
إنّ معنى عيد الميلاد يستوقفنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، في عالم يزداد تفتّتًا، ويزداد «عدميّة» بالمعنى الوجودي للكلمة. فبعيدًا عن الطابع التجاري والاحتفالي، أو حتى الروحي والديني، فإنّ عيد الميلاد هو في جوهره يدٌ ممدودة إلى الإنسان بكل عيوبه، ومظالمه، ونقائصه، من دون أي تمييز. ليس المقصود هنا ترويج أخلاق استهلاكية سطحية، ولا روحانية علمانية مفرغة من مضمونها، بل التساؤل بصدق عمّا يعنيه هذا الموعد، خارج التجربة الآنية، وخارج تلك المتعة الحسية الجميلة التي تمزج بين الأضواء والأناشيد والنكهات، أو فرح الهدايا في عيون الأطفال الأبرياء. عيد الميلاد ليس مناسبة للانكفاء على الذات. فحتى وإن كانت هذه المناسبة تُحيي الدفء العائلي حول الموقد والمشاركة، حول مائدة أو شجرة، فهي لا تعني الانغلاق أو العودة إلى نواة غرائزية منغلقة. على العكس تمامًا. منذ فجر التاريخ، كان الانقلاب الشتوي حدثًا يُنتظر بشغف. كان الناس يستعدّون له منذ الربيع، محتفين بلهيب الحياة في قلب ظلمة العتمة. نورٌ مهيب للحياة، يتجلّى أولًا في المشاركة مع الآخرين، بلا أي فرق. مع جميع الآخرين. في العصور القديمة، كانت الحواجز الاجتماعية تُلغى في هذا اليوم، في نشيدٍ صادر عن القلب احتفالًا بالإيثار، وعودةً إلى ما يميّز الإنسان: إحساسه بالخدمة الاجتماعية، وبأن غايته تتحقق في غاية الآخر. في التبادلية، بعيدًا عن الأنانية. ولهذا يجلس المدعوون إلى المائدة نفسها، لا لمجرد اللقاء، بل لكي يجد كلٌّ نفسه في الآخر، في القريب. تلك هي جوهر الرابطة الاجتماعية. وعلى هذا الأساس، فإن عيد الميلاد «سياسي» بعمق، بوصفه فعلًا لحفظ المجتمع وطقسًا لتطهير الذات عبر الآخر. إنّه، من حيث المبدأ، لحظة هدنة تتوقّف فيها مؤقتًا أشكال العنف الرمزي، كاشفةً عمّا صار بنيويًا على مدار بقية العام. وفي نهاية عام 2025، التي تتّسم بتفكّك للنظام العالمي غير مسبوق على الأرجح منذ القرن الماضي، يحين الوقت لدفن الكراهية والانتقام، والتخلّي عن العنف، أيًّا كان شكله أو هدفه. ففي هذه المساحة البينيّة، بين ظلال الشتاء وضوء النار ودفئها، تدور أعنف المعارك الداخلية وأصعبها — شرط أن نختار عدم تخديرها بالانغلاق الذاتي الخامل أو بالمادية الأبيقورية. إنّه الزمن الأمثل لمحاسبة النفس، وللتفكير في آلياتنا الداخلية التي تحوّل المخاوف إلى سرديات أخلاقية، ثم إلى هويات منغلقة؛ والتي تخلط باستمرار بين البقاء والعدالة؛ والتي تبرّر الفضيلة البطولية للتعويض عن اللامسؤولية الجماعية؛ والتي تسمح بانزلاق الكراهية تدريجيًا من شعور مخجل إلى قضية سياسية مُعلنة… عيد الميلاد هو، إلى حدّ ما، تعريةٌ لكل ما لم يعد صالحًا — من الفردي إلى المجتمعي. وليس من قبيل الصدفة أن يأتي عيد الميلاد في أعماق الليالي المتجمّدة، في اللحظة التي يكون فيها كل إنسان، وقد أنهكته سنة من المسؤوليات والاختبارات والآلام المتنوّعة، يصارع من أجل البقاء. كانت أعباء الإنسان، وإن بدت فارغة أحيانًا، لا تقلّ ثقلًا، كما غنّى ليونارد كوهين. عيد الميلاد ملجأ، ومذود، لإعادة التشكّل بعيدًا عن أنظار العالم، لالتقاط الأنفاس، وللغوص في أعماق الذات والتساؤل عمّا يحدّدها. تختفي الشمس، ويصبح لزامًا على كلٍّ منا أن يعثر عليها في داخله، في شركة مع الآخرين، في اندفاعة من الرجاء والفرح والسلام. عيد الميلاد هو اللحظة النموذجية للفداء — بشرط القدرة على فتح القلب أمام ثلاثية الحرية–المسؤولية–التبادلية التي يفترضها التوجّه نحو الآخر. إنّه لحظة التعاطف بامتياز. إن روح عيد الميلاد، متجاوزةً الأديان والجماعات والروحانيات والأخلاق، هي اختيار لقيم ومعايير، بل وأكثر من ذلك، اختيارٌ مجتمعي: اختيار العيش المشترك في ظل الاختلاف واحترام الآخرين، وفي التواضع. إنّه الوقت الذي ينبغي فيه قبول التخلّي عن أنانيةٍ تمنحها القوة واليقين، للعودة إلى الشك غير المتناظر الذي يجعل منا بشرًا حقيقيين، قادرين على الدهشة، وعلى ممارسة نقد ذاتي عميق، وعلى التعبير عن الامتنان لما أُعطي لنا، سواء كان خيرًا أم شرًّا. في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر، تفقد الغضب والضغينة والشقاء والحكم والشر معناها. لا تزول سحرًا، بل بالوعي. ذلك أنّ الولادة الجديدة، والفداء، لهما هذا الثمن — وأننا، على الرغم من جراحنا واضطراباتنا وتصدّعاتنا ومخاوفنا المرعبة، مدعوون إلى أن نحبّ، وأن نشارك، وأن نحبّ ذواتنا من دون إصدار أحكام. وربما يبقى السؤال الجوهري الوحيد الذي يستحق أن يُطرح في هذا المطلع الكارثي من القرن الحادي والعشرين: ما الذي يستحق اليوم أن يُنقَذ، خارج ثنائية الدنيوي–المقدّس التي ابتعدت أكثر من أي وقت مضى عن ذلك الحراك الثنائي الاتجاه بين التعالي والحضور الإنساني؟ على كلٍّ منا أن يجد، في أعماق ذاته، الجواب عن هذا السؤال. عند هذا الحد، لم تعد الكلمات تُجدي نفعًا.







