شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
بقلم
أمين جول إسكندر
نُشر

نادرًا في تاريخ البشرية، كان الهجوم التقدمي بهذه القوة والانتشار كما هو اليوم. فخلال أسوأ ساعات الماركسية، اقتصرت الغولاغات والإرهاب الفكري على بعض البلدان أو الإمبراطوريات دون أن تتمكن من إخضاع بقية الغرب. لم يتمكن الإمبراطورية السوفيتية من حظر الإيمان المسيحي وحرية الفكر والتراث الثقافي إلا في الأراضي التي كانت تسيطر عليها مباشرة أو عبر ولايات تابعة. أما اليوم، فإن الهوس التقدمي يشعل النفوس في ما قد يصفه ليو شتراوس بالعدمية المدمرة. إنها وفرة من المثقفين الزائفين الذين يسعون إلى تفكيك الإنسان من خلال إعادة نظر ذكية في جميع القيم التي تميزه. يتعلق الأمر بتحويل الشخص البشري إلى فرد مجرد من كل ما يشكله اجتماعياً وثقافياً. هذا الإنسان الجديد، المجرد من مرجعياته، يوضع وحده أمام القانون، الذي هو بحد ذاته مجرد من أي حس للتمييز. المعجم التقدمي يتم شيطنة الهوية، وتوحيد التراث، وتسليم التاريخ للنزعة التاريخية المدمرة، وتنسبية الحقيقة. يؤدي عدم اليقين المعمم حتماً إلى العدمية. وتتمثل طريقة عمل هذه النزعة الفكرية اليسارية في ترهيب منهجي يهدف إلى توقع ومنع الخطابات غير المتوافقة مع الأيديولوجية العالمية منذ البداية. وسلاحها يتكون من معجم مصقول خصيصاً لإجهاض أي محاولة للنقاش حول المواضيع التي أصبحت عقيدة للعولمة. يتم عندئذٍ ربط الهووي بالفاشي الذي يرفض الآخرية ويفتقر إلى الإنسانية. ويُلصق به صفات تتكرر بلا كلل وتعود ميكانيكياً في حلقة مفرغة. من الضروري فضح هذا المعجم الخبيث لكشفه. العبارات الأكثر تكراراً هي: الانغلاق الهووي، السلوك القبلي، فتشية العرق، الهووية الدينية، والهووية العرقية. تُستخدم مصطلحات مثل مذهب، عشيرة، قبيلة، وحتى أمة بمعنى سلبي ومُهين دائماً. ويُقابلها مفاهيم جذابة، لكنها مفرغة من معناها، لأنها منفصلة عن الواقع. وهذه المفاهيم تتكرر أيضاً في حلقة مفرغة: العيش المشترك، التعايش، الشمولية، والآخرية. الأمة، التي تُشبه بالشر، يجب حلها، مع مفاهيمها عن الحدود والتاريخ والهوية. الدين المسيحي، الذي أسس للآخرية بامتياز، يُنظر إليه كعدو وعقبة أمام هذه الآخرية. يتم تجريد الإنسان من قداسته وتجريد الحياة اليومية من روحانيتها. يتم استبدال الشخص المقدس بالفرد المستهلك ودافع الضرائب. الإنسان الجديد، مثال التقدمية الووكية والليبرالية، لم يعد له بُعد متسامٍ؛ يُقيّم فقط بناءً على إنتاجيته واحتياجاته المادية والحرارية. اليوغينيّة إن الوعي الووكوي ليس سوى التعبير المتطرف لهذه الأيديولوجيا. فبعد أن تنكر للعائلة والبلدة والوطن والإيمان والتقاليد والتراث، يدفع هذا الوعي إلى حد إنكار البديهية الجنسية. إنه رفض للخلق الإلهي وحتى للطبيعة كتجلي للإلهي. إنها معارضة للخلق، حسب فيودور دوستويفسكي. وهكذا، بعد أن قتل الله، كما يقول لنا مارتن هايدغر، يبحث العدمي عن «موت الإنسان». يستمر معجم «الفكر السليم» التقدمي في الإثراء. مؤخرًا، على شبكات التواصل الاجتماعي لأحد المؤرخين المزيفين، اتُهم المحافظون والهوويون والفدراليون بتحسين النسل (اليوغينيّة). وهنا أيضاً، يعود الارتباك الفكري إلى الخطاب الأيديولوجي أكثر منه إلى الخطاب العلمي. لأن اليوغينيّة هي قبل كل شيء نتاج التقدمية. إنها ترفض الخلق بعيوبه؛ إنها تريد الكمال. يجب اختيار الإنسان الجديد حتى في جيناته. لا شيء يتعارض مع هذه الممارسة أكثر من المحافظة المسيحية. فهي تحمي الحياة، وتحرم الإجهاض والانتخاب الاصطناعي. ترى المسيحية في المريض وجه المسيح نفسه، وحضوره يتجلى من خلال الآخرية المطلقة. الانعزاليون ليست هذه المرة الأولى التي يسقط فيها التقدميون رذائلهم على المحافظين. ألم يتهموا المحافظين المسيحيين، منذ عام 1975، بالانعزالية؟ لقد حاربوهم عسكرياً وأيديولوجياً. ومع ذلك، كان لبنان الذي ينسب إليه هؤلاء الانعزاليون مفتوحاً على العالم أجمع وعلى جميع الثقافات؛ أما لبنان التقدميين، فقد وُضع خارج المجتمع الدولي، وعُزل عن الغرب وعن دول الخليج العربي على حد سواء. أخيراً، يعتبر التقدميون أنفسهم متجذرين فيما يسمونه الشرق العربي. ويريدون أن يكونوا عروبيين ومنفتحين على بيئتهم الطبيعية. ويتهمون المحافظين بأنهم حالمون متوجهون بشكل مصطنع نحو الغرب. وهنا أيضاً، يجب التحلي بالبصيرة. ففي الواقع، المحافظون متمسكون بأرضهم اللبنانية، وبانتمائهم المشرقي، وبتراثهم المسيحي الشرقي، الأنطاكي والسرياني. على النقيض من ذلك، فإن التقدميين هم الأكثر تغرباً بعمق، كما يكشف تبنيهم الكامل للإيديولوجية الغربية بامتياز، وهي الوعي الووكوي أو الليبرالية الراديكالية. إن رفض التراث، وكذلك كراهية الذات، هي سمات لا توجد في أي مكان آخر سوى في الحضارة الغربية الحالية. لا العالم الإسلامي ولا الشرق الأقصى يختبران مثل هذا الشكل من الانتحار الحضاري. وبالتالي، تشكل هذه الأيديولوجيا دليلاً تجريبياً على انتماء اليسار اللبناني (الذي يدعي أنه عربي) إلى الغرب بفضائله وعيوبه. يسود هنا، في الغرب، يقول لنا بنديكتوس السادس عشر، شكل من كراهية الذات... ولا يمكننا إلا أن نصفها بالمرضية... وهذه الأمراض تنتشر في جميع أنحاء الغرب، وتحمل معها الساحل الشامي. أمام هذا النقص المؤسف في التمييز، يذكرنا قداسته بأن توحيد البشرية ليس مهمة سياسية بل هو أمل أخروي، وأن تجاهل هوية الشعوب لدمجها في مزيج عالمي هو خطيئة كبرياء، تشبه الخطيئة التوراتية لبرج بابل.

ترامب ولبنان: فرصة لا تفوّت
بقلم
كريم ثابت
نُشر

يقف لبنان اليوم على مفترق طرق تاريخي حاسم. أمامه فرصة نادرة وثمينة للتخلص، نهائيًا، من أخطر أعدائه: حزب الله، المنظمة العسكرية المدعومة من إيران والتي هيمنت على الحياة السياسية الداخلية للبلاد لأكثر من أربعين عامًا. تحت ذريعة زائفة لحماية أمن لبنان والدفاع عنه ضد إسرائيل، جلب حزب الله الخراب والدمار والانهيار الاقتصادي والبؤس. يُظهر سجله بوضوح عجزه التام وعدم كفاءته: فقد فشل في الدفاع عن شبر واحد من الأراضي اللبنانية أو إلحاق أي ضرر استراتيجي جسيم بإسرائيل. ومع ذلك، ورغم هزيمته الصارخة وإحراجه، لا تزال المنظمة ترفض الامتثال لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. حتى الآن، قوبلت أفكار الرئيس ترامب ومبادراته الدبلوماسية الرامية إلى حل هذه القضية بإنكار حزب الله ورفضه القاطع للتخلي الكامل عن ترسانته العسكرية شمال نهر الليطاني. لكن هذه الدمية في يد النظام الإيراني تجد نفسها الآن في مأزق حقيقي. فهي عاجزة عن الانفصال عن راعيها، وعاجزة أيضاً عن إقناع المجتمع الشيعي - الذي تدّعي تمثيله زوراً - بأن الأمور قد حُسمت، وأن رياح التغيير لا رجعة فيها، وأن وقت السلام مع إسرائيل قد حان. عقود من العنف غير المبرر والصراع الأيديولوجي لم تُثمر للبنان سوى الركود والتراجع. في المقابل، تشهد دول الخليج العربي نمواً اقتصادياً غير مسبوق، وتطوراً اجتماعياً، ومستقبلاً أكثر إشراقاً لأجيالها الشابة. لقد تلاشت أوهام القومية العربية، وحلّت محلها الواقعية والبراغماتية والمنطق السليم. لا شك أن وصول الرئيس ترامب إلى السلطة يُمثل نقطة تحول رئيسية في المشهد السياسي للشرق الأوسط، وفرصة فريدة للبنان ليتحرر أخيراً من قبضة النظام الإيراني ووكلائه المحليين. لم يسبق لرئيس أمريكي أن قدّم للبنان، على طبق من فضة، فرصةً واضحةً كهذه لطي صفحة الماضي وبدء فصل جديد واعد لجميع مواطنيه. وخلافًا للتراخي والتردد الذي اتسمت به الإدارات الديمقراطية السابقة، فإن القيادة الأمريكية الحالية عازمة، حتى بالقوة إن لزم الأمر، على فرض السلام والاستقرار في المنطقة. وباستثناء بعض الدول والكيانات المارقة كإيران وحزب الله واليمن، وإلى حدٍّ ما العراق، فإن المزاج الإقليمي السائد يتجه من الغطرسة نحو البراغماتية. إن تصحيح وتفكيك السياسات الخارجية الكارثية والمضللة عمدًا لإدارة أوباما - وهي سياسات شجعت النظام الإيراني وأدت إلى نفور دول الخليج - ليس بالأمر الهين. ومع ذلك، فإن الرئيس ترامب يسير بلا شك في هذا الاتجاه. وبالتوازي مع هذه التطورات، يقع على عاتق لبنان نفسه دورٌ محوريٌّ إذا كان يرغب حقًا في اغتنام هذه الفرصة التاريخية وعدم تفويت القطار الذي أطلقه الرئيس ترامب. وبالتوازي مع هذه التطورات، يقع على عاتق لبنان نفسه دورٌ أساسيٌّ إذا كان يرغب حقًا في اغتنام هذه الفرصة التاريخية وعدم تفويت القطار الذي بدأه الرئيس ترامب. يجب على السلطات اللبنانية - الرئيس والحكومة - أن تُفعّل فوراً نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء البلاد. من شأن ذلك أن يُمهّد الطريق لتنفيذ إصلاحات أخرى طال انتظارها وضرورية. إن التلويح المتكرر بخطر حرب أهلية محتملة ليس إلا فزاعة تُستخدم بسخرية للتغطية على الضعف السياسي والتقاعس. إن التقاعس عن العمل سيُجبر الشعب على الاستيقاظ، والمبادرة، والتحرك. علينا أن نُصلح وضعنا الداخلي إذا أردنا أن يُؤخذ لبنان على محمل الجد من قِبل المجتمع الدولي. مع تأييد ما لا يقل عن 75% من السكان لنزع سلاح حزب الله، يجب إطلاق حملة مُنظمة جيداً وواسعة الانتشار دون تأخير. يجب الضغط على الأحزاب السياسية المُناهضة لحزب الله من قِبل ناخبيهم لدعم هذه الجهود - لا عرقلتها. هذه المرة، يجب أن ينبع الضغط من القاعدة الشعبية إلى القمة، لا العكس. يجب أن ينبع الضغط من القاعدة الشعبية إلى القمة، لا العكس، لا العكس. يمكن لهذه الحملة أن تتخذ أشكالاً متعددة، ولا ينبغي حصرها في مسار عمل واحد: المؤتمرات، والمقالات الافتتاحية، والبودكاست التواصل مع وسائل الإعلام الدولية الاجتماعات مع السفارات الأجنبية المسيرات والاحتجاجات تحت حماية الجيش اللبناني يُزخر لبنان بمواهب مستقلة مستعدة للمساهمة في هذا الجهد. مع ذلك، سيتطلب هذا تمويلاً وتنسيقاً والتزاماً مستمراً على المدى الطويل. إذا فشلت كل الوسائل المذكورة أعلاه، فلا بد أن يصبح العصيان المدني شعار الشعب: الامتناع عن دفع الضرائب، ومقاطعة الإدارات العامة، والإضرابات، والضغط المتواصل على المؤسسة السياسية. يجب أن تسود إرادتنا الجماعية لكي يرى لبنان النور من جديد. أخيراً، يبقى سؤال جوهري بلا إجابة حتى الان: هل ستتخلى إيران عن طموحاتها المهووسة بالعظمة وتأمر حزب الله بالتنحي نهائياً، أم ستُمنى، مع وكيلها، بهزيمة تاريخية أخرى على الساحة الدولية؟هل ستلقي تداعيات اجتماع ترامب-نتنياهو الأخير الضوء على مسار الأحداث القادمة؟

رفعت الأسد… أو بربريةٌ في حداد
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

يعبّر رفعت الأسد، الذي غيبه الموت قبل أيام، عن التحوّل السوري الكبير نحو الدولة المتوحشّة التي تعتمد في اثبات شرعيتها على القمع وتماسك الطائفة والبحث عن قيام حلف للأقلّيات. بدأ التحوّل السوري، عمليا، مع قيام الوحدة مع مصر في العام 1958، وهي وحدة لم تستمر سوى ثلاث سنوات وبضعة أشهر. في نهاية المطاف، لم يكن رفعت الأسد سوى رمز من رموز الدولة السورية المتوحشة التي دافع عنها بكل جوارحه منذ ما قبل مجزرة حماة في شباط – فبراير 1982 وانتهاء باجتياح الريف للمدينة وفرض قيم بالية على أهل المدن انتقاما من كلّ ما تمثله تلك المدن، مثل دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية، من قيم حضاريّة. حدث ذلك الإجتياح في سوريا نفسها. لكنّ الدولة السورية المتوحشة تمددت إلى لبنان حيث كان لرفعت الأسد، طوال سنوات، وجود عسكري حقيقي من خلال مرابطة قوات من "سرايا الدفاع" في ملعب "نادي النهضة" في رأس بيروت قريبا من الحمام العسكري. كانت لرفعت الأسد وعصابته تصرفات مشينة في بيروت. شملت تلك التصرفات خطف القائم بالأعمال الأردني هشام المحيسن ثم اطلاقه إثر ضغوط مورست عليه. كذلك، استنهض رفعت الأسد علويي طرابلس وسعى إلى توظيفهم في خدمة مشروعه القائم على حلف الأقلّيات في وجه الأكثريّة السنّية حيثما وجدت. في الأساس، استمرّ التحول نحو الدولة السورية المتوحشة مع الإنقلاب الذي نفذّه ضباط بعثيون وناصريون في الثامن آذار – مارس من العام 1963 بغية القضاء على أي امل باستعادة سوريا لحيويتها. قضى انقلاب 1963 على أي فرصة تسمح بعودة سوريا إلى دولة طبيعية مع انتهاء الوحدة ذات الطابع المضحك المبكي في الثامن والعشرين من أيلول – سبتمبر 1961. لم تسفر الوحدة سوى عن نكبة اقتصادية لسوريا...مع بدء التأميمات ووضع الأسس لقيام الدولة الأمنية، وهو ما تولاه الضابط عبد الحميد السراج. مثل رفعت الأسد، الشقيق الأصغر لحافظ الأسد، الشخصية العلوية المتعطشة إلى السلطة والمال والتي لا تمتلك غير لغة العنف والإبتزاز بغية تحقيق أهدافها. كان جزءا لا يتجزّأ من الدولة المتوحشة التي طوّرها حافظ الأسد ووضع لها أسسها. بقي إلى العام 1984 أداة من أدوات "الأخ الأكبر" مؤسس الدولة العلوية التي انتهت في الثامن من كانون الأوّل – ديسمبر 2024، يوم فرار بشّار الأسد إلى موسكو. لم يرتكب رفعت الأسد جرائم في حق الناس العاديين فحسب، بل ذهب إلى جعل نفسه "دكتورا" بالقوّة. فرض نفسه مثقفا، علما أنّّه لم يكن يعرف تركيب جملة مفيدة واحدة! لعب رفعت الأسد كلّ الأدوار التي كان مطلوبا منه أن يلعبها، بما في ذلك تأسيس "سرايا الدفاع" التي كانت تضمّ مجموعات عسكريّة علويّة مهمتها محصورة بالدفاع عن النظام، بل تشكيل درع له وذلك قبل حلها وإحلال الحرس الجمهوري، بضباطه العلويين، مكانها. شغل رفعت في مرحلة معيّنة موقع نائب رئيس الجمهورية، لكنّه ما لبث أن أُبعد من دمشق بعدما سعى إلى وراثة شقيقه لدى تعرّضه لنكسة صحّية خطيرة في العام 1984. حلم رفعت الأسد وقتذاك بأن الظروف تهيّأت لتحقيق للإستحواذ على السلطة، كل السلطة. لكنّ حافظ الأسد، الذي انقذ الأطباء حياته، استعان بكبار الضباط العلويين الآخرين من أجل قطع طريق الخلافة على رفعت. تولى مصطفى طلاس (السنّي) وزير الدفاع، وقتذاك، دور الشتّام الذي لم يبق سترا على رفعت الأسد. عرف طلاس، بشكل دائم، كيف يسترضي حافظ الأسد. اتقن الدور الذي كان مطلوبا منه كي ينصرف "معلّمه" إلى إعداد نجله الأكبر باسل ليكون خليفته في يوم من الأيّام. هذا ما حصل بالفعل في العام 2000. قضى باسل لكنّ الوريث كان بشّار! طوال السنوات التي أمضاها رفعت الأسد خارج سوريا، تمتّع بالأموال التي اغدقت عليه من مصادر عربيّة عدة. إشترى عقارات فخمة وفنادق في فرنسا وبريطانيا واسبانيا ودول أخرى. كذلك، سعى إلى ممارسة نشاطات اعلاميّة. لم يتغيّر الكثير في سلوكه ذي الطابع "التشبيحي". كلّ ما تغيّر أنّّه قرر تقديم نفسه بصفة كونه حريصا على دول الخليج العربي وأبعد ما يكون عن السعي إلى ابتزازها، عن طريق التقرب من إيران، كما كان يفعل شقيقه حافظ ثمّ خليفته بشّار. تمتع حافظ الأسد بعقل سياسي جهنّمي تحرّكه رغبة في تغطية تعصّبه المذهبي وكرهه لسنّة المدن ولكلّ من يؤمن بالحريّة في سوريا. خانته الأقدار في 1994 عندما قتل نجله الأكبر باسل في حادث سير تعرّض له في اثناء توجهه إلى مطار دمشق. كانت تلك الضربة الأكبر التي تعرّض لها منذ توليه السلطة في خريف 1970 تمهيدا لفرض نفسه كأول علوي يشغل منصب رئيس الجمهوريّة العربيّة السورية في 1971. في كلّ وقت، اعتبر رفعت أن الظروف ستسمح له بالعودة يوما إلى دمشق للعب دور سياسي وذلك منذ ما قبل غياب باسل عن الساحة. عاد بالفعل في العام 1993 مستغلا وفاة والدته ناعسة التي هي أيضا والدة حافظ الأسد. لكنّ الرئيس السوري بقي يتعاطى معه بحذر، خصوصا أنّه اختار تهيئة بشار كخليفة له، في ضوء مقتل باسل. قرّر حافظ الأسد، الذي كان يصف رفعت بـ"الغبي"، كما ابلغني أحد السفراء الأميركيين الذين خدموا في دمشق، السماح لشقيقه الأصغر بممارسة بعض الأدوار ولكن مع ابقائه تحت رقابة شديدة. لم يلبث رفعت أن غادر سوريا إثر اكتشافه أن ممارسة النشاط السياسي مغلق في وجهه. ما كتب قد كتب، أكثر ما استطاع بشّار الأسد عمله لعمّه هو السماح له بالهرب إلى دمشق من باريس تفاديا لدخوله السجن الفرنسي. نجا رفعت من السجن في فرنسا. بقي إلى آخر يوم من حياته فارا من العدالة، العدالة التي ستلحق، مهما طال الزمن، ببشّار الأسد وآخرين غيره...

العقوبات الأمريكية تظهر نقاط ضعف النظام الإيراني

« لا تكتفي الأنظمة الشمولية بالسيطرة على الأجساد؛ بل تسعى إلى استعباد العقول. » – جورج أورويل منذ الثورة الإيرانية عام 1979، فرضت الولايات المتحدة على طهران نظامًا واسع النطاق من العقوبات الاقتصادية، والذي أصبح على مر العقود أحد أكثر أدوات الضغط متعددة الأبعاد في الدبلوماسية الأمريكية. الإجراءات الأولى، التي فُرضت بعد أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران في نوفمبر 1979، جمدت الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة عبر الأمر التنفيذي 12170، مما أدى إلى تجميد مليارات الدولارات وعرقلة العديد من العمليات المالية. في منتصف التسعينيات، عززت واشنطن ترسانتها: في مارس 1995، حُظر أي استثمار أمريكي في قطاع الطاقة الإيراني؛ وتبعه في مايو حظر تجاري شامل يغطي جميع التبادلات ونقل التكنولوجيا تقريبًا. وقدم "قانون عقوبات إيران وليبيا" الصادر في أغسطس 1996 العقوبات خارج الحدود الإقليمية، مهددًا الشركات الأجنبية المستثمرة في الهيدروكربونات الإيرانية. تصاعد العقوبات المالية مع التوترات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، اتخذت العقوبات بعدًا ماليًا متزايدًا. في يوليو 2010، اعتمد الكونغرس قانون العقوبات الشاملة على إيران والمساءلة والتجريد (CISADA)، بهدف عزل إيران عن النظام المالي العالمي عن طريق تقييد وصول الفاعلين الاقتصاديين في طهران إلى الدولار والشحن البحري. بين عامي 2011 و2012، استهدفت إجراءات جديدة البنك المركزي الإيراني ومشتري النفط، مما تسبب في انخفاض كبير في الإيرادات، التي تُعد ركيزة الاقتصاد الوطني. بالتوازي، استهدفت العقوبات المسؤولين والشبكات المالية للنظام، بتجميد الأصول وحظر العمليات للحد من وصولهم إلى الأسواق الدولية. الضغط الأقصى والاستراتيجية الإيرانية بعد تخفيف مؤقت مرتبط بالاتفاق النووي لعام 2015 (الاتفاق حول النووي الإيراني)، عُلقت بعض العقوبات في يناير 2016، مما سمح باستئناف جزئي لصادرات النفط. انتهت هذه الفترة في 8 مايو 2018، بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق المذكور، واستعادت تدريجيًا العقوبات حتى 5 نوفمبر 2018 في إطار سياسة الضغط الأقصى. وفقًا لفيليب سميث، خبير الشرق الأوسط الذي عمل في معهد واشنطن والمجلس الأطلسي، "وضعت العقوبات الاقتصادية نظام خامنئي في سقوط حر". ويضيف: "لم يمنع هذا الحكومة الإيرانية من مواصلة أعمالها المتهورة واقتناء الأسلحة. ومع ذلك، فإن الإجراءات الأمريكية تعقد تمويل هذه الجهود والوكلاء في الخارج. لقد حد الضغط الأقصى من الوصول إلى التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، وقيد حركة الأسطول الشبح الذي ينقل النفط، وأعاق الوصول إلى الشبكات المصرفية الدولية." يوضح سميث أنه على الرغم من الضغط، استمر النظام في تمويل بعض الميليشيات وحاول مواصلة برامج تسليحه، لا سيما الصواريخ بعيدة المدى. استمر أسطوله الشبح في تصدير النفط، وفي هذا الصدد، ظلت الصين شريكًا رئيسيًا، مما سمح للنظام بالحفاظ على موارده وقوته. استهدافات جديدة وإجراءات غير مسبوقة في يناير 2026، في مواجهة قمع المظاهرات الحاشدة، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، لدوره في القمع. ينطبق تجميد الأصول وحظر أي عمليات مع الكيانات الأمريكية أيضًا على مسؤولين رفيعي المستوى آخرين وشبكات مالية تابعة للنظام. في 12 يناير 2026، فرض إجراء تاريخي رسومًا جمركية بنسبة 25% على أي دولة تستمر في التجارة مع إيران، مما يوضح اعتماد النظام على شركائه الأجانب ونقاط الضعف الهيكلية في اقتصاده. الروافع المستقبلية ضد النظام وفقًا لفيليب سميث، "تمتلك الولايات المتحدة العديد من الأدوات" لزيادة الضغط على الجمهورية الإسلامية. ويشير إلى أنه "يمكنهم استهداف الأجهزة المصرفية الأكثر سرية التي يديرها النظام الإيراني. يمكن أن تشمل هذه الإجراءات عقوبات تستهدف مباشرة القادة وأسس سلطتهم" (مع الأخذ في الاعتبار أن اقتصاد النظام يعتمد بشكل كبير على الحرس الثوري الإيراني (IRGC) والقواعد التي يسيطر عليها الملالي). يضيف فيليب سميث: "من بين الأدوات الأخرى المحتملة القابلة للتطبيق أيضًا استهداف الطريقة التي يستخدم بها النظام العملات المشفرة لمواصلة تمويل نفسه. كما أن استهداف الاقتصادات "الظل" الأخرى، مثل الخدمات المصرفية والنقل البحري وتحويل الأموال، يمكن أن يشكل وسائل أخرى مفيدة للحد من الإجراءات العدوانية للجمهورية الإسلامية." نظام يتجه نحو التسلح ويؤكد السيد سميث أيضًا أن "الشعب يأتي غالبًا في المرتبة الأخيرة" بالنسبة للسلطة الحاكمة في طهران. تظل أولوية النظام هي البرامج العسكرية والطموحات الإقليمية، على حساب السكان. على الرغم من العقوبات والضغط الدولي، تواصل الحكومة الإيرانية مغامراتها العسكرية ودعم ميليشياتها، مما يسلط الضوء على استمرار نظام شمولي مصمم على فرض أهدافه الاستراتيجية. من 1979 إلى 2026، تطورت العقوبات الأمريكية – القطاعية، الخارجية، أو التي تستهدف الأفراد – من مجرد تجميد للأصول إلى نظام عالمي ومتعدد الأبعاد، يجمع بين الحظر والقيود المالية والعقوبات ضد النخب والتدابير الجمركية التي تضر الشركاء التجاريين وتكشف عن عيوب وتناقضات النظام الإيراني. نمر من ورق على الرغم من صورة القوة التي يسعى لإبرازها دوليًا، فقد تبين أن النظام الإيراني هو مجرد عملاق من ورق. فهياكله العسكرية والسياسية، التي تُقدم على أنها قوية وذات قدرة شاملة، تعتمد على شبكات هشة واقتصاد يعتمد على الشركاء الأجانب. لقد أبرزت العقوبات المتتالية نقاط الضعف المالية للسلطة وصعوبتها في تمويل طموحاتها الإقليمية والعسكرية. مقاومتها الظاهرية تخفي واقعًا أكثر هشاشة بكثير: برامج مكلفة، ووكلاء ممولون بشكل مفرط على حساب سكان يعانون بشكل متزايد. هذا المزيج من الواجهة الهشة والضعف الهيكلي يظهر أنه خلف خطاب القوة، تكافح إيران للحفاظ على نفوذها بدون دعم أو تسامح من قوى أخرى، مؤكدة حقيقة أنها في الواقع نمر من ورق.

الاتحاد من أجل المتوسط: ما هي المكاسب للبنان؟

المقالة الأخيرة من تحليلنا لتطور الشراكة الأورو-متوسطية في برشلونة (اليوروميد)، ثم الاتحاد من أجل المتوسط (UpM)، تقدم حصيلة صريحة للإنجازات والعيوب التي ميزت، بالنسبة للبنان، المرحلتين 1995-2008 و 2008-2025 من هذه المبادرة الاستراتيجية الأوروبية المزدوجة. لقد جلب مسار برشلونة الأورو-متوسطي (اليوروميد)، ثم الاتحاد من أجل المتوسط (UpM)، للبنان مكاسب سياسية واقتصادية ومؤسسية. ومع ذلك، لا تزال هذه المكاسب محدودة بسبب عدم الاستقرار المزمن الذي يسود البلاد منذ عام 1995، وبشكل خاص منذ عام 2008. يمكن تحديد فوائد عملية برشلونة للبنان في المجالات المختلفة على النحو التالي: – على الصعيد السياسي، الاعتراف بشرعية السلطة المركزية بعد فترة طويلة من الفراغ الدستوري، ودعم سيادة الدولة واستقرارها، وإقامة حوار منتظم مع الاتحاد الأوروبي حول مسائل الحوكمة وحقوق الإنسان والاستقرار الإقليمي. – على الصعيد الاقتصادي، توقيع اتفاقية الشراكة بين لبنان والاتحاد الأوروبي في عام 2002، والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 2006، ومنح وصول تفضيلي لبعض المنتجات إلى السوق الأوروبية، ومساعدات مالية وتقنية لتحديث الاقتصاد، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى تطوير البنى التحتية. – على الصعيد المؤسسي والاجتماعي، دعم الإصلاحات المؤسسية والإدارية، والتعليم، والتدريب، والتعاون الثقافي، وتعزيز قدرات الدولة في مجال الخدمات العامة وحماية البيئة. ومع ذلك، كان لعدم الاستقرار السياسي والصراعات الإقليمية والأزمات الداخلية اللبنانية تأثير مثبط، مما منع لبنان من الاستفادة من التبادلات التجارية المرجوة. وقد تقدمت الإصلاحات الهيكلية ببطء. فوائد الاتحاد من أجل المتوسط منذ عام 2008، قدم الاتحاد من أجل المتوسط (UpM) للبنان مساهمات قطاعية وتقنية ودبلوماسية بشكل رئيسي، من خلال تنفيذ مشاريع ملموسة متنوعة: – على الصعيد السياسي، لا يزال لبنان جزءًا من الحوارات الإقليمية ضمن إطار أورو-متوسطي متعدد الأطراف. ويصل إلى منصة حوارات الشمال والجنوب والجنوب والجنوب، مما يمكنه من الدفاع عن مصالحه على الرغم من وضعه السياسي والأمني الهش، مع الحفاظ على تعاونه مع الاتحاد الأوروبي. – على الصعيد الاقتصادي والتنموي، شملت الإنجازات المشاركة في مشاريع إقليمية في مجالات التنمية الحضرية المستدامة، والنقل، والطاقة، والبيئة، بالإضافة إلى دعم النمو الشامل، وخلق فرص عمل للشباب والنساء، وريادة الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة. – على صعيد التعليم والتدريب، استفاد لبنان من برامج الاتحاد من أجل المتوسط في مجالات التعليم العالي، والتدريب المهني، والتنقل الأكاديمي، وتوظيف الشباب. – على الصعيد الاجتماعي، تم تقديم دعم لمبادرات تهدف إلى المساواة بين الجنسين والاندماج الاجتماعي. – على صعيد البيئة والتنمية المستدامة، تم تقديم دعم لمشاريع تتعلق بإدارة المياه، ومعالجة النفايات، ومكافحة التغير المناخي، وتطوير الطاقات المتجددة. كل هذه المجالات مهمة، بالنظر إلى التركيبة السكانية والأزمات المتتالية. لكن عدم الاستقرار السياسي في لبنان منذ عام 2008، والأزمة الاقتصادية لعام 2019، والتوترات الإقليمية، بالإضافة إلى ضآلة الموارد المالية للاتحاد والدور المحدود لمساعدات الاتحاد الأوروبي (وكذلك المؤسسات الدولية)، قد حدّ من النتائج المرجوة. حصيلة متباينة يبقى أن عملية برشلونة قد قربت لبنان من الاتحاد الأوروبي وأدمجته في تعاون أورو-متوسطي، مع تقديم مساعدات في القطاعات الاقتصادية والمؤسسية. ومع ذلك، يظل التأثير الاقتصادي لهذه التدابير محدودًا. فيما يتعلق بالاتحاد من أجل المتوسط، فقد تمكن لبنان من الاستفادة من الدعم في مجالات التعليم والبيئة والمجتمع المدني، وهو ما تجلى في مشاريع ملموسة ضمن إطار التعاون الإقليمي. وقد مكنته هذه الإنجازات من الحفاظ على مكانته في الشراكة الأورو-متوسطية، لكنها لم تكن كافية للتغلب على الأزمات المتتالية التي واجهها البلد. مقالات سابقة الاتحاد من أجل المتوسط: ماذا حل بعملية برشلونة؟ (1/5) الفكرة المتوسطية على محك التوازنات الأوروبية (2/5) تعاون غني بالوعود، عملية برشلونة (3/5) الاتحاد من أجل المتوسط: إحياء غير مكتمل لحلم برشلونة (4/5)

مستقبل سوريا: من خطر التقسيم إلى اختبار الدولة الجديدة

لم يعد السؤال المطروح في سوريا اليوم هو ما إذا كان نظام بشار الأسد قادراً على الاستمرار، فهذا الفصل أُقفل نهائياً. السؤال الحقيقي بات: هل تستطيع سوريا، بعد انهيار النظام القديم، أن تُعيد إنتاج دولة موحّدة قابلة للحياة، أم أن خطر التفكك والتقسيم لا يزال كامناً بصيغ جديدة؟ سقوط نظام الأسد في آواخر 2024، وتولّي أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية، شكّلا تحوّلاً جذرياً في المشهد السوري. هذا التحوّل لم ينهِ الأزمة تلقائياً، لكنه أعاد رسم إطارها السياسي، وبدّل طبيعة النقاش من مستقبل نظام إلى مستقبل الدولة نفسها. أولاً: ما الذي تغيّر فعلاً بعد الأسد؟ انهيار النظام السابق لم يكن مجرد تغيير في رأس السلطة، بل انهيار لمنظومة حكم كاملة قامت على: • حزب واحد • متوغلةمتغوّلة • مركزية قسرية • وتحالفات خارجية عميقة، خصوصاً مع إيران وروسيا. المرحلة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع جاءت بخطاب مختلف جذرياً: استعادة الدولة، لا استعادة النظام. فتمّ إلغاء الدستور السابق، حلّ حزب البعث، تفكيك البنية الأمنية القديمة، وبدء مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، ولو لا تزال هشة. الأهم أن القيادة الجديدة أعلنت، منذ البداية، أن وحدة سوريا غير قابلة للنقاش، وأن أي حديث عن تقسيم أو فيدراليات طائفية مرفوض، ليس كشعار فقط، بل كخيار سياسي عملي. ثانياً: هل انتهى خطر التقسيم؟ الإجابة الدقيقة: تراجع الخطر، لكنه لم يُمحَ بالكامل. في ذروة الحرب، خصوصاً بين 2012 و2016، كان التقسيم احتمالاً حقيقياً. الحديث عن "سوريا المفيدة"، خرائط الدويلات، والانقسام الحاد بين مناطق النفوذ، كلها جعلت التفكك مشروعاً مطروحاً على الطاولة الدولية. اليوم، المشهد مختلف لعدة أسباب: 1. وجود سلطة مركزية جديدة ذات شرعية انتقالية الشرع لا يرث النظام السابق، بل يحاول بناء شرعية جديدة، مدعومة بانفتاح أميركي وعربي حذر، وبقبول دولي مشروط. 2. غياب أي توافق دولي على التقسيم لا الولايات المتحدة، ولا روسيا، ولا الدول الإقليمية ترى في تقسيم سوريا مصلحة لها في هذه المرحلة. الكلفة عالية، والمخاطر أكبر من المكاسب. 3. فشل فكرة الدويلات الطائفية عملياً لا دويلة علوية قابلة للحياة، ولا كيان سنّي موحّد، ولا مشروع درزي انفصالي، ولا دولة كردية ممكنة في ظل الرفض التركي والتخلّي الأميركي. بذلك، لم يعد التقسيم خياراً مطروحاً كحل، بل سيناريو انهيار في حال فشل الدولة الجديدة. ثالثاً: التحوّل الأميركي… والتخلّي عن الأكراد أحد أهم المتغيرات في سوريا ما بعد الأسد هو التحوّل الواضح في السياسة الأميركية. فواشنطن، التي دعمت الأكراد لسنوات كقوة أمر واقع في الشمال الشرقي، أعادت ترتيب أولوياتها. الرسالة الأميركية كانت واضحة: • لا دعم لمشروع انفصالي كردي • لا حماية دائمة لإدارة ذاتية مستقلة • الأولوية لاستقرار دولة سورية موحّدة هذا التحوّل دفع القيادة الكردية إلى خيار لم يكن مطروحاً سابقاً بجدية: التفاوض مع دمشق الجديدة. فتمّ التوصّل إلى تفاهمات حول دمج قوات "قسد" تدريجياً في مؤسسات الدولة، وإعادة إدارة الموارد والمعابر بشكل مركزي، مقابل ضمانات تتعلّق بالحقوق الثقافية والمواطنة. هذا لا يعني أن المسألة الكردية حُلّت، لكنها خرجت من منطق الانفصال إلى منطق الاندماج القَلِق. رابعاً: من التفكك إلى إعادة المركزية… ولكن بأي ثمن؟ سوريا اليوم تنتقل من مرحلة تفكك فعلي إلى محاولة إعادة مركزية الدولة. لكن هذه المركزية الجديدة تختلف، أو يفترض أن تختلف، عن مركزية النظام السابق. التحدي الأساسي أمام الشرع ليس عسكرياً فقط، بل سياسي واجتماعي: • كيف تُبنى دولة قوية من دون العودة إلى الاستبداد؟ • كيف تُدار التعدديات من دون تفجير المركز؟ • كيف تُفرض سلطة الدولة من دون إعادة إنتاج القمع؟ حتى الآن، المؤشرات مختلطة: • هناك تقدّم في استعادة السيطرة على الجغرافيا • لكن هناك هشاشة في الاقتصاد • وقلق لدى الأقليات • وشكوك لدى قوى كانت تتمتع باستقلالية واسعة بمعنى آخر، الخطر لم يعد تقسيم سوريا إلى دويلات، بل فشل الدولة المركزية الجديدة في إدارة التنوّع. خامساً: هل نجت سوريا فعلاً؟ سوريا نجت من سيناريو التقسيم السريع والفوضوي، لكنها لم تدخل بعد مرحلة الاستقرار. يمكن تلخيص الوضع على النحو الآتي: • نجت من الانهيار الكامل • نجت من الخرائط الطائفية • نجت من تحويل التفكك إلى واقع دائم لكنها لم تنجُ بعد من: • الانهيار الاقتصادي • هشاشة السلم الأهلي • خطر عودة العنف بأشكال جديدة • اختبار الشرعية الشعبية للسلطة الجديدة الدولة السورية اليوم قائمة، لكنها تحت الاختبار. سادساً: السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، السيناريو الأرجح هو: • دولة موحّدة • مركزية سياسية وأمنية واضحة • لامركزية إدارية محدودة • دمج تدريجي للقوى المحلية • دعم دولي مشروط بالإصلاح والاستقرار هذا النموذج لا يشبه سوريا ما قبل 2011، ولا يشبه نماذج التقسيم، بل يشبه دولة خارجة من حرب طويلة تحاول إعادة تعريف نفسها. نجاح هذا السيناريو مرتبط بعامل واحد حاسم: هل تتحوّل السلطة الانتقالية إلى دولة جامعة، أم إلى نسخة جديدة من حكم قوي بلا عقد اجتماعي؟ إن سقوط نظام الأسد أغلق صفحة، لكنه فتح كتاباً أصعب. سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة: الخروج من منطق النظام، من دون الوقوع في فخ التفكك. خطر التقسيم لم يعد وشيكاً، لكنه لم يُدفن نهائياً. هو كامن في فشل السياسة، لا في الجغرافيا. في النهاية، لم تعد المسألة: هل ستُقسَّم سوريا؟ بل: هل تنجح سوريا في أن تكون دولة واحدة بعد أن سقط النظام الذي حكمها باسم الوحدة؟