شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
نهب المتحف العراقي: كارثة ثقافية كبرى

أدى نهب المتحف الوطني العراقي في عام 2003 إلى فقدان آثار لا تُقدر بثمن، وأحدث رد فعل متسلسل تمثل في النهب الواسع للمواقع الأثرية في جميع أنحاء البلاد. وأدى ذلك بدوره إلى تعزيز الاتجار الدولي بالآثار وإلى إعاقة البحث العلمي في هذا المجال بشكل كبير. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا الحدث مثالًا بارزًا على المسؤولية السياسية التي تتحملها القوات المحتلة في زمن الحرب، وعلى نشوء اقتصاد مبني على تجارة الآثار غير المشروعة لخدمة الجريمة المنظمة والإرهاب، إلى جانب تطوير ما يمكن وصفه بـ"دبلوماسية الاسترداد"، القائمة على التعاون الدولي لضمان إعادة الممتلكات المسروقة . يُعد المتحف الوطني العراقي واحدًا من أهم المؤسسات الأثرية في العالم، ويحافظ على أهم ما تزخر به حضارة بلاد الرافدين من إرث منطقة يوصف غالبًا بأنها "مهد الإنسانية". تأسس المتحف في عشرينيات القرن الماضي، بالتزامن مع قيام الدولة العراقية الحديثة، على يد جيرترود بيل، الكاتبة وعالمة الآثار البريطانية، التي سعت إلى الحفاظ على كنوز بلاد الرافدين ومنع خروجها من العراق. يغطي المبنى الرئيسي نحو 45,000 متر مربع، ويضم تاريخًا يمتد من 5,000 إلى 7,000 سنة، ويضم واحدة من أكثر مجموعات آثار بلاد الرافدين شمولًاً. وتشمل مقتنياته آثارًا من حضارات السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين والكلدانيين، إضافة إلى فترات ما قبل الإسلام والعصر الإسلامي . ويحتوي المتحف على قطع رئيسية، بما في ذلك الألواح المسمارية، والخواتم الأسطوانية، والتماثيل الملكية، والقطع الجنائزية، والتي تشكل شهادات أساسية على تاريخ الكتابة وتكوين الدولة والقانون والدين في الشرق الأدنى. من بين هذه المقتنيات، كنوز نمرود الذهبية، بما في ذلك المجوهرات والتحف التي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، إضافة إلى المنحوتات والنقوش والألواح المسمارية القادمة من أوروك وغيرها من أهم المواقع الأثرية في بلاد الرافدين. ويُمثل المتحف رمزًا للوحدة الوطنية واستمرارية الحضارة من سومر وأكاد وبابل، مرورًا بالعصر الإسلامي وصولًا إلى العراق المعاصر . كما يُعد المتحف مركزًا للبحث والتوثيق للآثاريين، ويحتفظ بأرشيفات مهمة تتعلق بالحفريات في أور وأوروك ونينوى ونمرود. نهب 2003: أبعاد جيوسياسية يمكن وصف نهب المتحف في 2003 بكلمة واحدة: كارثة. كان من المفترض أن تكون حماية المتحف أولوية قصوى للقوات الأمريكية، لكنها لم تُطبّق إلا بعد أسبوع كامل من دخول قوات التحالف بغداد، ما أتاح للسارقين فرصة السلب. بين 10 و12 نيسان 2003، وقبل تأمين الموقع من قبل القوات الأمريكية، وبعد انسحاب موظفي المتحف، اختفت نحو 15,000 قطعة، شملت أواني طقسية، وأنيابًا آشورية، ورؤوس تماثيل، وتمائم، وأكثر من 5,000 ختم أسطواني . وقد صدم النهب الرأي العام العالمي، وأصبح منذ ذلك الحين حالة نموذجية لتدمير التراث الثقافي في أوقات الحرب. التعبئة الدولية أدى هذا الحدث إلى تعبئة دولية شملت الإنتربول والجامعات ومنظمة اليونسكو والبعثات المتخصصة، بهدف استعادة الأعمال الفنية المسروقة وتعزيز حماية التراث الثقافي العراقي. وبعد خمسة عشر عامًا من الحدث، اعتُقد أن نحو 7,000 من أصل 15,000 قطعة مسروقة قد تم استردادها. وقد أعيدت هذه القطع من خلال برامج العفو الداخلية، ومصادرات الجمارك، وعمليات الشرطة حول العالم. القطع الأثرية البارزة التي تم استرداده تم استرداد قطع رئيسية مثل إناء وقناع ورقة، وتمثال النحاس من منطقة باسِتكي الأثرية، بالإضافة إلى قطع من كنز نمرود، وغالبًا ما كانت مدفونة أو مخفية من قبل اللصوص الذين لم يتمكنوا من بيعها. كما تم العثور على العديد من التماثيل الملكية السومرية والقطع الطقسية الموجودة في الخارج، وأعيدت لاحقًا إلى العراق بفضل التعاون بين الإنتربول والسلطات الأمريكية والمتاحف والباحثين الأكاديميين. وعلى الرغم من إعادة افتتاح المتحف في 2015 والجهود المستمرة لاستعادة القطع، لا تزال آلاف القطع متداولة في السوق السوداء أو فقدت بشكل نهائي، مما يقلص فهمنا لفصول كاملة من تاريخ بلاد الرافدين. درس لحماية التراث الثقافي في أوقات الحرب أصبح سلب عام 2003 اليوم نموذجًا دراسيًا في النقاشات حول حماية التراث الثقافي أثناء النزاعات، مؤثرًا في المعايير العسكرية والقانون الدولي وسياسات تتبع مصادر الآثار في المتاحف الغربية. ومن الجدير بالذكر أن هناك العديد من الأطر القانونية التي تهدف إلى حماية التراث في أوقات النزاع، بما في ذلك اتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكولاتها الملحقة لعام 1999، بالإضافة إلى اتفاقية اليونسكو لعام 1970. وعلاوة على ذلك، مكّن التعاون الدولي من رسم خرائط لشبكات النهب الأثري، من طرق التهريب والمحاور الإقليمية إلى الأسواق النهائية، وكذلك تحديد الجهات الاقتصادية المعنية، بما في ذلك الوسطاء ودور المزادات والمقتنين، وعلاقاتهم بالجريمة المنظمة والإرهاب. ويُعد هذا التعاون الدولي عنصرًا أساسيًا في الجهود العالمية لحماية التراث الثقافي، ويسهّل استعادة القطع المسروقة.

العودة إلى الإرث السياسي لمحمد مهدي شمس الدين

أحيا لبنان، وتحديدًا الطائفة الشيعية، مؤخرًا الذكرى الخامسة والعشرين لوفاة الإمام محمد مهدي شمس الدين، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للشيعة، في العاشر من يناير/كانون الثاني عام ٢٠٠١. لأكثر من عقدين، كان شمس الدين الزعيم الروحي للطائفة الشيعية اللبنانية، خلفًا للإمام موسى الصدر الذي اختفى في ظروف غامضة خلال زيارة إلى ليبيا عام ١٩٧٨. وقد ترك وراءه "وصية" سياسية يجهل وجودها وأهميتها الحقيقية (أو يُتجاهل وجودها عمدًا) لدى الكثير من اللبنانيين والأجانب، لا سيما في الأوساط الأكاديمية والصحفية. ويتجلى البعد التاريخي والوجودي لهذا الإرث في التطورات الدراماتيكية التي تشهدها لبنان والمنطقة حاليًا. يحتاج لبنان وبلاد الشام، أكثر من أي وقت مضى، إلى إسهام شخصية في الحياة العامة، كالإمام شمس الدين، تجمع بين السلطة الأخلاقية والانفتاح الفكري والفهم العميق للواقع الاجتماعي والسياسي الراهن. في أواخر حياته، ورغم ضعفه بسبب المرض، سجّل مذكراته وتوصياته على أشرطة كاسيت بشأن المسار الذي ينبغي على الشيعة في لبنان والمنطقة اتباعه. وحثّ على وجه الخصوص أبناء دينه على عدم تبني "مشروع سياسي خاص بالشيعة"، وعلى خوض النضال من أجل نيل حقوقهم "بالاندماج في المجتمع الذي يعيشون فيه". باختصار، كان يرفض، بشكلٍ غير مباشر، مبدأ تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية، الذي أطلقه الحرس الثوري (باسداران) عقب وصول الخميني إلى السلطة عام ١٩٧٩. وقد عارض بشدة النظام الذي أسسه الخميني، القائم على سلطة ولي الفقيه، أي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية - في هذه الحالة، هو وخلفاؤه - الذي، بصفته سليلًا مباشرًا للنبي، كان يمتلك سلطة اتخاذ القرار المطلقة والنهائية في المسائل الاستراتيجية، بما في ذلك قرارات الحرب والسلام. بتأسيسه هذا النظام السياسي، زرع آية الله الخميني بذور عدم استقرار إقليمي مزمن، نتيجة نظام استبدادي أغرق الشرق الأوسط بأكمله في الفوضى لأكثر من أربعة عقود. ولسبب وجيه: فقد صُممت ولاية الفقيه لتكون سلطة مطلقة ليس فقط للإيرانيين، بل لجميع الشيعة أيضًا. من الناحية الدينية، يتعين على كل جماعة أو فرد شيعي اختيار مرشده الروحي. إلا أن منح نفسه السلطة استنادًا إلى "شرعية" إلهية (وبالتالي لا تقبل النقاش)، جعل قائد الجمهورية الإسلامية الجديد (الخميني، ثم خامنئي، وحاليًا) نفسه فوق جميع السلطات الدينية الأخرى، ليخدم - وهنا تكمن المشكلة - مشروعًا سياسيًا عابرًا للحدود، توسعيًا، هيمنيًا، وقمعيًا، يُضفي الشرعية على العنف كأسلوب عمل. إن هذا "التدخل" الخميني في الكيان الاجتماعي السياسي الديني الشيعي لا يمكن إلا أن يكون مصدرًا للتوتر والصراع في العالم العربي، تحت وطأة "تصدير الثورة الإسلامية" والسلطة الإلهية الممنوحة للمرشد الأعلى. وقد رأى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، صاحب الرؤية الثاقبة، الخطر المحدق، فنأى بنفسه بوضوح عن أسس ولاية الفقيه وعن طموحات الحرس الثوري الإسلامي التوسعية. كان هذا النهج مشابهاً لنهج المرشد الروحي للشيعة في العراق، آية الله السيستاني، والإمام موسى الصدر، وحتى الشيخ محمد حسين فضل الله، الذي وصفه العديد من المراقبين الغربيين خطأً بأنه "المرشد الروحي لحزب الله"، بينما هو في الحقيقة كان يُشكك في السلطة الإلهية للولي الفقيه، وبالتالي أبدى تحفظات على مسار حزب الله في لبنان. بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً، أظهرت الأحداث الطبيعة الرؤيوية للإرث السياسي للشيخ شمس الدين. ففي الواقع، استناداً إلى "المشروع العابر للحدود الخاص بالشيعة"، الذي ندد به الرئيس السابق للمجلس الأعلى الإسلامي، لجأ النظام الإيراني إلى ميليشيات من دول عربية لقمع شعبه بوحشية قبل أيام. إن شعار "لا غزة ولا حزب الله، نبذل أرواحنا فداءً لإيران"، الذي أطلقه الثوار الإيرانيون، يُلخص وحده البُعد التاريخي والوجودي الكامل للرؤية التي عبّر عنها الإمام شمس الدين. قبل كل شيء، يعكس ذلك الاستياء العميق تجاه السكان العرب الذي يتجلى في شريحة كبيرة من الرأي العام الإيراني، والذي لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن للجناح الراديكالي للنظام الإيراني أن ينفق عشرات المليارات من الدولارات للحفاظ على وكلاء في الدول العربية.يأتي هذا في وقت تواجه فيه إيران أزمة اجتماعية واقتصادية حادة وغير مسبوقة. وعلى هذا الأساس نفسه، أي "المشروع العابر للحدود الخاص بالشيعة"، يواصل الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، إعطاء الأولوية لمصالح النظام الإيراني على حساب ضرورة بناء دولة لبنانية قوية ذات سيادة. بل وصل به الأمر إلى تهديد وزير الخارجية جو راجي (الذي يُعتبر متشددًا في دعم السيادة!)، ولم ينسَ التلويح بشبح الاضطرابات الداخلية في حال نفذت الحكومة قرارها بنزع سلاح حزب الله. وفي أحد خطاباته العلنية الأخيرة، دعا الرئيس جوزيف عون حزب الله إلى "التحلي بالعقلانية"، الأمر الذي أثار استياء نعيم قاسم (الذي يرى أن مصالح إيران تحتل الصدارة!). ولإيقاف هذا الانزلاق الانتحاري من جانب الحزب الموالي لإيران، بات من الضروري اتخاذ خطوة حاسمة وعاجلة: التوافق مع توصيات الإرث السياسي النبوي لمحمد مهدي شمس الدين. حتى لو تطلّب هذا حتمًا - وسيتعين عليهم الاعتراف بذلك يومًا ما - "ثورة ثقافية" حقيقية لإعادة صياغة عقيدتهم السياسية التي طُوّرت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي...

التقدمية مقابل المحافظة
بقلم
أمين جول إسكندر
نُشر

نادرًا في تاريخ البشرية، كان الهجوم التقدمي بهذه القوة والانتشار كما هو اليوم. فخلال أسوأ ساعات الماركسية، اقتصرت الغولاغات والإرهاب الفكري على بعض البلدان أو الإمبراطوريات دون أن تتمكن من إخضاع بقية الغرب. لم يتمكن الإمبراطورية السوفيتية من حظر الإيمان المسيحي وحرية الفكر والتراث الثقافي إلا في الأراضي التي كانت تسيطر عليها مباشرة أو عبر ولايات تابعة. أما اليوم، فإن الهوس التقدمي يشعل النفوس في ما قد يصفه ليو شتراوس بالعدمية المدمرة. إنها وفرة من المثقفين الزائفين الذين يسعون إلى تفكيك الإنسان من خلال إعادة نظر ذكية في جميع القيم التي تميزه. يتعلق الأمر بتحويل الشخص البشري إلى فرد مجرد من كل ما يشكله اجتماعياً وثقافياً. هذا الإنسان الجديد، المجرد من مرجعياته، يوضع وحده أمام القانون، الذي هو بحد ذاته مجرد من أي حس للتمييز. المعجم التقدمي يتم شيطنة الهوية، وتوحيد التراث، وتسليم التاريخ للنزعة التاريخية المدمرة، وتنسبية الحقيقة. يؤدي عدم اليقين المعمم حتماً إلى العدمية. وتتمثل طريقة عمل هذه النزعة الفكرية اليسارية في ترهيب منهجي يهدف إلى توقع ومنع الخطابات غير المتوافقة مع الأيديولوجية العالمية منذ البداية. وسلاحها يتكون من معجم مصقول خصيصاً لإجهاض أي محاولة للنقاش حول المواضيع التي أصبحت عقيدة للعولمة. يتم عندئذٍ ربط الهووي بالفاشي الذي يرفض الآخرية ويفتقر إلى الإنسانية. ويُلصق به صفات تتكرر بلا كلل وتعود ميكانيكياً في حلقة مفرغة. من الضروري فضح هذا المعجم الخبيث لكشفه. العبارات الأكثر تكراراً هي: الانغلاق الهووي، السلوك القبلي، فتشية العرق، الهووية الدينية، والهووية العرقية. تُستخدم مصطلحات مثل مذهب، عشيرة، قبيلة، وحتى أمة بمعنى سلبي ومُهين دائماً. ويُقابلها مفاهيم جذابة، لكنها مفرغة من معناها، لأنها منفصلة عن الواقع. وهذه المفاهيم تتكرر أيضاً في حلقة مفرغة: العيش المشترك، التعايش، الشمولية، والآخرية. الأمة، التي تُشبه بالشر، يجب حلها، مع مفاهيمها عن الحدود والتاريخ والهوية. الدين المسيحي، الذي أسس للآخرية بامتياز، يُنظر إليه كعدو وعقبة أمام هذه الآخرية. يتم تجريد الإنسان من قداسته وتجريد الحياة اليومية من روحانيتها. يتم استبدال الشخص المقدس بالفرد المستهلك ودافع الضرائب. الإنسان الجديد، مثال التقدمية الووكية والليبرالية، لم يعد له بُعد متسامٍ؛ يُقيّم فقط بناءً على إنتاجيته واحتياجاته المادية والحرارية. اليوغينيّة إن الوعي الووكوي ليس سوى التعبير المتطرف لهذه الأيديولوجيا. فبعد أن تنكر للعائلة والبلدة والوطن والإيمان والتقاليد والتراث، يدفع هذا الوعي إلى حد إنكار البديهية الجنسية. إنه رفض للخلق الإلهي وحتى للطبيعة كتجلي للإلهي. إنها معارضة للخلق، حسب فيودور دوستويفسكي. وهكذا، بعد أن قتل الله، كما يقول لنا مارتن هايدغر، يبحث العدمي عن «موت الإنسان». يستمر معجم «الفكر السليم» التقدمي في الإثراء. مؤخرًا، على شبكات التواصل الاجتماعي لأحد المؤرخين المزيفين، اتُهم المحافظون والهوويون والفدراليون بتحسين النسل (اليوغينيّة). وهنا أيضاً، يعود الارتباك الفكري إلى الخطاب الأيديولوجي أكثر منه إلى الخطاب العلمي. لأن اليوغينيّة هي قبل كل شيء نتاج التقدمية. إنها ترفض الخلق بعيوبه؛ إنها تريد الكمال. يجب اختيار الإنسان الجديد حتى في جيناته. لا شيء يتعارض مع هذه الممارسة أكثر من المحافظة المسيحية. فهي تحمي الحياة، وتحرم الإجهاض والانتخاب الاصطناعي. ترى المسيحية في المريض وجه المسيح نفسه، وحضوره يتجلى من خلال الآخرية المطلقة. الانعزاليون ليست هذه المرة الأولى التي يسقط فيها التقدميون رذائلهم على المحافظين. ألم يتهموا المحافظين المسيحيين، منذ عام 1975، بالانعزالية؟ لقد حاربوهم عسكرياً وأيديولوجياً. ومع ذلك، كان لبنان الذي ينسب إليه هؤلاء الانعزاليون مفتوحاً على العالم أجمع وعلى جميع الثقافات؛ أما لبنان التقدميين، فقد وُضع خارج المجتمع الدولي، وعُزل عن الغرب وعن دول الخليج العربي على حد سواء. أخيراً، يعتبر التقدميون أنفسهم متجذرين فيما يسمونه الشرق العربي. ويريدون أن يكونوا عروبيين ومنفتحين على بيئتهم الطبيعية. ويتهمون المحافظين بأنهم حالمون متوجهون بشكل مصطنع نحو الغرب. وهنا أيضاً، يجب التحلي بالبصيرة. ففي الواقع، المحافظون متمسكون بأرضهم اللبنانية، وبانتمائهم المشرقي، وبتراثهم المسيحي الشرقي، الأنطاكي والسرياني. على النقيض من ذلك، فإن التقدميين هم الأكثر تغرباً بعمق، كما يكشف تبنيهم الكامل للإيديولوجية الغربية بامتياز، وهي الوعي الووكوي أو الليبرالية الراديكالية. إن رفض التراث، وكذلك كراهية الذات، هي سمات لا توجد في أي مكان آخر سوى في الحضارة الغربية الحالية. لا العالم الإسلامي ولا الشرق الأقصى يختبران مثل هذا الشكل من الانتحار الحضاري. وبالتالي، تشكل هذه الأيديولوجيا دليلاً تجريبياً على انتماء اليسار اللبناني (الذي يدعي أنه عربي) إلى الغرب بفضائله وعيوبه. يسود هنا، في الغرب، يقول لنا بنديكتوس السادس عشر، شكل من كراهية الذات... ولا يمكننا إلا أن نصفها بالمرضية... وهذه الأمراض تنتشر في جميع أنحاء الغرب، وتحمل معها الساحل الشامي. أمام هذا النقص المؤسف في التمييز، يذكرنا قداسته بأن توحيد البشرية ليس مهمة سياسية بل هو أمل أخروي، وأن تجاهل هوية الشعوب لدمجها في مزيج عالمي هو خطيئة كبرياء، تشبه الخطيئة التوراتية لبرج بابل.

الخليج الفارسي: مسرح للخداع
بقلم
يوسف معوض
نُشر

دونالد ترامب، يا له من سيّدٍ التشويق! ففي مياه الخليج الدافئة كما في أراضي غرينلاند المتجمّدة، يتصرّف الرئيس الأميركي وفق النمط نفسه: يصنع حدثًا صادمًا، ثم يحصد الغنيمة تحت أنظارٍ الأطراف المعنيّة المذهولة. ولا ينبغي التقليل من الطابع الاستعراضي في شخصيته، إذ يسعى إلى احتكار الأضواء وإجبار الآخرين على استرضائه لنيل رضاه. في 13 كانون الثاني/يناير، دعا المتظاهرين الإيرانيين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة والتمكّن منها، مؤكّدًا لهم أنّ المساعدة «في الطريق إليهم». غير أنّ هذا الوعد لم يكن سوى فرقعةٍ فارغة. فبعد ثلاثة أيام، تراجع الرئيس الأميركي متذرّعًا بحجّةٍ جوفاء: "أحترم كثيرًا الواقع الذي طرأ وهو جميع عمليات الإعدام التي كان مقرّرًا تنفيذها أمس قد أُلغيَت من قِبل قادة إيران. شكرًا!". وبالفعل، كان قد ربح رهانه: إنجازٌ يُضاف إلى لوحة صيده أو إلى سيرته كمرشّحٍ لجائزة نوبل للسلام. فإذا كان قد أنقذ أرواحًا بمجرد التهديد أوالخداع، فلماذا يعرّض أرواحًا أخرى للخطر بإطلاق غارة عسكرية؟ سيناريو محكم الإخراج يا له من دونالد! لقد أدار اللعبة بإتقان. والأدهى أنّ مراقبين مذهولين ما زالوا يعتقدون أنّه تراجع عند رغبة مستشاريه العسكريين وبإلحاحٍ من إسرائيل و السعودية وسائر دول الخليج، وكأنّ استراتيجيّي البيت الأبيض لم يكونوا قد وزنوا مسبقًا تبعات قصفٍ انتقائي في بلاد "آيات الله." في الواقع، لم تكن التدخّلات في اللحظة الأخيرة سوى مخارجَ وهمية استخدمها دونالد ترامب لتفادي العمل العسكري، بعدما مدّ له نتنياهو ومحمد بن سلمان طوق النجاة وأخرجاه من المأزق. ولمَ الاستغراب؟ ألم يصرّح هذا الرئيس نفسه لصحافية قائلًا: «لم يُقنعني أحد، لقد أقنعتُ نفسي بنفسي»؟ في الحقيقة، وبثباتٍ لافت، لم يتخلَّ دونالد ترامب قط عن قناعته بأنّه لا ينبغي على الولايات المتحدة الانغماس في حربٍ طويلة. وهذا لا يمنعه من مواصلة سباق التسلّح وبثّ الخشية في نفوس الجميع. سيضرب أم لا؟ خلاصة القول، لن يلجأ دونالد ترامب إلى القوة الغاشمة إلا نادرًا، ما لم تُستهدَف قواته مباشرة. وهذا ليس الحال هنا، إذ إنّ الإيرانيين ليسوا انتحاريين! وإذا كان البيت الأبيض قد أمر خلال آخر تصعيد، بإخلاء بعض القواعد الأميركية في الخليج، فذلك كان للتعمية ليس إلا. مجرد حيلة، تمامًا كالأمر الموجَّه إلى حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» بالتوجّه نحوالخليج الفارسي. وقد أوضح مصدر في البحرية الأميركية أنّ «وجود هذه الحاملة، وإن لم يكن ضروريًا لعملٍ هجومي، فإنه يشكّل مع ذلك إشارة قوية على الردع والجاهزية، موجّهة إلى الحلفاء كما إلى الخصوم". المزاج ليس مزاج عدوان، ومع ذلك فإنّ تدخّلًا بهذا المستوى قد يجد ما يبرّره ويُعدّ تدخّلًا إنسانيًا، في وقتٍ يُقتل فيه مدنيون عُزّل بلا رحمة. وماذا عنا نحن اللبنانيين؟ كما لم يتمكّن المنتفضون الإيرانيون من التعويل على ضربةٍ أميركية، لايمكننا نحن "اللبنانيين الأحرار " أن نعوّل على سقوط نظام الملالي لفكّ قبضة الحزب عن بلادنا. وإنما يقع علينا نحن بالذات استعادة المساحة المهدورة من حريّاتنا. فلنقتدِ إذًا ببطولة المنتفضين في طهران وأصفهان وسواهما. خصوصاً الآن وقد إنتقل الخوف من موقع إلى آخر، وانفكت الألسن!

ثورات، طموحات جيوسياسية، عقوبات، ثيوقراطية… النظام الإيراني يتزعزع

لقد تركزت أنظار إيران والعالم منذ 28 ديسمبر على حركة التمرد التي اندلعت في طهران من قبل تجار البازار وآلاف الشباب وكبار السن ضد التدهور السريع للوضع الاجتماعي والاقتصادي. الاحتجاجات، التي سرعان ما امتدت إلى العديد من المدن والبلدات، بلغت مستوى غير مسبوق في 8 يناير، متحديةً النظام الإسلامي علناً، قبل أن تُقمع بعنف وبالدم. وبالإضافة إلى قطع الاتصالات بشبكة الإنترنت على المستوى الوطني، والذي سمح، وفقًا لمنظمات حقوق الإنسان، بإخفاء القمع، جاءت تهديدات بفرض عقوبات شديدة على المتظاهرين، الذين وصفوا بـ «مثيري الشغب الذين يعملون لحساب قوى أجنبية». تحدث مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن قمع "غير مسبوق". وأفاد يوم الجمعة الماضي أن قوات الأمن أطلقت "ذخيرة حية" على المتظاهرين، معربًا عن أسفه لمقتل "الآلاف" من الأشخاص، بمن فيهم أطفال. أفادت السلطات الإيرانية بمقتل أكثر من 3000 شخص، مؤكدة أن غالبية الضحايا «شهداء»، أي من أفراد قوات الأمن أو المارة، وليسوا "مثيري شغب". تتحدث وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA)، ومقرها الولايات المتحدة، عن 5002 قتيل، معظمهم من المتظاهرين، وما لا يقل عن 26,852 اعتقال. من جانبها، أكدت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية (IHR)، ومقرها النرويج، مقتل 3428 متظاهرًا لكنها خشيت أن يرتفع العدد النهائي للقتلى إلى 25000. باستهداف السلطة التي يقودها المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، يتحدى المتظاهرون الجمهورية الإسلامية بشكل لم يسبق له مثيل، لكن هل حجم الحركة كافٍ للإطاحة بالسلطة الثيوقراطية؟ هل نشهد نهاية نظام الملالي؟ تغيير النظام؟ يظل المحللون حذرين للغاية بشأن نتيجة الاحتجاجات ويشيرون إلى أبعاد متعددة للأزمة، قد تكون لها عواقب مختلفة. ويتفق هؤلاء المحللون على أن مسار الأحداث قد يتأثر بشكل كبير بعمل خارجي. في مقابلة مع ليفانت تايم، يقدم جوزيف كراوس، أستاذ في جامعة ماساريك في براغ وخبير في الشأن الإيراني، رؤيته حول الموضوع. يبدأ السيد كراوس بالتذكير بالطبيعة متعددة الأبعاد للأزمة الإيرانية. ويشير إلى العوامل الداخلية – التضخم والأزمة الاقتصادية والفساد – التي تضاف إليها مشاكل خارجية تهز السلطة: فشل السياسة الإمبريالية للجمهورية الإسلامية في الشرق الأوسط وفقدان العديد من ركائز قوتها، وفقدان حلفاء بعيدين أيضًا، مع سقوط مادورو في فنزويلا، والهجوم الإسرائيلي الأمريكي المشترك، وما إلى ذلك. الأبعاد الداخلية والإقليمية والدولية مترابطة بشكل وثيق. وتضاف إليها العقوبات الثقيلة المفروضة من الخارج. وفقًا للسيد كراوس، «ما زلنا بعيدين عن نهاية النظام، ما لم يكن هناك عنصر خارجي غير متوقع وغير مخطط له». ويشير في هذا السياق إلى أنه «إذا ركزنا على القضايا الداخلية وحل المشاكل الداخلية، فمن شبه المؤكد أن النظام لن يُسقط». ويوضح: «لكن إذا نظرنا إلى الديناميكية الإقليمية، أو حتى العالمية، فقد يكون الوضع مختلفًا تمامًا. على سبيل المثال، تدخل إسرائيلي أو أمريكي واسع النطاق قد يزعزع استقرار الوضع في إيران بشدة». يؤكد البروفيسور كراوس، الذي لديه اتصالات في إيران بسبب مشاركاته في الجامعات الإيرانية، أن «جزءًا كبيرًا من المجتمع الإيراني يتوقع تدخلًا أمريكيًا أو إسرائيليًا قد يؤدي إلى انهيار النظام». ويضيف: «الجميع يتوقع مرحلة ثانية مما يسمونه "حرب الأيام الاثني عشر" بين إسرائيل وإيران». بالنسبة للسيد كراوس، «إذا تدخل الأمريكيون بطريقة أكثر قوة، فقد تتعرض استقرار النظام لتهديد خطير». ويشير إلى أن «البعض يطالب حتى بتدخل في طهران مشابه لما حدث في كراكاس، أي نشر قوة دلتا، واختطاف خامنئي، وما إلى ذلك!». نقلت وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) عن نيكول غرايوفسكي، أستاذة في مركز الأبحاث الدولية في معهد العلوم السياسية بباريس (Sciences Po.)، قولها إن "الاحتجاجات الجماهيرية، مهما كانت مدعومة، من غير المرجح أن تكون حاسمة". تحليل مماثل من جانب آرش عزيزي، من جامعة ييل الأمريكية: "من المحتمل أنه تحت الضغط المشترك للاحتجاجات الداخلية والتهديدات الخارجية من الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يقوم أعضاء النظام بعمل من نوع الانقلاب ويعدلون السياسات والهياكل الأساسية للنظام". فقدان الشرعية يتطرق السيد كراوس إلى الإخفاقات الكارثية للسياسة الخارجية الإيرانية. ويؤكد أن النظام يستمد شرعيته من الأيديولوجية: ولاية الفقيه، الثورة الإسلامية والإرث الناجم عنها. «لكن بصراحة، لم يعد أحد يصدق ذلك»، قبل أن يضيف: «يمكنني أن أربط تشابهاً لافتاً بين النظام الإيراني الحالي، وعلى سبيل المثال، أنظمة أوروبا الشرقية في الثمانينات، مثل تشيكوسلوفاكيا. لم يعد أحد يؤمن بالشيوعية. أولئك الذين شاركوا وبقوا مخلصين للنظام فعلوا ذلك للحصول على مزايا اقتصادية واجتماعية: وظائف أفضل، شقق، امتيازات، إلخ». وأضاف: «الوضع مشابه جدًا في إيران. ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من المجتمع يثق بالنظام. ويرغب في بقائه. ويستمر في الإيمان بالثورة الإسلامية، وبحراس العقيدة، «الفقهاء». ولكن مع الوضع الاقتصادي الكارثي، حتى أولئك الذين كانوا يؤمنون بإرث الثورة الإسلامية أصبحوا مضطربين بشدة. إنهم يفضلون الاعتقاد بأن النظام في حد ذاته ليس سيئًا، لكنهم يلومون القادة على سوء إدارتهم للشؤون»، يضيف السيد كراوس. يؤكد السيد كراوس أن هذا عدم الثقة يتجاوز الإطار الاقتصادي، وأن الاستياء يطال أيضًا الأمن، الداخلي والإقليمي. الأمن الداخلي أمر حيوي للنظام. ففي الواقع، عندما تدرك الطبقة الوسطى أنها لا تملك ما تخسره بالمخاطرة بثورة، فإنها ستطيح بالنظام. لكنها لن تفعل ذلك طالما تم ضمان الاستقرار والأمن. «النظام يعرف ذلك ويستفيد منه»، يقول السيد كراوس. ويضيف: «في جوهر الأمر، يقول لهم: 'هل تريدون الإطاحة بمن يضمنون لكم الأمن؟ انظروا إلى العراق وأفغانستان واليمن وسوريا. هل تريدون أن يحدث هذا في إيران أيضًا؟ إذا لا، فكونوا أوفياء.'». في الواقع، فإن تهديد الحرب الأهلية قوي في بلد متعدد الأعراق. أي زعزعة لاستقرار السلطة المركزية يمكن أن تحشد بسهولة الأكراد والبلوش وعرب خوزستان والأذربيجانيين والتركمان وغيرهم. في الوقت الحالي، يستغل النظام هذا التهديد بشكل مفرط ويعمل بشكل ممتاز. في الوقت نفسه، يلعب ورقة الأمن الخارجي: «هل تريدون أن يهددكم إسرائيل؟ هل تريدون أن يقصفكم الأمريكيون؟ وإلا فنحن هنا لضمان الأمن بفضل حلفائنا، ووكلاءنا، وجيشنا القوي وحرس الثورة». لكن هذه الشرعية اختفت: صحيح أن إيران لم تهزم مباشرة من قبل الطيران الإسرائيلي، لكنها لم تحقق أي انتصار أيضًا! سمحت التفوق العسكري للدولة العبرية لقاذفاتها بفرض هيمنتها في المجال الجوي الإيراني. والآن، تطالب غالبية السكان الإيرانيين بالمساءلة، نظرًا لأن النظام قام على مدى عقود بتحويل مبالغ ضخمة للتسليح، والحرس، وصيانة الميليشيات في بلدان أخرى. تغيير القيادات؟ بالعودة إلى مسألة خلافة خامنئي، يشير السيد كراوس إلى عدة نقاط: ينص الدستور الإيراني على أن أي سلطة جديدة يجب أن يجسدها شخص واحد. وحتى الآن، لا يوجد من يتطابق مع هذا الوصف. يتحدث البعض عن نجل المرشد، مجتبى خامنئي: فهو يمتلك السلطة السياسية والاقتصادية ويحافظ على علاقات ممتازة مع القوات المسلحة. لكنه لا يستطيع الاستئثار بالسلطة وحده، لأن خلافة الأب للابن هي تقليد ملكي، وبالتالي فإن شرعية الثورة الإسلامية نفسها، المعادية للملكية بطبيعتها، ستهتز. لذلك، فإن القيادة الجماعية، أو الحكم الثلاثي، وربما حتى خمسة أشخاص، هي فكرة منطقية تمامًا. لكن من سيكون جزءًا منها للحصول على الشرعية اللازمة؟ ستحتاج هذه الهيئة الجماعية إلى الدعم الشعبي. وهذا يعني وجود شخصيات متنوعة داخل هذه الهيئة. بالتوفيق بين الشخصيات، يمكن أن ينجح الأمر. يجب أن يرضي التقليديين واليمين المتشدد، مع مجتبى من جهة، والإصلاحيين من جهة أخرى، وكذلك الليبراليين واليسار. بالنسبة للسيد كراوس، «هناك شيء مهم جدًا يدور خلف الكواليس». ويشير إلى أنه «ليس لدينا أي فكرة على الإطلاق، لأن الأمر لا يتعلق فقط بالنظام الدستوري أو الانتخابات أو الاستراتيجيات المختلفة. بل يتعلق أيضًا بالعائلات، هناك عائلات رفسنجاني، لاريجاني، خامنئي، خميني... هذه العشائر تتنافس للوصول إلى مراكز القرار والسلطة. يمكنهم تقاسم السلطة بطريقة أو بأخرى، كما تشارك عائلة لاريجاني السلطة حاليًا مع عائلة خامنئي. أصبح علي لاريجاني أهم شخصية أمنية في البلاد، بينما قبل خمس سنوات، كان يُعتقد أن مسيرته السياسية قد انتهت». تاريخياً، كانت السياسة الإيرانية تُصاغ دائمًا بهذه الطريقة. قبل الشاه، كانت الوظيفة السياسية تعتمد على العشائر وحتى القبائل. في أيامنا هذه، أصبحت عائلات كبار الشخصيات الدينية هي التي تشكل سلالات جديدة، مما يجعلها تعيش نسخة متجددة من «صراع العروش». العقوبات، عنصر مركزي إذا كان الوضع الاقتصادي في إيران قد وصل إلى هذا الحد الكارثي، فليس ذلك بسبب العقوبات وحدها: «البلاد تُدار بشكل سيئ للغاية»، يؤكد السيد كراوس، «يضاف إلى ذلك الفساد والمحسوبية، وبالطبع، المنطقة نفسها التي تعاني من عدم استقرار شديد منذ عدة سنوات. هذا لا يحسن الأمور. علاوة على ذلك، العقوبات سارية منذ أربعة عقود. هذا يعني أن إيران تعاني من نزيف أدمغة كبير لأكثر من عشرين عامًا». «إذا تحدثت مع السكان المحليين، أولئك الذين لديهم الكفاءات اللازمة لإدارة الأعمال، والمثقفين، والأكاديميين، والمهنيين في قطاع التكنولوجيا الفائقة، جميعهم يرغبون في مغادرة البلاد»، يؤكد السيد كراوس. «وهم يقومون بذلك بشكل جيد إلى حد ما. هذا النزوح للأدمغة مستمر منذ 20 عامًا، نحو الغرب بشكل عام، أوروبا الغربية، كندا، الولايات المتحدة أو أماكن أخرى، وله تأثير سلبي على الاقتصاد والإنتاجية». وهكذا، فإن العنصر الأساسي في السياسة الخارجية الإيرانية يرتبط ارتباطًا وثيقًا برفع العقوبات. الإيرانيون مستعدون لفعل أي شيء للتخلص من العقوبات. «إنهم مستعدون حتى لإبرام اتفاق نووي 2.0 مع الولايات المتحدة للحصول على رفع العقوبات، لأن النظام لا يرغب إلا في شيء واحد: البقاء على قيد الحياة»، يتابع السيد كراوس. «ولن يتمكن من البقاء إلا إذا رُفعت العقوبات، لأن ذلك سيسمح بإنعاش الاقتصاد، وستكتفي غالبية السكان، بطريقة ما، ببقاء النظام. وبالتالي، فإن رفع العقوبات هو الأولوية المطلقة، والهدف الأول للنظام، لأن بقاءه على المحك». ما مستقبل حزب الله؟ ما هو تأثير الوضع الحالي على مصير حزب الله؟ يرى السيد كراوس أن هناك وجهتي نظر بارزتين في هذا الشأن: «حزب الله الأول هو أن إيران، في الواقع، مستعدة للتضحية بحزب الله إذا حصلت على اتفاق مع الأمريكيين. الفكرة هي أن النظام بحاجة ماسة إلى البقاء، وأنه في وضع يائس لدرجة أنه إذا وصل الأمريكيون وقالوا: «ها هو الاتفاق النووي، ها هو تخفيف العقوبات»، مع ترك حزب الله يتجرد من سلاحه، فإن الإيرانيين سيقبلون هذا الوضع لأنه لن تكون لديهم خيارات أخرى. وأضاف: «لكن هناك أيضًا رؤية أخرى. العقلية الإيرانية قريبة جدًا من عقلية حزب الله لكونها مرتبطة بالدين والأيديولوجية وحس التضحية. الأمر لا يتعلق فقط بالحسابات وموازين القوى، بل يتعلق أيضًا بالعواطف. ولكن إيران هي بالتأكيد لاعب براغماتي وعقلاني على الساحة الدولية. إنها ليست مجتمعًا أصوليًا ومتعصبًا. إنها دولة عقلانية تمامًا. ومع ذلك، قد تكون حسابات القادة الإيرانيين مختلفة. تستند هذه الحسابات إلى حقيقة أن النظام الإسلامي في السلطة منذ أكثر من 40 عامًا، دون تغيير تقريبًا، ولا يزال يتمتع ببريقه، حسب قولهم، ويصمد أمام كل شيء». «في المقابل، إذا لاحظنا السياسة الإسرائيلية أو السياسة الأمريكية، نجد أن هناك دورات، كما هو الحال في أي نظام ديمقراطي»، يشير السيد كراوس. «تبقى لترامب ثلاث سنوات، ناهيك عن السيد نتنياهو، الذي يثير جدلاً كبيرًا في بلاده». التكتيك الإيراني الحالي هو تجميد الأمور وانتظار أيام أفضل. في غضون ذلك، يطلبون من حزب الله تقليل استفزازاتهم تجاه إسرائيل، وعدم التدخل في حال وقوع عدوان إسرائيلي»، وهذا ما يفعله الحزب حاليًا، وهو ينتظر، بدوره، أيامًا أفضل. في غضون ذلك، لبنان يدفع الثمن...

نوري المالكي: عودة شخص أم ارتداد مشروع؟

لا يمكن قراءة عودة نوري المالكي إلى السلطة — أو حتى إلى موقعٍ حاسم داخل منظومة القرار العراقي — بوصفها حدثاً سياسياً عادياً أو مجرّد إعادة تدوير شخصية من الماضي. فالرجل، بما يمثّله وبما راكمه من تجربة وسجلّ، تحوّل إلى رمز لنموذج حكم كامل، ارتبطت به مرحلة مفصلية من تاريخ العراق بعد 2003، بما حملته من إخفاقات وانقسامات وتحوّلات بنيوية في طبيعة الدولة. من هنا، فإن أي عودة محتملة له تعني، عملياً، عودة اتجاه سياسي كامل، داخلياً وإقليمياً ودولياً، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات. أولاً: داخلياً – عودة «الدولة المُسيَّسة» 1) تكريس المركزية وتآكل التوازنات ارتبط اسم نوري المالكي، خلال ولايتيه بين 2006 و2014، بتغليب السلطة التنفيذية على باقي السلطات، تحت شعارات «فرض هيبة الدولة» و«مكافحة الإرهاب». إلا أن النتيجة العملية كانت تسييساً متدرجاً لمفاصل الدولة، من القضاء إلى الأجهزة الأمنية، وصولاً إلى الإعلام الرسمي. هذه المقاربة أفرغت مبدأ الفصل بين السلطات من مضمونه، وحوّلت الدولة إلى أداة بيد السلطة السياسية لا إطاراً ناظماً لها. أي عودة للمالكي اليوم تُقرأ كإعادة إنتاج لهذا النموذج: مركزية صارمة، تضييق على المعارضة، وإضعاف ممنهج لأي توازن يمكن أن يحدّ من نفوذ السلطة التنفيذية. وفي بلد متعدّد الهويات والانتماءات كالعراق، لا تؤدي هذه المركزية إلى الاستقرار، بل إلى تراكم الاحتقان تحت السطح. 2) تعميق الانقسام الطائفي رغم الخطاب الوطني الذي رافق بعض مراحل حكمه، ارتبطت تجربة المالكي عملياً بتدهور العلاقة بين المكوّنات العراقية، خصوصاً مع السنّة والأكراد. سياسات الإقصاء، والاعتماد المفرط على الأدوات الأمنية، وملفات الاعتقال والملاحقات، كلّها ساهمت في تقويض الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع. هذه السياسات لم تكن تفصيلاً، بل شكّلت أحد الأسباب البنيوية التي انفجرت لاحقاً مع تمدّد تنظيم «داعش» عام 2014. وبالتالي، فإن عودة المالكي اليوم تُعيد إلى الأذهان هذا المسار، وتفتح الباب أمام إعادة إنتاج الانقسام بدل ترميمه، في وقت لا يزال فيه النسيج الوطني هشّاً. 3) إضعاف مسار الإصلاح وإجهاض مطالب التغيير مثّلت احتجاجات تشرين 2019 لحظة فارقة في الوعي السياسي العراقي، حيث عبّرت عن رفضٍ عابر للطوائف لمنظومة الحكم القائمة، وطالبت بدولة مواطنة، ومكافحة جدّية للفساد، وإنهاء منطق المحاصصة والسلاح المنفلت. في هذا السياق، تُفهم عودة المالكي كرسالة معاكسة تماماً: انتصار للنظام القديم على مطالب التغيير، وإعادة تدوير النخبة نفسها التي حمّلها الشارع مسؤولية الانهيار السياسي والاقتصادي. ثانياً: أمنياً – ترجيح كفّة «الدولة الموازية» 1) تعزيز نفوذ الفصائل المسلحة يُنظر إلى نوري المالكي على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز الغطاءات السياسية للحشد الشعبي والفصائل المرتبطة به. وخلال فترة حكمه، لم يُطرح مشروع حقيقي لدمج هذه القوى ضمن مؤسسات الدولة وفق منطق احتكار السلاح، بل جرى تكريس ازدواجية القرار الأمني. عودته اليوم تعني، عملياً، تثبيت هذه الازدواجية: دولة رسمية بقدرات محدودة، إلى جانب قوة مسلحة موازية تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً. وهذا النموذج لا ينتج دولة قوية، بل دولة ضعيفة محاطة بقوى أقوى منها. 2) توتير العلاقة مع المؤسسة العسكرية أظهرت التجربة السابقة للمالكي توظيفاً سياسياً مباشراً للمؤسسة العسكرية، سواء عبر التعيينات أو إدارة العمليات الأمنية. وقد أدّى هذا النهج إلى إضعاف الاحترافية العسكرية، وخلق ولاءات متداخلة داخل الجيش. في أي سيناريو عودة، يُخشى من إعادة هذا المسار، بما يقوّض فكرة الجيش كمؤسسة وطنية جامعة، ويحوّله إلى أداة ضمن صراع سياسي أوسع. ثالثاً: إقليمياً – عودة محور إيران 1) إشارة ولاء واضحة لطهران لا يُعدّ المالكي مجرّد حليف عابر لإيران، بل يُصنَّف ضمن أكثر الشخصيات العراقية السياسية ثباتاً في هذا الخيار. عودته تعني، من منظور إقليمي، إعادة العراق إلى موقع متقدّم في مشروع النفوذ الإيراني، في لحظة تشهد فيها المنطقة محاولات لإعادة رسم التوازنات. هذا التموضع لا يقتصر على السياسة الخارجية، بل ينعكس على الداخل العراقي، عبر تعزيز دور القوى المرتبطة بمحور طهران على حساب منطق الدولة الوطنية. 2) تصعيد محتمل مع الخليج شهد العراق بعد 2021 محاولات انفتاح على محيطه العربي، خصوصاً الخليج، ضمن مسار تدريجي لإعادة التوازن إلى علاقاته الإقليمية. عودة المالكي تهدّد هذا المسار، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر سياسات الأمر الواقع، ما قد يؤدي إلى فتور أو انتكاس في العلاقات العربية. 3) ارتدادات لبنانية يتجاوز أثر عودة المالكي حدود العراق. فهي تُقدّم نموذجاً مُجدَّداً لـ«الدولة الضعيفة – الميليشيا القوية»، وهو النموذج الذي تستند إليه قوى حليفة لإيران في لبنان لتبرير استمرار السلاح خارج الدولة. من هنا، فإن أي تكريس لهذا النموذج في بغداد يُترجم تعزيزاً لسرديات مشابهة في بيروت. رابعاً: دولياً – عزلة وضغوط 1) توتر مع واشنطن والغرب تحمل العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، ذاكرة سلبية تجاه تجربة المالكي، سواء في ما يتعلّق بالحوكمة، أو إدارة الملف الأمني، أو العلاقة مع الفصائل المسلحة. عودته لا تُعدّ تطميناً، بل مصدر قلق، حتى لو جرى التعاطي معه ببراغماتية. 2) قلق استثماري وتراجع الثقة يحتاج العراق، في مرحلة إعادة الإعمار وتنويع الاقتصاد، إلى بيئة مستقرة وقواعد واضحة. غير أن عودة نموذج الحكم المرتبط بالمالكي تُضعف الثقة بالاستقرار السياسي والقانوني، ما ينعكس مباشرة على الاستثمارات، ويُبقي الاقتصاد رهينة الريع والفساد. عودة إلى ما قبل 2014 في المحصّلة، تعني عودة نوري المالكي — أو حتى تعاظم دوره — عودة العراق إلى ما قبل 2014: دولة أقل توازناً، نفوذ إقليمي أثقل، سلاح خارج الدولة، ومسار إصلاحي مُعطَّل. ليست المسألة عودة شخص، بل عودة نموذج حكم أثبت، بالتجربة، عجزه عن بناء دولة جامعة وقادرة. وبين استقرار أمني هشّ واحتقان سياسي متراكم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحمّل العراق كلفة تكرار التجربة نفسها، أم أن لحظة التغيير التي عبّرت عنها الاحتجاجات لا تزال كامنة، تنتظر فرصة أخرى؟