع وصفته المؤسسات الدولية بأنه «معسر بشدة»، مما عزز تبعية القاعدة الاجتماعية لحزب الله اقتصاديًا ووطد سلطته المالية والسياسية خارج أي هيكل دولي. شرعية رمزية أدت سياسة القيود الصارمة التي فرضها مصرف لبنان منذ عام 2019 – قيود على السحب، ومراقبة التحويلات إلى الخارج، وتنظيم عمليات الصرف الأجنبي – إلى خلق بيئة مواتية لازدهار الهياكل المالية غير المنظمة. وفي هذا السياق، ظهرت جمعية القرض الحسن للبعض كبديل للدولة والقطاع المصرفي، بسبب إفلاسهما. يمنح مبدأ القرض الحسن، القائم على القروض بدون فائدة، هذه الجمعية شرعية رمزية قوية داخل المجتمع الشيعي. ويعتمد حزب الله على هذا المرجع لتقديم الجمعية كعمل اجتماعي. ووفقًا لعالم السياسة علي حمادة، فإن هذه الرمزية استراتيجية أيضًا لتأثير الحزب السياسي: فقد سمحت باختراق طبقات اجتماعية تتجاوز المجتمع الشيعي، مما وسع نفوذه الاقتصادي والاجتماعي. لكن في الواقع، تعمل جمعية القرض الحسن كشبكة مصرفية موازية، تتلاعب بسيولة كبيرة خارج أي رقابة حكومية وخارج الإشراف الرسمي لمصرف لبنان أو لجنة الرقابة على المصارف. يشير علي حمادة في هذا الإطار إلى أن الجمعية بدأت مرحلة تسمى «ما بعد التصفية»، حيث أعادت توزيع بعض الأنشطة على كيانات أخرى تابعة لحزب الله، خاصة في قطاع الذهب. وتتم عمليات شراء وبيع ورهن الذهب الآن عبر شركة «جود»، وهي شركة تجارية لديها رقم ضريبي وترخيص، ومديرها العام من عائلة كرنب يخضع للعقوبات الأمريكية. تُنقل الأنشطة ذات الطابع المصرفي تدريجياً إلى هياكل قانونية أخرى، حيث تُقدم العمليات على أنها مجرد مبيعات سلع، متجاوزة بذلك المراقبة المالية. الإغلاق سيكون حتميًا ويؤكد علي حمادة علاوة على ذلك أن توقيت إغلاق أو مراقبة جمعية القرض الحسن يقع على عاتق رئاسة الجمهورية وليس وزارة الداخلية. وتفسر هذه المسؤولية الحذر في دراسة الملف، بهدف تجنب الاضطرابات المالية للمودعين وإدارة التأثير الرمزي لمثل هذا الإجراء على الطائفة الشيعية وما بعدها. في مواجهة الضغط الدولي والأمريكي، يبدو إغلاق الجمعية حتميًا الآن، حتى لو استمرت هياكل أخرى في تولي بعض أنشطتها. نفت الجمعية هذا الإغلاق المحتمل، مؤكدة أنها «تواصل العمل باسمها المعتاد، في جميع فروعها في لبنان». وأوضحت أن عمليات شراء وبيع الذهب، نقدًا أو بالتقسيط، تتم حصريًا عبر شركات تجارية قانونية. ويوضح هذا التوضيح تعقيد النقل التدريجي لوظائف القرض الحسن إلى كيانات مثل جود، مما يسمح بالتمييز القانوني بين العمليات التجارية والأنشطة شبه المصرفية.

« الإمبراطورية الإيرانية » : إسرائيل وتحالف الأقليات، استقرار متناقض (5/5)

يبدو من الضروري التوقف لحظة عند اللعبة الخبيثة التي تمارسها إسرائيل، بصفتها سيد العرائس، في سياق الطموحات الجيوستراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. لمدة نصف قرن، وجدت تل أبيب في «تحالف الأقليات» (العلويين، المسيحيين، الدروز، شيعة لبنان، الأكراد) حاجزًا جيوسياسيًا للمناطق السنية النائبة. وقد استندت العقيدة الإسرائيلية «للمحيط» (سنوات 1950-70) بالفعل إلى مبدأ: التحالف مع الأقليات لكسر الحصار السني. في هذا السياق، كانت الأنظمة العلوية في دمشق — حافظ ثم بشار الأسد — أعداء معلنين ولكنهم متوقعون؛ مستقرين أيديولوجيًا؛ مهووسين ببقائهم الداخلي؛ ويمكن ردعهم تمامًا. فضلت إسرائيل أسدًا ساخرًا وعقلانيًا على سوريا سنية قومية أو إسلامية. وقد سار العالم الغربي، من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، على خطى الدولة العبرية، بدافع النفعية البحتة. لقد قدم أزلام نظام الأسد الكثير من الخدمات الجيدة والمخلصة لأجهزة الاستخبارات الأوروبية على مدى العقود الأربعة الماضية… فلماذا التخلص من عدو متساهل إلى هذا الحد؟ ومما يثير السخرية، فإنه بعد عقود عدة من مجازر حمص وحماة، لم تبدأ هذه الدول في الترحيب بسقوط نظام غير إنساني لطالما شرعته، إلا اليوم، حتى عندما كان يذبح المعارضين المدنيين بلا هوادة في عام 2011 ويسلم البلاد لداعش عن طريق العفو عن الإسلاميين، ليصرخوا بعد ذلك «بالذئب»... لقد أزال حزب الله في لبنان جميع كوادر جبهة المقاومة الوطنية لإسرائيل، التي تشكلت من اليسار، منذ ثمانينيات القرن الماضي. وما لم تفعله الدولة العبرية، أكمله الحزب الموالي لإيران. حتى أصبح حارس حدود مثاليًا لمنع أي محاولة فلسطينية للتجذر في جنوب لبنان. في المقابل، تجاهلت إسرائيل الهيمنة السورية على لبنان عام 1990 وعلى سيطرة حزب الله على الدولة اللبنانية اعتبارًا من عام 2006. كما استغلت، على كل حال، النزاع بين حماس وفتح لإضعاف الجبهة الداخلية الفلسطينية... الحفاظ على التنافس المحاكي مع سقوط الأسد ووصول أحمد الشرع، تجد إسرائيل نفسها أمام مفارقة جيواستراتيجية: على المدى القصير، تفقد إيران — التي حان الوقت، في المنطق الصهيوني، للتقليل من غطرستها الإمبريالية المفرطة — جسرها الشامي. على المدى المتوسط، تظهر سوريا سنية مُعاد تشكيلها — بكل ما يترتب على ذلك من مجهولات عقائدية وعسكرية قبلية وإقليمية. يجب أن نفهم أن إسرائيل سعت باستمرار إلى تغذية التنافس المحاكي القائم بالفعل بين مجتمعات بلاد الشام على خلفية المخاوف الوجودية. وبالتالي، تحريض المسيحيين ضد السنة، والسنة ضد الشيعة، والعلويين ضد السنة، وفقًا للمنطق الميكيافيلي الخالص… مع إعادة التوازن عندما يختل. إن وظيفة هذه الاستراتيجية واضحة: ضمان بقاء الدولة العبرية من خلال استغلال نقاط ضعف الآخرين ومخاوفهم وتناقضاتهم، وكذلك هشاشة التعددية في المجتمعات الشامية. وبالتالي، القضاء على أي إمكانية لظهور مقاومة فلسطينية ذات مصداقية وولادة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ذات سيادة، وتتمتع بشرعية دولية. صحيح أن نظام الشرع يكسر النفوذ الإيراني بالكامل، ويغلق طرق الأسلحة نحو حزب الله، ويتقرب من الرياض وواشنطن؛ ويحاول «تطبيعًا محافظًا» لطرد ماضيه الجهادي ويشكل فرصة لتوسيع اتفاقيات إبراهيم لتشمل سوريا بشرعية سنية. لكن بالنسبة لإسرائيل، يظل هذا التشكيل الجديد غامضًا: فمجموعة جهادية سابقة أصبحت قوة دولة هي أقل قابلية للفهم من دكتاتورية علوية مستقرة، وقد يشكل نظام سني دعمًا للقضية الفلسطينية. وإذا كان الحوار معه لدفعه نحو السلام ضروريًا، فيجب الإبقاء على الضغط على النظام للحفاظ عليه في حالة من الهشاشة والتبعية، سواء بتحييد قدراته العسكرية، أو بتحريك الفصائل داخل الأقليات، أو بإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية. بالنسبة لإسرائيل، تكمن كل الازدواجية هنا: الإمبراطورية الإيرانية تنهار، ولكن معها المنطق المريح لـ«تحالف الأقليات». تفقد تل أبيب «عدوًا حميمًا» (الذي أخرت سقوطه قدر الإمكان) مع بشار — «الزوج القديم من الجوارب»، على حد تعبير مسؤول إسرائيلي عام 2011 عن الرئيس السوري — لصالح جار غير متوقع، لكنه قد يضمن لها سلامًا دائمًا، بشرط إبقائه تحت سيطرة سياسية واقتصادية غربية وعسكرية إسرائيلية محكمة. الإمبراطورية في شظايا ما تبقى لإيران، في نهاية عام 2025، لم يعد محورًا، بل أجزاء من نجم منهار: باب المندب والحوثيون، غزة المدمرة وحماس، حزب الله معزول يحاول بصعوبة إعادة تشكيل نفسه، عراق تحت السيطرة ولكنه يعاني من توترات، وسوريا ضائعة تمامًا. حتى قلب الإمبراطورية يتأوه الآن تحت وطأة العقوبات والنقص. لم تختفِ استراتيجية طهران الإمبراطورية؛ لقد تحطمت، وكانت ضحية، جزئيًا، لغرورها الإمبريالي، برغبتها في التلاعب بمن هو أقوى منها. كما حدث لصدام بعد غزو الكويت. «إذا خفض من شأنه، أمدحه؛ وإذا تباهى، أخفض من شأنه»، نصح مكيافيلي. «الضفدع الذي أراد أن يكون كبيرًا مثل الثور»، كتب لافونتين. داريوس الثالث اغتيل على يد أتباعه بعد هزيمته أمام الإسكندر وسقوط الإمبراطورية. هل سيواجه مجلس الإدارة الإيراني الحالي المصير نفسه؟ ربما. الفرق أن الإسكندر بكى داريوس الثالث. لا أحد — لا أحد على الإطلاق — سيبكي على أنقاض ولاية الفقيه. اقرأ في نفس السياق «الإمبراطورية الإيرانية»: تشريح سقوط (1/5) «الإمبراطورية الإيرانية»: في اليمن، رهان الحوثيين (2/5) «الإمبراطورية الإيرانية»: الممر البري وطموح الإمبراطورية الشامية (3/5) «الإمبراطورية الإيرانية»: العراق، جرح مفتوح؛ غزة، عمق فلسطيني (4/5)

الشارقة، رائدة الثقافة في الإمارات

منذ عقود، تميّزت إمارة الشارقة بكونها العاصمة الثقافية للعالم العربي، وهو اللقب الذي منحتها إياه منظمة اليونسكو عام 1998 اعترافاً منها بالتزام الشارقة في تشجيع الفن والثقافة والتعليم. لقد طورت الامارة في المنطقة اطارا مميزا من اجل تحقيق هذا الهدف وذلك بفضل توجيهات الامير سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة منذ عام 1972 . أدت هذه السياسة الى تحويل الشارقة الى وجهة مهمة لعشاق الفنون من الهواة والمحترفين المحليين والعالميين على حد سواء. ترتبط النهضة الفنية الحديثة في الشارقة ارتباطاً وثيقاً بمؤسسة الشارقة للفنون التي تأسست عام 2009 . فقد شكّلت هذه المؤسسة بادارة الشيخة حور القاسمي، منصة لدعم المبدعين المحليين والإقليميين وعززت في الوقت عينه الروابط مع الفنانين العالميين. تنظم المؤسسة بشكل دوري معارض كبرى، وتقيم ورش عمل بالشراكة مع مؤسسات مختلفة، إضافة إلى المنح والبرامج التوجيهية من اجل تشجيع واطلاق الفنانين الشباب والنساء و كافة المبدعين الطليعيين. من ابرز إنجازات المؤسسة تنظيم معرض Biennale de Sharjah الذي انطلق عام 1993 وقد أصبح حدثاً عالمياً يجذب آلاف الزوار. فهو يعرض أعمالاً تعكس المتغيرات الاجتماعية والفنية في العالم العربي وخارجه. ولقد جمعت نسخته الأخيرة عام 2025، التي حملت عنوان To Carry، أكثر من 200 فنان من خلفيات مختلفة طرحوا العديد من القضايا المعاصرة الملحّة واطلقوا حوارا ثقافيا عابرا للحدود. كما أولت الشارقة اهتماماً كبيرا لترميم وحماية تراثها العمراني، فحي المريجة التاريخي مثلا يحتضن عدداً من المتاحف والمساحات الفنية داخل بيوت تراثية مرممة بعناية، مما يتيح للزائر التفاعل مع الفنون المعاصرة وسط أجواء معمارية عريقة. في هذا السياق، لا بد من ذكر متحف الشارقة للفنون ، أحد أكبر المتاحف في منطقة الخليج. يفتح المتحف أبوابه مجاناً أمام الجمهور و ينظم معارض عدة متنوعة تتراوح بين روائع الرسم العربي الكلاسيكي والتصوير الفوتوغرافي المعاصر، في إطار يهدف إلى جعل الفنون في متناول الجميع. الى جانب هذه المؤسسات الكبرى، تضم الشارقة معالم بارزة منها مؤسسة بارجيل للفنون التي انشئت خصيصا عام 2010 من اجل عرض مجموعة التحف الفنية الخاصة بالسلطان سعود القاسمي، ومركز مرايا للفنون المتخصص بالفنون البصرية والرقمية، و متحف الشارقة للحضارة الإسلامية الذي يسلط الضوء على الفنون الإسلامية التقليدية ويحتوي على تحف ومخطوطات نادرة. كما تزيد من غنى المشهد الفني عشرات المعارض و دور الرسم المستقلة التي تعزز التبادل الثقافي بين الفنانين والقيّمين على المعارض من جهة و الجمهور من جهة اخرى. تعكس وتيرة المشاريع الثقافية الناشطة في الشارقة التي تشجع على الابتكار والتجارب الفنية الرائدة، رؤية البلد الثقافية وهي جعل الفن والثقافة في متناول الجميع وبناء مجتمع منفتح ومتفاعل مع الآخرين. في هذا الاطار، غالباً ما ترافق المبادرات الفنية الرائدة مؤتمرات وحفلات موسيقية وعروض سينمائية ومعارض ضخمة لفنانين من مختلف الجنسيات. على سبيل المثال المعرض الذي اقيم لاهم اعمال الفنان الكويتي طارق الغوصين وكذلك معرض الفنان الاماراتي حسن شريف، إضافة الى عدة معارض لمبدعين اوروبيين واميركيين واسيويين. على الرغم من تجذّرها في التقاليد المحلية والعربية العريقة، فإن تأثير الشارقة الفني منتشر عالمياً بفضل تعاونها الوثيق مع مؤسسات ثقافية دولية، أبرزها اليونسكو، فضلاً عن مشاركة فنانين من المهجر العربي واجانب في المعارض. تجسّد هذا التعاون جائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية ، التي أُطلقت عام 1998، والتي تمنح سنوياً الى شخصيتين أو مؤسستين تميزتا في خدمة الثقافة والفنون العربية.. وقد حققت الإمارة بفضل نشاطها هذا اعترافاً دولياً واسعاً بدورها الرائد في نشر الثقافة في المنطقة، فلقد اعطي لها عام 2014 مثلا إضافة الى لقب عاصمة الثقافة العربية لقب العاصمة الإسلامية للثقافة من منظمة التعاون الإسلامي، ولقب العاصمة العالمية للكتاب لعام 2019 من اليونسكو.. لقد نجحت الشارقة من خلال برامجها الطموحة، وتمسكها بالتنوع، وشراكاتها مع الفنانين والمؤسسات العالمية في مجالي الفن والثقافة في بناء توازن دقيق بين التقاليد العريقة والحداثة، بين الشرق والغرب، فأصبحت مركزا فنيا ديناميكيا مبتكرا ورسّخت عبر السنين مكانتها الرائدةً كعاصمة للثقافة العربية على الساحة الدولية.

« الإمبراطورية الإيرانية »: العراق، جرح مفتوح؛ غزة، عمق فلسطيني (4/5)

لطالما كان العراق حجر الزاوية للمناورات والطموحات الجيوستراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبدون العراق، لا شيء يبقى: لا الممر البري نحو سوريا، ولا اقتصاد الالتفاف على العقوبات، ولا شبكة الميليشيات التي كانت تضمن لإيران عمقًا استراتيجيًا في الخليج. وقد سيطرت الميليشيات الشيعية القوية (الحشد الشعبي)، التي تمولها وتدربها وتشرف عليها قوات الحرس الثوري، لسنوات على المناطق الحدودية في القائم/البوكمال، حيث كانت تمر الأسلحة والرجال والتكنولوجيا نحو سوريا ولبنان. الحكومة العراقية المترددة كانت تتأرجح باستمرار بين واشنطن وطهران، لكن النفوذ الإيراني بقي هائلاً. اليوم، أصبح العراق ساحة تناقضات: تتزايد الضغوط الأمريكية لمعاقبة الشبكات الموالية لإيران؛ أصبحت الميليشيات ضعيفة بعد تفكك الجبهة السورية؛ النزاع الداخلي الأخير حول تصنيف حزب الله والحوثيين، الذين أُدرجوا ثم سُحبوا من قوائم الإرهاب في غضون أيام قليلة، يظهر بوضوح ارتباكًا؛ وأخيرًا وليس آخرًا، يتشكل الآن تيار قومي عراقي يرفض التدخل الإيراني والسيطرة الأمريكية على حد سواء. تلعب بغداد الآن دور المتوازن بين واشنطن وطهران والرياض. تحتفظ طهران بنفوذ حقيقي وأساسي هناك، لكنها لم تعد تملك «الممر» الذي كان يجعل من العراق امتدادًا طبيعيًا لبنيتها الدفاعية. لا تزال الحلقة العراقية موجودة؛ لكنها لم تعد تنظم الفضاء الإقليمي غزة، أو العمق الفلسطيني للمحور الإيراني تبقى غزة. لماذا هذا الارتباط الجيوسياسي بالقضية الفلسطينية، بغض النظر عن المكسب السياسي الذي شكلته منذ عام 2006 – أي امتداد سني لإيران وورقة تفاوض مع الغرب بشأن الملف النووي، لأنها أداة ضغط على إسرائيل؟ لفهم غزة في الاستراتيجية الإيرانية، يجب فك اللبس عن الأسطورة: حماس ليست صنيعة إيرانية. حماس هي التعبير الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين، وقد سهّلت إسرائيل بشكل واضح ترسيخها لخلق ثقل موازن لحركة فتح، السلطة الفلسطينية، ولتقسيم الصفوف الفلسطينية، وتبرير استمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني باسم وجود تيار متطرف إرهابي. بين عامي 1990 و2000، اقتربت حماس تدريجياً من إيران وحزب الله، على خلفية رفض اتفاقيات أوسلو. وفي عام 2007، أدت سيطرة حماس على غزة على حساب فتح إلى زيادة اعتمادها المتزايد على الدعم الإيراني على جميع المستويات. صحيح أن حماس ليست حزب الله — الذي هو امتداد مباشر للحرس الثوري عبر لبنانيين. إنها تحتفظ باستقلال ذاتي أيديولوجي وتكتيكي — لكنها جزء لا يتجزأ تمامًا من الاستراتيجية الإيرانية. بالنسبة لطهران، تخدم غزة ثلاث وظائف. أولاً، تشكل جبهة داخلية دائمة ضد إسرائيل. قطاع غزة لا غنى عنه لتل أبيب: فهو محاط، ومتفجر، ومن المستحيل تحييده سياسياً دون تكلفة بشرية وعسكرية هائلة. لم ينجح التدمير المنهجي للقطاع والتصفية المنهجية لسكانه منذ أكتوبر 2023 في هزيمة حماس. يثبت الصراع جزءًا من الجيش الإسرائيلي، ويمنع إسرائيل من التحرك بحرية في المنطقة، ويفتح ثغرة دائمة في الأمن الداخلي الإسرائيلي... لكن، ومن المفارقات، فإنه يسمح لبنيامين نتنياهو بالبقاء في السلطة على الرغم من اتهامات الفساد الموجهة إليه. ثانيًا، تضمن غزة شرعية فلسطينية للرواية الإيرانية — وهي وظيفة يؤمنها أيضًا خطاب حزب الله. بدون غزة، لا تستطيع إيران الادعاء بأنها بطلة القضية الفلسطينية. مع غزة، يكتسب سرد «المقاومة» مضمونًا — حيث توفر الصواريخ على تل أبيب وأشكلون الأيقونات اللازمة للخرافات الإيرانية. إنه الإلهاء المثالي لتحويل انتباه الشعوب العربية عن الأساسي: سيطرة ولاية الفقيه على الشرق الأوسط باسم استعادة عصر ذهبي إمبريالي أسطوري. المقال القادم - إسرائيل وتحالف الأقليات: استقرار متناقض اقرأ في نفس الموضوع «الإمبراطورية الإيرانية»: تشريح سقوط (1/5) «الإمبراطورية الإيرانية»: في اليمن، رهان الحوثيين (2/5) « الإمبراطورية الإيرانية » : الممر البري ومشروع الإمبراطورية المشرقية (3/5)

الرجاء النسيان
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

بالنسبة للكثيرين، النسيان آلية تكيف تساعدهم على تجاوز المصاعب. لكنه أيضًا الوسيلة—وغالباً الهدف—الذي يسعى إليه مرتكبو الأخطاء الحريصون على محو آثارهم. شعب بذاكرة سمكة ذهبية هو حلم كل صياد: شكل من أشكال ألزهايمر الجماعي يضمن حياة هادئة، سلسة وغير مضطربة. ولبنان ربما هو المثال الأكثر وضوحاً. مؤخرًا، بدأت بعض المؤسسات المالية بتقديم عوائد ذات فائدة على الودائع النقدية—وهو تعبير لم نسمعه منذ عام 2019. وبالنسبة للكثيرين، هذا أسوأ من التفاحة في جنة عدن: كان آدم وحواء عاريين قبل أن يتناولا لقمة، بينما استسلمنا نحن لأسعار الفائدة الربوية هذه، التي قادتنا مباشرة إلى التآكل والخراب. هذه الإعلانات صادمة. إنها توحي بأنه قبل عام 2019 كان ينبغي أن نكون أكثر يقظة بشأن الاستثمارات المتهورة—قرارات اتخذتها البنوك نفسها دون موافقتنا. البنوك ذاتها التي باعت لنا ذات يوم راحة البال، ومستقبلًا مشرقًا، وشعارات أكثر حلاوة حتى من شعارات النظام السوفيتي. ومع ذلك، وعلى الرغم من صحة أن الدولة هي الثقب الأسود الأساسي، لا تزال بعض وسائل الإعلام تتمكن من تبرئة البنوك من أي مسؤولية، كما لو أن أصحابها فوق الشبهات. ومن الغريب أن كل واحد من هؤلاء المصرفيين نقل أمواله إلى الخارج. على الأقل كان فيليب موريس يتمتع باللياقة لاستهلاك منتجه الخاص—وإن كان ذلك قد قتله. بفضل متلازمة سمكة ذهبية هذه التي حولتنا نحن اللبنانيين إلى ضحايا مسرحية هزلية، يعمل القادة السياسيون والبنوك يدًا بيد لمحو الماضي وفتح "صفحة جديدة". لو كانت البنوك متسقة، لكانت قد رفعت دعوى قضائية ضد الدولة منذ سنوات. ولكن في هذا التشابك السياسي المالي الفوضوي، من المستحيل فصل الحقيقة عن الباطل، ويبقى الواقع مدفونًا في بيوت الدعارة المحاسبية. يُطلب منا أن نبدأ من جديد—نسخة جديدة من قصيدة كيبلينج " إذا "، بناءً على فكرة أننا نحن اللبنانيين "رأينا أسوأ من ذلك". وهذه المسرحية الهزلية تعمل بشكل جميل بفضل عاملين: الوقاحة واللامبالاة. الوقاحة تعرف أولئك الذين سرقونا والذين يتفاخرون الآن بثمار عملنا. وكلما ازداد هؤلاء المجرمون ازدراءً، ازداد محيطهم من الأغبياء النافعين والمتسلقين الاجتماعيين. البعض نقل كل شيء إلى الخارج خلال الأزمة؛ والبعض الآخر يمحو الدين العام بضربة قلم—أي مدخراتنا. كل هذا يتكشف وسط لامبالاة شبه تامة، يغذيها مفهوم سخيف يسمى المرونة. هذه القدرة—الأكثر قوة من أي مهدئ—تمحو ذاكرة أولئك الذين هوسهم الوحيد هو العيش وكأن شيئًا لم يحدث، " اغتنم اليوم " دائم. الوقاحة واللامبالاة: الركيزتان التوأمتان لهذه الجمهورية الموزية المسماة لبنان، والتي يجب أن تبقى دون تغيير—خاصة خلال العطلات أو مواسم الصيف. لو شهد كيبلينج هذه الأحداث، لكان قد فزع من قدرتنا على النسيان، وربما كان قد كتب: إذا كان بإمكانك أن ترى عمل حياتك يدمر ودون كلمة—خجلًا—تبدأ من جديد؛ ترى مدخراتك تُسرق بلا خجل أو عذر، وتتحدث عن المستقبل على خلفية غروب الشمس وكوكتيلات الدايكويري؛ إذا كان بإمكانك إعادة بناء منزلك، الذي دُمر في الرابع من أغسطس، تبقى صامتًا وتدفع دون إثارة شك؛ عالمًا أن الدولة، مثل المجرفة، ستعود غدًا لتحفر وتُحكم قبضتها على حلقك؛ إذا كان بإمكانك أن تخسر كل شيء دون أن تقول لا أبدًا، تعتبر عبوديتك قوة هادئة، وتبدأ من جديد دون أن ترمش، معتبرًا نفسك مرنًا، إذًا ستعرف لبنان حقًا، وستكون، للأسف، أحمق حقيقي يا بني.