شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
التأثير الاقتصادي والثقافي للمتحف المصري الكبير

في مقالاتنا السابقة، تناولنا بإيجاز بناء المتحف المصري الكبير وأبرزنا دوره الرئيسي كمركز بحث علمي، واستعرضنا بعض الكنوز الرائعة التي يحتفظ بها. لكن، ما هو أثره الاقتصادي والثقافي والوطني بالنسبة إلى مصر؟ بلا شك، يُعدّ المتحف المصري الكبير ركناً أساسياً في الخطة الاقتصادية للبلاد، إذ يهدف إلى جذب السياح من مختلف أنحاء العالم، مساهماً في تعزيز الحيوية الاقتصادية لمصر. يقع المتحف بالقرب من أهرامات الجيزة، وهو أحد ركائز الاستراتيجية السياحية الجديدة للبلاد. فهو يهدف لجذب ما يصل إلى 30 مليون زائر سنوياً بحلول عام 2030، ما يجعله من بين المؤسسات الثقافية الأكثر زيارة في العالم. من المتوقّع أن تسهم هذه الحشود في إنعاش القطاعات المساندة مثل الضيافة والمطاعم والنقل والأعمال الصغيرة المحلية، وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. وتُشير التقديرات الأولية إلى أن العائدات الاقتصادية لهذا المشروع ستكون –وهي بالفعل كذلك – كبيرة للغاية، إذ قد تمثل نحو 12٪ من الناتج المحلي الإجمالي لمصر. كما يتوقع الخبراء أن يسهم المتحف بنسبة 20 إلى 25٪ في نمو القطاع السياحي في مصر بين 2025 و2030. رمز للسيادة الثقافية قال فرانسوا ميتيران "الشعب الذي لا يعلّم تاريخه شعب بلا هوية". ومع المتحف المصري الكبير، يكتسب هذا القول دلالته الكاملة، فمصر للمرة الأولى تعود إلى رواية تاريخها بنفسها وتستعيد وهويتها الثقافية. المصريون أنفسهم يروون تاريخهم ويتولون كتابة مصيرهم، وهو ما يبعث في نفوسهم شعوراً عميقاً بالفخر. وعند الاستماع إلى شهادات المتخصصين في المتحف والزوار العاديين، يتضح مقدار الفخر الوطني الذي يولّده المتحف في نفوسهم. تحقيق إنجاز حضاري ومعرفي بعد ثلاثة وثلاثين عاماً على انطلاق الفكرة، أصبح المتحف المصري الكبير إنجازاً وطنياً عظيماً يتجاوز إطار العمارة و المتاحف والمقتنيات. إنه دليل على قدرة الأمة على تكريم إرثها العريق وهي توجه أنظارها بثقة نحو العالم المعاصر. ومن خلال إتاحة فرصة الوصول إلى كنوز مصر القديمة على نحو غير مسبوق، يتحول المتحف إلى جسر عبر العصور، حوّل الماضي الفرعوني إلى تراث حي يُلهِم ويُثري فخر الشعب المصري بأكمله. استعادة الكنوز المتناثرة وقد بدأت آثار هذا الصرح تظهر سريعاً على الصعيد الدولي، إذ أعادت مراسم الافتتاح رفع مطالب استعادة أهم القطع الأثرية المصرية المحتجزة في متاحف غربية، من بينها حصاة رشيد في المتحف البريطاني، وتمثال نفرتيتي في متحف برلين الجديد، وزودياك دنـدهـره في متحف اللوفر. وأشار الدكتور زاهي حواس، عالم الآثار ووزير الآثار المصري الأسبق، إلى أن مصر باتت اليوم تضم أكثر من 22 متحفاً يستوفي أعلى المعايير الدولية، في خطوة تهدف الى دحض الحجة القائلة بعدم امتلاك البلاد البنى التحتيّة اللازمة للحفاظ على تراثها. وفي تطور ملموس، أعلنت هولندا مؤخراً عن إعادة رأس حجرية يبلغ عمرها 3500 عام من عهد الملك تحتمس الثالث، صودرَت خلال معرض فنون أقيم في ماستريخت عام 2022. في الختام، يُحتفل بالمتحف المصري الكبير كرمز للوحدة الوطنية والنهضة، معبّرًا عن قدرة البلاد على تجاوز التحديات وتثمين تراثها. فهو يجسد ذاكرة الحضارة المصرية واستمراريتها، ويشكل منصة للبحث العلمي والتعاون الدولي في حفظ التراث، ويعزّز موقع مصر كإحدى الدول الرائدة والمراجع الأساسية للتراث في الشرق الأوسط.

هل ننسى رفعت الأسد؟
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

إذا كانت أبسط مقتضيات اللياقة الإنسانية تحول دون الابتهاج حتى بموت الوحوش، فإنها لا تحول دون شعورٍ خفيف، عابر، يكاد يشبه ارتياحًا خجولًا، عند سماع الخبر. غاب رفعت الأسد. وأمام العجز المتأخر، بل العجز الارتجاعي، في مواجهة أفدح فظائع التاريخ، لا يملك المرء إلا أن يتشبث بما تبقى من عزاء هش، كيفما اتفق. يرحل الأسد حاملًا معه جزءًا من الذاكرة الأكثر قتامة في المشرق المعاصر: ذاكرة المدن التي سُحقت لأنها صرخت عاليًا في وجه الهمجية، والأحياء التي أُبيدت لتكون عبرة. يكفي أن نقرأ شهادة ميشال سورا، التي كلّفته حياته، لندرك، برعشة لا تخلو من الرعب، كيف تحوّلت حماة وحمص عام 1982 إلى مختبرات لتجربة مهووسة، شبه سريرية، في فنّ القتل. لبنان بدوره، من طرابلس إلى هوامشه المهانة، دفع ثمن لا إنسانية رفعت عبر ميليشياته، المعروفة بـ«الفرسان الحمر». كان شقيق حافظ الأسد المنفّذ المكرّس للنظام، جزّاره الأكبر، ووجهه الأكثر فظاظة وصدقًا. دورٌ استأنفه لاحقًا، وبالشهية الوحشية نفسها للعنف، ابن أخيه ماهر. وكان ذلك قبل أن تمنحه فرنسا منفىً مذهبًا، وقبل أن يحتفي به بعض مسؤوليها في موائد فاخرة، لا تخلو من الفضيحة والعار. إن غياب رفعت الأسد، وانزلاقه أخيرًا إلى غياهب التاريخ، يتزامن على نحو مريب مع مرحلة تبدو فيها سوريا، مرة أخرى، منجذبة إلى إعادة كتابة سلطوية لوحدتها، هذه المرة تحت شعار «استعادة» ترابية يقودها نظام أحمد الشرع. بعد الدروز، وبعد العلويين، ها هم الأكراد يُقدَّمون اليوم بوصفهم العقبة التالية في طريق دولة يُعاد بناؤها بالقوة والإكراه، وكأن التاريخ السوري، بلعنته المتكررة، عاجز عن إنتاج الوحدة إلا عبر سحق الآخر وإلغائه. ومصطلح «الاستعادة» ليس بريئًا. إنه يحمل في طياته تصورًا عموديًا للسيادة، حيث تسبق الأرضُ البشر، وحيث لا تعبأ الجغرافيا والحدود للغاية النهائية للإنسان. في هذا المنطق، لا تُرى التعددية بوصفها ثروة سياسية، بل شذوذًا، أو عيبًا بنيويًا يجب تصحيحه مهما كلف الأمر. وهكذا يتوقف أكراد سوريا عن كونهم مواطنين يُقنَعُون، ليصبحوا «مشكلة» تُحل. بالقوة، إن اقتضى الأمر. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، الدعوة إلى التعايش مع الميليشيات أو الجماعات شبه الدولتية المسلحة. فمن الواضح أن ثمة أجندات موازية تسعى إلى زعزعة النظام السوري الجديد، سواء تحت تأثير إسرائيل، أو إيران، أو بقايا أتباع الأسد. وجميع الميليشيات، دون استثناء، ترتكب انتهاكات. غير أن شيئًا من ذلك لا يمكن أن يبرر الاعتداء على السكان المدنيين. فهذا، من حيث المبدأ، هو الحد الفاصل بين سلطة تسعى إلى استعادة الدولة، وسلطة ميليشياوية اعتباطية. من حيث المبدأ. ويجب أن يُقال الأمر بوضوح لا لبس فيه: إن سحق الغالبية السنية تحت بعث علوي، مع ما رافقه أحيانًا من غطاء منحته بعض الأقليات باسم تحالف هشّ ومضلّل، لن يُمحى بانتقام، ولو ضمني، ضد هذه الأقليات تحت راية الإسلاموية. فما يُبنى على الظلم والقمع لا يمكنه في نهاية المطاف إلا أن ينتج مزيدًا من الظلم والقمع. ولا يمكنه أن يؤسس لسلطة شرعية، ولا لهيبة حقيقية. وليس مفاجئًا، من جهة أخرى، أن يرضي هذا التوجه أنقرة. فالرئيس رجب طيب أردوغان يبدي ارتياحًا واضحًا إزاء سوريا تعيد بسط سيطرتها على أطرافها الكردية. إن التقاطع هنا شبه آلي: دولة سورية معاد تركيزها بالقسر تطمئن سلطة تركية مهووسة بكل أشكال الحكم الذاتي الكردي، من القامشلي إلى دياربكر. فالاصطفاف ليس أيديولوجيًا فحسب؛ إنه أمني أيضًا. وهنا تحديدًا يكمن خطره. لقد أظهر التاريخ السوري الحديث، بما لا يدع مجالًا للشك، إلى أين تقود مثل هذه الاختصارات. فنظام الأسد، الأب والابن معًا، دون أن ننسى «العمّ المسلّح»، لم يكف عن التشدق بالوحدة الوطنية، فيما كان يحكم عبر التفتيت، وبث الخوف، والعقاب الجماعي. أما «الاستقرار» الذي ادعاه، فلم يكن سوى صمت مفروض بالشبيحة، والدبابات، والتعذيب، والمعسكرات. كانت السجون، والاختفاءات القسرية، والمجازر، هي المصدر الوحيد لشرعية نظام بُني على كراهية عميقة لمجتمعه ومحيطه. وهنا يعود شبح رفعت الأسد بوصفه تحذيرًا. فهو يجسد تلك اللحظة التي يقنع فيها الحكم نفسه بأن العنف ليس ناجعًا فحسب، بل تأسيسيًا؛ حين تُختزل الدولة في جهازها القمعي، وتُختصر السيادة في القدرة على السحق. دفعت سوريا ثمن ذلك لعقود طويلة. وقد آن الأوان لكي يتوقف هذا المسار، من دون أن يغضّ ما يُسمى بـ«المجتمع الدولي» الطرف مرة أخرى. ومن هنا، تُوجَّه رسالة تحذير إلى أحمد الشرع، أقرب إلى تذكير فلسفي. فقد كتب فريدريش نيتشه أن من يحارب الوحوش عليه أن يحذر من أن يتحول إلى واحدٍ منها، وأن من يحدق طويلًا في الهاوية، ستحدق الهاوية فيه بدورها. إن حكم بلد مكسور كسوريا يعرّض صاحبه تحديدًا لهذا الدوار: الاعتقاد بأن الغاية تبرر الوسيلة. لكن النظام لا يمكنه أن يحل محل العدالة، كما لا يمكن انتزاع الوحدة بالرشاشات. إن تحويل سوريا إلى غولاغ جديد، إسلاميًا كان، أو قوميًّا عربيًا، أو مستعادًا من ردود الفعل البعثية، سيكون خيانة إضافية تُضاف إلى سلسلة خيانات التاريخ الحديث للبلاد. لم يُنتج الانصهار القسري يومًا دولًا قابلة للحياة. بل أنتج دولًا قلقة، مسكونة بهوامشها، مهووسة بأقلياتها. يكفي أن نتأمل أنقاض العالم العربي اليوم لإدراك ذلك. وفي هذا المشهد الكئيب، بعدٌ أخلاقي لا يمكن الالتفاف عليه. فمنذ عام 2011، قُتل وعُذّب ونُفي مئات الآلاف من السوريين لأنهم طالبوا بأمر في غاية البساطة: الكرامة. هؤلاء الثوار المدنيون، الذين سحقوا بين وحشية النظام والتطرف اللاحق، لم يطالبوا لا بالتقسيم ولا بالانتقام، بل بدولة حديثة، دولة قانون، تعترف بهم كمواطنين كاملين في أهليتهم السياسية. وموتهم ليس ضجيجًا خلفيًا يمكن تغطيته بخطابات جديدة عن النظام والسيادة. أشباحهم اليوم تسمع وترى. تراقب كل قرار يُتخذ باسمها، وكل تسوية تُعقد من دونها، وكل «استعادة» تنسى لماذا انتفض البلد أصلًا. لم تنهَر سوريا بسبب فائض من التعددية والحرية، بل بسبب نفيهما باسم إرهاب طغياني لنظام، وحزب، وأقلية، وعشيرة. قد يكون توحيد سوريا ضرورة تاريخية. لكن ثمة طريقتين لذلك. الأولى تكرار الآليات القديمة تحت رايات جديدة: مركزية عنيفة، إنكار للاختلافات، تحالفات تكتيكية مع قوى إقليمية على حساب الحقوق الداخلية. أما الثانية فهي أبطأ، وأكثر هشاشة، وأقل بهرجة. تمر بالحوار مع الأكراد، والدروز، والعلويين، والسنة، والمسيحيين؛ وبالاعتراف بمخاوفهم وحقوقهم؛ وببناء دولة تحمي قبل أن تُكره، وربما عبر صيغ إدارية داخلية جديدة، مضمونة دوليًا في وجه تدخل الأنظمة المجاورة باسم «الضرورات الاستراتيجية» و«المجالات الحيوية». في غيابه، قد يخدم رفعت الأسد أخيرًا غاية أخرى غير سفك دماء الآخرين. لعل زوال هذا الرمز للانحراف، كما تصفه أظلم كتب علم المسوخ، يذكّر بأن سوريا الجديدة لا تحتاج إلى جلادين جدد مقتنعين بأنهم يعملون من أجل خيرها، بل إلى قادة قادرين على مقاومة إغراء الهاوية. وليبقَ الوحوش في الماضي. ولعل التاريخ السوري يُكتب أخيرًا بغير حروف الدم.

اوروبا و المتوسط: إحياء غير مكتمل لحلم برشلونة (٥/٤)

بعد استعراض نشأة مسار برشلونة وتطوره إلى الاتحاد من أجل المتوسط الذي وسّع نطاقه، بات من الضروري التساؤل عن وضع هذا الاتحاد اليوم: ما هي إنجازاته، وما التحديات التي تواجهه؟ يقدم هذا المقال قراءة شاملة للوضع الراهن وتقييمًا لما تحقق، إلى جانب الآفاق المتوقعة حتى عام 2026 . تُعرف مسار برشلونة بثلاثة مصطلحات رئيسية: «مسار» و«شراكة» و«Med» في يوروميد. هذه التسميات تعكس هدف المبادرة في تعزيز التعاون، والحوار، والتلاقي بين الدول التي تشكل تجمعًا للدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط ، وكذلك بين الدول المرتبطة به جغرافيًا.لاحقًا، انضمت دول الجوار المباشر، إضافة إلى المنظمات التي تمثل مجموعات فرعية، مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد المغاربي. وبعد مرور ثلاثين عامًا، لا يزال هذا المسار قائمًا، لكنه اضطر للتكيف مع الزمن والأحداث، ضمن إطار جديد أقل طموحًا لكنه أكثر واقعية وبراغماتية . كانت يوروميد تمثل استراتيجية طويلة المدى، طموحة لكنها قائمة على الحوار السياسي وتشمل التعاون عبر ثلاثة محاور رئيسية. وقد تحقق نجاح مؤسسي، غير أن النتائج الاقتصادية، على وجه الخصوص، لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب. لذا بدا من الضروري توجيه المشاريع نحو المبادرات الإقليمية، واعتماد هيكل مؤسسي أكثر مرونة وفاعلية. وبينما بدا الطموح وكأنه تراجع قليلًا، فإن الفعالية بدت أكثر وعدًا: أسهل في التنفيذ وأكثر وضوحًا للمجتمعات المحلية. شكلت قمة برشلونة 2005 نقطة تحول سياسية، إذ سعت، بعد مرور عشر سنوات على انطلاق الشراكة، إلى إحيائها، وتعزيز ظهورها وفعاليتها، وتحديد برنامج للسنوات الخمس المقبلة‏. كان الهدف من مسار برشلونة ربط دول جنوب المتوسط بعملية البناء الأوروبي. لكن السيناريو المثالي للشراكة، الذي كان يفترض أن يطلق دينامية مماثلة لتلك التي شهدتها أوروبا الوسطى والشرقية، حيث يقود تحرير التجارة إلى إصلاحات مؤسسية مفيدة للتنمية، لم يتحقق. وكان التقييم صارمًا: توقفت المبادرة عن التقدم. بحلول منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، كانت الصعوبات متعددة: تعاون سياسي ضعيف بين دول المتوسط بسبب الصراع الإسرائيلي‑الفلسطيني، إلى جانب إرهاق مؤسسي بدا واضحًا داخل الاتحاد الأوروبي . في عام 2007، اقترح نيكولا ساركوزي، حين كان مرشحًا للرئاسة الفرنسية، إنشاء اتحاد متوسطي يقتصر على الدول الساحلية. ومع دعم ألماني قوي والمساندة من المفوضية الأوروبية، تم توسيع المشروع لتفادي إحداث فجوة مع الدول غير المتوسطية. وأصبح المشروع رسميًا الاتحاد من أجل المتوسط، وتم اعتماده في قمة باريس بتاريخ 13 يوليو 2008. هدفت المبادرة إلى إعادة الزخم الذي بدأ عام 1995 وإحياءيوروميد، وشكلت انتقالًا مؤسسيًا يواصل ويعيد إنعاش مسار برشلونة بأسلوب براغماتي وعملي قائم على حوكمة مشتركة. وتشمل المشاريع، التي أصبحت إقليمية وواقعية، مجالات النقل والطاقة والبيئة والتعليم والشباب، بالإضافة إلى المساواة بين الجنسين. ومنذ عام 2010، يضم الاتحاد من أجل المتوسط 43 دولة ويحتفظ بأمانة دائمة في برشلونة. التشخيص لعام 2025 شهدت السنوات الأخيرة تقدمًا تقنيًا ومشاريع ملموسة، مثل مخططات الاستثمار، المبادرات القطاعية، والتعاون الجامعي والشبابي. ومع ذلك، لا يزال التكامل الاقتصادي الإقليمي محدودًا، وتستمر الأزمات الجيوسياسية المتكررة – من صراعات إقليمية إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا واضطرابات في الساحل والشرق الأوسط – في فرض قيود سياسية وبنيوية مستمرة. يجري حاليًا إحياء البعد السياسي بدعم مالي من الصفقة الجديدة للبحر الأبيض المتوسط (New Pact for the Mediterranean)، التي تركز على ثلاثة محاور: التعليم والتنقّل والعمل؛ اقتصاديات أكثر اندماجًا واستدامة؛ الأمن والهجرة . تشير تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد من أجل المتوسط إلى التقدم المحرز، لكنها تؤكد الحاجة إلى منهجية أكثر تركيزًا وعملية تكامل أقوى. وهناك انتقادات حول تركيز الأولويات على المصالح الأوروبية ونقص الموارد السياسية والمالية، خصوصًا الاستثمارات الخاصة، لتحقيق التحوّل المنشود، خاصة في المشاريع الكبرى العابرة للحدود. ويُعتبر تعزيز التمكّن المحلي للمشاريع،ومشاركة المجتمع المدني، وضمان الحقوق عناصر أساسية لتحويل المبادرات إلى نتائج ملموسة . الآفاق والتوصيات لعام 2026 تطوير برامج إقليمية كبرى في مجالات الطاقة المتجددة، الممرات اللوجستية، والتدريب الفني؛ دعم الاستثمارات في إصلاحات عملية مثل تسهيل التجارة، حوكمة الموانئ، والاعتراف بالمؤهلات المهنية؛ زيادة مشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص المحلي لتشريع المشاريع وضمان أثر اجتماعي فعّال (وظائف وحقوق)؛ وتنفيذ تدابير مشتركة لتعزيز الصمود لمواجهة المخاطر المناخية والغذائية والهجرة . التقييم النهائي أسفر مسار برشلونة عن خلق فضاء للحوار بين ضفتي المتوسط وتطوير برامج تعاون. وتمثل المشاريع الاجتماعية والثقافية، إلى جانب إشراك المجتمع المدني، عناصر أساسية لمواجهة التحديات القادمة. ومع ذلك، لم تُنجز منطقة التجارة الحرة بشكل كامل، ولا يزال التمويل عقبة رئيسية، إلى جانب الصراعات الإقليمية والسياق العام في المتوسط، الذي يتسم بالهجرة وعدم الاستقرار. في الخلاصة، لا يزال مسار برشلونة قائمًا اليوم في شكل حديث يجمع بين البراغماتية، الواقعية، والحوار الإقليمي لتنفيذ مشاريع ملموسة. ويشكل الاتحاد من أجل المتوسط، باعتباره استمرارًا للمسار، نجاحًا لاحتضانه عددًا أكبر من الدول (43 دولة). لكن الجهود المستقبلية تبقى أساسية، سياسيًا وماليًا، مع تركيز خاص على اختيار المبادرات القطاعية وتنفيذ تكامل إقليمي حقيقي وملموس . المقال ‏المقبل والأخير: تقييم للوضع في لبنان منذ 1995 والدور الخاص الذي يمكن أن يلعبه في الاتحاد: أن يكون قوة موحّدة تجمع جميع المجتمعات اللبنانية في هذه المسيرة. المقالات السابقة: 1/5 الاتحاد من أجل المتوسط: ماذا حل بعملية برشلونة؟ 2/5 الفكرة المتوسطية في مواجهة التوازنات الأوروبية 3/5 مسار برشلونة: تعاون غني بالوعود

اتفاق لبنان–قبرص: الاستثمار النفطي والتحديات الجيوسياسية

رهان الطاقة في ظل الانهيار الاقتصادي مع توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص في 2025، يبرز استثمار الموارد البحرية كعامل حاسم في إنعاش الاقتصاد اللبناني المتعثر. ورغم أن الاتفاق أعطى إطارًا قانونيًا واضحًا للحدود البحرية، فإن التحديات الاقتصادية والجيوسياسية لم تُحل بالكامل. فالوقت اللازم لاستغلال الموارد، والنزاعات الإقليمية، والمعوقات السياسية، تضع لبنان في موقف يتطلب موازنة دقيقة بين استغلال الفرص وحماية مصالحه الوطنية. النفط أولًا: من هاجس النزاع القانوني إلى خيار الاتفاق يوضح العميد الركن المتقاعد خليل الجميّل، الخبير في ترسيم الحدود البحرية، أن لبنان كان يعتقد أن اللجوء إلى المحاكم البحرية الدولية لحل النزاع مع قبرص سيجعل البلوكات النفطية اللبنانيّة المجاورة لقبرص — وهي 1، 3، 5، و8 — مناطق متنازع عليها لحين صدور قرار المحكمة الدوليّة، وبأن هذا كان سيؤدي حكمًا إلى تأخير زمني كبير في عمليات الاستكشاف، إذ أن شركات النفط العالمية تتجنب العمل في مناطق النزاع. وبناءً على هذا المنطق، اعتُبر أن توقيع الاتفاق الأخير أخرج هذه المنطقة من دائرة النزاع، وجعلها جاهزة للاستغلال دون عوائق قانونية. بين رفع الالتباس القانوني وتأجيل الاستغلال الفعلي ومع ذلك، يشير الجميّل إلى أن تلزيم البلوك اللبناني رقم 8 الذي حصل مؤخرًا، أعطى الكونسورتيوم الذي تترأسه شركة "توتال إنرجيز"، مهلة ثلاث سنوات ليقرر، بناءً على نتائج المسوحات، ما إذا كان سيباشر بحفر بئر في هذا البلوك. ويضيف الجميّل أن هذه المهلة المفتوحة قد تكون أطول بكثير من المدة التي كان من الممكن أن يستغرقها صدور حكم عن محكمة دولية مختصة تحفظ حقوق لبنان وتحدّد حدوده البحريّة مع قبرص بشكلٍ نهائي وواضح ولا مجال فيه للخطأ، ولا يترك مجالًا للتأويل. مكاسب قانونية محدودة في بيئة دبلوماسية معقّدة لا يتوقع الجميّل أن يساهم الاتفاق بشكل كبير في تعزيز الاستقرار القانوني أو الدبلوماسي للبنان. ويرى أن الاتفاق أُبرم دون إشراك طرف أساسي في ترسيم الحدود، وهو سوريا، كما يشير إلى أن تركيا ترفض المس بحقوق القبارصة الأتراك في جمهورية شمال قبرص التركية. تركيا وسوريا: أطراف غائبة وحاضرة في آن واحد ويحذر الجميّل من أن تركيا تمنع فعليًا، عبر سفنها الحربية، أي شركة نفط من التنقيب في المناطق التي تعتبرها حقوقًا للقبارصة الأتراك، مما قد يشكّل، بالإضافة إلى النزاع البحري مع سوريا، خطرًا عمليًا وسياسيًا على تنفيذ الاتفاق. النقطة الثلاثية العالقة: قنبلة حدودية مؤجلة يؤكد الجميّل أن الاتفاق ترك مسألة النقطة الثلاثية رقم 7 (سوريا – قبرص – لبنان) معلقة إلى حين إتمام الترسيم مع سوريا. إلا أن الإشكالية أعمق من ذلك، إذ تعتبر سوريا أن الحدود المتنازع عليها مع لبنان تمتد من النقطة اللبنانية رقم 5 جنوبًا إلى النقطة رقم 7 شمالًا، وعلى مساحة نزاع تُقدّر بحوالي ألف كيلومتر مربع، ويرى الجميّل أن هذا الواقع قد يتحول إلى مشكلة مستقبلية حقيقية. خريطة الطريق المطلوبة: تسريع الترسيم وتعويض الخسائر في ضوء هذه المعطيات، يرى الجميّل أن لبنان يجب أن يسارع أولًا إلى حل النزاع البحري مع سوريا لضمان تثبيت حدوده الشمالية بشكل نهائي، كما يدعو إلى الإسراع في تلزيم واستغلال البلوكات النفطية اللبنانية المجاورة لقبرص لتعويض جزء من الخسائر الناتجة عن اتفاق يعتبره في جوهره غير متوازن. قراءة استراتيجية للاتفاق: ثلاث خلاصات أساسية إذا كانت تصريحات الجميّل واضحة في إبراز المخاطر القانونية والجيوسياسية، فإن التحليل الاستراتيجي يشير إلى ثلاثة ملاحظات رئيسية: الاستثمار السريع مقابل الغموض الزمني الأولوية الاقتصادية القصيرة المدى: لبنان اختار تأمين استثمارات سريعة عبر رفع العوائق القانونية أمام شركات النفط، لكنه لم يحل مسألة استغلال الموارد بشكل فوري، خصوصًا مع طول مهلة البلوك 8. نزاعات الإقليم تعود من الباب البحري 2. استمرار التهديدات الإقليمية: النزاعات مع سوريا ورفض تركيا لحقوق القبارصة الأتراك تضع لبنان أمام مخاطر متكررة قد تعرقل التنقيب والإنتاج. الاتفاق يوفر إطارًا قانونيًا، لكنه لا يحمي عمليًا من الاحتكاكات السياسية أو العسكرية. حدود واضحة… وسيادة هشّة 3. توازن داخلي هش: الاتفاق يعكس قرارًا سياسيًا سريعًا، لكنه يترك لبنان مع حدود واضحة قانونيًا لكن معرضة للتحديات المستقبلية، مما يقلل من حرية الحركة في التفاوض مستقبليًا ويؤثر على العوائد الاقتصادية المتوقعة. خلاصة: اتفاق قانوني بلا ضمانات استراتيجية في المجمل، يوفر الاتفاق مع قبرص استقرارًا شكليًا ومرجعًا قانونيًا، لكنه يضع لبنان أمام تحديات استراتيجية حقيقية. إن نجاح هذا الاتفاق كمصدر سيادة اقتصادية وطاقة مستدامة سيعتمد على معالجة النزاع مع سوريا بسرعة، تسريع عمليات الاستكشاف، وإدارة العلاقات الإقليمية بحذر، لضمان أن يتحول الاتفاق من مجرد نص قانوني إلى فرصة حقيقية للاقتصاد اللبناني والطاقة الوطنية. المقال السابق: اتفاق لبنان-قبرص: بين المكاسب القانونية والخسائر البحرية

"انتفاضة الخصوصيات" تضعف أوروبا أمام التاريخ

في الجزء الأول من هذا التحليل، بدأنا في مقارنة الرؤيتين لأوروبا كما رآها مؤسسوها، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولا سيما روبرت شومان، وكما هي اليوم، محرومة من زخمها التأسيسي ومخفية جذورها المسيحية واليونانية الرومانية. وفيما يلي الجزء الثاني، الذي يستند إلى تحليل الفيلسوفة شانتال ديلسول، التي نشرت مؤخرًا كتابًا عن «القارة العجوز». في كتابها «تمرد الخصوصيات» (L’Insurrection des particularités)، تقدم شانتال ديلسول تشخيصًا صارمًا للابتعاد التدريجي عن هذه الروح التأسيسية. ووفقًا لها، استبدلت أوروبا المعاصرة بالإرث إيديولوجية الحياد، وبالثقافة إدارة، وبالأنثروبولوجيا المسيحية فردانية مجردة. وبادعائها الاعتماد حصريًا على معايير عالمية منفصلة عن أي تقليد، فقد أزالت الشرعية تدريجيًا عن الانتماءات الملموسة – الأمم، الثقافات، الأديان، أنماط الحياة – التي كانت على الرغم من ذلك تشكل الفضاء الأوروبي. من هذا التطور ينشأ ما تسميه ديلسول «تمرد الخصوصيات». فالشعوب والهويات تتمرد ضد أوروبا التي يُنظر إليها على أنها بعيدة، معيارية، وغير مبالية بالخصوصيات. فبينما رأى شومان في الأمم وساطات ضرورية للسلام، تميل أوروبا المعاصرة إلى اعتبارها بقايا يجب تجاوزها. وينتج عن هذا الرفض مفارقة: فبمجرد رغبتها في إلغاء الفروقات باسم الشمولية، فإنها تثير عودتها في شكل توترات، وانكماشات هووية، وانقسامات. تترافق هذه الأزمة الثقافية اليوم مع أزمة جيوسياسية كبرى، كشفت عنها الحرب في أوكرانيا بوضوح. فعودة صراع عالي الشدة إلى الأراضي الأوروبية يعمل ككاشف: فأوروبا التي بنيت على رفض الحرب تكتشف أنها تخلت أيضًا عن التفكير في القوة والدفاع والصراع. ويتلاشى وهم قارة مسالمة بشكل دائم، تحكمها فقط القانون والتجارة، أمام حقيقة التاريخ. يسلط الصراع الأوكراني الضوء على حدود القدرات العسكرية الأوروبية، التي أُهملت طويلًا باسم نزعة سلام أصبحت هيكلية. فأوروبا، المعتمدة على الناتو، وفي النهاية على الولايات المتحدة لأمنها، تجد صعوبة في تصور نفسها كفاعل استراتيجي مستقل. هذا الضعف العسكري ليس تقنيًا فحسب: بل هو عرض لنزع سلاح أعمق، ثقافي وسياسي. فقارة لا تعرف من هي، ولا ما تريد الدفاع عنه، تجد صعوبة منطقية في قبول فكرة القوة. يظهر هذا الضعف أيضًا في ملفات جيوسياسية أخرى، مثل النقاشات التي أثارتها الرغبات الأمريكية تجاه غرينلاند. فـ«القارة العجوز»، التي كانت في السابق مركز ثقل العالم، يبدو أنها أحيانًا تعود لتصبح هدفًا للاطماع بدلاً من أن تكون فاعلًا سياديًا في التاريخ. وهنا أيضًا، يعكس الضعف الاستراتيجي تآكل الوعي الحضاري. بالنسبة لشانتال ديلسول، لقد نسيت أوروبا ما يميزها: القدرة على ربط العام بالخاص. فبفصلها عن المسيحية كأساس ثقافي — ليس كدين للدولة، بل كرؤية للإنسان والعالم — فقدت مبدأ وحدتها الداخلية. وبالتالي، فإن تمرد الخصوصيات ليس انحرافًا عرضيًا، بل هو النتيجة المنطقية لهذا النسيان. وهكذا يكشف التناقض بين شومان وديلسول عن بديل حاسم. فبينما جعلت الديمقراطية المسيحية بعد الحرب من الذاكرة - «لن يتكرر هذا أبدًا» - محركًا للبناء، يبدو أن أوروبا المعاصرة تريد أن تبني على النسيان. ولكن، القارة التي لم تعد تعرف من أين أتت، ولا ما كانت تريد تجنبه، تجد نفسها عرضة للخطر، سواء على الصعيد الداخلي أو في مواجهة توازنات القوى الخارجية. ربما تدعونا الحرب في أوكرانيا، بشكل مأساوي، إلى إعادة اكتشاف الحدس التأسيسي لشومان: أوروبا واعية بحدودها، وفية لتراثها، قادرة على التوحيد دون محو، وعلى الدفاع عن نفسها دون التنكر للروح التي أوجدتها والتاريخ الذي صاغها. المقال السابق: «القارة العجوز» بين الذاكرة التأسيسية والتجريد الحضاري

مسار برشلونة: تعاون غني بالوعود (٣/٥)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

المقال الثالث في سلسلتنا من المقالات حول الشراكة الأورو-متوسطية: عملية برشلونة، تطوراتها، تمويلها ثم استبدالها اعتبارًا من عام 2008 بالاتحاد من أجل المتوسط البحر الأبيض المتوسط، الغني بالثقافات، ومساحة الترابط، ومفترق الحضارات، هو مجموعة من الدول التي تتشارك تراثًا، حيث أثرت ثقافاتها المختلفة إحداها على الأخرى. وقد امتدت العلاقات لتشمل التبادلات الاقتصادية والعلمية. وقد أدت هذه الهوية الفريدة إلى إنشاء شبكات تستمر على خلفية شعور بالوحدة الإقليمية. اقترح الاتحاد الأوروبي إطارًا للتعاون المتعدد الأطراف مع جميع دول حوض البحر الأبيض المتوسط، بدءًا لمرحلة جديدة في علاقاتهم، حيث تناول للمرة الأولى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والثقافية وقضايا الأمن المشترك. تحققت هذه الشراكة من خلال اعتماد إعلان خلال مؤتمر برشلونة (27 و 28 نوفمبر 1995) من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والدول الاثني عشر الشريكة في البحر الأبيض المتوسط (PTM): الجزائر، قبرص، مصر، إسرائيل، الأردن، لبنان، مالطا، المغرب، سوريا (تم تعليق عضويتها منذ مايو 2011)، تونس، تركيا، السلطة الفلسطينية، وبصفة مراقب موريتانيا. دُعيت جامعة الدول العربية واتحاد المغرب العربي (UMA). كان الإعلان الختامي للمؤتمر الأورو-متوسطي بداية لما أطلق عليه «عملية برشلونة» أو «الشراكة الأورو-متوسطية» (PEM)، والتي تسمى أيضًا «أوروميد». تتمحور أهدافها وطرائق عملها حول ثلاثة محاور هيكلية: التعاون السياسي والأمني بهدف تحديد فضاء مشترك للسلام والاستقرار، والتعاون الاقتصادي والمالي لبناء منطقة ازدهار مشترك، والتعاون الثقافي والاجتماعي لتعزيز التفاهم بين الثقافات والتبادلات بين المجتمعات المدنية. كان الهدف النهائي هو إنشاء منطقة ازدهار مشترك في منطقة تجارة حرة أورو-متوسطية (ZLEM)، وهو ما بدأ في إطار الاتحاد من أجل المتوسط (UpM) في عام 2010. وكانت الأداة المالية لهذه السياسة الأورو-متوسطية هي برنامج MEDA (الإجراءات المالية والتقنية المصاحبة) التابع للاتحاد الأوروبي لتنفيذ الشراكة الأورو-متوسطية وأنشطتها. اعتبارًا من 1 يناير 2007، تولى أداة الجوار والشراكة الأوروبية (IEVP) زمام الأمور. تستفيد عشرة بلدان شريكة للاتحاد الأوروبي، من خلال برنامج MEDA، من أموال البنك الأوروبي للاستثمار. وضع هذا المؤتمر والإعلان المعتمدان أسس عملية تهدف إلى تحقيق إطار متعدد الأطراف للحوار والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والبلدان المتوسطية الشريكة، مما يسمح أيضًا بتحديد برنامج عمل: في إطار الشراكة السياسية والأمنية، يلتزم الأعضاء بدعم التسوية العادلة والشاملة والمستدامة للصراعات في الشرق الأوسط، استنادًا بشكل خاص إلى قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. في إطار الشراكة الاقتصادية والمالية، يتم تنظيم إنشاء منطقة التجارة الحرة الأورو-متوسطية بموجب اتفاقيات الشراكة الأورو-متوسطية واتفاقيات التجارة الحرة بين بلدان البحر الأبيض المتوسط الشريكة. تُبرم هذه الاتفاقيات في احترام قواعد منظمة التجارة العالمية (OMC). يحدد الشركاء أولويات لتسهيل إنشاء منطقة التجارة الحرة، ويجب عليهم أيضًا تحديد أولويات التعاون المتعلقة بالبنية التحتية للنقل، وتطوير تكنولوجيا المعلومات وتحديث الاتصالات. فيما يتعلق بالشراكة الاجتماعية والثقافية والإنسانية، يتعاون الأعضاء بهدف تنمية الموارد البشرية وتعزيز التفاهم بين الثقافات والتبادلات بين المجتمعات المدنية. في عام 2005، بهدف تعزيز وتوثيق روابط الشراكة مع إعادة تأكيد وتطوير أهدافها التي تكتسب بذلك عمقًا، تم التأكيد على هدف إنشاء منطقة تجارة حرة بين جميع دول منطقة اليوروميد. هذه الشراكة، القائمة على علاقات السلام بين جميع الدول الأعضاء التي لديها مصالح مشتركة وتاريخ طويل من التبادلات المتبادلة، تمتد لتشمل الهجرة ومكافحة الإرهاب اللذين يصبحان مجالين ذوي أولوية. عملية برشلونة، التي أطلقت عام 1995، هي مبادرة فريدة وطموحة أرست أسس شراكة إقليمية جديدة في إطار التعاون الأورو-متوسطي. تم تنفيذ الشراكة في عام 2008 مع إنشاء الاتحاد من أجل المتوسط. كان نوفمبر 2025 هو الذكرى الثلاثون لعملية برشلونة، وهي مبادرة تاريخية للتعاون الأورو-متوسطي أطلقت عام 1995 على أمل تحقيق سلام مشترك في الشرق الأوسط. جمعت هذه المبادرة دولًا من ضفتي البحر الأبيض المتوسط لتعزيز روابطها ومواجهة التحديات المشتركة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والبيئية. وقد مهدت عملية برشلونة الطريق لإنشاء الاتحاد من أجل المتوسط (UpM) في عام 2008، مما عزز روح التعاون الإقليمي التي لا تزال قائمة حتى اليوم. أثبت الصراع في الشرق الأوسط أن استقرار المنطقة أمر حاسم للأمن العالمي، وأي أزمة داخلها أو حولها تؤثر حتمًا على العالم بأسره. بالإضافة إلى ذلك، تواجه المنطقة تفاوتات اقتصادية متزايدة، وحالة طوارئ مناخية متفاقمة، وهشاشة اجتماعية، وتظهر ضعفًا كبيرًا. في سياق حرج كهذا، من المهم التساؤل عما إذا كانت قد بذلت جهود كافية على مدى الثلاثين عامًا الماضية لتعزيز أطر التعاون الإقليمي والمتعدد الأطراف لمواجهة التحديات المشتركة. المقال التالي: الاتحاد من أجل المتوسط، تقييم عام منذ عام 1995، وسيقدم آفاقًا لعام 2026 دون إخفاء العوائق. المقالات السابقة: 1/5 الاتحاد من أجل المتوسط: ماذا حل بعملية برشلونة؟ 2/5 الفكرة المتوسطية في مواجهة التوازنات الأوروبية