شعار Levant Time
العودة إلى المقال
سياسة

عودة مزيفة للمالكي في العراق: السوداني يبحث عن كبش فداء

صورة للأخبار
ملصق يظهر صورة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي (إلى اليمين) وصورة محمد شياع السوداني خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في بغداد، في ديسمبر 2019. (مرتضى السوداني/وكالة الأناضول عبر وكالة فرانس برس)
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي
نُشر يناير 29, 2026 - 00:17

لم تكن لعبة محمد شياع السوداني في العراق مجرد مناورة سياسية ذكية أو سوء تقدير مرحلي، بل مؤامرة سياسية مُحكَمة، قادها  من داخل منظومة فاسدة، لإعادة إنتاج السلطة عبر صناعة الفشل ثم الاستثمار فيه. فالسوداني لا يقف خارج النظام الذي دمّر الدولة، ولا فوقه، بل في قلبه تماماً، مستفيداً من آلياته، ومُتقناً أساليبه. وما يميّزه عن غيره ليس النزاهة، بل القدرة على إدارة الفساد بهدوء، ومن دون ضجيج.

إعادة نوري المالكي إلى واجهة رئاسة الوزراء لم تكن صدفة ولا تسوية اضطرارية. كانت خطوة محسوبة بدقة. المالكي، بما يحمله من إرث ثقيل، وملفات مفتوحة، ورفض شعبي واسع، كان المرشّح المثالي لتحميله عبء الانهيار القادم. لم يُستدعَ ليُنجح، بل ليُحرق. ولم يُعاد ليقود، بل ليكون كبش محرقة، يُلقى عليه وزر الفشل، تمهيداً للانقضاض عليه وعلى الإطار التنسيقي بأكمله.

لكن ما يُراد تجاهله عمداً هو أن من أدار هذه اللعبة، وسمح بتفاقمها، واستثمر نتائجها، ليس مراقباً نزيهاً ولا خصماً للفساد، بل شريكاً كاملاً فيه. السوداني يعرف المنظومة التي خرج منها معرفة الداخل: يعرف مسارات المال، وشبكات النفوذ، وتقاطعات المصالح، وكيف يُدار الفساد من دون أن يتحوّل إلى فضيحة. لذلك، لم يكن الفساد في عهده خللاً طارئاً، بل سياسة مُدارة: فساد أقل صخباً، لكنه أعمق، وأكثر انتشاراً، وأكثر قابلية للاستمرار.

ترك المالكي ومحيطه يغرقون في الصفقات والفضائح، لا لأنه يرفض الفساد، بل لأنه أراد استخدامه كسلاح سياسي. سمح للإطار التنسيقي أن يتآكل من الداخل، لا بدافع الإصلاح، بل تمهيداً لتجريده من أي شرعية شعبية، وتحويله إلى عبء سياسي. في هذه المعادلة، لم يكن المالكي وحده الهدف، بل الإطار بأكمله، تمهيداً لإعادة تقديم السوداني بوصفه “الخيار الأقل سوءاً”.

وهنا تكمن الخديعة الكبرى: تصوير المشهد وكأنه صراع بين فاسدين ومنقذ، بينما الحقيقة أنه صراع داخل نادي الفساد نفسه، بين من يفسدون بصخب، ومن يفسدون بصمت. السوداني لا يمثل قطيعة مع المالكي، بل تطوراً أكثر برودة في الأسلوب، وأكثر خطورة في النتائج. لا يحارب الفساد لأنه جزء منه، بل لأنه يدرك أن الفساد أداة حكم، فيُعيد توزيعه بدلاً من تفكيكه.

لم يفتح السوداني ملف فساد حقيقي يمس جوهر السلطة. لم يقترب من اقتصاد الظل، ولا من شبكات العقود الكبرى، ولا من منظومة المحاصصة التي تُغذّي الانهيار. كل ما فعله هو إدارة التوقيت: من يُحرق الآن، ومن يُترك لاحقاً، ومن يُضحّى به عند الحاجة. خطاب إصلاحي للاستهلاك، من دون فعل إصلاحي حقيقي.

في هذا السياق، يصبح الانهيار نفسه أداة سياسية. فكلما ازداد الخراب، ازدادت الحاجة إلى “المنقذ”. وكلما احترق الآخرون، بدا السوداني أكثر قبولاً. إنها لعبة قذرة تُدار على أنقاض الدولة، حيث يُصنع الفشل بوعي، ويُسوّق الحل من داخل المشكلة نفسها.

السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: من سيسقط؟ المالكي أم الإطار؟ بل: هل سيقبل العراقيون مرة أخرى بلعبة “المنقذ” المصنّع من داخل الفساد، أم سيطالبون ببديل خرج فعلاً من خارجه؟

الجواب على هذا السؤال هو ما سيحدّد إن كان العراق سيبقى رهينة تدوير الانهيار، أم يملك أخيراً فرصة لكسره.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل