شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
موت السلطة الثالثة المبرمج
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

ممرّ معتم، تنبعث منه رائحة الرطوبة، مصعدٌ معطّل أو غير مُغذّى بالكهرباء، أدراج متّسخة، ثم ممرّ آخر مُظلم، تتناثر على أرضه أكواب قهوة سُكبت رواسبها، وزجاجات ماء فارغة، وأعقاب سجائر مسحوقة. هناك، داخل مكتبٍ غارق في العتمة، كرسيّ ينتظر شاغله الذي يجلس عليه ويترقب الإنارة المؤمنة من المولد الكهربائي. ثم كان النور، فكشف مقدار التردّي. ليس هذا مشهد من فيلم ما بعد نهاية العالم، بل هو واقع قصر العدل في المدينة التي سمّاها الشاعر نونّوس البنوبوليتي في القرن الخامس حامية النظام وأمّ الشرائع: Berytus Nutrix Legum. على بُعد كيلومترين فقط من ال قصرٍ الجمهوريّ الذي يُعتنى به بعناية لافتة، بالرغم أنّه عرف خلال العقود الأخيرة فترات شغور أطول من فترات إشغال، ينتصب قصر عدل آخر، وهو كابوس جميع القانونيين: قصر عدل بعبدا، الذي يبدو قصر العاصمة مقارنة به وكأنه قصر فرساي. تقوم كافة المجتمعات الحديثة على ركيزة أساسية واحدة: العدالة. فالنظام السليم ليس غياب الفوضى، بل حضور عدالة فعّالة، وسلطة ثالثة حقيقية تعمل وتُحاسَب. غير أنّه في بلدنا، تتغلّب السلطتان الأولى والثانية على الثالثة. لا بل أكثر من ذلك، تضعفانها عمداً بسابق تصوّر وتصوير. والدليل على ذلك؟ مشروع موازنة عام 2026. في دول أخرى، يُغتال القضاة بالسيارات المفخخة أو في كمائن مسلحة. أمّا في لبنان، فـ«سلاح الجريمة» هو اقتصادي وتشريعي وتنفيذي في آنٍ واحد. تخصّص موازنة 2026 لصندوق تعاضد القضاة، الذي يضمّ تسعمئة قاضٍ، بينهم ثلاثمئة متقاعد، مبلغ 3.37 ملايين دولار، مقابل 11.235 مليون دولار لصندوق تعاضد النواب. أما نفقات التجهيزات واللوازم المكتبية، فقد رصد للعدالة 90.000 دولار فقط، مقابل 382.000 للسلطة التنفيذية 203.000 لمجلس النواب. وفي ما يتعلّق بالصيانة، يحصل هذا الأخير على 2.34 مليون دولار، وتحصل رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء على 2.05 مليون، فيما خُصص للعدالة 200.000 دولار لا غير، ولا يوجد خطأ في الرقم. وتجدر الإشارة هنا الى أن مجلس النواب ومجلس الوزراء والقصر الجمهوري يقتصر كل منها على مبنى أو اثنين، في حين تُمارس العدالة في لبنان عبر ستة قصور عدل رئيسية ونحو ثلاثين مبنى يضمّ محاكم. لذلك، ليس مستغرباً أن تكون الأبنية التي يُفترض أن تُقام فيها العدالة في حالة تدهور. مئتا ألف دولار سنوياً للصيانة، وهو ثمن سيارة واحدة يشتريها بعض النواب بسهولة، علماً أنهم يستفيدون طيلة ولايتهم من إعفاءات ضريبية على الرسوم الجمركية. ومع ذلك، يُطلب من القضاة إحقاق الحقّ وتطبيق القانون، نفس القانون الذي غالباً يُصاغ باستخفاف أو ركاكة، وأحيانًا يحتوي الى أخطاء جسيمة، من هؤلاء النواب الذين يلجؤون إلى تقليد تشريعات أجنبية أو إلى «نسخ ولصق» نصوص غير ملائمة لمجتمعنا. ثم يُلقى على عاتق القاضي عبء إيجاد التوازن والتطبيق السليم. ولا تكتفي الدولة بحرمان القضاة من أدوات تشريعية متماسكة، بل تحرمهم أيضاً من الوسائل المالية. فمتوسط راتب القاضي لا يتجاوز ألفيّ دولار، مقابل ثلاثة آلاف للنائب. لكنّ الفارق الحقيقي يظهر فيما بعد: فعند التقاعد، يعتمد القاضي على صندوق تعاضد مُنهك لا يلبّي الحدّ الأدنى من احتياجاته الأساسية. أمّا النائب، فيتقاضى مدى الحياة ما بين 50% و75% من راتبه، ويتمتّع بتغطية صحية مجانية، وتنتقل هذه الامتيازات بعد وفاته إلى زوجه أو زوجته. قبل كلّ شيء، القاضي إنسان، اختار وظيفته بمثابة رسالة، ولا يمارس أي عمل آخر. أما في المقابل، لمعظم النواب والوزراء مهنة أو نشاط آخر. إن مطالبة القاضي بتأدية مهامه في ظروف مهينة إلى هذا الحد، من مباني غير صالحة، وانعدام للمعدّات، فضلًا عن الضغوط السياسية، وأحيانًا التهديدات الشخصية، هو أمر يتسّم باللاإنسانية. ثيميس، إلهة العدالة، ترتدي ثوباً أبيض طويلاً، وعيناها معصوبتان، تمسك الميزان بيدها اليسرى والسيف بيدها اليمنى. أما ثيميس اللبنانية، فليست فقط معصوبة العينين، بل مقيّدة اليدين ومكمّمة الفم أيضا. في لبنان، لا تُلغى العدالة، بل تُترك ببساطة من دون نور، ومن دون موازنة، ومن دون كرامة، إلى أن تزول من تلقاء نفسها. إنها طريقة قتل أكثر مرونة، وأنظف شكلاً، وأقل كلفة سياسيا. إعدام إداري، مُقرّ ومُصوَّت عليه برفع أيدي هؤلاء الذين، ويا للمفارقة، يتمتّعون بحصانة قضائية....

إنهيار حزب الله الوجودي
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

في كل عشرين سنه يأتي إلينا رجلٌ مقامرٌ ليرهن البلاد ، والعباد ، والتراث ، والشروق ، والغروب ، والذكور ، والإناث ، والأمواج ، والبحر ، على طاولة القمار .. نزار قباني هكذا، يريد نعيم قاسم أن يقدّم لبنان قرباناً لإيران. بعد أن ساق مناصريه إلى الموت في سوريا الأسد، وترك أهل “بيته الثوري” يُسحقون من أجل حماس، ها هو اليوم يحاول أن يختم “المسيرة” على طريقته: انتحار جماعي، في لحظة باتت فيها الدار الإيرانية الأم نفسها مهدَّدة، فيما تُستعرض في مياه الشرق الأوسط أذرع “الأسطول الذي لا يُقهر” الذي نشره دونالد ترامب. قد تُؤخذ تصريحات الأمين العام لحزب الله، للوهلة الأولى، على أنها صَخَبُ بطلٍ من ورق، وربما ما زالت تُسكر شريحة من جمهورٍ تربّى على أسطورة “الإنسان المتفوّق” الذي صاغه الملالي في معاملهم. لكن تلك “الشجاعة” التي كانت، في أواخر التسعينيات، تُقرأ عند غالبية اللبنانيين دفاعاً عن أرضٍ محتلة، انحدرت منذ زمن إلى انتحارٍ سياسي وعسكري… إن جاز أصلاً أن نُبقي على كلمة “سياسي” أو “عسكري” دون أن تضحك منا. طائرة (الفانتوم) .. تنقض على رؤوسنا الحرب .. لا تربحها وظائف الإنشاء . ولا التشابيه .. ولا النعوت .. والأسماء فكم دفعنا غالياً ضريبة الكلام ... مأزق نعيم قاسم، في الجوهر، أن خطابه… بلا عقل. حيث كان حسن نصرالله لاعباً بارعاً في اللغة، يكسو خطابه بـــ virtù سياسية صقلها عبر السنين حتى صار منوِّماً جماعياً، فإن “حارس العقيدة” الذي قُذِف إلى الواجهة قذفاً، بعد سلسلة التصفيات التي نفذتها تل أبيب في صفوف القيادات، لا يمتلك سوى حضورٍ باهت… حضور تمساحٍ حزين. نصرالله كان يبرّر ولاءه لطهران، ونتيجته الطبيعية: السعي إلى القبض على لبنان، عبر خليط من “منطق” مُفبرك، ومباهاة سياسية، وعبارات تتأرجح بين الأيديولوجيا والشعبوية. وكان يفعل ذلك بمهارة زعيمٍ تاريخي. أمّا قاسم، فيحاول اليوم أن يجمع الشظايا… بأصابع ثقيلة. صورة كاريكاتورية لمن صعد فوق قدرته، ثم ابتلعه “مبدأ بيتر”. كان نصرالله ساحراً في فن الإخفاء بالكلام. حتى حين كان يعترف، في لحظات نادرة من “صدقٍ محسوب”، بأنه جندي في جيش ولاية الفقيه، كان يعترف من موقع قوة: من داخل منطق تمدّدٍ إيراني كاسح في الإقليم، بلا توازنٍ فعلي، بل أحياناً بتواطؤٍ موضوعي من الغرب. أما عند قاسم، وخطابه الأخير شاهدٌ صارخ، فالكلام إمّا هذيان طائفةٍ لم يعد لديها ما تخسره، وإمّا استعراض عضلات من مصارعٍ منفوخ… ومحكومٌ بالضربة القاضية. لم يعد ذلك “صدقاً” ولا “وضوحاً”. إنه تهوّر قاتل. لا مبالاة قاتلة. حين يقول إن أي تهديد لإيران، وخصوصاً للمرشد الأعلى، هو تهديد مباشر يستدعي تدخل حزب الله، فهو لا “يرفع السقف” فقط كما تعوّدنا في مزايداتٍ لفظية. إنه يعلن، بلا أقنعة، أين تقيم السيادة التي يطيعها. وهي ليست هنا. ليست لبنان. صحيح أن ذلك لا يفاجئ أحداً. تبعية الحزب-الميليشيا لـ“الأممية الثورية الفارسية” من أسرار العلن. لكن الفضيحة ليست في المعرفة… بل في الإصرار على العمى، حتى بعد أن تحوّلت مغامرته الأخيرة، في خدمة حماس، إلى كارثة: على الحزب نفسه، وعلى أهل الجنوب وبيروت، وعلى الطائفة الشيعية كلها… وعلى لبنان أولاً وأخيراً. في كل عشرين سنه يأتي إلينا رجلٌ معقدٌ يحمل في جيوبه أصابع الألغام .. نعيم قاسم يثبت مرة أخرى، وبشكلٍ صريح، أن مصير لبنان موضوع تحت وصاية بنية سلطة خارجية: طائفية، عابرة للحدود، تتعامل مع هذا البلد كمساحة عرضٍ قابلة للحرق، كأرضٍ “ممكن الاستغناء عنها”، كولايةٍ تُذبح على مذبح مواجهةٍ أكبر منها. فالذي يكرّسه هذا الخطاب، في العمق، هو إلغاء القرار الجماعي. الحرب والسلم، الحياة والموت، المستقبل والخراب… لم تعد تُستمد من نقاش وطني، ولا من مؤسسات مشتركة، ولا من عقدٍ سياسي مهما كان هشاً. صارت امتداداً آلياً لمنطق “المحور”، لولاءٍ أيديولوجي لا يرى شرعية إلا في المركز الذي يخدمه. في هذه الرؤية، لبنان ليس دولة، ولا مجتمعاً، ولا شعباً بالمعنى الكامل. إنه مجرّد “رهينة”. مجرّد “ضمانة”. مجرّد جبهة مبتذلة بين جبهات، بدمٍ فائض وجنودٍ من قصدير. واحد من آخر ما تبقى في خدمة المستبد الإيراني… مع العراق. في كل عشرين سنه .. يأتي إلينا حاكمٌ بأمره ويأخذ الشمس إلى منصة الإعدام . الصورة التي ألصقها الحزب بلبنان هي صورة بلد-ممر، بلد-جبهة، بلد-شهيد دائم، محكومٌ بدفع فواتير صراعات الآخرين. منطقٌ دمّر الدولة، أفرغ المؤسسات، شقّ المجتمع، وحوّل السيادة إلى شعارٍ أجوف. والمفارقة فاضحة: الحزب يتحدث عن السيادة في اللحظة التي ينقضها؛ يلبس قناع “الدرع” وهو يمارس أقصى تعريضٍ للبلد؛ يعيّر الدولة بالضعف بعدما جرّدها منهجياً من أدواتها. هذه ليست مناورة تكتيكية فقط. إنها أزمة وجود. إنها بنية ذهنية عاجزة عن الاعتراف بالزمن التاريخي: بحدوده، بهزائمه، وبمسؤولياته. اسم آخر للهذيان. لبنان ليس أسطورةً نغذّيها ولا مذبحاً نستثمره. إنه بلد واقعي: مأهول، هش، متعدّد، لم يعد قادراً على احتمال اقتصاد دائم للحروب بالوكالة. خطاب نعيم قاسم لا يهدد خصماً خارجياً فحسب. إنه يهدد فكرة أن لبنان يمكن أن يبقى فضاءً سياسياً مستقلاً: مكاناً يُقدَّم فيه القرار العام على الإيمان المفروض، ولا تُرهن فيه حياة المواطنين لــ“آخِرَةٍ مسلّحة”. في كل عشرين سنه .. ليذبح الوحدة في سريرها ويجهض الأحلام. مرة أخرى، ينكر حزب الله التعددية التأسيسية للبلد. يمحو كل من يرفض أن تظلّ قوةٌ ما فوق الدولة، وقد فقدت من شرعيتها حتى داخل بيئتها، تُدار البلاد على مزاجها: قوة بدأت تُترك وحيدة من أقرب الحلفاء؛ فقدت عمقها الاستراتيجي بسقوط الأسد؛ تواجه نزعةً لبنانية لإعادة السيادة واحتكار العنف الشرعي على كامل الأرض؛ والأهم: قوةٌ منهكة من كوارث متتالية إلى حد أن المجتمع لم يعد يحتمل جسدياً ومادياً ومعنوياً كارثةً إضافية. وفوق ذلك، هي سلطة ميليشياوية تتراكم حولها أفعال لا تُحصى: من العنف الإجرامي إلى تعطيل العدالة… إلى شبكات مافيوية لا تنتهي. لكن الأخطر أن الحزب يحبس الطائفة الشيعية نفسها داخل قفص هوية عنيف: يحوّلها إلى كتلة “مفترضة” متجانسة، جاهزة للتضحية بلا شرط لقضية لا تحظى، في واقع تنوعها، بإجماع. شيعة لبنان ذاقوا الاضطهاد والتهميش منذ العهد العثماني. نعم، احتاج الأمر إلى موسى الصدر، ثم إلى الثورة الإسلامية في إيران، لتتغير الشروط. نعم، بعد غياب الصدر، أعاد الحزب شعوراً بالفخر والاعتبار. لكنّه أيضاً أخضع الطائفة لقانون القوة العارية. “بسَّجها”. “طهّرها” عبر تصفية نخب فكرية لم تشاركه عقيدته ولا اصطفافه العسكري والجيوسياسي مع إيران. ومدّ سلطته بالسلاح على المجتمع الشيعي كله حتى رهنه. وبطريقة ملتوية وخبيثة، شحنها بوهم مجدٍ زائف، وعيّنها في وظيفة “مقاومة” لا تنتهي، بينما كان يبني شبكة مصالح اجتماعية وسياسية ومافيوية موصولة بطهران. تحت ستار المقاومة، نزع عنها لبنانيّتها… لصالح المركز الإيراني. في كل عشرين سنه يأتي إلينا نرجسيٌ عاشقٌ لذاته ليدعي بأنه المهدي ، والمنقذ ، والواحد ، والخالد ، والحكيم ، والعليم ، والقديس ، والإمام ... ما يكشفه خطاب نعيم قاسم، قبل أي شيء، هو قلب المنظومة: تقديس الأمر، بحيث يصبح الاعتراض غير مشروع، والاختلاف شبهة، والنقد خيانة. في هذا العالم الذهني المِلّيناري الشمولي، القائد ليس مسؤولاً سياسياً يختبره الواقع. إنه كائنٌ مُكلَّف برسالة “متعالية”. وبديهي أن هذا البناء يتعارض مع فكرة الدولة: الدولة تعني المحدودية، والمسؤولية، وإمكان الفشل، وإمكان المحاسبة. هنا تتوارى هشاشة الحزب الراهنة، التي تحاول اللغة القتالية تغطيتها يأساً. خلف قناع الصلابة يقيم رعب الخسارة. الحزب يدخل طور ضعفٍ لم يعرفه بهذا العمق. سقطت الرموز التوتمية. المحور يتشقق. الفضاء الإمبراطوري الذي منح القوة معنى وعمقاً ينكمش. ومعه تتزعزع هوية الحزب. ما حزب الله بلا “موعظته” عن المقاومة؟ ماذا يبقى بلا سلاحه؟ والأهم: ما مصيره إن تهاوى مجلس قيادته في طهران، والحرس الثوري، ومرجعه الأعلى، ولاية الفقيه؟ المسألة مسألة وجود… بل مسألة جوهر. وأمام هذا التآكل، يأتي رد الفعل قديماً، آلياً: حزب الله لا يعرف كيف يخسر. لا يستطيع تخيّل نفسه في الهزيمة، لأن قبول الهزيمة يعني التنازل عن وضعه الاستثنائي، وعن احتكاره الرمزي، وعن روايته المؤسسة. لذلك ينقل ساحة الصراع. يوسع المسرح. يحوّل أزمة محلية إلى قضية كونية. يحاول بالكلام أن يستعيد مركزاً يسحبه الواقع منه. إنه ينفجر في تضحيةٍ استعراضية، كطائفة ترفض مواجهة مرارة الحقيقة بعد هذيان مسياني بالتفوّق والعصمة. بعد كل شيء، أليس الملائكة والأنبياء والحسين نفسه “يقاتلون معه”؟ قبول الهزيمة يعني الاعتراف بفشل العقيدة. وانهيار العقيدة، بالنسبة لحزب ثيوقراطي، هو انهيار نفسي: تفسّخ، وفقدان تماس مع الواقع، وانفصال كامل عنه. هدف نعيم قاسم ومن حوله ليس فقط “الدفاع عن طهران” ضد “الشيطان الأكبر” وذراعه الإسرائيلي وأسطوله. الهدف أعمق: أن ينجوا من العبث، من الفراغ… ولو كان طريق النجاة، paradoxically، هو الموت. في هذا الإطار، لبنان لا يعود موجوداً. لا يدخل في الحسابات ولا في الخيال السياسي لطائفةٍ غرق شيوخها وأتباعها في اللاعقل. نعيم قاسم، في النهاية، ليس إلا نسخة أخرى من جيم جونز أو ديفيد كوريش. وإذا حُوصِر، فلن يتردد في القفز إلى الهاوية، آخذاً معه الطائفة الشيعية ولبنان كله رهينةً إن لزم الأمر. وليس لأنه “وفيّ” لسادته في طهران بقدر ما هو لأنه يريد أن يثبت… أنه كان على حق. كل عشرين عاماً، يكتب نزار قباني. بل أقل… للأسف. لكن زمن لبنان لم يعد زمن الدورات التضحية. نحن أمام خيارٍ لا مهرب منه: إما أن يعود لبنان بلداً، بكل ما يعنيه ذلك من حدود ومسؤوليات وتنازلات، وبحياد عن المحاور الإقليمية… أو أن يختفي نهائياً كفاعل سياسي، مذاباً في تشنجات إمبراطورية تتداعى. وهذه المرة، لا مرسوم ولا شعار ولا ثرثرة ستؤجل الاستحقاق. وهذه المرة، لا بد أن يقف أحد في وجه قاسم وأمثاله، أيّاً كانوا: لا بمنطقهم، العنف والجنون، بل بمنطق دولة القانون، وبحوارٍ صلب وحاسم، إذا كان لا يزال داخل الحزب من يمكن أن يسمع صوت العقل ويريد تجنّب الكارثة الجماعية. وهذا “الأحد” لا يمكن أن يكون الولايات المتحدة، ولا إسرائيل بطبيعة الحال. والمفارقة القاتلة أن مواجهة جديدة مع الدولة العبرية لن تفعل سوى تعزيز نفوذها وربما تثبيت احتلالها في لبنان. لذا، الأفضل ألا نوقظ الوحش… خصوصاً أنه يترصّد من يمنحه المنجل. مبدئياً، هذا دور الدولة اللبنانية: ردع الحزب الموالي لإيران. وإن كانت لا تزال هناك إرادة شعبية وسياسية لبنانية تريد مصلحة لبنان لذاته، فقد آن لها أن تقول كلمتها بلا مواربة، وبسيادة كاملة، وبكل الوسائل الديمقراطية: ضد الحرب، بصوتٍ عالٍ وواضح، كي تثبت أنها ما زالت تريد الحياة… بعيداً عن عودٍ أبدي لجنون العنف وكل شياطينه.

هل يفقد بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي استقلاليته؟

على مدى أكثر من سبعة عقود، شكّل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أحد الأعمدة الأساسية للهياكل الاقتصادية في الولايات المتحدة. وبصفته حارس العملة الاحتياطية العالمية، فهو المؤسسة التي يعتمد عليها السوق للحفاظ على الاستقرار المالي والمصداقية النقدية للبلاد. لقد لعب دور المقرض الأخير، مع مواصلة مهمة مزدوجة: احتواء التضخم من جهة، ودعم النمو الاقتصادي من جهة أخرى. وعلى مدى معظم هذه الفترة، تم تفويض السياسة النقدية الأمريكية لمسؤولين مستقلين، محميين رسميًا من الضغوط السياسية للسلطتين التنفيذية والتشريعية . إلا أن هذا الاستقلال لم يكن يومًا مضمونًا دستوريًا. فقد ارتكز على توازن مؤسسي دقيق، اعتبره السوق تدريجيًا أمرًا مفروغًا منه . هذا التوازن يُختبر اليوم. لماذا تمثل استقلالية البنك المركزي أهمية تفوق أسعار الفائدة عادةً ما يركز السوق على ما تفعله البنوك المركزية – رفع أو خفض أسعار الفائدة – بدلاً من التركيز على الأسباب التي تجعل سياساتها موثوقة. غير أن السياسة النقدية لا تحقق أهدافها إلا إذا كانت تحظى بالمصداقية. تُمكّن هذه المصداقية البنك المركزي من توجيه توقعات الأسواق على المدى الطويل عبر إجراءات قصيرة المدى. وهي تستند إلى مبدأ بسيط وأساسي:يجب أن يكون للبنك المركزي القدرة على اتخاذ القرارات بعيدًا عن المصالح السياسية الآنية. في الولايات المتحدة، هذا المبدأ محمي منذ اتفاق الخزانة–الاحتياطي الفيدرالي عام 1951، ويعزز بقوانين تنص على أنّه لا يجوز عزل حكّام بنك الاحتياطي الفيدرالي إلا "لسبب وجيه". في الممارسة العملية، فرض البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نفسه كقلعة تكنوقراطية، ليس لأنه لا يُقهر، بل لأن تحديه كان يكلف كثيرًا على الصعيدين السياسي والقانوني. هذه الميزة جوهرية، فالسوق لا يكتفي بتقييم القرارات النقدية فحسب، بل يقيم أيضًا مصداقية المؤسسة التي تتخذها. واليوم، هذه المصداقية تواجه تهديدًا مباشرًا. السيطرة السياسية على الاحتياطي الفيدرالي أولوية رئاسية منذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، لم يخف دونالد ترامب رغبته في أن يتبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي سياسة أكثر مرونة: خفض أسعار الفائدة لتخفيف أعباء الاقتصاد المثقل بالديون، واعتماد سياسة نقدية تتماشى أكثر مع أولويات السلطة التنفيذية. كانت التوترات مع جيروم باول (رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي) متوقعة وشديدة. وحتى فترة قريبة، كان السوق يراها مجرد "حركات سياسية". لكن كانون الثاني 2026 غيّر المعادلة بالكامل. فتحت وزارة العدل تحقيقًا جنائيًا بحق جيروم باول، بينما وافقت المحكمة العليا الأميركية على النظر في قضية قد تعيد تعريف، أو حتى إلغاء، الحصانات القانونية التي تحمي حكّام بنك الاحتياطي الفيدرالي من العزل الرئاسي. هذا التحقيق بحق باول مرتبط رسميًا بأعمال تجديد مبنى، لكنه يُفسر على نطاق واسع كخطوة سياسية يمثل تصعيدًا غير مسبوق. فلم يسبق أن تعرض رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي القائم للمساءلة الجنائية على خلفية قراراته النقدية. الرسالة واضحة: السياسة النقدية الصارمة قد تؤدي الآن إلى عواقب قانونية شخصية. ولم يعد الأمر مجرد ضغط على فرد واحد، بل تحذير لجميع رؤساء وحكام البنك الاحتياطي الفيدرالي الحاليين والمستقبليين . بالتوازي، في قضية ترامب ضد كوك، ستعيد المحكمة العليا النظر في مبدأ استقلالية بنك الاحتياطي الفيدرالي. فقرار يسمح بالعزل التقديري للحكام سيغير جذريًا كيفية عمل البنك، ليس لأسباب أيديولوجية، بل بسبب الحوافز المؤسسية. فالمصرفي المركزي الذي يدرك أن الاختلاف السياسي قد ينهي مسيرته المهنية سيتصرف بشكل مختلف، ليس ضعفًا، بل وفقًا للمنطق المؤسسي. خطر الخلافة: ترشيح رئيس متساهل يضاف من الآن فصاعدًا خطر ثالث: الخلافة. تنتهي ولاية جيروم باول في منتصف أيار 2026، وأصبح البحث العلني عن خلف له في حد ذاته إشارة للسوق. ففي السياسة النقدية، الأشخاص هم السياسة نفسها. يتكرر ذكر اسم ريك ريدر، مدير الاستثمارات في الديون العالمية لدى بلاك روك، عند الحديث عن توجه أكثر مرونة وملاءمة للسوق. وهو معروف بواقعتيه وفهمه العميق للأسواق وحسه تجاه خفض أسعار الفائدة بشكل سريع ومبكر. وترشيحه لرئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي ليس، بحد ذاته، أمرًا سلبيًا. أدار ريدر نحو 2,400 مليار دولار في استراتيجيات السندات العالمية ومن المحتمل أن يكون الرئيس الأكثر خبرة في الأسواق المالية في تاريخ بنكالاحتياطي الفيدرالي. وتحظى معرفته بآليات الدين وتعقيدات النظام المالي بتقدير واسع. وتنسجم مواقفه في السياسة النقدية إلى حد كبير مع رغبة ترامب في خفض أسعار الفائدة. وتشير تصريحاته السابقة إلى أنه قد يؤيد التيسير المبكر للسياسة النقدية، ويعمل على تفعيل ميزانية الاحتياطي الفيدرالي لتحقيق أهداف محددة، مثل إعادة توجيه إعادة الاستثمارات نحو السندات المدعومة بالقروض العقارية بدلًا من سندات الخزانة، لدعم إمكانية تملك المنازل . لكن هذه الصفات التي قد تطمئن الأسواق تحمل في الوقت ذاته مخاطر. قد يبالغ حاكم حساس لتقلبات السوق في التفاعل مع تقلبات أسعار الأصول ، مما يثير المخاوف من سياسة نقدية مفرطة التفاعل. كما أن استخدام الميزانية بشكل مستهدف للتأثير على قطاعات محددة قد يمحو الحدود بين السياسة النقدية والسياسة المالية. وهذه هي تحديدًا الحدود التي تسعى استقلالية البنك المركزي إلى حمايتها. كما أن المصادقة على الترشيح من قبل مجلس الشيوخ تشكل عقبة كبيرة. فقد يثير الديمقراطيون مخاوف بشأن تضارب المصالح المحتمل مع بلاك روك، وينتقدون نقص خبرة ريدر السابقة في القطاع العام. أسواق هادئة… وربما أكثر من اللازم حتى الآن، بقيت الأسواق المالية هادئة بشكل ملحوظ. تظل تقلبات السندات منخفضة، وتواصل الأسواق المالية، عكس التوقعات الخاصة بتخفيف السياسة النقدية بشكل منظم، بينما يبقى سعر صرف الدولار مستقراً كما لو أن البنية المؤسسية لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لا تزال سليمة. يخفي هذا الهدوء مخاطر حقيقية. لا يزال خطر المصداقية مُقلَّلًا من قيمته إلى حد كبير، وقد لا يصمد أمام اختبار الواقع. لا يقتصر الخطر على مجرد عودة التضخّم، رغم أن ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية يشير بالفعل إلى بوادره الأولى. أما الخطر الأعظم فيكمن في أن الآلية التي تثبّت التوقعات التضخمية، أي الاستقلالية المتصورة للبنك المركزي، بدأت تتزعزع. عندما يحدث ذلك، نادراً ما يكون التعديل تدريجياً. فقد تهبط النهاية القصيرة لمنحنى العائد بفعل وعود التيسير، بينما ترتفع النهاية الطويلة، حيث يطالب المستثمرون بعلاوة أعلى لحيازة أصول مقومة بالدولار في ظل وضع لم تعد فيه السياسة النقدية محمية من التأثير السياسي. قد تتسارع عملية انخفاض قيمة الدولار على المدى الطويل، وهو ما بدأ يظهر بالفعل في ارتفاع أسعار الذهب والفضة. كما أن الانخفاض الأخير لمؤشر الدولار بنسبة 5% خلال أسبوعين فقط قد يكون مجرد إشارة تحذيرية مبكرة. في الوقت نفسه، تتراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل بشكل متزايد حول مستوى حرج يبلغ 4.90%. وأي اختراق حاد صعودًا قد يفتح الطريق لإعادة تقييم سريعة نحو 6%-6.5%، وهو ما قد يسبب اضطرابات قوية في أسواق السندات العالمية، والأسواق المالية، وأسواق الصرف. خاتمة يمكن للبنك الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه المقبل خفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل، وفي الوقت نفسه التسبب في إعادة تقييم للدولار وسوق السندات، إذا رأى المستثمرون أن المؤسسة قد فقدت درعها المؤسسي. الخطر الأكبر الذي تواجهه الأسواق اليوم ليس التضخم بحد ذاته، ولا السياسة النقدية، بل تآكل الآلية التي ثبتت توقعات التضخم على مدى أكثر من خمسة وسبعين عامًا: وهي مصداقية بنك مركزي مستقل. ومتى ما طُعنت هذه المصداقية، يصعب إعادة بنائها.

في حال هجوم أمريكي، موسكو وبكين لن يهرعا لنجدة إيران

على الرغم من أن روسيا والصين من بين الشركاء الاستراتيجيين الرئيسيين لإيران، فإن دعمهما للجمهورية الإسلامية، التي تضعفها الاحتجاجات الداخلية وتتعرض لتهديد دونالد ترامب، سيظل محدوداً في حالة وقوع هجوم أمريكي. وفقًا لعدة خبراء، لا موسكو ولا بكين مستعدتان لمواجهة واشنطن عسكرياً. ومع ذلك، تحتل إيران مكانة لا يستهان بها في الحسابات الجيوسياسية للقوتين. تساهم طهران في المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا من خلال توفير طائرات بدون طيار الشهيرة من طراز «شاهد» التي خدمت قوات موسكو بشكل كبير. كما هرعت إيران لإنقاذ بوتين عن طريق إعادة تصدير صواريخ باليستية من طراز سكود التي كانت قد حصلت عليها الجمهورية الإسلامية سابقاً وأنتجت منها نسخة حديثة. إيران هي أيضًا لاعب رئيسي في صادرات النفط إلى الصين وعضو في مجموعة البريكس. تخضع طهران لحظر دولي صارم بسبب برنامجها النووي، وتتمكن من تجاوز العقوبات عن طريق بيع جزء من نفطها الخام إلى السوق الصينية. وبهذه الطريقة، يؤمن نظام الملالي إيرادات قيمة من العملات الأجنبية للحفاظ على اقتصاد منهك. لكن هذا التعاون لا يشكل تحالفًا استراتيجيًا ملزمًا. «على الرغم من جهود طهران لعقود، إلا أنها لم تتمكن من إقامة تحالف مع بكين وموسكو»، تؤكد إيلي جيرانمايه، الخبيرة في الشأن الإيراني بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR). وتذكر أنه خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو، «لم ترغب الصين وروسيا في معارضة الولايات المتحدة بشكل مباشر». في حال التدخل الأمريكي، «سيعطي البلدان الأولوية لعلاقتهما الثنائية مع واشنطن»، حسب تقديرها. «الصين في عملية تقارب حساسة للغاية مع واشنطن، والروس يريدون بوضوح أن يكون ترامب معهم بشأن أوكرانيا: لكل منهما أولويات أهم بكثير من إيران». من الجانب الروسي، لا تتضمن الشراكة مع طهران التزامًا عسكريًا مباشرًا. يوضح المحلل سيرغي ماركوف أن «روسيا وإيران حليفتان، لكن الاتفاقيات تتعلق بالدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، دون جانب للدعم العسكري». بالنسبة له، «الأزمة الأوكرانية وجودية بالنسبة لموسكو وأكثر أهمية بكثير من الأزمة الإيرانية». يؤكد ألكسندر غابويف، الباحث في صندوق كارنيغي للسلام الدولي، أنه إذا كانت «إيران مهمة» لموسكو، وأن روسيا ستفعل «ما بوسعها للحفاظ على النظام واقفاً»، فإن هامش مناورتها يظل محدودًا جدًا. ويلاحظ أن «روسيا لا يمكنها أن تصبح سوقًا عملاقًا لإيران (التي تعاني من أزمة اقتصادية كاملة) ولا يمكنها تقديم قرض ضخم»، مضيفًا أن المساعدة العسكرية ستظل مشروطة بالاحتياجات الروسية في أوكرانيا. نفس الملاحظة لدى نيكيتا سماجين، المتخصص في العلاقات الروسية الإيرانية: في حالة الضربات الأمريكية، «لا يمكن لموسكو أن تفعل شيئًا تقريبًا». ويوضح لوكالة فرانس برس أن «هم لا يريدون المخاطرة بمواجهة عسكرية مع قوة عظمى»، مشيرًا على الأكثر إلى إمكانية «إرسال الأسلحة». ويوضح أن هذا التحفظ لا يرتبط فقط بالمحادثات حول أوكرانيا، حتى لو كان «استخدام إيران كأداة للمساومة أمرًا طبيعيًا تمامًا بالنسبة لروسيا، وقد فعلت ذلك في الماضي». بالنسبة لبكين، التي تشكل علاقاتها مع واشنطن التوازن العالمي، فإن الدعم لإيران سيظل غير مباشر بشكل أساسي. المساعدة ممكنة «على الصعيد الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري والسياسي» في مواجهة الضغوط غير المسلحة، مثل العقوبات التجارية أو الهجمات السيبرانية، يوضح هوا بو، المحلل الصيني المستقل. في المقابل، في حالة الضربات، «ستدين الولايات المتحدة دبلوماسيًا» وستعزز روابطها الاقتصادية والعسكرية مع طهران «للمساهمة في إغراق الولايات المتحدة في حرب بالشرق الأوسط». في الوقت الحالي، تتوخى بكين الحذر. يلاحظ ثيو نينسيني، المتخصص في العلاقة بين إيران والصين في معهد العلوم السياسية في غرونوبل، أن «الصينيين يتوخون الحذر كالعادة ويعبرون عن أنفسهم بضبط نفس»، مذكراً بـ «قضيتين رئيسيتين للصين: النفط واستقرار المنطقة». «الصين تستفيد من وضع إيران الضعيف، مما يسمح لها بضمان النفط بتكلفة منخفضة، يمثل 10% إلى 13% من إمداداتها، وامتلاك شريك جيوسياسي بحجم كبير بسعر غير مكلف للغاية»، يحلل. على غرار هوا بو، لا يتوقع رد فعل تصعيدي في حالة الضربات الأمريكية: «سيدينون دبلوماسيًا، ولكن من المحتمل ألا يتخذوا إجراءات انتقامية. لم يفعلوا ذلك في العديد من النقاط في الماضي، أرى صعوبة في أن يدخلوا في صراع مع الأمريكيين بسبب إيران». أخيرًا، «سيكون للأزمة الإيرانية الحالية تأثير محدود جدًا على العلاقات الصينية الأمريكية»، يختتم هوا بو، معتبرًا أن «القضية الإيرانية ليست في صميم العلاقات بين البلدين. لن يقطع أي منهما علاقاته مع الآخر بسبب إيران».

عودة مزيفة للمالكي في العراق: السوداني يبحث عن كبش فداء

لم تكن لعبة محمد شياع السوداني في العراق مجرد مناورة سياسية ذكية أو سوء تقدير مرحلي، بل مؤامرة سياسية مُحكَمة، قادها من داخل منظومة فاسدة، لإعادة إنتاج السلطة عبر صناعة الفشل ثم الاستثمار فيه. فالسوداني لا يقف خارج النظام الذي دمّر الدولة، ولا فوقه، بل في قلبه تماماً، مستفيداً من آلياته، ومُتقناً أساليبه. وما يميّزه عن غيره ليس النزاهة، بل القدرة على إدارة الفساد بهدوء، ومن دون ضجيج. إعادة نوري المالكي إلى واجهة رئاسة الوزراء لم تكن صدفة ولا تسوية اضطرارية. كانت خطوة محسوبة بدقة. المالكي، بما يحمله من إرث ثقيل، وملفات مفتوحة، ورفض شعبي واسع، كان المرشّح المثالي لتحميله عبء الانهيار القادم. لم يُستدعَ ليُنجح، بل ليُحرق. ولم يُعاد ليقود، بل ليكون كبش محرقة، يُلقى عليه وزر الفشل، تمهيداً للانقضاض عليه وعلى الإطار التنسيقي بأكمله. لكن ما يُراد تجاهله عمداً هو أن من أدار هذه اللعبة، وسمح بتفاقمها، واستثمر نتائجها، ليس مراقباً نزيهاً ولا خصماً للفساد، بل شريكاً كاملاً فيه. السوداني يعرف المنظومة التي خرج منها معرفة الداخل: يعرف مسارات المال، وشبكات النفوذ، وتقاطعات المصالح، وكيف يُدار الفساد من دون أن يتحوّل إلى فضيحة. لذلك، لم يكن الفساد في عهده خللاً طارئاً، بل سياسة مُدارة: فساد أقل صخباً، لكنه أعمق، وأكثر انتشاراً، وأكثر قابلية للاستمرار. ترك المالكي ومحيطه يغرقون في الصفقات والفضائح، لا لأنه يرفض الفساد، بل لأنه أراد استخدامه كسلاح سياسي. سمح للإطار التنسيقي أن يتآكل من الداخل، لا بدافع الإصلاح، بل تمهيداً لتجريده من أي شرعية شعبية، وتحويله إلى عبء سياسي. في هذه المعادلة، لم يكن المالكي وحده الهدف، بل الإطار بأكمله، تمهيداً لإعادة تقديم السوداني بوصفه “الخيار الأقل سوءاً”. وهنا تكمن الخديعة الكبرى: تصوير المشهد وكأنه صراع بين فاسدين ومنقذ، بينما الحقيقة أنه صراع داخل نادي الفساد نفسه، بين من يفسدون بصخب، ومن يفسدون بصمت. السوداني لا يمثل قطيعة مع المالكي، بل تطوراً أكثر برودة في الأسلوب، وأكثر خطورة في النتائج. لا يحارب الفساد لأنه جزء منه، بل لأنه يدرك أن الفساد أداة حكم، فيُعيد توزيعه بدلاً من تفكيكه. لم يفتح السوداني ملف فساد حقيقي يمس جوهر السلطة. لم يقترب من اقتصاد الظل، ولا من شبكات العقود الكبرى، ولا من منظومة المحاصصة التي تُغذّي الانهيار. كل ما فعله هو إدارة التوقيت: من يُحرق الآن، ومن يُترك لاحقاً، ومن يُضحّى به عند الحاجة. خطاب إصلاحي للاستهلاك، من دون فعل إصلاحي حقيقي. في هذا السياق، يصبح الانهيار نفسه أداة سياسية. فكلما ازداد الخراب، ازدادت الحاجة إلى “المنقذ”. وكلما احترق الآخرون، بدا السوداني أكثر قبولاً. إنها لعبة قذرة تُدار على أنقاض الدولة، حيث يُصنع الفشل بوعي، ويُسوّق الحل من داخل المشكلة نفسها. السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: من سيسقط؟ المالكي أم الإطار؟ بل: هل سيقبل العراقيون مرة أخرى بلعبة “المنقذ” المصنّع من داخل الفساد، أم سيطالبون ببديل خرج فعلاً من خارجه؟ الجواب على هذا السؤال هو ما سيحدّد إن كان العراق سيبقى رهينة تدوير الانهيار، أم يملك أخيراً فرصة لكسره.

إيران: في مواجهة إرهاب الدولة، كفى تهاونًا

وهكذا، بعد الأداء العسكري «المبهر» (!) في «حرب الإسناد» لحماس وغزة، ها هو الشيخ نعيم قاسم يعدنا بـ«حرب إسناد» جديدة، ولكن هذه المرة بهدف إنقاذ فاعل إقليمي أبعد من ذلك: آية الله خامنئي والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهكذا قرر رئيس حزب الله، أو بالأحرى أعلن (بما أنه ليس هو من يقرر في هذا الشأن…), أن اللبنانيين يجب عليهم إظهار تضحية عمياء، بلا أي حدود، وصولاً إلى التضحية القصوى، من أجل «الدفاع» (?) عن قوة أجنبية… لكل من كانت لديهم شكوك في هذا الصدد، أو الذين رفضوا الاعتراف بالحقيقة، أكد الشيخ نعيم قاسم بوضوح ما كان بديهياً – للمراقبين المطلعين – وهو: أن حزب الله ليس حزباً لبنانياً. أعضاؤه لبنانيون بالتأكيد، لكن قراره السياسي، خط سيره، مشروعه السياسي، كلها ذات طابع عابر للحدود ولا تأخذ في الحسبان مطلقاً الحقائق المحلية والمصالح العليا لبلاد الأرز. في الواقع، منذ تشكيله في منتصف الثمانينات، أوضح الحزب في ميثاقه السياسي أن جميع القرارات ذات الطابع الاستراتيجي، بما في ذلك قرار الحرب والسلام، تكون فيه الولاء للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية، بصفته ممثلاً إلهياً، مباشراً، للإمام الشيعي الثاني عشر الغائب، الإمام المهدي. وهكذا يكرس حزب الله للمرشد الإيراني، الولي الفقيه، «طاعة دينية» كاملة لا تبالي كثيراً بظروف هذا العالم، سواء كانت وطنية، حكومية، أو اجتماعية-اقتصادية. في ظل هذه العقيدة التي تمنح الولي الفقيه سلطة مطلقة تُمارس باسم الإمام الغائب، فإن وجود جمهورية إسلامية بناءً على هذه الأسس التي حددها آية الله الخميني عام 1979، وكذلك استمرارية «مقاومة مسلحة – في خدمة هذا المشروع – يصبحان واجباً دينياً عميقاً، وأكثر دوغماتية لأنه يهدف، كعامل محفز، إلى تمهيد الطريق لعودة الإمام الغائب. من أجل التمسك، مهما كانت الظروف، بالطابع المقدس لهذا البناء العقائدي، تصبح السلوكيات الأكثر غير عقلانية مسموحة، على سبيل المثال: القمع، حتى في الدم، وعلى نطاق واسع، لأي معارضة، تُقدم على أنها «مساس بالله» (مما يوفر ذريعة الأحكام السريعة التي تصدرها المحاكم الإسلامية الإيرانية ضد المتظاهرين)؛ العرقلة المنهجية لأي محاولة لبناء دولة مركزية قوية وذات سيادة، كما يوضح ذلك بشكل خاص الحالة العراقية وكذلك الموقف الحالي لحزب الله الذي يرفض تسليم ترسانته العسكرية للجيش؛ زعزعة الاستقرار بالقوة العسكرية لبلدان المشرق العربي من خلال تصدير الثورة الإسلامية، الذي بدأ عام 1979 على يد الحرس الثوري. بهدف خلق الظروف المواتية بشكل تدريجي ودقيق لتحقيق هذا المشروع الخميني العابر للحدود، يعتمد نظام الملالي على عامل «الوقت»… فإلغاء النظام القائم لا يمكن أن يتم إلا ببطء وتدرج، مع إثارة العراقيل وتمديد الأذرع إلى مختلف مستويات السلطة والقطاعات الاقتصادية. عندما لا تكون ظروف اللحظة أو توازن القوى مواتية لهذا المشروع الثيوقراطي، تكون الاستراتيجية المتبعة واضحة: إعطاء الانطباع بالرغبة في «الحوار» و«التفاوض» على اتفاق مع الطرف الآخر. لكن هذا ليس سوى تصور مضلل، والهدف الحقيقي هو كسب الوقت، والمماطلة، في انتظار أن تتغير الظروف غير المواتية أو تتطور. وهذا يفسر مفهوم «الصبر الاستراتيجي» الذي يدعو إليه خامنئي، والذي ليس سوى نسخة دبلوماسية من التقية، والتي تتمثل في إخفاء النوايا الحقيقية بانتظار أيام أفضل. لسوء الحظ، ينخدع بعض كبار المسؤولين، اللبنانيين والغربيين، بهذه اللعبة بسذاجة. فالمفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني مستمرة منذ أكثر من عشرين عاماً! وقد أظهرت السلطات في طهران طوال هذه الفترة أنها تسعى إلى اتفاق بشأن هذا الملف، لكن في الوقت نفسه، استمر تخصيب اليورانيوم بشكل متواصل، بعيداً عن الأضواء. وعلى أساس هذا النهج الخبيث نفسه، لا يفتأ حزب الله يؤكد استعداده لـ«مناقشة» نزع سلاحه. إلا أن هذه «المناقشة» مستمرة، بشكل متقطع، منذ عام 2006… عندما نظم رئيس مجلس النواب نبيه بري مؤتمراً حوارياً ناقش القضية طويلاً! فهل يتذكر اللبنانيون، في هذا الصدد، عدد المرات التي كانت فيها «سياسة الدفاع» المزعومة، منذ الطائف، محور النقاشات و«المحادثات» في أعلى مستويات السلطة؟ تُظهر التغيرات الدراماتيكية التي شهدتها الأشهر الأخيرة، سواء في غزة أو في لبنان، ومؤخراً في إيران – مع حمام الدم الحقيقي الذي راح ضحيته السكان المدنيون – الحاجة الماسة إلى وضع حد أخيراً للسذاجة، أو ربما للنفاق السياسي، الذي يبديه بعض القادة في ظل المناورات الخبيثة والقاتلة للإيديولوجيين الذين يتمسكون بأساليب قروسطية، وغير إنسانية بالدرجة الأولى، في ممارسة السلطة. إن الضعف والتساهل والسلوك الجبان في مواجهة الابتزاز الميليشياوي وحملات التخويف ذات الطابع المافيوي، لا يمكن أن يؤديا في نهاية المطاف إلا إلى نقل إرهاب الدولة إلى المجتمعات الغربية، كما تُظهر التهديدات المباشرة التي أطلقتها وزارة الخارجية الإيرانية يوم الثلاثاء الماضي ضد دول الاتحاد الأوروبي، «مطالَبة» دون خجل بعدم إدراج الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية.